البكاء عند الدعاء

المقدمة يعتقد البعض أنّ للإنسان حالات تعرض له بشكل اعتيادي وغريزي مناسبة لما يشعر به في الخارج، فضحكه أو ابتسامته تدل على شعوره بالفرح والسعادة وبكاءه دال على حزنه وآلمه، ليس إلا.

وهذا الفهم البسيط ليس على تمامه، باعتبار أنّ البكاء -وهـو محـل الكـلام- حـركة تعـبر عـن حالة اهتزاز لكيان الإنسان وانفجار لمشاعره، فلها الأثر البالغ على تحريك عجلة التغيير لدى الإنسان، وليس كما عبّر بعضهم أنّ البكاء إشارة إلى ضعف شخصية الباكي! فدموع الباكي ليست مجرد سوائل مالحة تجري على وجنتيه، بل لجريان هذه الدموع في كثير من الأحيان تبني لأفكار أو تبرأ من أعمال، بل لصرخات الباكي أبعاد سياسية غير محدودة، وقد تجلّت هذه الأبعاد في واقعة كربلاء بأبرز صورها.

كيف لو كان هذا البكاء في دائرة العلاقة مع الله! كيف لو كان خوفا من الله !؟ كيف لو كان البكاء في حال مناجاة الله وتوبة له؟! بل وما أدراك ما معنى بكاء المحب والعاشق الذي ذاق حلاوة محبّة الله! حينها سيكون للبكاء أسمى المعاني وأقدسها، وقد أطلق عليه العلامة الفيض الكاشاني في موسوعته الأخلاقية بأنّه سيّد آداب الدعاء وذروة سنامها.

 ولن يحمل البكاء في طياته معنى تفريغ للشحنات النفسية السلبية من أجل توفير راحة الإنسان كما صرح بعضهم! بل سيكون الإنسان المؤمن في أحسن حال وأسعده حينما يعرف معنى لقاء الله، سيعرف معنى حاجة الروح لهذا اللقاء، فهناك حاجة روحية في الإنسان لا يصح التعبير عنها بالشحنات السلبية بل بالفراغ الروحي، وملئ هذا الفراغ خير معين عليه إنّما هو البكاء من خشية الله.

 ونحن نعيش في أجواء أشهر العبادة المباركة، دعونا نقف معاً في محطّة البكائيين في أدعيتهم ومناجاتهم مع الله، ونستلهم مما ورد عن سادتنا النّجباء الأطهار (عليهم السلام) في البكاء وأثره، كما نتوقف في إشارات متفرقة من الأدعية الواردة عنهم صلوات الله عليهم وبيان موقعية البكاء في الدعاء.

 مفاهيم البحث البكاء: في اللغة: [بكى] البكاء يمد ويقصر، فإذا مددت أردت الصوت الذي يكون مع البكاء، وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها.

 قال الشاعر: بكتْ عيني وحقَّ لها بُكاها                         وما يغنى البكاء ولا العويل  

وبكيته وبكيت عليه بمعنى.

قال الأصمعي: “بكيت الرجل وبكيته بالتشديد، كلاهما إذا بكيت عليه.

 وأبو زيد مثله. وأبكيته، إذا صنعت به ما يبكيه. وباكيته فبكيته، إذا كنت أبكى منه. وتباكى: تكلّف البكاء. والبكى: الكثير البكاء”(1).

 وفي الاصطلاح: هو سيلان الدمع عن حزن وعويل، ويقال إذا كان الصوت أغلب. لشدة الأنفعال والتأثّر من أمر معين ويتهيج جلد ووجه الباكي ويقطب حاجبيه ويصدر صوتاً خاصاً من فرط فيض المشاعر وقد يكون التأثر حزناً أو خشوعاً ألماً(2).

الدعاء: لغةً: [دعا] الدعوة إلى الطعام بالفتح. يقال: كنّا في دعوة فلان ومدعاة فلان، وهو في الأصل مصدر، يريدون الدعاء إلى الطعام. والدعوة بالكسر في النسب، يقال: فلان دعي بين الدعوة والدعوى في النسب. هذا أكثر كلام العرب. والدعي أيضاً: من تبنيته.

 قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ}(3). وادّعيت على فلان كذا. والاسم الدعوى. والادعاء في الحرب: الاعتزاء، وهو أن يقول: أنا فلان بن فلان. وتداعت الحيطان للخراب، أي تهادمت. ودعوت فلاناً، أي صحت به واستدعيته، ودعوت الله له وعليه دعاء.

والدعوة المرة الواحدة. والدعاء: واحد الأدعية، وأصله دعاو، لأنّه من دعوت إلا أنّ الواو قلبت لما جاءت بعد الألف همزةً. وتقول للمرأة: أنت تدعين، وفيه لغة ثانية: أنت تدعوين، وفيه لغة ثالثة أنت تدعين بإشمام العين الضمة، للجماعة: أنتن تدعون.

 قال الأخفش: “سمعت من العرب من يقول: لو دعونا لا ندعينا، أي لأجبنا.

“(4) اصطلاحاً: هو طلب الأدنى للفعل من الأعلى على جهة الخضوع والاستكانة(5).

 ويقول العلامة المجلسي (رحمه الله): “الأدعية المأثورة على نوعين:

 1-الأوراد والأذكار المقررة في كل يوم وليلة المشتملة على تجديد العقائد وطلب المقاصد والأرزاق.

 2-المناجاة وهي الأدعية المشتملة على صنوف الكلام في التوبة والاستغاثة والاعتذار وإظهار الحب والتذلل والانكسار وظنّي أنّه لا ينبغي أن تقرأ إلا مع البكاء والتضرع والخشوع التام”(6).

 البكاء في منظور أهل البيت (عليهم السلام): إنّ من يتصفح المجاميع الحديثية يتعجب مما نقل في فضل البكاء من خشية الله، فالكثير من الرويات وردت في بيان ذلك، وقد أُقتصِرَ في هذا البحث المتواضع على بحار الأنوار كمصدر، ووفقنا الله لفهرسة الأحاديث حسب العنوان المناسب لموضوعها، حيث تدور الأحاديث في خمسة عناوين أساسية، وهي في الحقيقة نحتاج في الوقوف عليها بشكل متأنٍ إلى تأمل ودراسة دقيقتين لنتوصل ونعرف معنى تلك الدمعة والبكاء المقصود في كلمات المعصومين (عليهم السلام): طائفة في فضل وثواب البكاء:

 1- جاء في أمالي الصدوق عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) «ألا ومن ذرفت عيناه من خشية الله كان له بكل قطرة قطرت من دموعه قصر في الجنّة مكللاً بالدّر والجوهر فيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر».

 2- عنه (صلَّى الله عليه وآله) أنّه قال: «ثلاث منجيات؛ تكف لسانك وتبكي على خطيئتك وتلزم بيتك». طائفة في فضل البكاء في جوف الليل:

1- قال أبو عبدالله (عليه السلام): «ما من قطرة أحبّ إلى الله من قطرة دمع في سواد الليل يقطرها العبد مخافة من الله لا يريد بها غيره وما جرعة يتجرعها عبد أحبّ إلى الله من جرعة غيظ يتجرعها عبد يرددها في قلبه إما بصبر وإما بحلم».

 2- عن أبي عبدالله (عليه السلام): «كل عين باكية يوم القيامة إلا ثلاثة أعين، عين غضت عن محارم الله أو عين سهرت في طاعة الله أو عين بكت في جوف الليل من خشية الله». طائفة في ذم قسوة القلب وجمود العين:

 1- جاء عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «يا علي! أربع خصال من الشقاء جمود العين وقساوة القلب وبعد الأمل وحب البقاء».

 2- وجاء في الخصال أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قال: «من علامات الشقاء جمود العين وقساوة القلب وشدة الحرص في طلب الرزق والاصرار على الذنب». طائفة في فضل كثرة البكاء من خشية الله:

 1- قال أبوعبدالله (عليه السلام): «بكى يحيي بن زكريا  (عليه السلام)حتى ذهب لحم خديه من الدموع فوضع على العظم لبوداً يجري عليها الدموع، فقال له أبوه: يا بني إنّي سألت الله تعالى أن يهبك لي لتقرّ عيني بك. فقال: يا أبه إنّ على نيران ربنا معاثر لا يجوزوها إلا البكاؤون من خشية الله (عزَّ وجلَّ) وأتخوف أنّ آتيها فأزل منها فبكى زكريا حتى غشي عليه من البكاء».

 2- وروي عن أمامنا الصادق  (عليه السلام)أنّه قال: «كان في وصية رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام)، أنّه قال: يا علي أوصيك في نفسك بخصال فأحفظها ثم قال: اللهم أعنه وعَدَّ خصالاً والرابعة كثرة البكاء من خشية الله عزّ وجلّ يبني لك بكل دمعة ألف بيت في الجنة». طائفة في التباكي وثوابه الجزيل:

 1- ورد عن مولانا الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «إن لم يجئك البُكَاء فتباكَ فإن خرج منك مثل رأس الذباب فبخّ بخّ».

 2- وكذلك جاء عنه (عليه السلام): «إنّ رسول الله  (صلَّى الله عليه وآله) أتى شباب من الأنصار فقال: إنّي أريد أن أقرأ عليكم فمن بكى فله الجنّة، فقرأ أخر الزمر {وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا}(7) إلى أخر السورة فبكى القوم جميعاً إلا شاب فقال: يارسول الله قد تباكيت فما قطرت عيني! قال إنّي معيد عليكم فمن تباكى فله الجنّة قال: فأعاد عليهم فبكى القوم وتباكى الفتى فدخلوا الجنة جميعا»(8).

البكاء في أدعية أهل البيت (عليهم السلام)(9) في هذا الحقل قمت باستقصاء ألفاظ البكاء ونحوه(كالدموع والأنين والعَبرة) في سبيل تغذية هذا البحث موضوعياً، وفي الواقع يمكن للمتبحرين في الأدعية ملاحظة استعمالها لهذه الألفاظ بشكل واسع في أدعية أهل البيت (عليهم السلام)وَلَكم تلك القبسات لتنير لنا درب التوبة والرجوع إلى الله تعالى: طلب التوفيق للبكاء من هيبة الله: «وأجر اللهم لهيبتك من أماقي زفرات الدموع». أن يدْعُ المؤمن بأنْ تجري دموعه من هيبة الله فهذا مما يدعوا للتأمل! وأن تكون تلك الدموع تحمل آهة من الإنسان وزفرة ممدودة من نفسه بحرارة فهذا أيضاً يستدعي التفكير عن أهميّة هذه الدموع! فهنا المؤمن وفي دعاء أول يومه “دعاء الصباح” يطلب التوفيق على أنْ يحظى بالبكاء من هيبة الله وخشيته.

ولكن ماذا بعد هذه الدموع؟! نعم هذا ما سيتضح في الأسطر الآتية ولكن إجمالاً نقول إنّ خروج هذه الدموع إنّما هو بالإضافة إلى التوبة والرجوع إلى الله يعبّر عن قلب مشغول بالله؛ عن قلب نال شيئاً من هيبة عظمة الحق تعالى.

فهذه الدموع في الحقيقة ليست منفصلة عن شعور قلب المؤمن بل إنّ حركة الدموع إنّما تبدأ بذكر الله ودعاءه ثم يستشعر القلب مدى عظمة الخالق وهيبته ومدى حقارة وجسارة معصيته وغفلته إلا أن تغسل هذه الدموع كل أدران هذا القلب بحيث تحجز العبد عن معاصي الله، فقد جاء عن مولانا الإمام زين العابدين (عليه السلام) في عِدّة الدّاعي: «ليس الخوف خوف من بكى وجرت دموعه ما لم يكن له ورع يحجزه عن معاصي الله وإنّما ذلك خوف كاذب»(10).

 إذاً البكاء الحقيقي والصادق يُعرف إذا تُرجم إلى الواقع العملي، بأن يبعد العبد عما يسخط الله ويقربه لما يحب الله.

 البكاء في الدنيا خير من البكاء في الآخرة: «(لأي الأمور إليك أشكو، ولما منها أضج وأبكي، لأليم العذاب وشدّته، أم لطول البلاء ومدته)، (ولأبكين عليك بكاء الفاقدين)».

 في دعاء كميل بن زياد رضوان الله تعالى عليه يصوّر لنا أمير المؤمنين (عليه السلام) مشهداً من مشاهد يوم القيامة، ومشهداً في الحقيقة من أخطر مواقف ذلك اليوم للإنسان الذي أُدخل الجحيم بما اقترفت يمناه”أعاذنا الله وإياكم من لظاها”.

حيث يرتفع ضجيج ذلك العاصي وصراخه من أهوالها، ولعل الإمام عليّ (عليه السلام) لم يرَ تصويراً أفضل لبيان ذلك اليوم إلا بأن يشبه ذلك بكاء أهل جهنم ببكاء الفاقدين لعزيز أو مثل تلك الفاقدة لابنها، وهذا يمثل في الواقع مدى الحسرة والندامة الشديدتين لما ارتكبه في دار الدنيا من الاستهتار بحرمة أحكام الله والتجرء على ساحته المقدسة.

والتعبير بالبكاء على الله «ولأبكين عليك» يحتاج إلى دقّة نظر فلم يقل الأمير (عليه السلام) على نفسي أو لجنتك أو ماشابه فإنّه بكاء الشوق لله فكما ورد عن الامام الصادق (عليه السلام): «الحبّ أفضل من الخوف»(11) فإنّ بكاء المشتاقين أعلى درجة من الخائفين، وهل الدين إلا الحبّ، كما ورد عنهم (عليهم السلام).

ومن ذلك نصل إلى معرفة الحديث الوارد عن مولانا الإمام الصادق (عليه السلام) «كم ممن كثر ضحكه لاعباً يكثر يوم القيامة بكاؤه، وكم ممن كثر بكاؤه على ذنبه خائفاً يكثر يوم القيامة في الجنّة سروره وضحكه»(12).

 كيف يكون البكاء سلاحاً؟ «ارحم من رأس ماله الرجاء، وسلاحه البكاء». نعم، كيف أصبح البكاء علامة لضعف الشخصيّة عند آخرين، وسبباً في زرع البؤس والحزن عند البعض وعندنا إلى سلاح للمؤمن!! إنّه لسؤال يدعونا إلى الوقوف والتفكر في حال ذاك الإنسان العاصي والغافل عن ذكر الله، ليس لديه عمل يتّكل عليه يوم الحساب، وليس لديه أيّ عذر ولا حجة لما اقترفه من ذنوب في ملذات هذه الدنيا الفانية!! لم يبقَ له إلا سلاح واحد ليستجلب رحمة الله ويستعطف به ربّ الأرباب ويتذلل بكل ما يمكن.

 نعم لم يبق لديه إلا أن يبكي ويبكي آملاً في أن ينال مِن أرحم الراحمين من العطوف الودود رحمة تشمله. ومن يريد أن يتصور هذا المنظر بأوضح صوره، يستطيع أن يستحضر في ذهنه ذلك الطفل الذي أتى بفعل يسخط أباه، بعد ذلك يسرع نحوه يبكي في أحظانه بلسان التوبة وعدم الرجوع.

 إلى ذلك فالبكاء مجلب لرحمة الله فعندما تقرأ في دعاء الجوشن الكبير ودعاء المشلول عبارة «يا راحم العبرات» تتضح إضافة الرحمة إلى العبرة ليست مجردة عن هذا المعنى. من الذي يرى بكاء الخاشعين؟ «يا من يرى بكاء الخائفين» ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا اقشَعَرَّ جلدك ودمعت عيناك ووجل قلبك فدونك دونك فقد قصد قصدك»(13) ولعلّ مِن أوضح معاني رؤية الله للباكين هو قبول عملهم واستجابة أدعيتهم، وإنّما تنمّ هذه الرؤية لرب العزّة عن حبّه إلى هؤلاء الذين أذابوا قلوبهم في سبيله، وفنوا أنفسهم في عشقه (عزَّ وجلَّ).

 فالإمام (عليه السلام) في الحديث الشريف يبيّن أن قصد الداعي وحاجته يتحقق بمجرد أن تنهمل عيناه بالبكاء المحفوف بالخوف والرهبة من ربّه.

 ولذا نقل عن آية الله الشيخ بهجت (قدِّس سرُّه): “فإن لم يكن فالتباكي ولو قليلاً جداً، ثم أطلب حاجتك، إذا كانت هذه الأمور، أي: الثناء والتعظيم والتمجيد والاعتراف بالذنوب والصلوات والبكاء أو التباكي في حال السجود فهذا أفضل وتأثير البكاء في هذا المجال كبير إلى درجة أنّه ورد في عمل أم داوود وكذلك في قنوت الوتر عنه (فإنّ ذلك من علامة الإجابة)”(14) وقد ورد في إذن الدخول على الأئمة الأطهار (عليهم السلام) عن البكاء «فهو علامة القبول والإذن»(15) في مدرسة العارف آية الله الشيخ بهجت(16)، والآية الكريمة في سورة الإسراء تعيننا على هذا المعنى {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا}(17).

 الباكي حبيب الله: «ياحبيب الباكين». عندما نقرأ ما قاله صادق المعصومين (عليه السلام): «ما من قطرة أحبّ إلى الله من قطرة دمع في سواد الليل يقطرها العبد مخافة من الله لا يريد بها غيره، و…ألخ»(18).

 يتضح لنا أنّ هذا الحبّ الإلهي للباكين لم يأتِ من صرف هذه الدموع بل لأجل ذلك القلب الذي عصر بتوبة صادقة، حتى ذاق بها شيئاً من لقاء الله وطعم محبته، إضافة إلى أنّ هذه الدموع تحمل معاني الخلوص التام، ولعل البكاء يحمل في خصوصياته -كما هو الحال في الصوم- أنّه لا يخرج غالباً إلا عن إخلاص وقربة للمولى (عزَّ وجلَّ).

 فحب الله للباكين ليس بالمعجز الغريب بل هو المتوقع كما جاء عنهم صلوات الله عليهم: «إذا أحبّ أحدكم أن يعرف كيف منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله في قلبه، فإنّ الله ينزل العبد من نفسه حيث أنزله العبد من قلبه»(19).

 فحينما نقول في الدعاء «يا حبيب من تحبب إليه» أي تحبب لله وذكره كثيراً ذكراً عملياً ولسانياً حتى أنكسر قلبه وصار من الذاكرين حقاً، فحينها -وكما ورد في زبور آل محمد «يا حبيب التائبين تب علَيّ»- يكون هذا العبد التائب لله مصداقاً واضحاً لمن أحبّهم الله وإنّما يكتشف العبد ذلك بالملازمة على البكاء بكل ما يقترفه غافلاً في حق الساحة الإلهيّة المقدّسة، وأن لا يتحوّل هذا البكاء إلى بكاء شيطاني يمرر الشيطان فيه ألاعيبه المختلفة فيكون كبكاء أخوة النبيّ يوسف (عليه السلام) {وَجاءوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ}(20)، وكلٌ على نفسه أبصر.

أعاذنا الله من سيئات أعمالنا. ما علاج قسوة القلب؟ «إلهي إليك أشكو قلباً قاسياً مع الوسواس متقلباً… وعيناً عن البكاء من خوفك جامدة، وإلى ما يسرّها طامحة».

 قد يسأل سائل كيف لي التخلص من قسوة القلب والذي بسببه لا أتمكن من البكاء حال مناجاة الله! وهذا واضح من قول أمير المتقين (عليه السلام): «ما جفّت الدّموع إلا لقسوة القلوب وما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب»(21).

 والإجابة عليه تتبين من فقرة الدعاء من مناجاة الشّاكِيْن بالإضافة إلى ما تبيّن من هذا الحديث الشريف أنّ العلّة الكبرى هي كثرة الذنوب. حيث لا شك في أنّ لقسوة هذا القلب درجات ومراتب، وقسوة القلب في المرتبة الشديدة تتمثل أسبابها بشكل واضح في كثرة الذنوب والتجرئ على الحق تعالى، والمراتب الأخرى التي يبتلى بها المؤمن من قسوة القلب لها علاج أخر، فبالإضافة إلى هجران الذنوب يستطيع المؤمن أن يشكوا لله قسوة قلبه ويتوسل بالله لله (وأتوسل بك إليك) ليحظى بأسباب رحمته بعد أن يتمكن من تخلية نفسه وغسلها بدموعه.

لأنّ المولى (عزَّ وجلَّ) هو المتصرف بمكنونات قلوبنا بلا ريب، وهذا معنى دعاء «يا مقلب القلوب والأبصار حوّل حالنا لأحسن حال». ولكن قد يقال: عندما يلاحظ المتتبع للتاريخ بعض مواقف الملوك والسلاطين الذين أوغلوا في الذنوب والمعاصي والبعد عن الله، يجد نفسه متعجباً من تأثر هؤلاء وبكاءهم في أخرى! فما معنى أن يبكي عمر بن سعد لعنه الله وما معنى أن تخضلّ لحية الخليفة العباسي المعتصم لعنه الله بالدموع جرّاء سماعه لقصيدة الإمام الهادي (عليه السلام) حول الموت وعذاب القبر؟ وما معنى بكاء معاوية لعنه الله من ذكر خصال أمير المؤمنين (عليه السلام) وتقواه من بعض أصحابه! نعم ما معنى كل ذلك ونحن نعلم أن جفاف الدموع هو نابع من قسوة القلوب الدالّ على كثرة الذنوب، ألا يعني بكاء هؤلاء خلاف ذلك؟ هناك عدة إجابات متصورة: أوّلها: أنّ الشيطان يبث إلى هؤلاء أن يبكوا ليخطرهم على أنّهم على الحق أو يسدّ تلك الحاجة الطبيعية للإنسان في البكاء.

 وثانيها: أنّ نصيحة الإمام المعصوم (عليه السلام) وكلماته القدسية لها تأثير حتى على القلوب المتّسخة فيخرق كلامهم كل الحجب التي رانت على قلوب العاصين.

 إضافة إلى ما سبق من كلام الإمام السجاد (عليه السلام) حيث يوضّح قسمين من البكاء، أوّله بكاء يحجز عن معصية الله، وآخر بكاء كاذب لا يحجز الباكي عن معصية الله.

 «ليس الخوف خوف من بكى وجرت دموعه ما لم يكن له ورع يحجزه عن معاصي الله وإنّما ذلك خوف كاذب»(22). عادة البكاء من شأن المؤمنين: «اللهم اجعلنا ممن دأبهم الارتياح إليك والحنين، ودهرهم الزّفرة والأنين، جباههم ساجدةٌ لعظمتك وعيونهم ساهرة في خدمتك، ودموعهم سائلة من خشيتك».

 فرق بين أن يوفق الإنسان للحنين لمخاطبة الله ومناجاته في هذه الليلة أو في تلك الساعة، وبين أن يكون البكاء (دأباً) وعادة وشأناً ملازما له، وهكذا يكون زمانهم وعادتهم البكاء والأنين بشدة ويترافق معه الألم والحسرة في نفس المؤمن. فالإمام (عليه السلام) في هذه الفقرة من مناجاة المحبّين يغذينا ويزرع في نفوسنا صفات المتقين الحقيقية في صلاتهم ومناجاتهم ودعائهم وفي كل دائرة من دوائر العلاقة مع الله (عزَّ وجلَّ).

 فالبكاء كما سبق ليس بكاء صرفاً وإنّما يعبّر عن قلبٍ حاضرٍ ونيةٍ صادقةٍ وحب متجذّر للحبيب تعالى. لذلك عُدّ أنّ جمود العين من علامات الشقاء، كما سبق في حقل الروايات الشريفة، ولو أمعنا النظر في خطبة المتقين لأميرهم (عليه السلام) على مسامع همّام لوجدنا هذه الإشارات واضحة كما وردت في نهج البلاغة.

 ما الذي يدعوني للبكاء؟! «أعني بالبكاء على نفسي فقد أفنيت بالتسويف والآمال عمري ومالي لا أبكي ولا أدري إلى ما يكون مصيري، وأرى نفسي تخادعني وأيّامي تخاتلني وقد خفقت عند رأسي أجنحة الموت فمالي لا أبكي، أبكي لخروج نفسي أبكي لظلمة قبري أبكي لضيق لحدي…».

الإنسان ينظر من حوله كل شيء يدعوه للبكاء على نفسه من خشية الله فمنها: – المصير المجهول الذي ستقف أنفاسه عليه، فهل هو من أهل النّعيم أم والعياذ بالله من أهل الجحيم! فليس لديه يقين بالثبات على نهج المتقين وأخلاقهم، فالمؤمن دائم النّظر إلى خواتيم أعماله وأنفاسه، هل ستكون تلك الساعة في صالحه أم عليه، لما ينظر من تقلب الزّمان وأهله!! لذا كل ذلك يحتاج إلى ارتباط قلبي دائم بالله واستنزال لعونه ولطفه بالدموع والأنين.

 – أهواء النّفس وخداعها المستمر للإنسان يجعله عرضة للغفلة واتّباع ملذات هذه الفانية، وتُزيّف له الحقائق فيصبح الحق باطلاً والباطل حقاً، وشرور النّفس لا حد لها، فمتى يمكن للإنسان إن يلجم هذه النّفس؟ حينما يستعين بالله ويتوكل على الله ويطلب السداد من الله ويبكي على حاله وغفلته ويتملق لله تعالى ويشتكي على نفسه الآمارة ببكاء وعويل، والله بحكم رحمته مستحيل أن يهمل هذا العبد اللاجيء إليه. – قرب السفر الأخروي مع قلة الزاد له يجعل المؤمن في حيرة من أمره، حاملاً هموم ذلك اليوم الذي يذهب بنفسه مجرداً، وهذا أكبر داع بأن يجعل الإنسان يبكي كحالة طبيعية وكوسيلة يتوجه بها إلى الله أن يعينه على قلّة الزّاد وبُعد الطريق.

 – أهوال ما بعد الموت فلحظات خروج هذه الروح مع ضعف الإنسان وقلّة حيلته، وحالات القبر وظلماته، ومساءلة منكر ونكير وعظمها شيء كبير على هذا الإنسان كيف بمن شغلته هذه الدنيا وغرته وابتعد عن مرضات الله! حقاً يحتاج أن يرجع ويعلن التوبة لله تعالى ببكاء معلناً ضعفه طالباً مغفرة الله.

 فحينما نسمع أنّ “الامام الحسن الزكي (عليه السلام) وهو الإمام المعصوم عندما يلفظ أنفاسه الأخيرة يبكي، فيقال له: يا بن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أتبكي ومكانك من رسول الله  (صلَّى الله عليه وآله) الذي أنت به! قد قال فيك رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ما قال!، وقد حججت عشرين حجة ماشياً! وقد قاسَمت ربك مالك ثلاث مرات حتى النعل والنعل! فقال (عليه السلام) «إنّما أبكي لخصلتين: هول المطّلع، وفراق الأحبة» فالإمام الزّكي  (عليه السلام)يبكي لهول المطّلع إذا تذكّر تلك الأهوال الخطيرة وتلك الظلمات المتتابعة التي تمر على النفس(23).

 البكاء على آلالام صاحب العصر وأحزانه وغيبته!! «عزيز عليّ أن أبكيك ويخذلك الورى عزيز عليّ أن يجري عليك دونهم ما جرى هل من معين فأطيل معه العويل والبكاء، هل من جزوع فأساعد جزعه إذا خلا».

 دعاء الندبة من بين الأدعية له سمة خاصة يتميز بها، فالمؤمن في هذا الدعاء يناجي ربه ويدعوه مُبديا تحسّره ومدى الألم الشديد الذي يعانيه السالك لله مع غياب الهادي للبريّة وبقيّة الله في أرضه القائم المنتظر (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف).

 وفي الحقيقة هذه الفقرات وبعض فقرات هذا الدعاء المبارك تفرض الحالة البديهية التي يجب أن نكون عليها، وهي حالة البكاء والحزن الصادر عن ألم واستشعارٍ لمصائب صاحب العصر والزمان  (عليه السلام)أما حالة الغفلة والانتظار الخالي من الاستشعار بوجود الإمام (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف) بيننا هي حالة لا تحمل إلا معنى البُعد وشبه القطيعة في إطار علاقنا بإمام زماننا (عليه السلام). والبكاء بل العويل على فقد وغياب بقية الله (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف) هي الأثر الطبيعي للعلاقة الرّصينة بين المؤمن وحجة الله على أرضه. ومن يدعوا الله أو يصلّي أو يتصدق ويغفل عن مكانة وموقعية الإمام (عليه السلام) من قيامه وصومه، فإنّه يعيش في حالةٍ من الفوضى للأسف الشديد.

 فكيف بنا ونحن نريد أن نبني علاقتنا بالله من دون التّوسل والدخول من بوابة الإمام المعصوم المفترض الطاعة، وما عرض أعمالنا بشكل دائم على الصاحب (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف) إلا جزءٌ يسير من تلك الموقعية من الأعمال.

 وفقرة الدعاء المذكورة أعلاه تترقّى من البكاء إلى العويل والجزع، فإن لم نكن من الجازعين أو المعوِلين على مصائب وآلام صاحب العصر والزمان فلنبكي عليه بكاءً صادقاً يجعلنا من العاملين على ظهوره، ومن المعمرين لدولته.

 فالبكاء عليه (عليه السلام) لا معنى له إلا أن يجعل قلب المؤمن مركزاً لهموم المبكيّ عليه ومنطلَقاً عملياً لتحقق رضاه. البكاء على مصائب أهل البيت الطريق الأسرع لله! «فعلى الأطائب من أهل بيت محمّد وعليّ فليبك الباكون وإيّاهم فليندب النادبون ولمثلهم فلتذرف الدموع وليصرخ الصّارخون… أين الحسن أين الحسين».

إضافة إلى العَبرة المرحومة التي وردت في زيارة أمين الله «وعَبرة من بكى من خوفك مرحومة»، فإنّ هذا المقطع من دعاء النّدبة يشير إلى عبرة أخرى بل يأمر بأن يجهش المؤمن بالبكاء ويندب بالصريخ من أجل مصائب أهل بيت النّبوة (عليهم السلام) الذين تفانوا من أجل هذا الدين وختموا حياتهم بين القتل والسم.

 وقد يتسائل المؤمن ماذا يمثّل هذا الأمر بأن يأتي في طيّات الدّعاء وما الغاية منه؟؟! ولذلك عدة إشارات: أولها ما أفاده أحد المؤمنين أنّ البكاء على أهل البيت (عليهم السلام) له الأثر البالغ في ذهاب قساوة القلب وتخليته من الآفات، فإنّ مَن يبكي على أهل البيت (عليهم السلام) يبكي على المظلوم ضد الظالم، يبكي على حزب الله ضد حزب الشيطان، فلذا يميل قلبه للحق والخير وتذهب كل النكات السوداوات من قلبه.

وبالخصوص البكاء على الحسين الشهيد  (عليهم السلام)فإنّ البكاء عليه يغسل قلب الباكي كلّما جرت تلك الدّموع، وبذلك تتضح كيف أنّ «سفينة الحسين أوسع وأسرع» لأنّ البكاء هذا وما ورد من آثاره الكبرى وثوابه العظيم لعله يشير أيضاً لأثره في قلب هذا العاصي بأن يطهّره من كل آفات المعاصي والآثام، ويجعل هذا القلب مستعداً لاستقبال الصالحات والنّدم على ما فات، نعم يهيئه للتوبة والرجوع إلى الله تعالى.

 ولعل كون شهر المحرّم من أوّل شهور السنة، من ألطاف الله تعالى علينا، بأن تغسل تلك الدّموع الجارية على مصائب أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) في كل سنة وتهيئه للتوبة المتجددة.

وثانيها أنّه لا غرابة لكون أهل البيت (عليهم السلام) هم عين الله وبابه الذي يؤتى منه «ومساكن بركة الله ومعادن حكمة الله حفظة سر الله وحملة كتاب الله وأوصياء نبيّ الله» الزيارة الجامعة، وما تمثله الولاية من ركيزة أساسية في أصول الدّين.

 أضف إلى ذلك فأنّ البكاء على أئمة الهدى يمثّل أقوى مظهر في التولّي والحب والذي ينعكس بعد ذلك عملياً في كل علاقات هذا القلب الطولية والعرضية وتجلّي في البعد عن كل ما يسخط المحبوب والتقرب لكل ما يرضيه.

 أخيراً في الاقتداء: حريٌ بنا أن نقف على ما ورد من مواقف البكاء العديدة من حياة المعصومين (عليهم السلام) والأولياء الصالحين (رضيَّ الله عنهم) في كتب ومصادر التأريخ فإنّها تحمل في طيّاتها إشارات مهمّة تضيء لنا ظلمات هذه الدنيا الفانية، لنستلهم الكثير من الدروس التي تعيننا على مواصلة درب الهدى وسلوك طريق الرضوان.

 فلا يمكن أن نعي هذه الحياة ولا هذه العبادات من غير أن نقتفي آثارهم ونخطوا خطاهم ونسلّم لأمرهم، إذ لا معنى للتسليم والحب والولاء من دون أن يتبعه اقتداء واقتفاء لآثار المحبوب.

 أعاننا الله على البكاء على أنفسنا وغفلتنا وتقصيرنا تجاه ساحة المولى العظيم.

 {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ}(24).

المصادر والهوامش

  • (1) صحاح الجوهري ج6 ص2284.
  • (2) متفرقات من الشبكة العنكبوتية.
  • (3) الأحزاب :4.
  • (4) صحاح الجوهري ج6 ص2336 بتصرف طلباً للاختصار.
  • (5) الاصطلاح من كتاب “عِدَّة الداعي” بتوثيق مؤسسة الدعاء العالمية على موقعها الإلكتروني.
  • (6) الاعتقادات للمجلسي:41.
  • (7) الزمر:71.
  • (8) مصادر جميع طوائف الأحاديث: بحار الأنوار: كتاب القرآن والذكر والدعاء/باب19 فضل البكاء وذمّ جمود العين ص350ـ354.
  • (9) لقد اعتمدت على مفاتيح الجنان لاستقصاء موارد لفظ (البكاء) في الأدعية، ولم أُوْسِع البحث في مجاميع الأدعية الأخرى، وربما يكون هذا أنسب لتواضع البحث، والله خير معين.
  • (10) بحار الأنوار: كتاب القرآن والذكر والدعاء/باب19 فضل البكاء وذم جمود العين ص353.
  • (11) الكافي ج8/ص128.
  • (12) بحار الأنوار: كتاب القرآن والذكر والدعاء/باب19 فضل البكاء وذم جمود العين ص350.
  • (13) الكافي:ج2، ص478.
  • (14) إقبال الأعمال: 663.
  • (15) البلد الامين: 275
  • (16)  مدرسة العارف، ج1، ص82.
  • (17) الإسراء 109.
  • (18) بحار الأنوار: كتاب القرآن والذكر والدعاء/باب19 فضل البكاء وذم جمود العين ص350.
  • (19) عدة الداعي 167.
  • (20) (16يوسف).
  • (21) بحار الأنوار 70/55.
  • (22) بحار الأنوار: كتاب القرآن والذكر والدعاء/باب19 فضل البكاء وذم جمود العين ص350.
  • (23) في ظلال دعاء الافتتاح سماحة العلامة السيد منيرالخباز/ط1/مكتبة فدك /ص38.
  • (24) آل عمران193
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى