مناقشة كتاب آل البيت وحقوقهم الشرعيّة (القسم الثاني)

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على المبعوثِ رحمةً للعالمين، المصطفى الأمجد، المنصور المؤيّد، أبي القاسم محمّدٍ، وآله الطيّبين الطاهرين، الغرّ الميامين، الّذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهّرهم تطهيراً، وأوجب مودّتهم في كتابه، وأخصُّ الصلاة والسلام على وليّ الله الأعظم، وإمام الدهر، الحجّة ابن الحسن، أرواحنا لتراب مقدمه الفداء.

 جاء في صفحة (14 و15) من الكتاب ما سطّره سماحة القاضي حول فضائل آل البيت في القرآن الكريم، وقد كلّف نفسه كثيراً في اختصار ما جاء من الفضائل بحقّ أهل البيت (عليهم السلام)، فقد تطرّق القاضي إلى آيتين مباركتين في فضل أهل البيت (عليهم السلام)، ولكن لو أردنا الإنصاف وذكر فضائل أهل البيت ممّا جاء في القرآن الكريم لاحتجنا إلى تصنيف الكتب ممّا جاء بحقّهم (عليهم السلام) في القرآن الكريم.

 مقدّمة البحث: لا يزال البحث قائماً حول ما ورد في كتاب: (آل البيت وحقوقهم الشرعيّة)، ولا زالت المناقشة مع سماحة القاضي الشيخ صالح بن عبدالله الدرويش، وقد قُلنا سابقاً بأنّ سبب ردّنا على ما حوى هذا الكتيّب لا يعود إلى تجديدٍ في الشبهات والمسائل، وإنمّا كان السبب في الردِّ على هذا الكتيب دون سواه بسبب توزيعه، وانتشاره بين صفوف الشباب المثقّف الشيعيّ، وكان هذا التوزيع يهدف إلى إعطاء صورةٍ ناصعةٍ عن عقيدة أهل السنّة بأهل البيت (عليهم السلام)، وسنحاول – إن شاء الله – في هذه الحلقة من السلسلة بيان قسم ما ورد من فضائل أهل البيت بحسب عقيدة أهل السنّة.

 وقد قام سماحة آية الله العظمى، الشيخ جعفر السبحانيّ بالردِّ على هذا الكتاب أيضاً، وهو مطبوعٌ متداولٌ في السوق.

 وقفةٌ مع صاحب الكتاب: ادّعى صاحب كتاب: (آل البيت (عليهم السلام)، وحقوقهم الشرعيّة) بأنّهم عرفوا حقّ آل البيت، ولم يخصّصوا أهل البيت بعددٍ قليلٍ، وكأنّ من تمام الحقّ لهم هو أن تُطلق عليهم أهل البيت فحسب، وجهل – أو تجاهل – التمسّك بهم، والأخذ عنهم، وعمّا ورد منهم، فمجرّد لقلقة لسانٍ بأنّهم عرفوا حقّهم، وأحبّوهم، لا يكون كافياً لهم.

ولابدّ (في المقام) أن نفرّق جيّداً بين (آل البيت) و(أهل البيت)، فالشيعة يقدّسون، ويحترمون، ويتّبعون أهل البيت، لا عموم آل البيت، فالعلاقة بين آل البيت وأهل البيت عمومٌ وخصوصٌ مطلقٌ، فكلّ أهل البيت من آل البيت، وليس كل آل البيت هم أهل البيت.

 وممّا يؤيّد ذلك ما ورد في أمالي الصدوق، عندما سأل أبو بصيرٍ مولانا الصادق (عليه السلام): من آل محمّدٍ؟ قال: ذرّيّته. فقلتُ: من أهل بيته؟ قال: الأئمّة الأوصياء.

 فقلتُ: من عترته؟ قال: أصحاب العباء.

فقلتُ: من أمّته؟ قال: المؤمنون، الّذين صدّقوا بما جاء به من عند الله (عزَّ وجلَّ)، المتمسّكون بالثقلين، الّذَيْن أُمروا بالتسّمك بهما: كتاب الله، وعترته أهل بيته، الّذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهّرهم تطهيراً، وهما الخليفتان على الأمّة بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله).

وأخيراً، جاء الادّعاء بأنّهم هم الّذين يحبّون أهل البيت، ويتمسّكون بهم، وأنّى للقاضي أن يُثبت ذلك؟! وهو – ومن سار على منواله – على مرأى منهم ومسمعٍ بما فعله الحكّام الجائرون والطواغيت بأهل البيت، لمّا قتلوهم، وذبحوهم، وبنوا عليهم البيوت، وأخذوا يقتلونهم بالظنّة، والتهمة بالتشيع، كما حصل في زمن معاوية، وابن زياد، ويزيد بن معاوية (لعنهم الله)، وكذلك قبل زمن الأمويّين.

 كما حصل بعد وفاة النبيّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) من الهجوم على دار الصدّيقة الطاهرة، فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وأُخذ عليٌّ ملبّباً بحمائل سيفه؛ ليبايع الخليفة الغاصب لمقام الإمام عليّ ابن أبي طالب (عليه السلام).

أَوَ هل تُصدَّق هذه الدعوى، بعد أن قتلوا الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) بيد زوجته، بتغريرٍ من معاوية بتزويجها ابنه يزيد الفاجر (لعنه الله) ؟! أَوَ هل تُصدَّق هذه الدعوى، بعد أن قتلوا الإمام الحسين الشهيد بكربلاء (عليه السلام)، وسلبه، وأخذ نسائه سبايا، يُطاف بهنّ من بلدٍ إلى بلدٍ؟! أَوَ هل تُصدّق هذه الدعوى، بعد أن قتلوا أولاد رسول الله، وشرّدوهم في البلدان؟! كلا، والله، فمن رضي بهذه الظلامة الواقعة على آل الرسول (صلَّى الله عليه وآله) لم يعرف حقوقهم، ولم يحبّهم أبداً، كيف نصدّقكم في دعواكم هذه وأنتم لا زلتم تحترمون من أساء إليهم، وقتلهم، وشرّدهم؟! كما تحترمون الباغي معاوية بن أبي سفيان (لعنه الله)، وتحترمون يزيد (لعنه الله)، الفاجر، الفاسق، اللعّاب بالقردة، والضارب للطنابير، والشارب للخمر، القاتل للنفس المحترمة، الهاتك لحرمة البيت الحرام، ومروان، وأباه الحكم طريد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وسائر بني أميّة، الشجرة الملعونة في القرآن، وكذلك بني العبّاس، الّذين سفكوا دماء أهل البيت (عليهم السلام)، واستباحوا الدماء، والأعراض، والأموال؛ من أجل تثبيت كرسيّ الخلافة.

 كيف نصدّقكم في دعواكم هذه، وأنتم لا زلتم تحبّون الأشخاص الّذين آذوا النبيّ في أهل بيته، وتقدّسونهم، ولا ترضون عليهم أبداً؟! كيف نصدّقكم في دعواكم التمسك بهم، وأنتم منحرفون عنهم، تأخذون من أعدائهم، وتسيرون على منهج الحكام الظالمين لأهل البيت (عليهم السلام)، والغاصبين حقوقهم؟! فالمنهج الّذي تسيرون عليه هو ما ترتضيه السياسة المنحرفة عن منهج أهل البيت، فلذلك خالفتم جماعة المسلمين، وكفّرتموهم.

حتىّ لو سلّمنا أنّكم أخذتم ذلك من الصحابة، فمن هم الصحابة الّذين أخذتم منهم؟! وهل أمرنا النبيّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) أن نتمسّك بالصحابة؟! أم بأهل بيته، كما ورد متواتراً في حديث الثقلين؟! وأمّا أحاديثكم في الصحابة فجملةٌ منها موضوعةٌ مفتراةٌ على نبيّ الرحمة والهدى (صلَّى الله عليه وآله)، فهي من موضوعات أبي هريرة، وكعب الأحبار، وغيرهم من الرواة الّذين اشترتهم السلطة في تلك الأيام بدراهم معدودة، كما هو حال حديث العشرة المبشّرين بالجنّة، وحديث: (أصحابي كالنجوم، بأيّهم اقتديتم اهتديتم)!! لقد اخترعتم لكم منهجاً حينما تعثّرتم وضللتم عن الطريق المستقيم، وتمسّكتم بالصحابة الّذين كانوا في أحلك الظروف يرجعون إلى أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام)، والتاريخ يشهد بذلك.

 وقفةٌ عند آية التطهير: لا شكَّ أنّ الكاتب ملتزمٌ ومصرٌّ على تعميم فضيلة آية التطهير لكلِّ أهل النبيّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، حيثُ إنّه لم يكتفِ بذكر المقطع الأخير من الآية، بل ذكر صدر الآية، وهي: {وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُوْلَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَه إِنمَّا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}.

 وقد ذكرنا في الحلقة الأولى بما فيه الكفاية حول هذه الآية المباركة، واختصاصها بالأشخاص الّذين جلّلهم النبيّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) بالكساء، وهذه الحادثة ممّا تناقلها الكثير من المفسّرين والمؤرّخين.

 وقد قلنا فيما سبق بأنّ زوجات النبيّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) خارجاتٌ من ذيل الآية المباركة، والّتي فيها تطهيرهم من رجس الذنوب والمعاصي.

 لقد صرّح جملةٌ من علماء التفسير – من قبيل الرازيّ في تفسيره – أنّ هذه الآية تتضمّن معنى العصمة لأهل البيت (عليهم السلام)، بمعنى عدم ارتكابهم للذنوب والمعاصي، مع قدرتهم على ذلك.

 السيّدة عائشة نموذجاً: والتاريخ يشهد بأنّ زوجات النبيّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) لم يصلنَ إلى هذا المقام العالي، وذلك من خلال التتبّع التاريخيّ، والتأمّل في المواقف، فعلى سبيل المثال – لا الحصر- خروج عائشة بنت أبي بكرٍ لمحاربة إمام زمانها أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبصريح الآية أنّ القرآن الكريم أمرها بلزوم بيتها، وعدم الخروج منه.

 وكذلك موقفها تجاه الخليفة عثمان بن عفّان، سواء في تأليب النّاس على الخليفة، أو طلبها بدم عثمان.

 ولا يفوتني أن أسأل سماحة القاضي عن مقولة أمّ المؤمنين، السيّدة عائشة بنت أبي بكرٍ في حقِّ الخليفة الراشد عثمان بن عفّان: (اقتلوا نعثلاً؛ فقد كفر).

 نماذج من موقف أمّ المؤمنين تجاه الخليفة قبل مقتله: مرَّ عبد الله بن عبّاس بعائشة – وقد ولاّه عثمان الموسم – وهي بمنزلٍ من منازل طريقها، فقالتْ: يا ابن عبّاس، إنّ الله قد آتاك عقلاً، وفهماً، وبياناً، فإيّاك أن تردَّ النّاس عن هذا الطاغية(1).

 وفي كتابٍ لأمير المؤمنين (عليه السلام) – كتبه لمّا قارب البصرة إلى طلحة والزبير وعائشة -: «… وأنتِ يا عائشة، فإنّك خرجتِ من بيتكِ عاصيةً لله، ولرسوله، تطلبين أمراً كان عنكِ موضوعاً، ثمَّ تزعمين أنَّكِ تريدين الإصلاح بين المسلمين، فخبّريني ما للنساء وقَوْد الجيوش، والبروز للرجال، والوقوع بين أهل القبلة، وسفك الدماء المحرّمة؟! ثمَّ إنّكِ طلبتِ على زعمكِ دمَ عثمان، وما أنتِ وذاك؟! عثمانُ رجلٌ من بني أميّةَ، وأنتِ من تيمٍ، ثمَّ بالأمسِ تقولين في ملأٍ من أصحابِ رسولِ اللهِ (صلَّى الله عليه وآله): اقتلوا نعثلاً – قتله الله -؛ فقد كفر.

ثمَّ تطلعين اليوم بدمه؟! فاتّقي الله، وارجعي إلى بيتكِ، واسبلي عليكِ ستركِ، والسلام»(2).

 فإمّا أن تكون أمّ المؤمنين على صوابٍ في مقولتها، ومظلوميّة الخليفة، أو أنّها مخطئةٌ في ذلك، وعلى كلّ جوابٍ سيكون طعناً في شخصٍ لا يرضى القاضي بالطعن فيه.

وكلّ هذا يتنافى مع مقام تطهيرها من الرجس، هذا إذا سلّمنا بأنّها داخلةٌ في ضمن من عصمهم الله من الرجس، وطهّرها تطهيراً.

الخلاصة: إنّ مثل المواقف المتقدّمة للسيّدة عائشة لا يمكن أن تجُمع مع العصمة الّتي تُفهم من الآيات، فكيف يمكننا أن نجمع بين الموقفين؛ بين العصمة الّتي أوجبها القرآن لأمّ المؤمنين عائشة، وبين مخالفتها لصريح القرآن في قوله: {وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ}؟! عودةٌ للكاتب: قال القاضي: (وجاء في صحيح مسلمٍ، عن عائشة، قالتْ: (خرج النبيّ (صلى الله عليه [وآله] وسلم) غداةً، وعليه مرطٌ من شعرٍ أسود، فجاء الحسن بن عليٍّ، فأدخله، ثمّ جاء الحسين، فدخل معه، ثمّ جاءتْ فاطمة، فأدخلها، ثمّ جاء عليٌّ فأدخله، ثمّ قال: {إِنمَّاَ يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}.

من روايتكم أدينكم: طبعاً المصدر من أهمّ مصادر أهل السنّة والجماعة، ولا أحد منهم يمكنه الطعنُ فيه البتّة، وأيضاً راوية هذه الرواية امرأةٌ جليلة القدر، عظيمة المنزلة والمقام، كيف لا وهي أمّ المؤمنين السيّدة عائشة؟! ولكن لنا أن نتأمّل من جديدٍ في هذه الرواية: أوّلاً: إذا كانتْ هذه الآية لعموم أهل النبيّ – بما فيهم زوجاته، وأعمامه، وأبناؤهم -، لماذا لم تدخل أمّ المؤمنين عائشة معهم تحت الكساء؛ حتّى تكون سادسةً لهم؟! ولماذا لم يأمرها النبيّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) بالدخول؟! ثانياً: لماذا لم يقرأ الآية من بدايتها؟! فإذا كانتْ الآية نازلةً في مناسبةٍ واحدةٍ، كان من الأولى أن يقرأ الآية بما ورد في صدرها.

 إنَّ النبيّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) لا يمكنه أن يبدأ بصدر الآية؛ باعتبار أنّ صدرها يخالف ذيلها، والذيل فيه أرفع معاني الطهارة، والعفّة عن الذنوب، والأمر الأهم: أنّه (صلَّى الله عليه وآله) كان يتلو الآية بمحضر الأنوار الأربعة.

 ثالثاً: لابدّ أن نرجع إلى سبب نزول هذه الآية المباركة، وهي قد نزلت في بيت أمّ المؤمنين السيّدة أمّ سلمة، حيثُ قالت أمّ المؤمنين أمّ سلمة: إنّ هذه الآية قد نزلت في بيتها، وهي همّتْ أن تدخل معهم تحت الكساء، إلاّ أنّ النبيّ قال لها: لا، إنّكِ إلى خيرٍ، إنّكِ من زوجات النبيّ.

 ولا يبعد أنّ النبيّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) قد فعل ذلك مراراً أمام زوجاته؛ حتىّ يُثبت لهنَّ أنهنَّ لسنَ ممّن عنى بهم النصّ القرآنيّ. من أراد المزيد حول هذه الآية يمكنه أن يُراجع مصادر التفسير والتاريخ في سبب نزول هذه الآية المباركة.

 وقفة مع آية المباهلة: وهي قوله تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}(3).

وفي سبب نزول هذه الآية تواتر عن علماء التفسير نزولها بشأن نصارى نجران، حينما دعاهم النبيّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) للإسلام، واعتراضهم على النبيّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) حينما وصف نبيّ الله عيسى بأنّه بشرٌ، واعتبروا كلام النبيّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) إهانةً للمسيح (عليه السلام)، ولمّا اشتدّت المناقشة فيما بينهم، دعاهم النبيّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) إلى المباهلة.

ما نقله ابن عبّاس: عن ابن عبّاس – وأخرج حديثه جمعٌ من الحفّاظ – قال: إنَّ رهطاً من نجران قدموا على النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)… إلى أن قال: فسكت عنهم، فنزل الوحي: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ…}، ثم قال: وأيم الله أمرني إن لم تنقادوا للإسلام أباهلكم، ثمّ إنّهم وعدوه إلى الغد، فلمّا أصبح رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أقبلَ، ومعه عليٌّ، والحسن، والحسين، وفاطمة، وعند ذلك قال لهم الأسقف: إنّي لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل الجبل لأزاله، فلا تباهلوا، فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصرانيٌّ.

فقال له: لا نباهلك(4).

 وكما في بعض الروايات ذكرت أنّه: إذا باهلنا بقومه باهلناه؛ فإنه ليس نبيّاً، وإن باهلنا بأهل بيته خاصّةً لم نباهله؛ فإنّه لا يُقدم إلى أهل بيته إلا وهو صادقٌ.

 ما نقله الثعلبيّ في تفسيره عن مجاهد والكلبيّ: أنّه (صلَّى الله عليه وآله) لمّا دعاهم إلى المباهلة قالوا: حتّى نرجع وننظر.

 فلمّا تخالّوا قالوا للعاقب – وكان ذا رأيهم – يا عبد المسيح، ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أنّ محمّداً نبيٌّ مرسلٌ، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما باهل قومٌ نبيّاً قطّ فعاش كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لنهلكنّ، فإن أبيتم إلاّ إلف دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجل، وانصرفوا إلى بلادكم.

ومن خلال التأمل في مجموع هذه الروايات والنصوص المنقولة عن الحادثة، تتّضح أهميّة المباهلة أوّلاً لإثبات صدق النبيّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، والأمر الآخر: إثبات درجة – ومقام – الّذين أخرجهم النبيّ لإثبات صحّة دعواه، ويتّضح جليّاً في كلمة الأسقف: يا معشر النصارى، إنيّ لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا، فتهلكوا.

احتجاج أمير المؤمنين بالحديث: ذكر ابن حجرٍ في الصواعق قال: أخرج الدارقطنيّ أنّ عليّاً يوم الشورى احتجَّ على أهلها، فقال لهم: أنشدكم بالله، هل فيكم أحدٌ أقربُ إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في الرحم منّي، ومن جعله (صلَّى الله عليه وآله) نفسه، وأبناءه أبناؤه، ونساءه نساؤه غيري؟! قالوا: اللهم لا.

فهذه منزلة أهل البيت عند النبيّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، وهذا مقامهم يحدّثنا به القرآن الكريم، وخصوصاً ما يرتبط بأمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب من جعله نفساً له (صلَّى الله عليه وآله)، حتّى قالوا: بأنّ عليّاً له مقامات النبيّ كلّها، سوى النبوة.

وهذا ما ذكره سماحة السيّد عليّ الميلانيّ في بحثه (آية المباهلة)، حيثُ يقول: (… ولم يُخرج رسول الله إلاّ عليّاً، فكان عليٌّ نفس رسول الله، إلاّ أنّ كون عليٍّ نفس رسول الله بالمعنى الحقيقيّ غير ممكنٍ، فيكون بالمعنى المجازيّ هو المراد… فأقرب المجازات إلى المعنى الحقيقيّ في مثل هذا المورد هو: أن يكون عليٌّ مساوياً لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، إلاّ أنّ المساواة مع رسول الله في جميع الجهات – وفي جميع النواحي – حتّى النبوة، لا.

 فتخرج النبوّة بالإجماع على أنّه لا نبيّ بعد رسول الله، وتبقى بقيّة مزايا رسول الله، وخصوصيّات رسول الله، وكمالات رسول الله موجودةً في عليٍّ، بمقتضى الآية المباركة(5).

 عودةٌ للكاتب: إنَّ القاضي اكتفى بذكر هاتين الآيتين في فضائل أهل البيت (عليهم السلام)، ولكن ما جاء في حقّهم كثيرٌ وكثيرٌ، سواء بالعموم، أو الخصوص.

  عليٌّ في القرآن الكريم:

 1) عن ابن عبّاس (رضيَّ الله عنه) قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «إنّ القرآن أربعة أرباعٍ، فربعٌ فينا أهل البيت خاصّةً، وربعٌ في أعدائنا، وربعٌ حلالٌ وحرامٌ، وربعٌ فرائض وأحكام، وإنَّ الله أنزل في عليٍّ كرائم القرآن»(6).

 2) عن ابن عبّاسٍ (رضيَّ الله عنه): «نزل في عليٍّ أكثر من ثلاثمائة آيةٍ في مدحه»(7).

 3) عن مجاهد قال: نزلت في عليٍّ سبعون آيةً، لم يشركه فيها أحدٌ(8).

 4) عن ابن عبّاسٍ (رضيَّ الله عنه) قال: ليس من آيةٍ في القرآن {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} إلاّ وعليٌّ أميرها، وشريفها، ولقد عاتب الله أصحاب محمّدٍ في القرآن، وما ذكر عليّاً إلاّ بخيرٍ.

 5) عن الإمام أحمد بن حنبل أنّه قال: ما جاء لأحدٍ من أصحاب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من الفضائل ما جاء لعليّ ابن أبي طالب. ونُقل عنه أيضاً أنّه كان يقول: ما لأحدٍ من الصحابة من الفضائل بالأسانيد الصحاح ما لعليّ.

 فهذا هو إمام القاضي يصرّح بأن ما جاء في فضل أمير المؤمنين لم يأتِ لأحدٍ من الصحابة كلّهم، فما لنا نراه يساوي غيره من الصحابة به، بل يفضّل الآخرين عليه؟! لمَ لم ينصف القارئ حينما أعرض عن ذكر فضائل أهل البيت، وإمامهم الأوّل؟! لماذا أرجعَ الكاتب إلى صحيح البخاري(9)، وصحيح مسلم بالذّاتِ في الأخذ بروايات الفضائل؟! لا أدري، لعلّ اللبيب يدري، وكما تعوّدنا، فإنّ يد السياسة قد دخلتْ في هذا الكتيّب الصغير أيضاً(10).

  آية المودّة: إضافةً لما ذكره سماحة القاضي، أحببتُ أن أذكر جملةً من الآيات الّتي نزلت في فضل أهل البيت (عليهم السلام)؛ وذلك تيمّناً بذكرهم. وممّا جاء في القرآن الكريم بفضل أهل البيت (عليهم السلام) آية المودّة، وهي قوله – عزَّ من قائلٍ -: {قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}(11).

 إنّ النبيّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) – وبقيّة الأنبياء السابقين – لم ينتظروا من أقوامهم، وعشائرهم، وجماعاتهم أيّ أجرٍ مقابل الدعوة الإلهيّة، ولقد بيّنتْ جملةٌ من الآيات هذا الأمر على لسان جملةٍ من الأنبياء، وإنمّا حصروا الأجر والمجازاة من الله، {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ}.

 ولمّا جاء المسلمون للنبيّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) لكي يعطوه أجراً على صبره وتحمّله ما لقي من وجهاء قريشٍ، والمشركين، ومن المنافقين، نزل الوحي أنْ يا محمّد قل: {لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً}؛ اقتداءً بالأنبياء السابقين، ولكن بما أنّ هذه الشريعة خاتمةٌ، وهي بحاجةٍ إلى من يبلّغها إلى قيام الساعة، فربط قضيّة الأجر بقرباه {إِلاَّ الْمَوَدَّةَ في الْقُرْبىَ}، وهذه توصيةٌ من النبيّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) بقرباه، حتّى جاء المسلمون يسألون النبيّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله): مَنْ هؤلاء الّذين وجبت علينا مودّتهم؟ أو في نقلٍ آخر: مَن قرابتك الّذين فرض الله علينا مودّتهم؟ قال: عليٌّ، وفاطمة، وابناهما(12).

 هذه فضيلةٌ خاصّةٌ بأهل البيت (عليهم السلام)، لا يشاركهم فيها أحد، وهذه المحبّة والمودّة إليهم خاصّةً، لا كما يدّعيه الكاتب، وما يقرّره من أنَّ المحبّة والمودّة لانتسابهم للنبيّ الأكرم، وكأنمّا يريد أن يُلغي الخصوصيّة لأهل البيت، وأنّهم نالوا هذه الفضيلة والمنقبة فقط لأنّهم أهل بيت النبيّ.

 آية هل أتى: وممّا جاء في فضل أهل البيت (عليهم السلام) أيضاً قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا…}(13).

حيث ينقل ابن عبّاسٍ أنّ الحسن والحسين مرضا، فعادهما رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في ناسٍ معه، فقالوا: يا أبا الحسن، لو نذرت على ولدك، فنذر عليٌّ، وفاطمة، وفضّة ـ جاريةٌ لهما ـ إنْ برئ ممّا بهما أن يصوموا ثلاثة أيّامٍ، فشفيا، وما معهم من شيءٍ، فاستقرض عليٌّ من شمعون اليهوديّ ثلاثة أصواعٍ من شعيرٍ، فطحنتْ فاطمةُ صاعاً، واختبزتْ خمسة أقراصٍ على عددهم، فوضعوها بين أيديهم؛ ليفطروا، فوقف عليهم سائلٌ، فقال: السلام عليكم أهل بيت محمّدٍ (صلَّى الله عليه وآله)، مسكينٌ من مساكين المسلمين، أطعموني، أطعمكم الله من موائد الجنّة.

 فآثروه، وباتوا لم يذوقوا إلاّ الماء، وأصبحوا صياماً، فلمّا أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم، وقف عليهم يتيمٌ، فآثروه، ووقف عليهم أسيرٌ في الثالثة، ففعلوا مثل ذلك، فلمّا أصبحوا أخذ عليٌّ بيد الحسن والحسين، وأقبلوا إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فلمّا أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع، قال: ما أشدّ ما يسوؤني ما أرى بكم.

 وقام، وانطلق معهم إلى فاطمة في محرابها، قد التصق ظهرها ببطنها، وغارت عيناها، فساءه ذلك، فنزل جبرئيل، وقال: خذها يا محمّد، هنّأك الله في أهل بيتك، فأقرأه السورة.

آية النجوى: وهذه الآية من الآيات الّتي اختصّ بها أمير المؤمنين، ومولى الموحّدين، أبو الحسن والحسين، عليّ ابن أبي طالب، (عليه آلاف التحيّة والسلام)، حيثُ لم يعمل بها إلا هو.

 قال تعالى – موجّهاً خطابه للمسلمين -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(14).

 وفي سبب نزول آية النجوى يذكر المفسّرون أنّ الأغنياء كانوا قد أكثروا مناجاة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وغلبوا الفقراء على المجالس عنده، حتىّ كره رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ذلك؛ لطول جلوسهم، ومناجاتهم، فأنزل الله الآية.

وأيضاً يذكر المفسّرون بأنّ المسلمين بعد نزول هذه الآية المباركة لم يقوموا بمناجاة الرسول (صلَّى الله عليه وآله)، وأنّ الشخص الوحيد الّذي عمل بهذه الآية هو علي ابن أبي طالب، حيثُ نقل الطبريّ في تفسيره، والواحديّ في أسباب النزول، وغيرهما على لسان عليّ ابن أبي طالب أنّه قال: إنّ في كتاب الله لآيةً ما عمل بها أحدٌ قبلي، ولا يعمل بها أحدٌ بعدي، آية النجوى، كان عندي دينارٌ، فبعتُه بعشرة دراهم، فكنت كلّما ناجيتُ رسول الله قدمت بين يدي نجواي درهماً.

 وهناك الكثير من الآيات الّتي نزلت في فضل أهل البيت (عليهم السلام)، أو في الإمام عليّ ابن أبي طالب (عليه السلام) بالخصوص، ولكن لم يسع الوقت لتسطيرها، نأمل في القريب العاجل أن ندوّن ما استطعنا تدوينه من فضائله، ومناقبه.

 الخلاصة: إنّ فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) وأهل البيت (عليهم السلام) أكثر من أن تحصى في هذا البيان، وإنّ كلمة الإمام أحمد بن حنبل لأبلغُ في إثبات كثرة الفضائل والمناقب الّتي حازها مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومن خلال نفس كلمة الإمام أحمد نستشفّ بأنّه (عليه السلام) أفضل من سائر الصحابة، وهو الفاضل، وغيره مفضولٌ، والحمد لله الّذي هدانا لهذا، وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله.

 المناقشة التاسعة: بعد أن سرد المؤلّف هذه التهم، واستغفل القارئ فيها، وأبان للجاهل بأنّ هذه هي معتقدات الشيعة، جاء ليُثبت للبسطاء أنّ عقيدة أهل السنّة في أهل البيت هو ما قرره شيخه ابن تيميّة، المعلن للنصب والعداوة لأهل البيت (عليهم السلام)، الطاعن في مقاماتهم، المنكر لفضلهم.

 حيث نقل الكاتب عن شيخه ابن تيميّة ما يلي: (ويحبّون – أي: أهل السنّة والجماعة – أهل بيت رسول الله(صلى الله عليه [وآله] وسلم)، ويتولّونهم، ويحفظون فيهم وصيّة رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم)، حيث قال في يوم غدير خمٍّ: أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي).

 لكي لا يكون كلامنا مجرّد دعوى وتهمٍ ضد شيخهم ابن تيميّة، نستعرض بعض ما بحثه المحقّق، آية الله السيّد عليّ الميلانيّ حول شخصيّة ابن تيميّة.

 وقفةٌ يسيرةٌ حول ابن تيميّة ونصبه العداء لأهل البيت (عليهم السلام)، وعلى الخصوص إمامهم أمير المؤمنين (عليه السلام): نختصر المقام بذكر ما قاله المحقّق، آية الله السيّد عليّ الميلانيّ (حفظه الله) حول بغض ابن تيميّة لعليّ ابن أبي طالب (عليه السلام): (وأبدأ بحثي بكلمةٍ لابن حجر العسقلانيّ الحافظ، بترجمته من كتاب: (الدرر الكامنة، في أعيان المائة الثامنة)، حيث يذكر قضايا مفصّلةً بترجمة ابن تيميّة، وحوادث كلّها قابلةٌ للذكر، إلاّ أنّي أكتفي بنقل ما يلي: يقول الحافظ: وقال ابن تيميّة في حقّ عليٍّ: أخطأ في سبعة عشر شيئاً، ثمّ خالف فيها نصّ الكتاب… إلى أن يقول: ومنهم من ينسبه – أي: ابن تيميّة – إلى النفاق؛ لقوله في عليٍّ ما تقدّم، – أي أنّه أخطأ في سبعة عشر شيئاً -، ولقوله: إنّه – أي: عليٌّ – كان مخذولاً حيثما توجّه.

 وأنّه حاول الخلافة مراراً فلم ينلها. وإنّما قاتل للرئاسة لا للديانة. ولقوله: إنّه كان يحبّ الرئاسة. ولقوله: أسلم أبوبكر شيخاً يدري ما يقول، وعليٌّ أسلم صبيّاً، والصبيّ لا يصحّ إسلامه.

وبكلامه في قصّة خطبة بنت أبي جهلٍ، وأنّ عليّاً مات وما نسيها. فإنّه شنّع في ذلك، فألزموه بالنفاق، لقوله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): ولا يبغضك إلاّ منافقٌ)(15).

 ومن خلال كلمة ابن حجرٍ، فلو وصفنا ابن تيميّة بالمنافق، لم يكنْ ذلك بدعاً.

 ثمّ يقول ابن تيميّة في منهاجه: (إنّ الرافضة تعجز عن إثبات إيمان عليٍّ وعدالته… فإنْ احتجّوا بما تواتر من إسلامه، وهجرته، وجهاده، فقد تواتر إسلام معاوية، ويزيد، وخلفاء بني أُميّة، وبني العباس، وصلاتهم، وصيامهم، وجهادهم). وفي مكانٍ آخر قال: (لم يُعرف أنّ عليّاً كان يبغضه الكفّار، والمنافقون).

 وأيضاً قال: (كلّ ما جاء في مواقفه في الغزوات – كلّ ذلك – كذبٌ). وإلى هنا نصل إلى ابن تيميّة في إنكاره لفضائل أمير المؤمنين، ومولى المتقين، وقائد الغرّ المحجّلين؛ حتىّ يتبيّن للقارئ المنصف: هل أنّ ابن تيميّة وأتباعه ـ والمؤلّف ممّن يتّبع شيخه ابن تيميّة ـ عرفوا حقّهم، وحفظوا فضائلهم، أم هو زعمٌ لا يقوم عليه دليلٌ؟! نترككم الآن مع نصب وعداء ابن تيميّة بحقّ أمير المؤمنين (عليه السلام):

 1) حديث: «أنا مدينة العلم، وعليٌّ بابها»، يقول فيه: وحديث: «أنا مدينة العلم، وعليٌّ بابها» أضعف وأوهى، ولهذا إنّما يعدّ في الموضوعات(16).

مناقشة ابن تيميّة: ادّعى المذكور بأنّ هذا الحديث موضوعٌ، مع أنّ من رواته كلٌّ من: – أحمد بن حنبل. – الترمذيّ. – ابن جرير الطبريّ. – الحاكم النيسابوريّ. – البيهقيّ. – ابن الأثير. – النوويّ. – ابن حجر العسقلانيّ. – السيوطيّ. – ابن حجر المكّيّ. وقد صحّحه غير واحدٍ من هؤلاء الأئمّة.

 2) وحول حديث: «أقضاكم عليٌّ»، يقول: فهذا الحديث لم يثبتْ، وليس له إسنادٌ تقوم به الحجّة، لم يروه أحدٌ في السنن المشهورة، ولا المساند المعروفة، لا بإسنادٍ صحيحٍ، ولا ضعيفٍ، وإنّما يروى من طريق من هو معروفٌ بالكذب(17).

   مناقشة ابن تيميّة: هذا الحديث موجودٌ في: صحيح البخاريّ، في كتاب التفسير، باب قوله تعالى: {مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْر مِنْهَا}، كذا في الدرّ المنثور، وعن النسائيّ أيضاً، وابن الأنباريّ، ودلائل النبوّة للبيهقيّ، وهو في الطبقات لابن سعدٍ، وفي المسند لأحمد بن حنبل، وبترجمة الإمام عليٍّ (عليه السلام) من سنن ابن ماجة، وفي المستدرك على الصحيحين، وقد صحّحه، وفي الاستيعاب، وأُسد الغابة، وحلية الأولياء، وفي الرياض النضرة، وغيرها من الكتب(18).

 ويقول ابن تيميّة: وقوله – أي العلاّمة الحليّ -: (ابن عبّاسٍ تلميذ عليٍّ.) كلامٌ باطلٌ(19). في مقام الردّ: يقول المنّاوي في فيض القدير بشرح حديث: «عليٌّ مع القرآن، والقرآن مع عليٍّ»، يقول: ولذا كان – أي: الإمام عليّ (عليه السلام) – أعلم الناس بتفسيره…، إلى أن قال: حتّى قال ابن عبّاسٍ: ما أخذتُ من تفسيره – أي: تفسير القرآن – فعن عليٍّ(20). 

   ويقول أيضاً: وأما قوله: قال رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم): «أقضاكم عليٌّ»، والقضاء يستلزم العلم والدين، فهذا الحديث لم يثبتْ، وليس له إسنادٌ تقوم به الحجّة، وقوله: «أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل» أقوى إسناداً منه، والعلم بالحلال والحرام ينتظم القضاء أعظم ممّا ينتظم للحلال والحرام(21). ويقول أيضاً: والمعروف أنّ عليّاً أخذ العلم عن أبي بكرٍ(22).

 للصدق حدودٌ، والكذب لا حدود له، فتأمّل. ويقول أيضاً: له – أي: لأمير المؤمنين – فتاوى كثيرةٌ تخالف النصوص(23).

 ويقول أيضاً: وعثمان جمع القرآن كلّه بلا ريبٍ، وكان أحياناً يقرؤه في ركعةٍ، وعليٌّ قد اختُلِفَ فيه، هل حفظ القرآن كلّه أم لا؟(24) كانت هذه وقفةً يسيرةً حول أقوال ابن تيميّة، – الّذي عرف مقام أهل البيت، وأقرّ بفضائلهم كما يدّعيه المؤلف -، ومن أراد المزيد من دعاواه فليراجع منهاج السنّة، هذا الكتاب المليء بالدعاوى المفتراة على الأئمّة، وعلى جميع علماء أهل السنّة، وينسب لهم أقوالاً لم يقولوها، ويدلّس على الجهّال، ومن لا فقه له، ولا علم.

 بعد هذه الوقفة نقول لهذا الكاتب الّذي استغفل القارئ: أيّ فضيلةٍ لعليّ ابن أبي طالب (عليه السلام) لم ينكرها؟! وماذا تبقّى حتى ينكره؟! وهل تصدّق الآن – أخي العزيز- هذه الدعاوى الّتي يدّعيها المؤلّف وأتباعه؟! فهؤلاء المدّعون – وبهذه الدعاوى، وهي محبّتهم لأهل البيت (عليهم السلام) – يريدون أن يجلبوا قلوب الشيعة إليهم، ويستمعوا منهم، على أنّهم على حقٍّ وهدى، ولكن أنّى لهم أن يخدعوا مشاعر المسلمين؟! ويدّعون حبّ أهل البيت (عليهم السلام)، وها هي أباطيلهم منتشرةٌ بين المؤلّفات

المصادر والهوامش

  • (1) الغدير، ج9، ص116، نقلاً عن أنساب الأشراف للبلاذريّ: ج6، ص193.
  • (2) الغدير، ج9، ص118، نقلاً عن تذكرة الخواصّ: ص69.
  • (3) آل عمران: 61.
  • (4) روح المعاني للآلوسيّ، الدرّ المنثور للسيوطيّ، شواهد التنزيل للحاكم، وتفسير الطبريّ.
  • (5) آية المباهلة: ص30.
  • (6) شواهد التنزيل للحاكم، ج1، ص42 -43.
  • (7) ينابيع المودّة للقندوزيّ، ص126.
  • (8) شواهد التنزيل.
  • (9) كلمة القاضي: «… أيّها القارئ الكريم -من غير إلزامٍ- انظر في فهارس صحيح البخاريّ، ومسلم، وغيرها من مصادر أهل السنّة؛ لكي تدرك الأحاديث الّتي رواها أهل السنّة في كتبهم في مناقب وفضائل أهل البيت، والّتي منها ما رُوي عامّاً، ومنها ما ورد بذكر الأعيان». آل البيت وحقوقهم الشرعيّة: ص20.
  • (10) ذكر مجموعةٌ من المحقّقين والكُتّاب بشأن تعظيم صحيح البخاريّ ومسلم لأمورٍ، وكان من أهمّها أنّ هذين الرجلين كانا منحرفين عن أهل البيت (عليهم السلام)، ولهذا صار هذان الكتابان من أعظم الكتب بعد كتاب الله، وتجد ذلك جليّاً لعدم ذكرهم ولا روايةً واحدةً عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق، مع أنّهم جاؤوا من بعده، ويصرّح بعضهم بأنّ هذه العظمة والقدسية والمنزلة للبخاريّ بالذات، ومسلم كان لإعراضهم عن أهل البيت متابعةً للحكّام الجائرين في تلك الفترة.
  • (11) سورة الشورى، 23.
  • (12) تفسير الرازيّ، الزمخشريّ في الكشّاف، الآلوسيّ في روح المعاني، ابن كثير في تفسيره، البيضاويّ في تفسيره، السيوطيّ في الدرّ المنثور في تفسير الآية.
  • (13) سورة الإنسان، الآيتان 7 -8.
  • (14) سورة المجادلة، الآية 12.
  • (15) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، 1/154 ـ 155.
  • (16) منهاج السنّة: ج7، ص515.
  • (17) منهاج السنّة: ج7، ص512.
  • (18) الطبقات الكبرى لابن سعدٍ، ج2، ق2، ص102.
  • (19) منهاج السنّة: 7 / 536.
  • (20) فيض القدير في شرح الجامع الصغير، 4/357.
  • (21) منهاج السنّة: 7 / 512 ـ 513.
  • (22) منهاج السنّة: 5 / 513.
  • (23) منهاج السنّة: 7 / 502.
  • (24) منهاج السنّة: 8 / 229.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى