ابن أبي الحديد بين الإعتزال والتشيّع

 بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلامُ على أشرفِ الخلق والمرسلين، محمّد وآله الطيبين الطاهرين.

 مقدّمة البحث قد يتصوّر البعض بأن تُهمة التشيّع لعلي ابن أبي طالب (عليه السلام) عندما تُطلقُ على بعض الأعلام والعلماء تُسبّب لهم التضعيف والخدش في صحة ما ينقله أو ما يرويه، وقبل قبول هذا التضعيف أو التهمة يجب علينا أن ننظر في هذه التهمة ونجعلها في قفص البحث، ولا يمكننا أن نتنازل للخصم لأي إشكالٍ وشبهة يطرحها، ونُسايره في مبانيه الخاطئة، بل يجب على العلماء تبيين الآراء الصحيحة من السقيمة، وتوضيح المباني الصحيحة من الخاطئة، وتفهيم الطرف الآخر من المخالفين خطأ ما يتوهمون، لا المسايرة لما يدّعون والقبول بما يقولون.

 نعم، يوجد صنفان من المخالفين: الأول: يمكنك إقناعه بهذه الحقيقة ويمكنك إلزامه بأقوال هؤلاء الرجال والأعلام، والصنف الثاني: وهم المتشدّدون والمتعصّبون والذين لا يقبلون الحق بتاتاً ويرفضون كل فكرة تناقشها وتطرحها عليهم، نحن لا يمكننا أن نناظر الصنف الثاني ونستدل عليه بما ورد عن هؤلاء الأعلام -كابن أبي الحديد المعتزلي- ولكن أقول: حتّى لو أنّك استدللت على كلامك وعقيدتك بما يطرحه ابن تيمية فإنه سيماطل عن الحق ويرفضه.

 وفي هذا البحث أسعى لكي أُسلّط الضوء أولاً على ضابطة التشيّع، وكيف نحكم بأنَّ فلاناً شيعيّاً أو لا؟ وهذه كبرى البحث، وفي المقام الثاني: نرى ونُطبّق هذه الكبرى على الأعلام الذين أُطلقت عليهم هذه التُهمة، والمقام الثالث: نستشهد على ما نذهب إليه من بعض كتبه ونبيّن جملة من عقائده وآرائه حتّى يتبيّن الحق في النسبة أو بطلانها، لنحصل على نتيجة وهي صحّة الاحتجاج على الخَصم بما ورد في كتب المخالفين المتّهمين بالتشيّع أو لا.

 المقام الأول: في بيان من هم الشيعة وأهمُّ عقائدهم؟! الشيعة كلمة أصلها (شيع)، وقد ذكر اللغويون تحت هذه المادة أنها تُطلق على الجماعة والفرقة التي لها أفكار ومعتقدات واحدة يشتركون فيها.

 وعند المتكلّمين والفقهاء أن الشيعي هو من تابع عليَّ ابن أبي طالب واعتقد بإمامته، وفي هذا الصدد نستشهدُ ببعض كلمات أهل اللغة في معنى مفردة (الشيعة):

 1- قال الخليل ابن أحمد الفراهيدي (رحمه الله) في كتابه العين (المتوفى في القرن الثالث): “والشِّيعةُ: قوم يتشيّعون، أي: يهوون أهواء قوم ويتابعونهم. وشيعةُ الرّجلِ: أصحابه وأتباعه. وكلّ قومٍ اجتمعوا على أمرٍ فهم شيعة” (1).

 2- قال ابن منظور في كتابه لسان العرب (المتوفى في سنة 711 هـ): “القومُ الذين يجتمعون على الأمر… وأصلُ الشيعة الفِرقة من الناس، ويقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنّث بلفظٍ واحد ومعنى واحد، وقد غلَبَ هذا الاسم على من يَتَوالى عَلِيّاً وأهلَ بيته (رضوان الله عليهم أجمعين) حتّى صار لهم اسماً خاصّـاً فإذا قيل: فلانٌ من الشِّيعة عُرِفَ أنّه منهم… وأصلُ ذلك من المُشايعة؛ وهي المُتابعة والمُطاوعة؛ قال الأزهري -صاحب معجم تهذيب اللغة-: والشِّيعةُ قومٌ يَهوون هوى عِترة النبي (صلّى عليه وسلم) ويوالونهم” (2).

 3- قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة (المتوفى في سنة 395): “والشِّيعة: الأعوان والأنصار” (3). نكتفي بهذا المقدار من علماء أهل اللغة، ونُلاحظ أنَّ اللغويين قد أخذوا من لفظة الشيعة هي إجتماعهم على أفكار معيّنة ويتّفقون عليها، وهذه الّلفتة واضحة عند ابن منظور فهو أكثر من فصّل في معنى الشيعة، وذكر بأنَّ هذه اللفظة تُطلق على من يُتابع ويوالي عليَّ ابن أبي طالب وأهل بيته (عليهم السلام). نستعرض بعض كلمات علماء أهل السنة في معنى الشيعة ومِنهم:

 1- الشهرستاني في الملل والنِحل (المتوفى 548 هـ): “الشيعة هم الذين شايعوا عليّـاً وقالوا بإمامته وخلافته نصّـاً ووصايةً إمّا جليّـاً وإما خفيّاً واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره أو بتقيّة من عنده” (4)،وذكر الشهرستاني بعض المعتقدات الأساسيّة للشيعة نذكرها حتّى يقف عليها المنصف: “وقالوا ليست الإمامة قضيّة مصلحيّة تُناط باختيار العامة، وينتصب الإمام بنصبهم (أي العامة)، بل هي قضيّة أصوليّة، وهي ركن الدين لا يجوز للرسل عليهم الصلاة والسلام إغفاله وإهماله ولا تفويضه إلى العامة وإرساله. ويجمعهم (أي الشيعة) القول بوجوب التعيين والتنصيص وثبوت عصمة الأنبياء والأئمة وجوباً عن الكبائر والصغائر والقول بالتولي والتبري قولاً وفعلاً وعقداً إلا في حال التقيّة” (5).

 2- ابن خلدون في تاريخه (المتوفى في 808 هجرية): “إعلم أنَّ الشيعةَ لُغةً هم الصحبُ والأتباعُ، ويُطلقُ في عُرف الفقهاء والمتكلمين من الخلف والسلف على أتباع علي وبنيه (رضي الله عنهم)”(6). وبعدَ ذلك يستعرض ابن خلدون مسألة الإمامة ورأي الشيعةُ فيها فيقول: “ومذهبهم جميعاً متفقين عليه أنَّ الإمامةَ ليستْ مِن المصالحِ العامةِ الّتي تُفوّضُ إلى نظرِ الأمّةِ ويتعيّنُ القائمُ بها بتعيينهم (أي تعيين الأمة)، بل هِيَ ركنُ الدينِ وقاعدةُ الإسلامِ، ولا يجوزُ لنبيٍّ إغفاله ولا تفويضه إلى الأمّة، بل يجب عليه تعيين الإمام لهم، ويكونُ معصوماً من الكبائر والصغائر…” (4).

 3- محمّد فريد وجدي في كتابه دائرة معارف القرن العشرين: “والشيعة هم الذين شايعوا علـيّاً في إمامته و اعتقدوا أن الإمامة لا تخرج عن أولاده، ويقولون بعصمة الأئمة من الكبائر و الصغائر و القول بالتولي و التبريّ قولاً وفعلاً إلا في حال التقيّة إذا خافوا بطش ظالم”(8).

 ونقفُ على كلمات أحد العلماء الإماميّة في هذا الصدد، حيث يقول العلامة السيد محسن الأمين (رحمه الله) صاحب كتاب أعيان الشيعة: “قال المرتضى (رحمه الله) في كتاب العيون والمحاسن من كتاب المجالس للمفيد: هم (أي الإماميّة) القائلون بوجوب الإمامة والعصمة ووجوب النص، وإنما حصل لها هذا الاسم في الأصل لجمعها في المقالة هذه الأصول، وقال السمعاني في الأنساب: الإماميّة جماعةٌ من غُلاة الشيعة، وإنما لُقِّبوا بهذا اللقب لأنهم يرون الإمامة لعلي وأولاده ويعتقدون أنه لا بد للناس من الإمام وينتظرون إماماً سيخرج في آخر الزمان يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً.

 أقول (والقول للأمين): تبرأ الإماميّة الاثنا عشريّة من كل غالٍ في أحدٍ من أهل البيت مخرج له عن درجة العبودية…” (9). بعد هذا الإستعراض الموجز لبعض كلمات اللغويين وبعض العلماء من كلا الفريقين نخرج بنتيجة مهمّة وحسّاسة، وهي المحور الأساسي في بحثنا هذا.

 والنتيجة هي: أنَّ المعيارَ والضابطةَ لإطلاقِ ونسبةِ التشيّع للآخرين تعتمدُ على اتّباعِ هذا الفرد إلى أمير المؤمنين وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام)، والاعتقادُ بإمامتهم وموالاتهم والبراءة من أعدائهم، والالتزام بسائر العقائد التي قرّرها علماء الإماميّة في مصنّفاتهم، وهذه العقائد هي التي تُعتبر فيصل بين المذهب الشيعي والمذهب المخالف له، وأمّا لو اعتقد بشيءٍ من عقائد الشيعة الإماميّة من دون التولّي الكامل لهم والبراءة الكاملة لأعدائهم فلا يُعتبر هذا الفرد شيعيّـاً بالمصطلح الخاص.

 بعد استخلاص هذه النتيجة يجدرُ بنا أن نوضّح للقارئ الكريم أنَّ مصطلح التشيع قد يُطلق ويُراد به معنىً غيرَ الذي ذكرتُه آنفاً وذلك بسبب مِلاكات مختلفة، ولمزيد من البيان والإيضاح أنقلُ لك -أيها القارئ الكريم- كلاماً لسماحة العلامة المحقّق الشيخ السبحاني (حفظه الله) حيثُ يقول: “1.

 الشيعة: مَن أحبَّ عليّاً وأولاده باعتبارهم أهل بيت النبي (صلَّى الله عليه وآله) الذين فرض الله سبحانه مودّتهم، قال: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾  (10)،والشيعة بهذا المعنى تعمُّ كل المسلمين إلا النواصب، بشهادة أنّهم يُصلُّون على نبيّهم وآله في صلواتهم وأدعيتهم ويتلون الآيات النازلة في حقِّهم صباحاً ومساءً…”. ويُكمل فيقول: “2.

 الشيعة: مَن يُفضِّل عليّاً على عثمان أو على الخلفاء عامّة مع اعتقاده بأنّه رابع الخلفاء، وإنّما يقدّم لاستفاضة مناقبه وفضائله عن الرسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)، والتي دوّنها أصحاب الحديث في صِحاحهم ومسانيدهم…”. ويضيف المعنى الثالث فيقول: “3. الشيعة: مَن يُشايع عليّاً وأولاده باعتبار أنهم خلفاء الرسول (صلَّى الله عليه وآله) وأئمة الناس بعده، نصبهم لهذا المقام بأمر من الله سبحانه”(11). بعد ذكر ما قاله العلامة المحقق (حفظه الله) نقول: إنَّ المعنى الأول والثاني لا يمكننا التسامح في إطلاقهما على المذهب الشيعي المعروف الآن والمنتشر في العالم الإسلامي، فالأول إذا أعتبرنا أن المحبّة هي الأساس لم يكن هناك أي فرق بين المسلمين، ولا يمكن تقسيم المسلمين إلى سُنّة وشيعة.

 والمعنى الثاني (وهو تفضيل الإمام علي على عثمان أو سائر الخلفاء) لا يمكن الإعتماد عليه أيضاً كضابط صحيح للتفريق بين الشيعي والسنّي، والسبب يرجع إلى أنَّ علماء الجرح والتعديل استخدموا هذا النبز (الشيعي والتشيّع) لإسقاط الرواة والروايات التي فيها شمّة تشيّع، فلا يجدون طريقاً للطعن في هذه الروايات إلا اتهامهم بالتشيّع، فتُرفض الروايات، ولكن هل هذه النسبة صحيحة أم لا؟! لا يهتمّون بها.

وهل هذا ميزانٌ صحيحٌ في الجرح والتعديل؟ فهو موضوع يحتاج إلى بحثٍ مستقل. فيبقى المعنى الثالث هو الذي يحمل الضابطة الصحيحة للتفريق بين الشيعي من السني، وهي اعتبار الاعتقاد بإمامة علي ابن أبي طالب والأئمة من ذريّته (عليهم السلام)، والقول بأنهم منصّبون بأمر الله، والقول بعصمتهم جميعاً (عليهم السلام)، فهذه من أهمَّ العقائد التي يلتزم بها سائر الموالون لأهل البيت ويعتقدون إمامتهم، وهم المسمّون بالشيعة الإماميّة الاثني عشريّة.

 المقام الثاني: هل ابن أبي الحديد شيعي؟! وبعد ذكر المقام الأول نكون قد تعرّفنا على الضابط في كون الشخص منتمياً إلى المذهب الشيعي، وبعبارة أخرى (يتشيّع)، وهو كونه ينتمي فعلاً إلى العقائد الإماميّة، ولا تكفي التُهمة والشبهة.

ومن أهمّ تلك العقائد هي القول بأنَّ الخليفة بلا فصل بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) هو الإمام علي ابن أبي طالب (عليه السلام)، وأنّه منصوب من قِبل الله، وأنّ الأئمة الاثني عشر كلّهم معصومون، وأنّ الإمامة في ولديه الحسنين  (عليهما السلام)، وبعد الحسين إلى علي ابن الحسين زين العابدين ثم في ولده إلى الإمام الثاني عشر محمّد بن الحسن المهدي المنتظر (أرواحنا فداه).

 نبذة عن ابن أبي الحديد هو عزُّ الدين بن هبة الله بن محمّد بن محمّد بن الحسين بن أبي الحديد المدائني، أبو حامد: عالم بالأدب، وله شِعرٌ جيّد واطّلاعٌ واسع في التاريخ، وُلِدَ في المدائن في عام 586هـ وانتقل إلى بغداد وخدم الدواوين السُلطانيّة وبرع في الإنشاء، وكان حظيّاً عند الوزير ابن العلقمي.

 وكان فقيهاً متكلّماً جدليّاً ثاقب النظر، وله من المصنّفات تزيد على الخمسة عشر مصنّفاً، مات سنة 655 هـ  1258م. القول في مذهبه أمّا فيما يرتبط بمذهب ابن أبي الحديد، فلو رجعنا إلى بعض كُتبِ التراجم والتأريخ نجد أنَّ بعض المؤرخين ينسبه إلى الإعتزال من دون أي تردّد أو شكِّ أو غمز في هذه النسبة، في حين أنَّ البعض الآخر ينسبه تارةً إلى الإعتزال وآخرى إلى التشيّع، ويبدو أنَّ السبب الذي جعل هذا البعض ينحى هذا المنحى هو التعصّب الأعمى، فهو يُريد تضعيف الرجل بأيِّ شكلٍ كان. النموذج الأول:- الّذي قال بأنّه معتزلي:

 1- الكتبي صاحب كتاب (فوات الوفيّات) المتوفى سنة 764هـ، حيثُ قال: “… عبد الحميد بن هبة الله بن محمّد بن محمّد بن أبي الحديد عز الدين المدائني المعتزلي الفقيه الشاعر…” (12).

 2- الذهبي (المتوفى سنة 748هـ) في تاريخه قائلاً: “… المدائني المعتزلي الفقيه الشاعر الأديب…” (13)، ويقول الذهبي عندما وقف لترجمة أخيه الموفّق (أخو عبد الحميد): “… وكانا من كبار الفضلاء وأرباب الكلام والنظم والنثر والبلاغة، والموفّق أحسنهما عقيدةً، فإن العز معتزلي، أجارنا الله ” (14).

 3- الصفدي (المتوفى سنة 764هـ) في الوافي بالوفيّات: “… المدائني المعتزلي الفقيه الشاعر…” (15).

 4- الزركلي صاحب (الأعلام) (المتوفى سنة 1410هـ) قال: “… عبد الحميد… بن أبي الحديد، أبو حامد، عزّ الدين: عالم بالأدب، من أعيان المعتزلة، له شعر جيد وإطلاع واسع في التاريخ…” (16).

 النموذج الثاني:- الّذي نسبَ إليه الاعتزال والتشيّع: ابن كثير في البداية والنهاية (المتوفى سنة 774هـ)، حيثُ قال: “وفيها كمل شرح الكتاب المسمّى بنهج البلاغة في عشرين مجلّداً ممّا ألّفه عبد الحميد بن داوود بن هبة الله بن أبي الحديد المدائني الكاتب للوزير مؤيّد الدين بن العلقمي، لأنّه كان شيعيّاً معتزليّاً” (17).

 ويقول في نفس الجزء: “ابن أبي الحديد عزّ الدين المدائني الكاتب الشاعر المطبق الشيعي الغالي، له شرح نهج البلاغة في عشرين مجلدا…” (18).

 فهو تارةً ينسبه إلى الإعتزال وآخرى إلى التشيّع بل يعبّر بالغالي، فهذا الأمر إن دلَّ على شيء فهو يدلُّ على تخبّط ابن كثير في إصدار الأحكام والنسب لجميع من يخالفونه في المذهب والإعتقاد، وأنّه لا يُفرّق بين الاعتزال ومذهب التشيّع، وهو أمرٌ واضح لمن يجعل له نصيب للتأمّل في المذاهب والفِرق (19).

 وعلى كلِّ حال، فلو أردنا أن نبحث ونتحرّر من الخلفيّات التي نبني بها أفكارنا ومعتقداتنا، ورجعنا إلى شرحه الكبير والمعروف (شرح نهج البلاغة) وتصفّحنا الكتاب لوجدنا بأن ابن أبي الحديد يُصنِّفُ نفسه في ضمن أتباع المذهب المعتزلي، وعبارته في مقدّمة كتابه خيرُ دليل وشاهد على ذلك، ولا يحتاج الباحث والمتأمّل الكثير من الجهد والنصب لكي يتعرّف على مذهبه.

إليكم بعض الشواهد التي يمكننا تلمّس مذهب ابن أبي الحديد وبوضوح، وأنّه يُصرّحُ في بعضها بأنّه من مذهب المعتزلة، وفي آخرى من كلماته ينتقد آراء الشيعة الإماميّة، وخصوصاً فيما يرتبط بالخلافة والإمامة، والتي ذكرنا سابقاً بأن هناك عقائد أساسيّة عند الإماميّة حتّى يُطلقوا اسم التشيّع عليه.

 الشواهد تحكم الشواهد في نسبته إلى مذهب المعتزلة:

 1- عندما بدأ في ذكر رأي المعتزلة في الإمامة والتفضيل والبُغاة والخوارج قال: “القولُ فيما يذهب إليه أصحابنا المعتزلة في الإمامة…” (10). فإنَّ عبارة أصحابنا المعتزلة واضحة الدلالة على أنّه من المعتزلة، ولو كان في مذهبٍ يخالف المعتزلة لما اعتمد على كلمة أصحابنا، وكان من الأنسب أن يقول “ذهب المعتزلة مثلاً في الإمامة…” من دون ذكر أصحابنا.

 2- قوله: “اتفقَ شيوخنا كافّة رحمهم الله؛ المتقدّمون والمتأخرون والبصريّون والبغداديون على أنَّ بيعة أبي بكر الصديق بيعةٌ صحيحةٌ شرعيّة، وأنّها لم تكن عن نصٍّ، وإنما كانت بالاختيار الذي ثبتَ بالإجماع…”. يتضح من هذه الكلمة أنّه معتزلي يرى ويقول ما تقوله شيوخ المعتزلة سواء من البصريين أو البغداديين.

 ولو تأمّلنا يسيراً ورجعنا إلى السبب الأساسي للخلاف بين السُّنّة والشيعة نجده في خلافة الخلفاء، وأنّ الشيعة عقيدتهم فيها كون أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب  (عليه السلام) هو الخليفة والإمام المنصوب من قِبل الله ، وأنَّ أهل السنة يعتقدون بأنَّ أبا بكر هو الخليفة الذي اختاره الناس للخلافة.

 فلو كان ابن أبي الحديد كما يزعم البعض من المتعصّبين شيعيّـاً لذهبَ لِما تقوله الشيعة الإماميّة في أهم مسألة عقائدية، ونراه قد عرض رأيهم في الخلافة من دون أي خلاف أو ذكر للخلاف عند المعتزلة.

 3- حينما ذكر اختلاف المعتزلة في مسألة التفضيل، وذكر الأقوال والعلماء الذين اختلفوا فيها، بين تفضيل الخلفاء على أمير المؤمنين  (عليه السلام) وبين تفضيله عليهم.

 فيقول: “وأمّا نحن فنذهب إلى ما يذهب إليه شيوخنا البغداديون؛ من تفضيله (عليه السلام)…” (21). وقد ذكرنا في النبذة أن ابن أبي الحديد قد انتقل إلى بغداد وعاش فيها حتّى توفي، فهو ينسب نفسه إلى طائفة علماء المعتزلة البغداديين.

 4- حينما ذكر رأي علماء المعتزلة في حكم البُغاة على أمير المؤمنين  (عليه السلام) فقال: “أمّا أصحاب الجمل فهم عند أصحابنا هالكون كلّهم إلا عائشة وطلحة والزبير؛ رحمهم الله فإنّهم تابوا، ولولا التوبة لـحُكِم لهم بالنار لإصرارهم على البغي” (22).

فهذا الشاهد بالإضافة إلى أنَّ فيه دلالة لفظيّة على كونه معتزليّاً، فإنَّ رأيهم (أي المعتزلة) تجاه أصحاب الجمل يختلف عن رأي الشيعة الإماميّة في السيّدة عائشة وطلحة والزبير؛ فإنّ الإماميّة يقطعون بأنّ كلَّ من خرج وبغى على الإمام المعصوم فهو هالك، وأمّا فذلكة التوبة فهي تحتاجُ إلى دليل خاص حتى يخرجوا من دائرة البغي على الإمام العادل.

 الشواهد في مناقشة عقائد الشيعة:

 1- يقول ابن أبي الحديد: “وتزعمُ الشيعةُ أنّه خوطب في حياة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)  بـ (أمير المؤمنين)…” (23)‏إلى آخر كلامه. فلو كان الرجلُ ينتسب إلى مذهب الشيعة لَـمَـا عبّر بلفظة (تزعم الشيعة).

 2- في قوله: “ودُعِي بعد وفاة رسول الله بوصيّ رسول الله  (صلَّى الله عليه وآله)، لوصايته إليه بما أراده، وأصحابنا لا ينكرون ذلك، ولكن يقولون: إنّها لم تكن وصيّةً بالخلافة…” (24). نستفيد مخالفته لرأي الإماميّة من إنكاره كون الإمام علي وصيَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وهو خلافٌ لما يعتقده الشيعة الإماميّة قاطبة، فإنّ رأي الإماميّة أنها كانت وصاية ترتبط بالإمامة والخلافة من بعده  (صلَّى الله عليه وآله).

 3- في قوله: “واًختُلفَ في مولد عليٍّ أين كان؟ فكثير من الشيعة يزعمون أنّه ولد في الكعبة…” (25). فإنّ استعمال لفظة يزعمون لا تتناسب والقول بأنّ مذهبه التشيّع بالمعنى الذي ذكرناه آنفاً.

 مع أنّ الإماميّة قاطبة قد أجمعوا على هذا القول، بل نقل ولادته في الكعبة جمهور من الصحابة والتابعين والمحدثين، خلافاً لما يزعمه ابن أبي الحديد (26).

 4- في شرحه لكلام الإمام علي (عليه السلام) في المنافقين: «لا يُقاس بآل محمّد من هذه الأمة أحدٌ… ولهم خصائص حقِّ الولايةِ، وفيهم الوصيَّةُ والوراثة»، فقال ابن أبي الحديد: “… ثم ذكر خصائص حق الولاية… فأمّا الإماميّة فيقولون: أراد نصّ النبي عليه وعلى أولاده، ونحن نقول: لـهم خصائص حقّ ولاية الرسول على الخلق”.

ثمّ قال (عليه السلام): «وفيهم الوصية والوراثة»، فأمّا الوصية فلا ريب عندنا أنَّ عليّاً كان وصيّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وإنْ خالف في ذلك مَنْ هو منسوب عندنا إلى العِناد، ولسنا نعني بالوصية النصَّ والخلافة، ولكن أموراً أخرى لعلّها -إذا لُمحت- أشرف وأجلّ. وأمّا الوراثة فالإماميّة يحملونها على ميراث المال والخلافة، ونحن نحملها على وراثة العلم” (27).

 نقول: لا يخفى بأنَّ ابن أبي الحديد يذكر مواطن الخلاف بين رأي الإماميّة وأهل السنة، وهو في أكثرها يقف ويؤيّد رأي أهل السنة وينقد رأي الشيعة الإماميّة، فكيف ينسبون إليه التشيّع وحاله هذا؟ أمّا بالنسبة إلى الوراثة، فالشيعة الإماميّة يحملونها -بالإضافة إلى وراثة العلم- على وراثة الخلافة والإمامة من بعد النبي الأكرم  (صلَّى الله عليه وآله).

 5- شرحه لكلام الأمير (عليه السلام): «… الآن إذْ رجع الحقُّ إلى أهله، ونُقل إلى مُنْتَقَلِهِ» (28)،فقال ابن أبي الحديد: “… وهذا يقتضي أن يكونَ فيما قبل في غير أهله، ونحن نتأوّلُ ذلك على غير ما تذكره الإماميّة” (29).

 فمنه يتبيّن بأنَّ الحق كان مع الخليفة الأول لا مع علي ابن أبي طالب (عليه السلام)، ولا يرى أيَّ حقِّ لعلي ابن أبي طالب (عليه السلام) في أمر الخلافة والإمامة، بل يتأوّل ذلك بتأويلٍ بعيد جدّاً ليس هنا محل مناقشته.

 6- وقوفه على خُطبة الشقشقيّة فأورد على لسانِ مستشكلٍ قائلاً: “إن قيل: بيّنوا لنا ما عندكم في هذا الكلام؟ أليس صريحُه دالاً على تظليم القوم ونسبتهم إلى اغتصاب الأمر! فما قولكم في ذلك؟ إنْ حكمتم عليهم بذلك (أي بالغصب) فقد طعنتم فيهم، وإن لم تحكموا عليهم بذلك فقد طعنتم في المتظلّم المتكلّم عليهم (وهو علي ابن أبي طالب)!(30).

 قيل: أمّا الإماميّة من الشيعة فتُجري هذه الألفاظ على ظواهرها، وتذهب إلى أن النبي نصَّ على أمير المؤمنين وأنّه غُصِبَ حقُّه. وأمّا أصحابنا رحمهم الله…”. فأخذ يؤوّل كلام الأمير الواضح في اغتصاب حقّه والخلافة، ولسنا في صدد بيان المنازعة في الخلافة، وإنما نُورد هذه الأمور حتّى يتبيّن للباحث الحقيقة في مذهب ابن أبي الحديد، وجهل من ينسبه إلى مذهب الحق -الإماميّة- مع هذا الإصرار في تفنيد آراء الإماميّة. وهناك الكثير من الشواهد التي كان يناقش فيها معتقدات الإماميّة أعرضنا عنها حتّى لا نُطيل على القارئ العزيز.

شواهد آخرى مقابلة وهناك بعض الشواهد قد يتوهّم منها المتوهّم أنّ ابن أبي الحديد يتشيّع، ذكر منها: 1- حول الخلفاء وبعض الأصحاب: لقد أورد ابن أبي الحديد المعتزلي بعض المواقف التي لا يُحبّذ ذكرها أهل السنة والعامة، من قبيل ما ذكره في أخلاق الخليفة الثاني من الغلظة والخشونة والرعونة في تعامله مع الناس، حيثُ يقول: “وقد بقيَ هذا الخُلُق متوارثاً متناقلاً في محبيه وأوليائه إلى الآن -ويقصد الدعابة في علي ابن أبي طالب- كما بقي الجفاء والخشونة والوعورة في الجانب الآخر، ومَن له أدنى معرفة بأخلاق الناس وعوائدهم يعرفُ ذلك” (31).

 وينقل أيضاً عن أخلاق عمر فيقول: “وكان في أخلاق عمر وألفاظه جَفاء وعنجهية ظاهرة -يحسبه السامع لها أنه أراد بها ما لم يكن قد أراد، ويتوهّم من تُحكى له أنّه قصد بها ظاهراً ما لم يقصده، فمنها الكلمة التي قالها في مرض رسول الله (صلَّى الله عليه وآله). ومعاذ الله أن يقصد بها ظاهرها! ولكنه أرسلها على مقتضى خشونة غريزته، ولم يتحفّظ منها.

وكان الأحسن أن يقول: ((مغمور)) أو ((مغلوب بالمرض))، وحاشاهُ أن يعني بها غير ذلك!” (32).

 ونراهُ عندما يقف على أحداث عثمان فيقول فيها: “وخلاصةُ ذلك أنَّ عثمانَ أحدثَ أحداثاً نَقِمَها النّاس عليه، من تأمير بني أميّة، ولا سيّما الفُسّاق منهم وأربابُ السَّفه وقلّة الدين، وإخراج مال الفيء إليهم، وما جرى في أمر عمّار وأبي ذرّ وعبدالله ابن مسعود (رضي الله عنهم)…” (33)فأخذ ابن أبي الحديد يورد بعض الأحداث الآخرى.

 فهذه الأحداث التي قالها ابن أبي الحديد لا يرتضيها المسلك الأموي من المسلمين الذين يعيشون في وسطنا، وهذا المسلك ذكرنا سابقاً وجوده وهم أتباع ابن تيمية وابن عبد الوهاب.

 وعندما نقفُ على مؤلِّف من هذا المسلك نجده يذكر نفس مبرِّرات عثمان ويحاول جاهداً أن يُثبت صحّتها، ويدافع دفاعاً مستميتاً لردِّ هذه الأحداث ومعارضة الأجلاء من الصحابة لعثمان بن عفّان.

 ولا يقفُ الأمر عند الدفاع وحسب، بل يجعل هذا المسلك من أفضل ما أُلّف في هذا المجال لردِّ شُبُهات الشيعة وغيرهم، فهم دائماً ما يقتبسون وينشرون هذا الكتاب فيما بينهم (34).

 نموذج أخير لا يرتضي أهل السنة الإجهار به وإعلانه صراحةً، لأنَّه سيهدم ركن ركين وعقيدة يعتقدها أهل السنة وهي عدالة جميع الصحابة، وهذا النموذج يذكره عندما خطب أمير المؤمنين بذي قار فممّا ذكره زيد بن صوحان:… ثم رفع يديه فقال: «اللهم إن طلحة والزبير قطعاني، وظلماني، وألّبا عليّ، ونكثا بيعتي، فاحلُلْ ما عقدا، وانكُثْ ما أبرما، ولا تغفر لهما أبداً، وأرهما المساءة فيما عمِلا وأمّلا» (35).

 وقفة قصيرة استطراداً أعلّق على الكلمة التي قيلت في مرض رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فأقول: حاول النُسّاخ والمشرفين على طباعة الصحاح أن يخفّفوا من وطئة هذه الكلمة القاسية لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فمن يتتبّع النُسخ والطباعة الجديدة نجدهم قد حذفوها، أو ذكروها على سبيل الاستفهام لتخفيفها فيقولون تارة: قال رجلٌ في الدار (هجر…)، وفي طبعة آخرى: وكان في الدار عمر و… فقال قائلٌ: (أهجر…). وأمّا هذا المقطع فإن ابن أبي الحديد يُسلّم بأن القائل هو الخليفة الثاني ولكنّه يؤوّل.

 فعند ابن أبي الحديد أنَّ عمرَ قد قالها، ولكنه لا يقصد منها معناها الظاهريّ، نعم نرمي جميع القرائن المحيطة بالحدث ونسمع تأول المعتزلي، والغريب أن المعتزلي يُعيبُ على الإماميّة في بعض المواضع في كتابه أنّ الإماميّة تأوّل بالتأويلات البعيدة جداً (36).

نترك الحكم للمنصف!! لا نقول بأن هذه أدلة على أنّ ابن أبي الحديد شيعيّاً ولكن لو جمعنا القرائن التي ذكرها في الشرح نجد الكثير منها لا يرتاح لها من تربّى على تقديس الصحابة وبني أميّة، كمن يدافعون عن بني أميّة ومعاوية ويزيد، فهذا الصنف من العامة لا يروق له ذكرُ هذه المخازي للصحابة وبني أمية. ولهذا نجد الذي ينسب ابن أبي الحديد إلى التشيّع بل إلى الغلو هم من أصناف ابن كثير المتعصّب وابن تيمية وابن عبدالوهاب، وهذه الثلة المنحرفة عقائديّاً عن أمة محمّد  (صلَّى الله عليه وآله).

وللأسف الشديد أن يكون لأتباع هؤلاء المنحرفين إعلام مضلِّل وتُضخُّ الأموال من أجل تحريف التاريخ وتقديس بني أميّة، وإصدار الكُتب التي تُسيءُ إلى أهل البيت وبالخصوص أمير المؤمنين ووالده المؤمن (أبو طالب)، وينتقدون مواقف أمير المؤمنين تجاه الخارجين عليه والمارقين عن ولايته (37).

2- مساوئ بني أُميّة: سار ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة في ذكر نبذ تاريخية لبعض الشخصيات التي كانت لها أدواراً في التاريخ الإسلامي، سواء كان الدور إيجابيّاً أو سلبيّاً.

 وكما ذكرنا آنفاً بأنّ أحفاد بني أميّة لا يروقُ لهم ذكر مساوئ ومخازي أجدادهم، فثارت في نفوسهم حميّة الجاهلية تجاه ابن أبي الحديد المعتزلي عندما سطّر هذه الأمور، وكان الأولى بهؤلاء أن يخضعوا للأمر الواقع، لكنّه الحقد الدفين المتوارث منذ زمن هاشم وأميّة، فسرى الحقد من بني أمية إلى بني هاشم، وهو الآن أيضاً سارٍ من أتباع أولئك إلى أتباع هؤلاء.

 نسب معاوية الوضيع معاوية بن أبي سفيان، نكتةٌ سوداء على جبين التاريخ الإسلامي، ويكفيه ضعةً أن يكون منسوباً لأربعة من قريش، وأمّه آكلة الأكباد وهي تُذكر في مكّة بفجور وعُهْر (38).

 حقده لأمير المؤمنين (عليه السلام) ذكر المعتزلي: “وكان معاوية على أسِّ الدهر مُبغِضاً لعلي (عليه السلام)، شديدَ الانحراف عنه، وكيف لا يُبغضه وقد قتل أخاه حنظلة يوم بدر، وخالَه الوليد بن عُتبة، وشَرك عمّه في جدِّه وهو عُتبة… وقتل من بني عمّه عبد شمس نفراً كثيراً من أعيانهم وأماثلهم، ثم جَاءت الطامّة الكبرى واقعة عثمان، فنسبها كلّها إليه بشبهة إمساكه عنه، وإنضواء كثير من قَتَلته إليه (عليه السلام)، فتأكّدت البغضة، وثارت الأحقاد، وتذكّرت تلك التِّرات الأُولى، حتّى أفضى الأمرُ إلى ما أفضى إليه” (39). ورد عن النبي الأكرم أنّه قال: «حبُّ عليٍّ إيمان وبُغضه نفاق (بُغضُه كفر)».

 ومعاوية كان مبغضاً لعلي ابن أبي طالب، فهو منافق على أقل تقدير، لو لم نحكم بكفره.

 سواء كان هذا البغض من أجل أخيه أو عمّه وبني عبد شمس أو لغيرها من الأمور التي ذكرها ابن أبي الحديد في مقالته.

 وآخر ما ختم ابن أبي الحديد قوله في معاوية أن قال:”ومعاوية مطعون في دينه عند شيوخنا رحمهم الله، يُرمى بالزندقة” (40).

 فما بعد الزندقة شيءٌ يُذكر، فهو منافق وكافر وأخيراً زنديق، ويواصل حديثه عنه فيقول: “وقد ذكرنا في نقض السُفيانية على شيخنا أبي عثمان الحاجط ما رواه أصحابنا في كتبهم الكلامية عنه (أي معاوية) من الإلحاد والتعرّض لرسول الله، وما تظاهر به من الجبر والإرجاء، ولو لم يكن شيء من ذلك، لكان في محاربته الإمام ما يكفي في فساد حاله، لا سيّما على قواعد أصحابنا، وكونها بالكبيرة الواحدة يقطعون على المصير إلى النار والخلود فيها إن لم تكفرها التوبة” (41).

 حقد معاوية لشيعة علي  (عليه السلام) لقد سردَ ابنُ أبي الحديد المعتزلي بعض المواقف التاريخية التي قام بها معاوية بن أبي سفيان منها: بسر بن أرطاة: وهو مبعوث معاوية إلى اليمن في جيش كثيف، وأمره أن يقتل كلَّ مَن كان في طاعة علي، فقتل خَلْقاً كثيراً، وقتل فيمن قتل ابني عبيد الله بن العباس بن عبد المطّلب، وكانا غلامين صغيرين (42).

 وقد أوردَ المعتزلي جملة من الوقائع الجديرة بالمطالعة لمعرفة مدى حقد مبعوث معاوية إلى شيعة علي ابن أبي طالب  (عليه السلام)، وصحابة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله).

 ومنها موقف بسر بن أرطأة من جابر بن عبدالله الأنصاري (رضي الله عنه)، فيقول جابر: لمّا خِفْتُ بُسراً وتواريت عنه، قال لقومي: لا أمان لكم عندي حتّى يحضر جابر، فأتوني وقالوا: نَنْشدك الله لما انطلقتْ معنا فبايعتَ، فحقنتَ دمك ودماء قومك، فإنّك إن لم تفعلْ قتلتَ مُقاتلينا، وسبيتَ ذرارينا.

 فاستنظرتُهم الليل، فلما أمسيت دخلتُ على أمِّ سلمة فأخبرتها الخبر، فقالت: يا بنيَّ، انطلق فبايع، واحقنْ دمك ودماء قومك؛ فإني قد أمرتُ ابنَ أخي أن يذهب فيبايع، وإنّي أعلم بأنّها بيعة ضلالة (43).

 ولمّا انتهى بسر بن أرطأة من الإرهاب والقتل والتشريد لشيعة علي والآمنين في مكّة المكرمة والمدينة المنوّرة كتبَ كتاباً إلى معاوية قائلاً: “أحمَد اللهَ يا أمير المؤمنين أني سرتُ في هذا الجيش أقتل عدوّك ذاهباً وجائياً لم يُنكب رجل منهم نكبة، فقال معاوية: اللهُ قد فعل ذلك لا أنتَ” (44).

وقد أشار المعتزلي في نسبة عقيدة الجبر إلى معاوية وهذا شاهد بسيط على هذه العقيدة الفاسدة، وهي نسبة فعل العبد إلى فعل الله فيلزم من ذلك نسبة الظلم والقتل الذي فعله بسر إلى الله (تعالى الله علوّاً كبيراً).

 وهناك الكثير من الشواهد التي ذكرها ابن أبي الحديد، أعرضنا عنها حتّى لا يطول البحث في هذه المسألة.

 القول الفصل وبعد هذه الإطلالة السريعة على بعض التراجم والتأريخ وبعض الشواهد من كتاب ابن أبي الحديد، نجد الحقيقة ماثلة أمام أعين المنصفين، ويتبيّن للقارئ الكريم أنَّ القول الفصل في مذهب عبد الحميد ابن أبي الحديد هو الإعتزال لا التشيّع.

 وأنَّ الّذين نسبوا إليه هذه النسبة كانت تؤثّر فيهم البيئة التي يعيشون فيها، وتكون أحكامهم متأثّرة بالأجواء التي هم فيها وعلى خلفيتها يحكمون.

 والخلاصة التي أردتُ أن أصل إليها من هذا البحث هي صحّة الإحتجاج على المخالفين بما ورد في كتب ابن أبي الحديد وبالتحديد شرح النهج، وأنّ إنكار هذا الأمر يُعدُّ جهلاً بالتاريخ والفِرق الإسلاميّة.

المصادر والهوامش

  •  (1) كتاب العين للخليل ابن أحمد الفراهيدي مادّة (شيع).
  • (2) لسان العرب مادّة (شيع).
  • (3) معجم مقاييس اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارِس بن زكَرِيّا مادّة (شيع).
  • (4) الملل والنِحل للشهرستاني: ج1 ص 146.
  • (5) المصدر السابق.
  • (6) تاريخ ابن خلدون: ج1 ص196.
  • (7) تاريخ ابن خلدون: ج1 ص196 -197.
  • (8) دائرة المعارف ج5 ص24.
  • (9) أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين: ج1 ص20.
  • (10) سورة الشورى الآية 23.
  • (11) بحوث في الملل والنِحل للعلامة المحقق آية الله العظمى الشيخ السبحاني ج6 ص7 – 9 بتصرّف يسير.
  • (12) فوات الوفيّات لابن شاكر الكتبي ج1 ص609.
  • (13) تاريخ الإسلام للذهبي ج48 ص 202.
  • (14) سير أعلام النبلاء للذهبي 23 ص275.
  • (15) الوافي بالوفيّات للصفدي ج 18 ص46.
  • (16) الأعلام لـ خير الدين الزركلي ج3 ص289.
  • (17) البداية والنهاية لابن كثير ج13 ص212.
  • (18) البداية والنهاية لابن كثير ج13 ص233.
  • (19) ارجع إلى أي مصنّف صُنّف في الملل والنحل والفرق الإسلامية تجدهم يذكرون الشيعة منفصلين كليّاً عن المعتزلة. بل المعتزلة قد نشأت بعد قرن من الزمن في التاريخ الإسلامي.
  • (20) شرح نهج البلاغة: ج1 ص 15.
  • (21) شرح نهج البلاغة: ج1 ص 17.
  • (22) المصدر السابق: ص17.
  • (23) المصدر السابق: ص 19.
  • (24) المصدر السابق: ص19.
  • (25) المصدر السابق: ج1 ص 20.
  • (26) من أراد الإطلاع في هذا الأمر فعليه أن يرجع إلى كتاب الغدير للعلامة الشيخ عبدالحسين الأميني  (رحمه الله).
  • (27) شرح نهج البلاغة: ج1 ص110 -111.
  • (28) شرح النهج: ج1 ص110 من كلامه في المنافقين.
  • (29) شرح النهج: ج1 ص111.
  • (30) شرح النهج: ج1 ص122- 123.
  • (31) شرح النهج: ج1 ص 29.
  • (32) شرح النهج: ج1 ص142.
  • (33) شرح النهج: ج1 ص348.
  • (34) الكتاب هو (العواصم من القواصم) مؤلّفه ابن العربي (الناصبي) وتحقيق محب الدين الخطيب. وكذلك (منهاج السنة) لابن تيمية الحرّاني.
  • (35) شرح النهج: ج1 ص227.
  • (36) شرح النهج:ج1 ص123، في مسألة تأويل كلمة (وعصى آدم ربَّه فغوى) وتنزيه نبي الله آدم عن المعصية، وحمل كلمة الغواية العدول عن الأولى.
  • (37) لمن يريد الإطلاع على هذه الكتب فليرجع إلى الرسالات الجامعية من جامعة الملك فيصل بالرياض.
  • (38) شرح النهج: ج1 ص246 بتصرّف يسير.
  • (39) شرح النهج: ج1 ص247-248.
  • (40) شرح النهج: ج1 ص249.
  • (41) شرح النهج: ج1 ص249.
  • (42) شرح النهج: ج1 ص249 بنصرّف يسير في المتن.
  • (43) شرح النهج:ج2 ص264-265.
  • (44) شرح النهج: ج2 ص269.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى