تسخير الإنسان من نعم الرحمن

نعم الله سبحانه وتعالى على الإنسان كثيرة تأبى على العد والإحصاء، فلا يمكن له أن يحيط بها علما فيحصيها، ومن بين أعظم هذه النعم أن يمن عليه فيعرفه نعمه ليشكره عليها، الحديث سيكون حول إحدى هذه النعم التي تغيب عن بال الكثير وكيفية شكر الباري عز وجل عليها.

 الإنسان مسخر لأخيه: من أعظم نعم الله عز وجل أنه سخر الإنسان لأخيه الإنسان(1)، قال تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} (2)

، فالآية القرآنية الكريمة تبين أن المولى عز وجل خلق البشر وجعلهم متفاوتين في الرزق ليستعمل بعضهم بعضا في قضاء حوائجهم فينتظم بذلك نظام العالم(3)، فالتسخير سياقة إلى الغرض المختص قهراً والسخري هو الذي يقهر فيتسخر بإرادته(4)، وكل إنسان مسخر لإخوته إمَّا مباشرة وإمَّا بالواسطة وبذلك تعمر الدنيا، وتقام الحضارات، فأنت إن تأملت في هذه المجتمعات رأيت كيف أن الإنسان لا يستطيع لوحده أن يحقق جميع غاياته وكيف أنه محتاج لغيره، ووجدت أنه مستعد للتخلي عن بعض ما حصله بجهده ليحصل على بعض ما حصله الآخرون بجهودهم فيقترب بذلك من الحصول على غاياته كلها أو القدر الأكبر منها.  

فالغني محتاج للفقير ليقوم ببعض أعماله أو ليعلمه علماً ليس عنده أو…

فيعطيه من بعض ما رزقه الله، والفقير محتاج للغني فيعمل في قضاء حوائجه أو يعلمه ما يجهله وهكذا، وليس لأحد من فضل على أحد وإنما هو فضل الله عليهم ونعمته.

 ظلم الإنسان لأخيه: لقد من الله عز وجل على الإنسان فسخر له هذا الوجود وهو بحسب طبيعته البشرية يسعى لسد حاجاته الطبيعية التي يشعر بها، ويستثمر كل ما يمكنه في هذا الطريق وقد يغفل في كثير من الأحيان عن أن للآخرين حاجات مماثلة فيعتدي عليهم بقصد أو بدونه، قال تعالى: {إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}(5)، وقال أيضاً: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً}(6)، وصيغة المبالغة في وصفه بالظلم تشير بوضوح إلى تكرر ذلك منه، كما أن صيغة المبالغة في وصفه بالكفر والجهل كثرة كفره للنعم وجهله (7).

 نعمة عظيمة أخرى: إن هذا المجتمع الذي تتعارض فيه مصالح البشر يفتقر بالضرورة إلى قوانين تنظم المعاملات فيه وتحفظ لكل شخص حقوقه من الضياع، ولذلك من الله سبحانه وتعالى على البشرية بإرسال الرسل والأنبياء لإرشاد البشرية للسبيل الأمثل لتنظيم العلاقات بين الأفراد فيبقى المجتمع متماسكاً وتحفظ منافع ومصالح جميع الأفراد على اختلاف مواقعهم فيه.

 واقع المجتمع البشري المعاصر: المجتمع البشري المعاصر كجميع المجتمعات السابقة يسعى أفراده لسد احتياجاتهم الطبيعية مستفيدين لتحقيق هذه الغاية من كل ما يتوفر لهم من آليات، ورغم مرور آلاف السنوات على أول مجتمع بشري ما زال الإنسان يظلم أخاه الإنسان حقه كلما توفرت له الفرصة لذلك!! هذا الواقع الذي تعيشه أغلب المجتمعات البشرية اليوم ليس هو ذلك الذي شرع له المولى عز وجل من خلال إرسال رسله، فالمولى عندما جعل التفاوت بين البشر في القدرات والإمكانات ليتمكن كل واحد منهم من الاستعانة بالآخر للوصول لغاياته والحصول على احتياجاته الطبيعية لم يرد أن بعض دون بعض، وإنما أراد أن يصل جميع الأفراد لغايتهم، فمن عليهم بالرسل والأنبياء هداة ومرشدين مبينين لسبيل وصول الجميع لهذه الغايات، وأقل ما يقال في شكر هذه النعم هو الاستفادة منها بصورة صحيحة، وليس الإعراض عن هذه السبيل وهجرانها إلا كفراناً بنعم الله عز وجل هذا الكفران الذي ينشأ من جهل الإنسان نفسه، فلابد إذن للإنسان من أن يعرف سبيل شكر هذه النعم. من سبل شكر هذه النعمة: أول ما يقال في سبل شكر النعمة هو أن يحرص الإنسان على معرفة المقررات والقوانين التي شرعها المولى عز وجل لضبط المعاملات الاجتماعية، وهذا ما يتكفل به علم الفقه الإسلامي فهو العلم الذي يعنى بتبيين القوانين الفردية والاجتماعية، فمثلاً التاجر يجب أن يعرف أحكام التجارة وصاحب المؤسسة والمصنع يجب أن يعرف أحكام الإجارة(8) وهكذا في مختلف الصنائع والأعمال. وفي الحديث الشريف عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعت أمير المؤمنين (ع) يقول على المنبر: يا معشر التجار الفقه ثم المتجر الفقه ثم المتجر، والله للربا في هذه الأمة دبيب أخفى من دبيب النمل على الصفا، شوبوا أيمانكم بالصدقة، التاجر فاجر والفاجر في النار إلا من أخذ الأحق وأعطى الحق(9). ثم إن كتب الأخلاق والحديث ذكرت الكثير من الآداب التي ينبغي للمؤمن أن يتحلى بها خلال المعاملة، والتحلي بهذه الآداب من أجلى مصاديق شكر الله على هذه النعمة.

العمالة الوافدة: تتميز بعض المجتمعات البشرية باجتذابها للعمالة الوافدة من بلدان أخرى ولأسباب متعددة، منها نقص الطاقات البشرية في تلك المجتمعات أو وجود وظائف وتخصصات لا يوجد بين أبناء هذه المجتمعات من يقوم بها أو رخص تكلفة العمالة الوافدة بالنسبة للعمالة المحلية، وعلى كل حال فالمجتمع الخليجي من المجتمعات التي تتميز بهذه الظاهرة، وإن تفاوت وجودها من بلد لآخر، ولذلك سينصب الحديث ضمن هذه النقطة حول العمالة الوافدة في المجتمع الخليجي.

 من الوضوح بمكان أن أغلب العمالة الوافدة على المجتمع الخليجي هي عمالة وافدة من دول أفقر من الدول الخليجية، ومن الواضح أيضاً أن غالبية هذه العمالة تشغل وظائف متدنية في نظر العرف بشكل عام، كالعمل في مؤسسات التنظيف أو البناء أو الخدمة في المنازل و…

، مما يؤدي لوجود نظرة دونية لدى البعض لأفراد هذه الطبقة.

ومما لا شك فيه أن هذه النظرة ليست من الإسلام في شيء فمعيار الكرامة والتفاضل في الإسلام هو التقوى فها هو النداء القرآني يتردد {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(10)، ومن الحسن أن نشير هنا إلى عدة نقاط خطرت بالبال:

 1- من اللازم أن نتذكر دائما أن هذا العامل(11)إنسان مثلنا، وهو إن لم يكن أخاً لنا في الدين فهو نظير لنا في الخلق.

 2- إن حاجتنا لوجود هذا العامل وقيامه بما أسند إليه لا تقل عن حاجته للعمل عندنا.

 3- إن هذه الحاجة المتبادلة من نعم الله علينا، فلو لم يحتج هذا العامل إلينا لاضطررنا للقيام بما يقوم به، ومع تعدد الأعمال نعلم بأننا لا نستطيع أن نغطي جميع حاجاتنا، فيجب أن نحمد الله لتوفير من يساعدنا على تحقيق احتياجاتنا، وعن علي (ع)  في بيان معايش الخلق قال: وأمَّا وجه الإجارة فقوله عز وجل: {نَحْنُ قَسَّمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} فأخبرنا سبحانه أن الإجارة أحد معايش الخلق، إذ خالف بحكمته بين هممهم وإرادتهم وسائر حالاتهم، وجعل ذلك قواماً لمعايش الخلق، وهو الرجل يستأجر الرجل في ضيعته وأعماله وأحكامه وتصرفاته وأملاكه، ولو كان الرجل منا يضطر إلى أن يكون بنَّاءً لنفسه أو نجاراً أو صانعاً في شيء من جميع أنواع الصنائع لنفسه ويتولى جميع ما يحتاج إليه من إصلاح الثياب وما يحتاج إليه من الملك فمن دونه ما استقامت أحوال العالم بتلك، ولا اتسعوا له، ولعجزوا عنه ولكنه أتقن تدبيره لمخالفته بين هممهم، وكلما يطلب مما تنصرف إليه همته مما يقوم به بعضهم لبعض، وليستغني بعضهم ببعض في أبواب المعائش التي بها صلاح أحوالهم(12).

4- عدم معرفة العامل للحق ليس مبرراً للإساءة إليه بحجة أنه ضال ومعيار الكرامة هو التقوى، بل من اللازم هنا أن يبين له الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، والتطبيق العملي لنهج الحق، فعن أبي عبد الله جعفر بن محمد صلوات الله عليه (أن نفراً أتوه من الكوفة من شيعته يسمعون منه، ويأخذون عنه، فأقاموا بالمدينة ما أمكنهم المقام، وهم يختلفون إليه ويترددون عليه ويسمعون منه ويأخذون عنه، فلما حضرهم الانصراف وودعوه، قال له بعضهم: أوصنا يا ابن رسول الله، فقال: أوصيكم بتقوى الله والعمل بطاعته واجتناب معاصيه، وأداء الأمانة لمن ائتمنكم، وحسن الصحابة لمن صحبتموه، وأن تكونوا لنا دعاة صامتين.

فقالوا: يا ابن رسول الله، وكيف ندعوا إليكم ونحن صموت قال: تعملون ما أمرناكم به من العمل بطاعة الله، وتتناهون عما نهيناكم عنه من ارتكاب محارم الله، وتعاملون الناس بالصدق والعدل، وتؤدون الأمانة، وتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، ولا يطلع الناس منكم إلا على خير، فإذا رأوا ما أنتم عليه قالوا: هؤلاء الفلانية(13)، رحم الله فلاناً، ما كان أحسن ما يؤدب أصحابه، وعلموا فضل ما كان عندنا، فسارعوا إليه)(14).

 5- قد يكون العامل الوافد من غير المسلمين فهنا كما ينبغي مراعاة ما ذكر في النقطة السابقة إلا أنه لا يجوز التهاون في الأحكام الشرعية من مراعاة أحكام النجاسة وغيرها(15).

 6- قد تتهاون سفارات بعض الحكومات في رعاية مصالح مواطنيها فيستغل بعض أرباب العمل ذلك فيبخس عماله أجورهم وهنا نذكره بقول الرسول الأعظم(ص): (من ظلم أجيراً أجره أحبط الله عمله وحرم عليه ريح الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام)(16)، وقال (ص) : (ظلم الأجير أجره من الكباير)(17).

المصادر والمراجع

  • (1)دار الحديث بين علماء الاجتماع حول كون الإنسان اجتماعياً بالطبع أو بالضرورة، فعلى الأول يقال بأن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وجعله اجتماعياً بالفطرة، وعلى الثاني يقال بأن الله خلق الإنسان أنانياً بالفطرة ولكنه لما رأى أنه لا يستطيع تحقيق حاجاته إلا باستخدام الآخرين أو التعاون معهم صار اجتماعياً للضرورة. راجع: القرآن في الإسلام – السيد محمد حسين الطباطبائي – تعريب السيد أحمد الحسيني ص92. تفسير الميزان: العلامة الطباطبائي (طبعة جماعة المدرسين بالحوزة العلمية – قم المقدسة – ) ج2 ص112 / ج4 ص92 / ج10 ص261 / ج18 ص98.
  • (2)سورة الزخرف، الآية 32.
  • (3)راجع تفسير الآية الكريمة في التفسير الأصفى والتفسير الصافي للفيض الكاشاني، تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي، التفسير الأمثل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي وغيرهم…
  • (4)مفردات غريب القرآن: الراغب الأصفهاني ص227.
  • (5)سورة إبراهيم(ع)، الآية 34.
  • (6)سورة الأحزاب، الآية 72.
  • (7)راجع تفسير الآيتين، والقرآن في الإسلام (مصدر سابق) ص96.
  • (8)فالموظف والعامل أجيران لدى أرباب الأعمال فمعرفة أحكام الإجارة باب لمعرفة حقوق الأجير وواجباته.
  • (9)تهذيب الأحكام:الشيخ الطوسي:ج 7 ص 6 / من لا يحضره الفقيه:الشيخ الصدوق:ج 3 ص 121.
  • (10)سورة الحجرات، الآية13.
  • (11)أو تلك العاملة.
  • (12)وسائل الشيعة: الحر العاملي ج13 ص244.
  • (13)أي قالوا هؤلاء الجعفرية رحم الله جعفراً(ع)…
  • (14)دعائم الإسلام: القاضي النعمان المغربي: ج1 ص56.
  • (15)مؤسف ما حدث مؤخراً في إحدى الدول الخليجية من قيام بعض المدراء الأجانب بالإساءة للقرآن الكريم وعدم قيام الجهات الرسمية بأي رد على هذه الجريمة.
  • (16)من لا يحضره الفقيه: الشيخ الصدوق: ج4 ص12.
  • (17)بحار الأنوار: العلامة المجلسي: ج100 ص170.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى