الحكومة الإسلامية قرآنياً حكومة الإمام علي (ع) نموذجاً

إنَّ الإنسان بحكم أنه يعيش في مجتمعٍ يجمعُ بين جوانبه الشيخ الكبير والطفل الصغير والمرأة والرجل وكذا الشاب والشابة، فإنَّ ذلك الإنسان سيضطر لتأسيس قانونٍ يحكم علاقته بنفسه وبغيره وأيضاً ببقية المخلوقات.

 فكما قد قيل في اصطلاح العلماء (أنَّ الإنسان مدني بالطبع) أي أنه إذا خُليَّ الإنسان -سواءٌ بفطرته أو باضطراره- لأحبَّ الحياة الاجتماعية التي تجمعه بغيره، وتلك الحياة الاجتماعية بدورها سوف تقوم بتأسيس قوانين لكي تحفظ حقوق تلك الأفراد المجتمعة في ذلك المجتمع.

 من يتابع حركة النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) يجد أنَّ أول عملٍ قام به بعد أن هاجر إلى المدينة المنورة هو إقامة الحكومة. حيث أنه (صلّى الله عليه وآله) لم يكن مأموراً بالظهور والإعلان عن دعوته في مكة المكرمة في بداية الأمر.

 وبعد فترة أمرهُ الباري بإعلان رسالته لقوله: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}(1) فأخذ الرسول الأكرم يلتقي بقادة القبائل ورؤساء الوفود الآتية لمكة، وبعد أن هاجر إلى المدينة المنورة نلاحظ كيف أنه قد أسس جيشاً منظماً واتخذ مركزاً للقضاء وللإدارة وللاجتماعات -وهو المسجد- ونظَّم الشأن الاقتصادي بوضع رواتب للعاملين، ونظَّم العلاقات الاجتماعية بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار مثلاً، وكذلك بين القبائل المتحاربة، وأيضاً قام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بمراسلة الملوك والأمراء في الجزيرة العربية وخارجها، وبإرسال سفراء ونواب إلى بقية الملوك والزعماء، وأيضاً من الأمور المهمة هي تنصيبه القضاة وتعيينه الولاة، وإعطائهم برنامجاً للإدارة والسياسة، فأوصاهم فيما أوصاهم بتعليم أحكام الإسلام ونشر الأخلاق والآداب الإسلامية وتعليم القرآن الكريم وجباية الضرائب وغيرها.

 لذا بالتالي نجد أنَّ النبي (صلّى الله عليه وآله) يعمل عمل الساسة وأصحاب السلطات اليوم، ولكن الفرق بينه وبينهم أنه (صلّى الله عليه وآله) كان يفعل ذلك وفق منهج السماء، فكان يقوم بالعزل والتنصيب وعقد الأحلاف وتوقيع الوثائق السياسية والعسكرية والاقتصادية حسبما تقتضيه المصلحة الإسلامية والاجتماعية آنذاك.

 ومع وضوح هذه المقولة وكذا البرهنة عليها من سيرة الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله) إلا أنّ البعض ذهب إلى إمكانية تطبيق الإسلام في المجتمع دون حاجة إلى حكومة قوية وسلطة سياسية مقتدره!! ولهذا قال قائد الثورة الإسلامية الإمام الخميني في محاضراته عن الحكومة الإسلامية: “والحق أنّ القوانين والأنظمة الاجتماعية بحاجة إلى منفّذ في كل دول العالم، لا ينفع التشريع وحده، ولا يضمن سعادة البشر، بل ينبغي أن تعقب سلطة التشريع سلطة التنفيذ فهي وحدها التي تنيل الناس ثمرات التشريع العادل.

 لهذا قرّر الإسلام إيجاد سلطة التنفيذ إلى جانب سلطة التشريع فجعل للأمر وليّاً للتنفيذ إلى جانب تصّديه للتعليم والنشر والبيان”(2). وملخص القول أنَّ الإنسان بفطرته ميّالٌ للحياة التي تتصف بالتنظيم، وأنَّ النفس البشرية ترغب عن العبثية التي لا يحكمها قانون وعهود ومواثيق، وأنَّ وجود الحكومة في الحياة الاجتماعية مما دلَّ عليه العقل والكتاب والسنة والسيرة النبوية الشريفة وسيرة الأئمة بما لا يقبل جدلاً.

 ملامح الحاكم الإسلامي والرعية إنَّ الهدف الأكبر من الحكومة الإسلامية التي صاغ فكرها القرآن الكريم تتمثل في جوانب عدة من أهمها إقامة حكم الله على وجه البسيطة، وفي مبحثنا هذا سنتطرق لأبرز سمات الحاكم الإسلامي وكذا الرعية.

 الحاكم الإسلامي: في منطق القرآن وحسب تشريعه الحكيم نجد أنه وضع صفات لذلك الحاكم الإسلامي، فليس هو مجرد من يأخذ بزمام الجماعة كيفما كان ويأمر وينهى بما تشتهيه نفسه، ويحكم على الناس لمجرد السلطة وشهوة الحكم، بل إنّ الحاكم ذو مسؤولية كبيرة وثقيلة أشار إليه قوله تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}(3).

 فالمسؤوليات الملقاة على عاتق الحاكم في الإسلام عبارة عن: إقامة الصلاة: أي توثيق عُرى الفرد بربه، والذي فيه كل خير. إيتاء الزكاة: تنظيم الشأن الاقتصادي لذلك المجتمع الإسلامي.

 الأمر بالمعروف: إشاعة الخير والصفات الحسنة والصلاح في المجتمع.

 النهي عن المنكر: مكافحة كل ألوان الفساد والانحراف والظلم والزور.

 الرعية: وكما وضحنا بعض مسؤليات ذلك الحاكم فبالمقابل هناك حقٌ لهذا الحاكم على الرعية، وهذا الحق يوضحه إمام المتقين (عليه السلام) في إحدى خطبه في نهج البلاغة فيقول: «أما بعد، فقد جعل الله لي عليكم حقاً بولاية أمركم، ولكم عليّ من الحق مثل الذي لي عليكم»(4).

وبعدها يشير (عليه السلام) إلى واحدة من أنصع القوانين الإسلامية فيقول: «الحق لا يجري لأحدٍ إلا جرى عليه، ولا يجري عليه إلا جرى له»، وعلى هذا فلا تمييز ولا تفرقة بين الحاكم والمحكوم بل الجميع أمام القوانين الإسلامية سواء، وعلى الحاكم والرئيس أن يؤدي حقوق الناس كأي فرد من أفراد الأمة العاديين، ثم هذا هو (عليه السلام) يوصي واليه على مصر مالك الأشتر فيقول له: «وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكوننّ عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخٌ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخلق»(5)، إنّ الدولة الإسلامية لا تشمل بعدلها ورحمتها ولطفها المواطنين المسلمين فقط، بل تشمل من سواهم من أهل الملل الأخرى كاليهود والنصارى وغيرهم.

 ففي التاريخ الإسلامي نرى كيف كان يرجّح النصارى واليهود الحياة في ظل الدولة الإسلامية ورعايتها على دولتهم الخاصة.

 أنواع الحكومات في العالم الحكومة الملوكية: إنّ القرآن الكريم يعتبرُ طيبعة الملوكية بحكم كونها ناشئة من الفرد، طبيعة ميّالة إلى الفساد والتفرعن وحمل الإرادة الفردية على الشعوب بالقهر والإرغام وإذلال أبنائها وأعزّتها إلى غير ذلك من المنكرات والمفاسد والتبعات التي عانت منها البشرية طوال قرون، إذ يقول سبحانه: {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}(6).

هذه الكلمة التي نقلها الباري في هذه الآية عن بلقيس ملكة سبأ، تمثل إحدى سنن التاريخ الحاكمة في الحياة البشرية.

 يقول السيد قطب في تفسيره لهذه الآية:”… فهي تعرف أنّ من طبيعة الملوك أنهم إذا دخلوا قرية أشاعوا فيها الفساد وأباحوا دمارها، وانتهكوا حرماتها، وحطموا القوة المدافعة عنها، وعلى رأسها رؤساؤها، وجعلوهم أذلة لأنهم عنصر المقاومة، وأن هذا هو دأبهم الذي يفعلون”(7).

 والقرآن عندما يتكلم عن أحوال الملوك الذين حكموا الأرض يذكر جشعهم وطمعهم الذي لم يقف عند حدٍ ويصور لنا كيف أنهم لم يتركوا حتى أموال الضعفاء والمساكين.

فمثلا يذكر القرآن لنا عن ملك بلغ به الجشع والحرص إلى درجة انتزاع سفينة بعض المساكين التي كانوا يرتزقون من ورائها ويحصلون بها على لقمة عيشهم: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً}(8)، وها هو فرعون أحد ملوك مصر يبلغ به الطمع والحرص إلى أن يعد نفسه مالكاً لأرض مصر وأنهارها وما فيها من خيرات من دون مبرر ولا سبب إلا الطمع وحب الاستئثار بكل شيء لوحده: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ}(9)، ويقول العلامة الطباطبائي في تفسيره في وصفه لطبيعة النظام الملكي والسلطة الملوكية، تحت عنوان (من الذي يتقلد ولاية المجتمع في الإسلام وما سيرته): “أن هذه الطريقة غير طريقة السلطة الملوكية التي تجعل مال الله فيئا لصاحب العرش وعباد الله أرقاء له يفعل بهم ما يشاء ويحكم فيهم ما يريد وليست هي من الطرق الاجتماعية التي وضعت على أساس التمتع المادي من الديمقراطية وغيرها فإن بينها وبين الإسلام فروقا بينة مانعة من التشابه والتماثل.

ومن أعظمها أن هذه المجتمعات لما بنيت على أساس التمتع المادي نفخت في قالبها روح الاستخدام والاستثمار وهو الاستكبار الإنساني الذي يجعل كل شيء تحت إرادة الإنسان وعمله حتى الإنسان بالنسبة إلى الإنسان، ويبيح له طريق الوصول إليه والتسلط على ما يهواه ويأمله منه لنفسه، وهذا بعينه هو الاستبداد الملوكي في الأعصار السالفة وقد ظهرت في زي الاجتماع المدني على ما هو نصب أعيننا اليوم من مظالم الملل القوية وإجحافاتهم وتحكماتهم بالنسبة إلى الأمم الضعيفة وعلى ما هو في ذكرنا من أعمالهم المضبوطة في التواريخ.

 فقد كان الواحد من الفراعنة والقياصرة والأكاسرة يجري في ضعفاء عهده بتحكمه ولعبه كل ما يريده ويهواه.

ويعتذر -لو اعتذر- إن ذلك من شئون السلطنة ولصلاح المملكة وتحكيم أساس الدولة، ويعتقد أن ذلك حق نبوغه وسيادته، ويستدل عليه بسيفه…”(10)، وهذا هو أمير المؤمنين (عليه السلام) يتحدث عن وضع الناس المأساوي في ظل النظام الملكي (الكسروي والقيصري) الذَيْن يمثلان أسوأ مظاهر الملوكية التاريخية، وهو (عليه السلام) يخبرنا عن تلك العقود والأيام بقوله (عليه السلام): «واعتبروا بحال ولد إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل (عليهم السلام).

 فما أشد اعتدال الأحوال، وأقرب اشتباه الأمثال.

 تأملوا أمرهم في حال تشتتهم وتفرقهم ليالي كانت الأكاسرة والقياصرة أربابا لهم، يحتازونهم عن ريف الآفاق، وبحر العراق وخضرة الدنيا إلى منابت الشيح، ومهافي الريح، ونكد المعاش.

فتركوهم عالة مساكين إخوان دبر ووبر، أذل الأمم دارا، وأجدبهم قرارا.

 لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها، ولا إلى ظل ألفة يعتمدون على عزها.

 فالأحوال مضطربة، والأيدي مختلفة، والكثرة متفرقة.

 في بلاء أزل، وإطباق جهل»(11).

 مساوئ حكم الملوكية إنّ الحاكم المستبد في الرأي والحكم يعتقد أنه يجب على الجميع أن يروا رأيه سواء وافق الدليل أم لا، وسواء طابق المصلحة أم لا، بل يكفي في صحته ولزوم طاعته أنه رأي الملك ومشيئته، كما يحكي القرآن عن لسان فرعون كلامه بعدما قال مؤمن آل فرعون: {يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ}(12)، وقد يبلغ الاستبداد بالحاكم إلى أن يرى نفسه أعلى من كل الموجودات ويطلب من الناس عبادته ويحظر عليهم عبادة غيره حظراً شديداً ومنعاً باتاً، بحيث لو سوّلت لأحد نفسه أن يعبد غير ذلك الحاكم الطاغي والملك المستبد أخذه بأشد العذاب وأقسى أنواع العقاب كما يحكي الباري (عزّ وجلّ) عن فرعون.

 حكومة الأغنياء: تتحقق باستيلاء جماعة من ذوي الثراء الكبير على زمام الحكم لثرائهم.

 ويبرر هذا الفريق حقهم في الأخذ بزمام الحكم دون غيرهم بقدرتهم الاقتصادية وتفوقهم الإداري. لكن هذا النوع من الحكومات لا يلتقي ولا ينسجم مع النظام الإسلامي مالم توافق تلك الحكومات أسس وضوابط الإسلام في مجال الحكم والحاكم؛ لأن هذه الحكومات تؤول -لامحالة- إلى الديكتاتورية والاستغلال.

 النمط الديمقراطي: أي وكما يسمى(حكومة الشعب على الشعب) وهو النمط الذي تدعيه أكثر الحكومات الحاضرة وخاصة في الغرب. إنَّ الديمقراطية الدارجة في الغرب ديمقراطية ظاهرية وحرية صورية غير حقيقة، فالناخبون هناك ينتخبون نوابهم وحكامهم مجبورين ومضطرين في الواقع وإن كانوا مختارين في الظاهر.

 فهم ينتخبون تحت تأثير الوسائل الإعلامية، والأهم من كل هذا أن هذا النوع من نظام الحكم وإن لم يكن من مصاديق الاستعلاء المذموم في القرآن الكريم، غير أنَّ مجرد كونه شعبياً لا يكفي في شرعيته وصحته، بل لا بدَّ من أن يكون ناشئاً من حاكمية الله سبحانه، إما بالنص أو موضع تأييده برعاية الضوابط والسنن التي نُصَّ عليها في الشريعة الإسلامية في مجال الحكم والحاكم.

 إنّ الحاكمية -حسب منطق العقل والدين- مخصوصة بالله سبحانه ومحض حق له دون سواه، لذلك لا بدَّ أن تكون حاكمية غيره ناشئةٌ منه أو موضع تأييده سبحانه.

 صيغة الحكومة الإسلامية: نبدأ في هذا المبحث بطرح تساؤلٍ مهم، وهو لماذا غابت الصورة الحقيقة للحكومة الإسلامية؟ ومن خلال الإجابة عن هذا التساؤل يمكننا أن نتطرق لصيغة الحكومة الإسلامية، وفي الحقيقة يمكننا أن نرجع السبب وراء غياب الصورة الحقيقة للحكومة الإسلامية إلى: توالي الحكومات المنحرفة على دفة الحكم في الأمة الإسلامية، الأمر الذي حال دون قيام الحكومة الإسلامية الواقعية.

 وبعدنا الزمني عن العهد النبوي وتطور اللغة، مما جعلنا لا نفهم الكثير من مقاصد المصطلحات القرآنية التي تدل على ملامح الحكومة الإسلامية.

 والآن نعود إلى استقراء الكتاب والسنة لنرى كيف يمكننا تأسيس الحكومة الإسلامية، فنجد أنّ الحكومة الإسلامية تقوم بأحد أمرين ولكل واحدٍ منهما ظرفه الخاص: الأول: التنصيص الإلهي على الحاكم الأعلى باسمه وشخصه، وهذا فيما لو كان هناك نص أو نصوص على حاكمية شخص معين على الأمة.

 والثاني: التنصيص الإلهي على صفات الحاكم الأعلى وشروطه ومواصفاته الكلية فيما إذا لم يكن هنا تنصيص على الشخص أو كان ولكن الظروف تحول دون الوصول إليه.

 تحليل لخلافة الإمام علي (عليه السلام) خلافة أمير المؤمين (عليه السلام) لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) فهي وإن أجمع المسلمون عليها وأقبل عليه الناس برمتهم إلا أنه (عليه السلام) لم يستدل لخلافته باجتماع الآراء والأصوات عليه وانتخاب الناس له -وذلك لكونه طريقاً غير شرعيٍّ كما وضحنا ذلك سابقاً- بل كان يستند غالباً بالنصوص النبوية الواردة في حقه (عليه السلام) والتي تنص على خلافته من جانب الباري (عزّ وجلّ).

 وهذه هي صغرى مورد البحث وهي هل أن انتخابه كخليفة للمسلمين إلهياً أم لا؟ وأما الكبرى وهي كون صيغة الحكم بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) بلا فصل هو تفويض إلى الأمة أم أنه أمر إلهي؟ يمكننا إثبات أن الأمر لازال إلهياً عبر هاتين النقطتين: الأولى: أنَّ القيادة وإنْ كانت مقرونةً بالنبوة غالباً، غير أنها كانت وراثية في الأمم السابقة، يرثها صالحٌ عن صالح وكابرٌ عن كابر مما يعني أنه لم يكن أمرها متروكاً إلى الناس ومفوضاً إلى آرائهم.

 الثانية: أنَّ جميع الزعامات والقيادات كانت بأمر الله وبنص الأنبياء السابقين، مما يدل على أنَّ الأمة الناشئة لا يجوز ترك أمرها إلى نفسها دون تعيين قائد محنك وراعٍ صالح.

 فمثلاً ما جرى في أمة موسى (عليه السلام) وذلك لما أراد النبي موسى (عليه السلام) الاعتزال عن قومه مدة أربعين ليلة لمناجاة ربه سبحانه، لم يترك أمته دون تعيين خليفةً عليهم، بل عيّن هارون خليفةً وأميراً في غيابه، قال تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}(13).

 فإذا تقرر ذلك نقول، إذا كان هذا هو المتّبع عند الأمم السالفة في مسألة القيادة والخلافة بعد الأنبياء، وكان ذلك أمراً متكرراً ومتعارفاً بينهم، فالانصراف عن تلك الطريقة والإعراض عنها في الإسلام يحتاج إلى التصريح والبيان.

 وحاصل الأمر، أنَّ الحاكم الأعلى في نظام الحكم الإسلامي يجب أنْ يكون منصوصاً عليه من جانب الله سبحانه، فكما أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان نبياً ورسولاً وحاكماً وقائداً من جانب الله سبحانه، فلا بد أن يكون خليفته المتولي لشؤون المسلمين من بعده منصوصاً عليه وعلى قيادته من جانبه سبحانه أيضاً.

 ما الضير في تغيير ذلك الشخص مع بقاء الحكومة الإسلامية؟ البعض قد يشكل بهذا الإشكال وهو: ما هي المشكلة عندما يتم تغيير في الأشخاص بينما تبقى الركائز الأساسية ثابتة، فالمسألة مسألة تغيير أحد الحُكَّام لا أكثر من ذلك، إنَّ الله جعل علياً خليفةً، وهم جعلوا آخراً، وأما باقي الجهات فيبقى الوضع فيها على حاله، فالصلاة بقيت على حالتها، والزكاة بقيت على حالها تُجبى، بقي الفقراء يُعطوَنَ منها، بقي كتاب الله يقرأ في المساجد، بقيت الجماعات تقام في أوقاتها، بقي بيت الله يُحجُ إليه، بقي الجنود والمرابطون يفتحون بلاد الله الواسعة، بلداً بلداً، وعليه لم يتغير شيء سوى أنّ شخصاً كان اسمه علي، هو أعدل وأعلم من غيره، أُقصي من مقام الحُكم وجُعِلَ مكانه غيره لا أكثر من هذا المقدار.

 والجواب: في الحقيقة لم يكن الأمر كذلك، وإنما كان نذير شؤم بالنسبة إلى الحكومة الإسلامية كلها، لمّا بدل شخص الحاكم وجعل مكانه آخر، هذا الأخير لم يكن معصوماً ولم يكن مُصَمماً من قِبَـل واضع الحكومة، لم يكن معصوماً لا من ناحية المفاهيم الفكرية ولا من الناحية العملية، جاء ليتسلم زمام الحكومة الإسلامية في بداية أمرها.

 إنَّ هذه الحكومة المخطط لها على يد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كانت تشمل عناصر ثلاث: الفاعل -أي الحاكم-، التنظيم المستمد من قبل الشريعة، حقل هذا التنظيم وهو الأمة أي المجتمع، فإذا تم تغيير في أحد أركان هذا المخطط فإن ثلث الحكومة الإسلامية سيتهدم، بل إنّ تهدم جزء منه كفيلٌ بتهدم الجزئين الآخرين، لأنَّ هذه الحكومة متفاعلة في عناصرها، فالمسلمون لم يكونوا يتصورون عمق هذا التغيير، بل غاية ما كانوا يتصورونه أن المسألة مسألة تغيير حَاكمٍ فقط!(14) المسألة ليست مسألة عقيدة فحسب أو نزاع بين شخصين في حق مشروع يدعيه المدعي وينكره المنكر، وإنما كان تغيير شخص الحاكم تعريضاً للحكومة الإسلامية للفشل المحقق فعلاً، ثم خطر الانهيار الكامل في المستقبل، حيث إنَّ الكونَ مملكةٌ لمليكٍ قديرٍ يراقب من وراء الستار مراقبة غير منظورة، وهذا يستبطن حتماً الشعور بأنَّ وجود الإنسان في الكون، هو وجود الأمين ووجود الخليفة قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}، {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}(15)، وهذا يُشعر بأنه -أي الخليفة والأمين- يقوم بأعباء الأمانة والخلافة، هذه الخلافة التي قام بها آدم (عليه السلام) وقامت به بعد ذلك الأجيال الصالحة لبني آدم.

 هذه الخلافة والأمانة تستبطن معنى آخر هو ضرورة استيحاء الأمر والنهي والتدبير والتقدير والتقديم من قبل ذلك المليك القدير.

 انتخاب الأمراء وتعيينهم في الختام أحببت أن أشير إلى أنّ انتخاب الولاة وتعيينهم في مناصب الحكومة وكذا إزالتهم عن مناصبهم، هو من مختصات الحاكم فهو الذي يختار وينتخب لهذا المنصب من تتوفر فيه النزعات الكريمة والصفات الفاضلة من العلم والورع والتقوى وأصالة الرأي وعمق التفكير والدراية التامة بشؤون الحكم والإرادة -لا بالشورى أو بالانتخابات المزعومة في عصرنا- فيجب على الحاكم الفحص بدقة وإمعان عن المتصدي لهذا المنصب لئلا يتولى أمور المسلمين من لا حريجة له في الدين.

كما عيّن أمير المؤمنين (عليه السلام) مالك الأشتر على مصر من بعد قيس بن سعد وبعد شهادة مالك عيّن محمد بن أبي بكر، وكذا تعيينه (عليه السلام) لعبدالله بن عباس على البصرة وغيرهم من الولاة وكذا قام بعزل بعض الولاة الذين أظهروا الجور والفساد في الأرض، فقد أقصى جميع الأمويين عن جهاز دولته لأن إبقاءهم في مناصبهم إقرار للظلم والطغيان.

 يقول الإمام الخميني (رضوان الله عليه): “الحكومة الإسلامية هي حكومة القانون الإلهي ويكمن الفرق بينها وبين الحكومات الدستورية منها والجمهورية في أنّ ممثلي الشعب أم ممثلي الملك -في الأخيرين- هم الذين يقنّنون ويشرّعون، في حين تنحصر سلطة التشريع-في الحكومة الإسلامية- بالله (عزّ وجلّ) وليس لأحد أيّاً كان أن يشرّع وليس لأحد أن يحكم بما لم ينـزّل الله به من سلطان؛ ولهذا السبب فقد استبدل الإسلام بالمجلس التشريعي مجلساً آخر للتخطيط يعمل على تنظيم سير الوزارات في أعمالها وفي تقديم خدماتها في جميع المجالات”(16).

 وهذا يبين بطلان ما قد يتوهمه متوهم من أنَّ السلطة التشريعية -التي تُعدُّ من أركان الحكومة الإسلامية- هي نفسها الرائجة والمتعارفة في الحكومات العالمية من إعداد فرد أو جماعة يقومون بسنّ التشريعات والقوانين التي تحتاج إليها البلاد.

 حيث أنّ التشريع والتقنين محض حق لله سبحانه فلا شارع ولا مقنن سواه، ولا يحق لأحد -كان من كان وبلغ ما بلغ من العلم والثقافة والمكانة الفكرية والاجتماعية- أن يشرّع حكماً أو يحلّ حلالاً، أو يحرّم حراماً، فكل ذلك موكول إلى الله سبحانه، ومن شأنه خاصة. فتقتصر مهمة السلطة التشريعية المتمثلة في مجلس النواب في التخطيط للبلاد عن طريق التشاور وتبادل وجهات النظر.

المصادر والمراجع

  • (1) الحجر: 94.
  • (2) الحكومة الإسلامية للإمام الخميني 24.
  • (3) الحج:41.
  • (4) صدر المختار 213 من نهج البلاغة.
  • (5) نهج البلاغة: الرسالة 53 لمالك الأشتر واليه على مصر.
  • (6) النمل: 34.
  • (7) في ظلال القرآن 19: 146.
  • (8) الكهف:79.
  • (9) الزخرف:51.
  • (10) تفسير الميزان: 4: 131.
  • (11) نهج البلاغة الخطبة رقم 187.
  • (12) غافر 29.
  • (13) الأعراف 142.
  • (14) أهل البيت (عليهم السلام) تنوع أدوار ووحدة هدف، للشهيد الصدر، 313، بتصرف في العبارة.
  • (15) البقرة من الآية:30 والأحزاب 72.
  • (16) الحكومة الإسلامية للإمام الخميني: 41 – 42.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى