القراءات السبع نشأتها وحجيتها

القراءة مصطلحٌ قديمٌ يرجع عهده إلى عهد الصحابة الأولين، ويقصد به طريقة التلفظ بتلك الأحرف المرسومة في المصحف خاصة، ونظراً لعوامل مختلفة -سيأتي ذكر بعضها لاحقاً- جعلت من القراءة أمراً ليس موضع اتفاق بين القرّاء، نظير عدم التنقيط واختلاف اللهجات وغيرها، حيث عمد جماعة من كبار الصحابة بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)  إلى جمع القرآن في مصاحف، وربما اختلفوا في ثبت النص أو في كيفية قراءته، ومن ثمَّ اختلفت مصاحف الصحابة الأولى(1).

نماذج من اختلاف القراءات لا شكَّ أنَّ اختلاف مصاحف الأمصار كان من أهم عوامل نشوء الاختلاف في القراءات، وإليك بعض النماذج للاختلافات ومقارنة بين المصاحف الأخرى: قرأ ابن عامر-مقرئ الشام- {جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ و(بـ) الزُّبُرِ}(2) بالباء بينما بقية القراءات بغير الباء(3).

 قرأ نافع: {وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ}(4) بضم الياء وكسر الزاي في كلمة (يحزن) في جميع القرآن إلا في قوله تعالى: {لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ} فإنه قرأها كما قرأها الباقون في جميع القرآن بفتح الياء وضم الزاي(5).

 قرأ حمزة وابن كثير والكسائي قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ}(6) لا يعبدون -بالياء- بينما بقية القراءات بالتاء.

قرأ حمزة والكسائي قوله تعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} -في الآية السابقة- بفتح الحاء والسين، بينما الباقون قرأوها {حُسْناً} بضم الحاء وإسكان السين(7).

عوامل نشوء الإختلافات إنَّ القرَّاء السبعة لم يعاصروا النبي (صلّى الله عليه وآله)  حتى يسمعوا كلامه بآذانهم، بل إنما رأوا القرآن مكتوباً أمامهم، حيث كانت آيات القرآن فاقدة للنقط والألف وسائر خصوصيات الإعراب، فاختلفوا في قراءتها، فقرأ كل واحد منهم على حسب فهمه واجتهاده أو لهجته(8).

 فأما كونهم لم يعاصروا النبي (صلّى الله عليه وآله)  فمن المسلَّمات، فإن أقدمهم هو -عبد الله بن عامر الدمشقي- قد ولد في السنة الثامنة بعد الهجرة، أي قبل وفاة النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله)  بسنتين(9)، هذا فضلاً عن البقية، وقد نقَّح هذا الأمر السيد الخوئي رحمة الله عليه(10).

 ونذكر هنا عاملين من العوامل التي سببت الاختلاف في القراءات:

 1-خلوّ الآيات من النقط: نظراً لكون بعض الأحرف في اللغة العربية تتشابه في الرسم ويكمن الفرق في عدد النقط أو في مكان النقط لذا نشأت بعض الاختلافات في القراءة، فمثلاً قرأ الكسائي قوله تعالى: {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا}(11) (فتثبتوا) غير ما قرأها الباقون(12)، وأيضاً قرأ عامر وحفص قوله تعالى: {إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}(13) بينما البقية قرأت: ونكفِّر(14).

 2-تأثير اللهجة: لا شك أنَّ كل أمةٍ وإن كانت ذات لغة واحدة لكن لهجاتها تختلف حسب تعدد القبائل والأفخاذ المنشعبة منها، فهكذا كانت القبائل العربية تختلف بعضها في اللهجة وفي التعبير والأداء، وقد سبب ذلك اختلافاً في القراءة، فمثلاً قرأ ابن كثير: {بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ}(15) بالواو المهموزة (بالسؤوق)(16)، وقرأ نافع: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}(17) بضم الكاف وفتح الفاء مخففاً(18).

حجية القراءات وقع الخلاف في حجية القراءات، فممن ادعى حجيتها وادعى إجماع الإمامية على جواز القراءة بالقراءة المتداولة بين القرّاء شيخ الطائفة الشيخ الطوسي(19).

 ودليل ذلك: “بعد البناء على عدم ثبوت تواتر القراءات مما دلَّ على حجية خبر الواحد نظراً إلى تعيّن طرقها في الآحاد حينئذ”(20). ولكن هناك من خالف شيخ الطائفة، من جملتهم السيد الخوئي(21) والوجه في ذلك:

 أ- عدم ثبوت كون القراءات من قبيل الرواية، لأن من المحتمل قوياً كونها من اجتهادات القرّاء، بل هو الظاهر.

 ب- عدم ثبوت وثاقة الرواة -الذين رووا القراءة عن القرّاء- في جميع الطبقات.

 ج- العلم الإجمالي القطعي بعدم صدور بعض هذه القراءات، نظراً إلى تساقطها بالتعارض المستقر بينها، على فرض حجيتها بأجمعها، لعدم إمكان الجمع بينها.

 ولا يخفى أن تواتر القرآن لا يستلزم تواتر القراءات السبع كلها، كما أنّ عدم تواتر القراءات السبع لا يستلزم عدم تواتر القرآن، وذلك لما بين القرآن والقراءات من الفرق والمغايرة، كما أشار إليه جلال الدين السيوطي وما نقله في ذلك عن الزركشي، حيث قال: “القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد (صلّى الله عليه وآله)  للبيان والإعجاز. والقراءات السبع متواترة عند الجمهور، وقيل بل هي مشهورة.

 قال الزركشي: والتحقيق أنها متواترة عن الأئمة السبعة.

 أما تواترها عن النبي (صلّى الله عليه وآله)  ففيه نظرٌ. فإنّ إسنادهم بهذه القراءات السبعة موجودة في كتب القراءات. وهي نقل الواحد عن الواحد”(22). وقد وجَّه السيد الخوئي عدم التنافي بين اختلافات القراءات وبين تواتر أصل القرآن بما حاصله: أنَّ أصل القرآن هو مواد الآيات، وهي متواترة وأما القراءة فهي هيئة الآيات وإعرابها.

وهي مختلفة غير متواترة ولا تنافي في ذلك، قال: “إنَّ الاختلافات في القراءة إنما يكون سبباً لالتباس ما هو القرآن بغيره، وعدم تميزه من حيث الهيئة أو من حيث الإعراب، وهذا لا ينافي تواتر أصل القرآن، فالمادة متواترة وإن اختُلف في هيئتها أو في إعرابها، وإحدى الكيفيتين أو الكيفيات من القرآن قطعاً وإن تعلم بخصوصها”(23).

بعض الثمرات المترتبة على اختلاف القراءات 1-قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ}(24).

 قرأ نافع وابن عامر وعاصم برواية حفص والكسائي: (وأرجلَكم) بالنصب، وقرأ أبو جعفر وأبو عمرو وابن كثير وعاصم برواية ابن عياش: (وأرجلِكم) بالخفض(25).

 حسبوا أنَّ في قراءة النصب العطف على مدخول الغسل، وفي قراءة الخفض العطف على مدخول المسح! وبذلك اختلف أهل النظر: هل يجب غسل الأرجل أم مسحها؟ ولكن يلاحظ أنَّ في كلتا القراءتين دليلاً على القول بالمسح لا غير، حيث أن النصب عطفٌ على محل المجرور، ولا يجوز العطف على مدخول (فاغسلوا) نظراً للفصل بالأجنبي، وهو غير جائز في الفصيح من لغة العرب، فلا يحمل عليه القرآن النازل على أفصح اللغة وأفشاها.

 2-قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ}(26). استُدل بهذه الآية لحرمة وطء الزوجة الحائض بعد نقائها من الحيض وقبل أن تغتسل، بناءً على قراءة الكوفيين -غير حفص- (يطَّهَّرْن) بتشديد الطاء والهاء.

واستُدل بها لجواز وطئها حينئذٍ، بناءً على قراءة غير الكوفيين بتخفيف الطاء، كما أشار إلى ذلك الشيخ الطوسي بقوله: “فمن قال: لا يجوز وطؤها إلا بعد الطهر من الدم والاغتسال، تعلَّق بالقراءة بالتشديد، فإنها تفيد الاغتسال. ومن قال: يجوز، تعلق بالقراءة بالتخفيف و أنها لا تفيد الاغتسال‏، وهو الصحيح”(27).

 3-قوله تعالى: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء}(28). فقد وقع الخلاف في نقض الوضوء بلمس النساء وعدمه، إذ بناءً على قراءة (لمستم) –بلا ألف– استُدل بهذه الآية لنقض الوضوء باللمس.

 وقد أجاد في تحرير المطلب شيخ الطائفة بقوله: “قرأ حمزة والكسائي (أو لمستم النساء) بغير ألف والباقون (لامستم) بألف. فمن قرأ (لامستم) بألف قال: معناه الجماع، وهو قول علي (عليه السلام) وابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو علي الجبائي واختاره أبو حنيفة. ومن قرأ بلا ألف، أراد اللمس باليد وغيرها بما دون الجماع.

 ذهب إليه ابن مسعود وعبيدة ابن عمرو الشعبي وإبراهيم وعطاء واختاره الشافعي، والصحيح عندنا هو الأول”(29). تعدد القرآءات وجوازها في الصلاة اختلف نظر العلماء الأعلام في سعة القراءة الجائز ذكرها في الصلاة وضيقها، فمنهم من جوّز القراءة بأي قراءةٍ كانت حتى لو لم تكن من القراءات السبع، كالسيد صاحب العروة حيثُ يُكتفى لديه أن تكون بالنهج العربي فإنه يقول: “الأحوط القراءة بإحدى القراءات السبعة، وإن كان الأقوى عدم وجوبها، بل يكفي القراءة على النهج العربي وإن كانت مخالفة لهم في حركة بنية أو إعراب”(30).

 وأما البعض الآخر فإن الالتزام بالنهج العربي فقط لا يكفي لديه كالسيد الخوئي عندما يقول: “إنَّ الواجب هو قراءة القرآن بخصوصه لا ما تصدق عليه القراءة العربية الصحيحة، نعم الظاهر جواز الاكتفاء بكل قراءة متعارفة عند الناس ولو كانت من غير السبع”(31)، والشيخ زين الدين أيضاً يقول: “الأحوط أن يختار المكلف في القراءة ما يتداوله غالب المسلمين من القراءات، وإن كان الأقوى عدم تعيّن ذلك، فيجوز له أن يقرأ بما يوافق إحدى القراءات المعروفة، ولا يكفي أن يقرأ بما يخالف القراءات المعروفة، وإن كان موافقاً للنهج العربي”(32)، ولكن هناك من اشترط كونها من القراءات المتداولة في عهد الأئمة (عليهم السلام) فيما يتعلق بالكلمات والحروف(33)، كالشهيد السيد محمد باقر الصدر فإنه يصرِّح بهذا فيقول: “وأما إذا لم تكن القراءة مشهورة في صدر الاسلام فلا يسوغ الاعتماد عليها في تحديد النص القرآني، فهناك مثلا من قرأ (ملك يوم الدين) وجعل (ملك) فعلاً ماضياً مبنياً على الفتح وهذا شاذ لا يسوغ الاعتماد عليه في الصلاة”(34).

 نظرية أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في القراءات السبع وفي الختام نذكر ما رواه الفضيل بن يسار، عن أبي عبدالله (عليه السلام) حيث سأله عن اختلاف القراءات؟ وقال: إنَّ الناس يقولون: إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف.

 فقال أبو عبد الله (عليه السلام):«كذبوا –أعداء الله– ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد».

 وروي عن زرارة بسند صحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: «إنّ القرآن واحد نزل من عند الواحد، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة»(35).

 وما ذكره الإمام (عليه السلام) من أن الاختلاف جاء من قِبل الرواة، يعلم من دراسة أسباب نشوء اختلاف القراءات عبر السنين، كما مرَّ ذكره سابقاً.

المصادر والمراجع

  • (1) التمهيد في علوم القرآن، العلامة محمد هادي معرفة ج2: ص 9.
  • (2) آل عمران: 184.
  • (3) مجمع البيان: ج1،2:ص 900.
  • (4) آل عمران: 176.
  • (5) مجمع البيان:ج1،2: ص 890.
  • (6) البقرة:83.
  • (7) مجمع البيان:ج1،2: ص 296.
  • (8) دروس تمهيدية في القواعد التفسيرية، الشيخ علي أكبر مازندراني ج1 ص 61.
  • (9) البيان في تفسير القرآن، ص 140.
  • (10) البيان في تفسير القرآن ص 140-162.
  • (11) الحجرات: 6.
  • (12) المكرر، لأبي حفص الأنصاري ص 141.
  • (13) البقرة: 271.
  • (14) الكشف ج1 ص 310.
  • (15) ص: 83.
  • (16) شواذ القراءة ص 208.
  • (17) الإخلاص: 4.
  • (18) البحر المحيط ج2:ص528.
  • (19) راجع تفسير التبيان ج1:ص7.
  • (20) دروس تمهيدية في القواعد التفسيرية: الشيخ علي أكبر مازندراني ج1: ص61.
  • (21) البيان في تفسير القرآن: ص180.
  • (22) الإتقان ج1، النوع 22-27: ص80.
  • (23) البيات في تفسير القرآن: ص174.
  • (24) المائدة: 6.
  • (25) النسر ج2: 254.
  • (26) البقرة:222.
  • (27) التبيان ج2: 221.
  • (28) النساء 43.
  • (29) تفسير التبيان ج3: 205.
  • (30) العروة الوثقى ج2: ص 197.
  • (31) تعليقة العروة الوثقى ج2: ص 197.
  • (32) كلمة التقوى ج2:ص 173 مسألة 471.
  • (33) السيد السيستاني في تعليقته على العروة الوثقى ج2 ص 197.
  • (34) الفتاوى الواضحة: 375.
  • (35) الكافي:2، كتاب نقل القرآن، باب النوادر، حديث 12و 13.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى