الإعلام العاشورائي بين الحقيقة والتضليل

 حين بات الناس في فترة من فترات التاريخ لا يفكر الواحدُ منهم إلا بأن يكون في مأمن، أن يكون دمه في أمان، وأن يكون ماله المحدود في أمان، ثم ماذا عليه؟! وماذا عليه من الأمة؟! من الإسلام؟! من الأهداف الكبيرة؟! من الهموم العظيمة؟! ما دام هو في أمان، وما دام يعيش في رخاء فلا يعنيه أيُّ شيء آخر، فمن أعظم بركات واقعة الطف أنها لم تكن استنقاذاً لحياة شعب أو حياة أمة فحسب، وإنما كانت استنقاذاً لتأريخ بأكمله.

 هكذا قرر الإمام الحسين (عليه السلام) أن يخرج هذه المؤامرة على شخصية التاريخ محاولاً إيقاظ الناس من حوله، لكي يُشعر هؤلاء بأنهم مظلومون وبأن هناك هدفاً أكبر من هذه الحدود الضيقة في الحياة.

 فالحسين (عليه السلام) لم يعش الظلم الفردي لأن الدنيا كانت متوفرةً له (عليه السلام)، وكل المسلمين كانوا يحيطونه بكل تجليل وتقديس وتكريم.

 فهو لم يكن بحاجة إلى جاهٍ أو مالٍ أو منصبٍ ما.

 إنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن يحاول الخروج خلسةً لكي يُقتل هو وأهله دون أن يكون لقتلهم ذلك الصدى المطلوب، وخصوصاً إذا عرفنا أن القوى الإعلامية كانت تصب في مصلحة المتصدي للحكم آنذاك، فكان باستطاعة الحاكم أن يبرر لفعله دون أن يلقى أيَّ معارضة من الناس، وخصوصاً إذا كان الناس لم يسمعوا بخروج الإمام الحسين (عليه السلام) -حسب الفرض- فسوف تنطلي عليهم أيُّ خدعةٍ يقوم بها الحاكم بقوته الإعلامية.

 لذا كان لزاماً على الإمام الحسين (عليه السلام) أن يصدح بثورته وبخروجه علناً لكي يقطع على الطرف الآخر أي محاولة تشويه أو تبرير في حال قتلِ الإمام وأهل بيته (عليهم السلام).

 في هذه الدراسة سوف نقف على بعض ملامح الحملات الإعلانية التي قام بها الإمام الحسين (عليه السلام) قبل خروجه من مكة وفي كربلاء، وأيضاً ما قامت به أخته العقيلة زينب (عليه السلام) بعد استشهاد الإمام وأصحابه (عليه السلام).

 وأيضاً سوف نتعرض لبعض المحاولات التشويهية التي حاول البعض في تلك الفترة أن يلصقها بالمشروع الحسيني والذي قام به أزلام الحكام آنذاك.

 ما قبل واقعة الطف: إنّ من أساسيات أيِّ حركةٍ ما هو التجهيز المسبق والترقب لأيِّ حركةٍ معادية قد يقوم بها الطرف الآخر، وإنّ ثورة كثورة الإمام الحسين (عليه السلام) هي أكبر تظاهرة سياسية في زمن الأئمة (عليهم السلام)، فكان لزاماً على الأئمة السابقين لتلك الحادثة أن يمهِّدوا ما يضمن بقائها وإيصال هدفها لأكبر شريحة ممكنة، وكما ذكرنا في المقدمة أنّ الإعلام اليزيدي على أهبة الاستعداد للنيل من تلك الثورة، وذلك عبر إعلامهم المضلل الضخم المدعوم بكل الوسائل من الحاكم وأتباعه، وذلك لإظهار أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) قد ثار من أجل المُلك والجاه، وقد أنطلت هذه الخدعة -في بدايتها- على بعض المحسوبين من شيعة الكوفة، ولكن سرعان ما اتضحت ملامح القضية وبان للناس التُّرهات التي صدح بها البوق الحكومي آنذاك.

الإمام علي (عليه السلام) وسيدة نساء العالمين (عليها السلام) يُمهِّدان ابنتهما زينب (عليها السلام): عندما فتحت السيدة زينب عينيها في أعظم حياة زوجية وشاهدت الاحترام المتبادل بين الإمام علي وزوجته فاطمة الزهراء (عليها السلام) ورأت إطاعتها وصبرها على خشونة الحياة وصعوبة المعيشة، ابتغاء رضى الله تعالى.

 كما عاصرت السيدة زينب الحوادث المؤلمة التي عصفت بأمها البتول بعد وفاة أبيها الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وما تعرضت له من الضرب والأذى.

 ومما يلاحظ أيضاً أن فاطمة الزهراء (عليها السلام) عندما ذهبت إلى مسجد الرسول (صلّى الله عليه وآله) حين إلقاء الخطبة، كانت السيدة زينب من ضمن المرافقين لأمها.

 تُرى لماذا ذهبت وهي حديثة السن؟ ومكثت السيدة زينب (عليها السلام) في الكوفة سنوات، وعاصرت الأحداث والاضطرابات الداخلية التي حدثت مع أبيها، ومما يُذكر أيضاً أن الليلة التي ضُرب فيها إمام المتقين كان قد أفطر وبات في حجرة ابنته السيدة زينب (عليها السلام)! ولا أعلم لماذا بات الإمام (عليه السلام) في حجرة ابنته (عليها السلام)؟ لعلَّ الإمام اختارَ المبيت في بيتها حتى تُشاهد وترى، وتروي مشاهداتها ومسموعاتها عن أبيها أمير المؤمنين (عليه السلام) في تلك الليلة، ولعلَّ هذا الأمر أيضاً تمهيداً لكونها الناقل الأكبر لحياة أمها وأبيها لتكون الناقل الأجدر لما سيحدث لأخويها وعلى الخصوص أحداث عاشوراء الدامية.

 قبل الخروج من مكة: قام الإمام الحسين (عليه السلام) بجمع من تبقى من المهاجرين والأنصار في أحرج اللحظات في موقف عرفات، وفي ذلك الموقف الذي يتورّع فيه أيُّ إنسانٍ مسلمٍ اعتيادي عن أن يكذب على الله أو على رسوله (صلّى الله عليه وآله) وقام فيهم خطيباً، وقال: «أما بعد: فإن الطاغية قد صنع بنا وبشيعتنا ما قد علمتم ورأيتم وشهدتم وبلغكم، وأني أريد أن أسألكم عن أشياء فإن صدقت فصدقوني، وإن كذبت فكذبوني، اسمعوا مقالتي، واكتموا قولي، ثم ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم من أمنتموه ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون، فإني أخاف أن يندرس هذا الحق ويذهب، والله متم نوره ولو كره الكافرون»(1).

 هؤلاء البقية من المهاجرين والأنصار الذين استجابوا لدعوة الإمام الحسين (عليه السلام) هزّهم في موقف عرفات ويوم عرفة الزمان والمكان والشخص، فثار هؤلاء، وانطلقت ألسنتهم بالحديث مع المسلمين، فكان يقف كل واحد مهم تلو الآخر وينقل ما يتذكره وقتئذٍ من أحاديث عن النبي (صلّى الله عليه وآله).

 استنهاضُ الإمام (عليه السلام) لأفراد: كان الإمام يحاول دائما أن يستثير كل من يجده، حتى خصومه وأعداءه، فمثلاً خاطب الإمام الحسين (عليه السلام) عبدالله بن عمر: «يا عبد الله بن عمر لا تترك نصرتي»(2).

 يعني: ليست نصرتي بأن تقبّلني(3)، وإنما نصرتي بأن تمشي في خطّي، بأن تبذل دمك في الخط الذي أبذل فيه دمي، أما التقبيل، فهذا النوع من التكريم من دون النصرة ليس له قيمة عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

 وأيضاً مما ينقله لنا التاريخ حديث مناشدة الإمام الحسين (عليه السلام) لعبيد الله بن الحر الجعفي الذي كان قد وصل إلى منزلٍ من المنازل وكان الإمام الحسين (عليه السلام) في ذلك المنزل، فعندما اطّلع الإمام (عليه السلام) على وجود عبيد الله بن الحر الجعفي في ذلك المنزل، حاول الإمام هزّ ضميره، فبعث إليه رسوله.

 فذهب رسول الحسين (عليه السلام) إلى عبيد الله بن الحر الجعفي، قال له: جئتك بالكرامة، جئتك بكرامة لا يوجد فوقها كرامة بأن تستشهد بين يدي ابن رسول الله، إن الحسين يدعوك لنصرته، والاستشهاد بين يديه، فظهر الغضب في وجه عبيد الله بن الحر الجعفي والضيق وقال: إنّي خرجت من الكوفة خوفاً من أن يأتي الحسين وأن تقوم المعركة، ويتأزم حينئذٍ موقعي، خرجت فراراً من أن أعيش هذه اللحظة التي جعلتني أعيشها الآن، ثم أعتذر من الاستجابة للإمام الحسين (عليه السلام).

 الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكتف بهذا، قام بنفسه وجاء إلى عبيد الله بن الحر الجعفي يستصرخه ويطلب منه، ويحاول أن ينفذ إلى أعماقه، أن يحرك ضميره ووجدانه، أن ينبّهه إلى الأخطار التي تكتنف الرسالة والإسلام، يقول الناقل: ما رقَّ قلبي كما رقّ يومئذٍ والحسين (عليه السلام) حوله الصبية من أطفاله يطوفون به، ويمشي إلى عبيد الله بن الحر الجعفي يستصرخه ويناديه، فيعتذر عبيدالله بن الحر يقول له: هذه فرسي خذها بدلاً عني.

 يقول الإمام (عليه السلام): «إني لست بحاجةٍ إلى فرسك، إن كنت قد بخلت بدمك على الإسلام فلا حاجة في فرسك، لكن عندي وصية»، قال: وما الوصية؟ قال: «إن قدرت على أن لا تسمع واعيتنا فافعل؛ لأنه ما سمع واعيتنا شخص ثم لم ينصرنا إلا أكبّه الله على وجهه يوم القيامة في جهنم»(4).

 إشكاليةٌ وجواب هل إنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) قد استعجل الظروف ولم ينتظر أفضل الفرص؟ عنما أعلن الإمام (عليه السلام) ثورته وأنه مقتولٌ لا محالة، جعل هذا القولُ الأمّةَ تعيش حديثاً خاصاً عن هذه الأسطورة، أسطورة أن شخصاً يتقدم نحو الموت وهو ثابت الجأش، قوي القلب، واضح اليقين في أنّ هذه الطريق يريدها الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله).

 إذن فالموت ليس خطراً إذا كان هذا الموت هو طريق إنقاذ المسلمين، هو طريق تخليص الأمة من مؤامرة الجبابرة والطواغيت، كان يشيع في نفوس المسلمين أن الموت شيء هيّن في حالة واحدة وهي تحقيق الأهداف الكبيرة، ومن ناحيةٍ أخرى أحكم الإمام (عليه السلام) ظروف حركته بشكل لا يبعث في ذهن هذه الأمة المائعة ولا غيرها أيُّ نقدٍ في أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) استعجل الظروف، أو أنه استبق أو أنه تحرك بحركةٍ ابتدائيةٍ بدون مبرر، لذا حشد كل المبررات المنطقية والمعقولة لحركته، لم يكن هناك إنسان يمكنه أن يقول: إن الإمام الحسين قد استعجل الموقف قبل أن يتأكد من الظروف.

 بل كيف يمكن أن يقال أنه استعجل الموقف قبل أن يتأكد الظروف وقد بقي في مكة طويلاً والكتب تأتي ولا يجيب عليها، بل يبعث ابن عمّه مسلم بن عقيل ويوصيه بأن يذهب للكوفة ليرى هل أن أهلها عازمون حقيقةً على أن يقفوا مع خط الإمام (عليه السلام) أم لا؟ فيذهب مسلم بن عقيل إلى الكوفة، ويبقى الحسين (عليه السلام) في مكة، حتى يبعث إليه مسلم بن عقيل مؤكداً أنّ جميع أهل الكوفة وشيوخ أهل الكوفة قد اتفقوا على زعامتك وإمامتك وقيادتك وهم لك منتظرون(5)، فكلُّ هذه الظروف هيّأها الإمام الحسين (عليه السلام) وصبر حتى يتهيأ؛ لكي لا يبقى هناك نقد لمنتقدٍ، لكي لا يقول شخص يريد أن يخلق المبررات بأن الحسين (عليه السلام) استعجل.

 في كربلاء وما بعدها الفكر التحريفي لبني إسرائيل وبني أمية: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ}(6) القرآن يحدثنا عن عناد مجموعة من بني إسرائيل حتى في ترتيل عبارة الاستغفار فهؤلاء لم يرددوا العبارة بل بدّلوها بعبارة أخرى فيها معنى السخرية والاستهزاء، والآية الكريمة بعد ذلك تبين بشكل غير مباشر سنة من سنن الله تعالى، وهي أنّ الذنب حينما يتعمق في المجتمع ويصبح عادة اجتماعية، عند ذاك يقترب حتماً نزول العذب الإلهي.

 وأيضاً كما حكى القرآن عن الممارسات التحريفية اليهودية هو أنهم كانوا يمارسون أنواع التحريف في الكتب الخاصة بهم.

 بعض الأحيان كانوا يحرّفون الألفاظ، فمثلاً بدل أن يقولوا “سمعنا وأطعنا” كانوا يقولون “سمعنا وعصينا” كما كانوا أحياناً يخفون بعض الآيات الإلهية، فما كان يطابق أهوائهم أظهروه، أخفوا الآيات التي لم تكن لتتلاءم مع ميولهم ورغباتهم وهو ما يصطلح عليه”التحريف اللفظي”.

 وبعض الأحيان كان تحريفهم يتخذ طابعاً معنوياً، أي أنهم كانوا يفسرون العبارات الواردة في تلك الكتب بشكل يناقض المعنى الحقيقي لها، فهم وإن كانوا يحفظون الألفاظ كما هي لكنهم كانوا يغيرون معانيها وهو “التحريف المعنوي”، وقد حكى القرآن هذه الحقيقة(7). هذا بالنسبة لبني إسرائيل، وأما بالنسبة لبني أمية، فكان ذلك المنهج هو المنهج الأبرز أثناء وجود الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وبعد رحيله(8) لى أن وصل الدور الى ابن مذهب التحريف البار لذلك المذهب وهو معاوية بن أبي سفيان فهو المؤسس الأكبر لهذا الفكر التحريفي، فكما جرى في قضية عمار بن ياسر، عندما قال له النبي (صلّى الله عليه وآله) أثناء بناءهما مسجد المدينة: «يا عمار! تقتلك الفئة الباغية»(9).

 من هنا فإنّ انخراط عمار في جيش علي في معركة صفين كان قد اعتبر نوعاً من الثقل المعنوي الذي أضيف إلى معسكر الإمام علي (عليه السلام). إلى أن استشهد عمار فلقد صار واضحاً بأن جيش معاوية هو الجيش الباغي.

ولكن معاوية المعروف بدهائه واستخدامه للحيلة والخداع في تسيير شؤونه، أراد استخدام مكره ودهائه في هذا الأمر أيضاً، ولمّا كان غير قادر على إنكار حديث النبي (صلّى الله عليه وآله) حيث كان سيخرج عليه ما لا يقل عن خمسمائة شخص ليشهدوا بأنهم سمعوا هذا الحديث مباشرة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أو آخرون سمعوا ممن سمع من النبي (صلّى الله عليه وآله) مباشرة مما يعني أنه حديث غير قابل للإنكار.

 فلقد روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: «لما قتل عمار بن ياسر ارتعدت فرائص خلق كثير، وقالوا: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): “عمار تقتله الفئة الباغية” فدخل عمرو على معاوية وقال: يا أمير المؤمنين قد هاج الناس واضطربوا، قال: لماذا؟ قال: قُـتِلَ عمار؟، فقال: قُـتِلَ عمار فماذا؟، قال: أليس قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): “تقتله الفئة الباغية”، قال معاوية: دحضت في قولك أنحن قتلناه؟ إنما قتله علي بن أبي طالب لمّا ألقاه بين رماحنا، فوصل ذلك لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: فإذن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هو الذي قتل حمزة لما ألقاه بين رماح المشركين»(10).

 هذا الفكر لم يكن يهدف إلى تبرير موقفٍ مؤقت لتهدئة الناس آنذاك وعدم ثورتهم تجاه الحاكم وأزلامه -وإن كان هذا التبرير هدفاً يصبوا إليه مؤسسوه-، بل كان يهدف إلى تأسيس فكر تحريفي يتلاعب به الحكّام أنَّى شاؤوا وكيفما أرادوا، وللأسف فإنّ هذه الخطة قد انطلت على البعض وأصبح يكيل التهم إلى الطرف البريء بينما يتنعم الحكّام بتبريراتٍ واهية.

 وفي موقف آخر من مواقف التحريف حينما دُعي في مجلس ابن زياد الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) والنسوة، وأحضر رأس الحسين (عليه السلام)، وكانت زينب بنت علي (عليهما السلام) فيهم، فقال ابن زياد: “الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم، وأكذب أحاديثكم.

 فقالت زينب (عليها السلام): «الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد وطهرنا تطهيرا، إنما يفضح الله الفاسق ويكذّب الفاجر». قال: كيف رأيت صنع الله بكم أهل البيت؟ قالت: «كتب عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتتحاكمون عنده». فغضب ابن زياد (لعنه الله) عليها”(11).

 ثم إن ابن زياد خاطب الإمامَ زين العابدين قائلاً: “من أنت؟، فقال الإمام (عليه السلام): «أنا علي بن الحسين»، فقال: أليس الله قد قتل علي بن الحسين، فقال (عليه السلام) له: «قد كان لي أخ يسمى علياً قتله الناس»، فقال له ابن زياد: بل الله قتله، فقال علي ابن الحسين (عليهما السلام): «الله يتوفى الأنفس حين موتها»، فغضب ابن زياد (لعنه الله)”(12).

 وأيضاً مما ورد في الكافي(13) أنه لما حُمل علي بن الحسين (عليه السلام) إلى يزيد بن معاوية فأوقف بين يديه قال يزيد (لعنه الله): {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}(14) فقال علي بن الحسين (عليه السلام): «ليست هذا الآية فينا إنّ فينا قول الله (عزّ وجلّ): {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (15).

 إنّ الفكر الحسيني الزينبي قد دحض هذه التُرهات التي أسسها الفكر التحريفي، فكما كان المحرّفون يقتبسون ما يريدوا من الآيات القرآنية التي تدعم موقفهم، فمن طرف آخر كانوا يغضون النظر عن المواضع الأخرى لكيلا تُدحض حججهم الواهية، فكان التقطيع المضِّلل للآيات هو أبرز سمة من سمات هذا الفكر الواهي، وما ذكرناه خير دليل على ذلك.

 الدرس الذي نستفيده من التخطيط الحسيني الزينبي: لم يبقَ لدى أيِّ شخصٍ من أبناء الأمة الإسلامية أيُّ شك في أنّ عمل الإمام الحسين (عليه السلام) وأخته (عليه السلام) كان عملاً مشروعاً صحيحاً، وأن عمل بني أمية كان عملاً ظالماً عاتياً جبّاراً.

 وهذا الوضوح في الرؤية هو الذي جعل المسلمين يدخلون بالتدريج إلى آفاق جديدةٍ من الفكر الإسلامي الصحيح، هذا الوضوح من الفكر هو الذي هزّ ضمير الإنسان المسلم، وهو الذي يهزّه إلى يومنا هذا.

 فليس دم الإمام الحسين (عليه السلام) رخيصاً بدرجة يُكتفى في ثمنه بأن يهتزّ ضمير الإنسان المسلم في عصر واحد، أو في جيل واحد، لا يمكن أن يكون ثمن دم الإمام الحسين (عليه السلام) ومجهود أخته (عليها السلام) أن تتزلزل قواعد بني أمية، أو أن يكشف عن حقيقة بني أمية، أو أن تنتعش ضمائر جيل من أمة الإسلام.

هذا لا يكفي ثمناً لدم الإمام الحسين (عليه السلام) الطاهر ولا لما بذلته أخته (عليها السلام)، بل إن ثمنهما أن يبقى مجهودهما محركاً منوراً دافعاً مطهّراً نقياً على مرِّ التاريخ لكلِّ أجيال الأمة الإسلامية، لا بدَّ وأن يهز ضمير كلِّ واحدٍ منا اليوم حينما نواجه أيَّ موقف من مواقف الإغراء، أو الترغيب والترهيب، أو التدليس والتحريف والتقطيع للآيات، لا بدّ وأن نستشعر تلك التضحية العظيمة حينما نلتفت إلى أننا مدعوون إلى تضحيةٍ جزئيةٍ بسيطة، حينما يطلب منّا الإسلام لوناً من التضحية وقدراً بسيطاً وضئيلاً من التضحية، لا بدّ وأن نلتفت دائما إلى ذلك القدر العظيم غير المحدود من التضحية الذي قام به الإمام الحسين (عليه السلام) وأخته (عليها السلام) لكي نستصغر ولكي يتضائل أمامنا أيٌّ قدرٍ نواجهه في حياتنا ونكلّف أنفسنا بالقيام به في سبيل الإسلام(16).

المصادر والمراجع

  • (1) الاحتجاج 2: 19.
  • (2) الملهوف على قتلى الطفوف لابن طاووس:17.
  • (3) أمالي الصدوق، المجلس 30.
  • (4) وقعة الطف: 176، “وهذا حديث صريح في فسق كل من سمع واعية الإمام (عليه السلام) ولم ينصره، حتى وإن لم يقاتل مع جيش يزيد”.
  • (5) وقعة الطف:113.
  • (6) البقرة: 59.
  • (7)المائدة: 93.
  • (8) للاطلاع على ذلك المنهج والأدلة عليه راجع كتاب مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة ج1: 37، تحت عنوان حركة النفاق… قراءة في الهوية والنتائج.
  • (9) السيرة الحلبية ج 2 ص 77.
  • (10) الاحتجاج للطبرسي ج1: 266.
  • (11)بحار الأنوار 45: 154 / 3.
  • (12) كشف الغمة  ج2: 278.
  • (13) الكافي ج 2: 450.
  • (14) الشورى 30.
  • (15) الحديد 22.
  • (16) أئمة أهل البيت ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية: 356.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى