الولاء في الثقافة الإسلامية

الولاء في الثقافة الإسلامية طريقة متميّزة يتّخذها الإسلام أساساً لتنظيم شبكة علاقات الإنسان في المجتمع الإسلامي بالله تعالى وأنبيائه وأوليائه وبالآخرين من أفراد المجتمع وبنفسه.

والمجتمع شبكة من العلاقات الاجتماعية، وهذه الشبكة هي النسيج الاجتماعي الذي يتألف منه المجتمع، والذي يربط أعضاء المجتمع بعضهم ببعض.

ويختلف النسيج الاجتماعي في الحضارات المختلفة من حضارة إلى أُخرى قوّةً وضعفاً. كما يختلف هذا النسيج من مجتمع إلى آخر من حيثُ النوعيةُ والكيفية، فتقوم العلاقات الاجتماعية في مجتمع على أساس مصلحي ونفعي، بينما تقوم هذه العلاقات في مجتمع آخر على أساس من الإيثار والتضحية، وليس على أساس المنفعة والمصلحة، ويقوم في مجتمع ثالث على أساس قانوني وتعاقدي تنظِّمه بنود وفقرات القانون، بينما يقوم في مجتمع آخر على أساس من القانون والأخلاق، ويكون للأخلاق مثل ما للقانون من دور في تنظيم العلاقات الاجتماعية.

و «الولاء» هو الطريقة الإسلامية المفضلة لتنظيم شبكة العلاقات الاجتماعية في الإسلام.

وفيما يلي نحاول إن شاء الله أن نتناول دور الولاء في تنظيم شبكة العلاقات في الإسلام بالدراسة والتحليل.

يستعمل (الولاية) و (الولاء) في اللغة وفي الثقافة الإسلامية لعدّة معان، فالطاعة ولاء، والحب ولاء، والنصرة ولاء، والتعاون ولاء، والحاكمية والسيادة ولاء.

وليس استعمال الولاء في هذه المعاني استعمالاً في معان متعددة مختلفة يتحد فيها اللفظ ويتعدّد فيها المعنى، بل هناك معنى واحد للولاء يجري في هذه الموارد جميعاً، ويكون استعمال الولاء في كل واحد من هذه المعاني بلحاظ ذلك المعنى. فيكون استعمال الكلمة في معانيها من باب «الاشتراك المعنوي» وليس «الاشتراك اللفظي» كما يقول علماء الأصول.

والأمر في اللغة وفي المصطلح الإسلامي لهذه الكلمة سواء.

وإذا اهتدينا نحن في هذه الدراسة إلى هذا المعنى الوحداني الذي منه تتشعّب استعمالات هذه الكلمة … فسوف يعيننا ذلك كثيراً في تكوين صورة واضحة عن معنى الولاء في الإسلام وموارده ومجالاته.

لنرجع إذن إلى اللّغة أوّلاً لنتعرّف على جذور استعمالات هذه الكلمة في معاجم اللّغة.

يقول الراغب في (المفردات) (ولي: الولاء والتوالي أن يحصل شيئان فصاعداً حصولاً ليس بينهما، ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيثُ المكانُ ومن حيثُ الدينُ ومن حيثُ الصداقةُ والنصرة والاعتقاد)[1].

وقال في المصباح المنير: (الولي حصول الثاني بعد الأول من غير فصل)[2]. ويقول ابن فارس في المقاييس (في ولي: اصل صحيح يدل على قرب)[3].

وهؤلاء الذين نقلنا أقوالهم من أئمة اللّغة في القرن الرابع والخامس والثامن، وبالتأمّل في كلمات هؤلاء اللغويين نستطيع أن نهتدي إلى الصلة والعلاقة المعنوية القائمة بين استعمالات ومعاني الولاء في اللغة العربية، من دون مشقّة كبيرة.

فالولاء والتولي بين شيئين أن يحصل بينهما من القرب ما لا يكاد يفصل بينهما ما ليس منهما.

فهو إذن يأتي بمعنى أدنى حالات القرب أو أكثره. ويستعمل الولاء والتولي في القرب المكاني بين شيئين، كما يستعمل في القرب المعنوي، عندما يبلغ القرب بين شيئين أو أمرين أقصاه، ولا يكون أمر آخر أقرب إليهما منهما.

فالطاعة والتبعية من الولاء لأنّه يقرب التابع من المتبوع فلا يكون أمر آخر حائلاً بين المتبوع والتابع، ولا يكون شيء أقرب إلى المتبوع من التابع. والتناصر والتحالف من الولاء لأنّها تشكّل درجة من القرب بين الطرفين تستوجب التزام كل منهما بالدفاع عن الآخر ونصره، كما أن التعاون والتحابب أيضاً من الولاء بنفس الملاك والمعنى.

وبهذا النحو نجد أن المعاني المختلفة التي يذكرها علماء اللّغة للولاء يعود إلى أصل واحد يسري في هذه المعاني جميعاً، وهو العلاقة الوثيقة والقريبة بين شيئين. ويكون استعمال الولاء في هذه المعاني من باب الاشتراك المعنوي.

وقد أكّد جمعٌ من أئمة اللّغة المتقدّمين هذا المعنى من استعمالات الولاء في اللّغة العربية.

يقول ابن فارس وهو من أئمة اللّغة في القرن الرابع (ومن الباب المولى: المعتِقْ، المعتَقْ، والصاحب، والحليف، والناصر، والجار… كل هؤلاء من الوَلْيُ وهو القرب)[4].

ويقول الراغب وهو من أئمة اللّغة في القرن الخامس: (ويستعار ذلك للقرب من حيثُ المكانُ ومن حيثُ النسبةُ ومن حيثُ الدينُ، ومن حيثُ الصداقةُ، والنصرة والاعتقاد)[5].

هذا من حيثُ الجذورُ اللّغوية لهذه الكلمة. ومعرفة الجذور اللغوية لها تعيننا في فهم مدلول هذه الكلمة في الثقافة الإسلامية.

إذن ننتقل من المدلول اللّغوي إلى المدلول العقائدي والحضاري لهذه الكلمة في الثقافة الإسلامية.

علاقة النسيج الاجتماعي برسالة المجتمع

 للنسيج الاجتماعي في كل مجتمع علاقة وثيقة برسالة ذلك المجتمع. ونستطيع نحن أن نفهم النسيج الاجتماعي في أي مجتمع من خلال معرفة رسالة ذلك المجتمع، كما يصح العكس أيضاً، فنتمكّن من معرفة النسيج الاجتماعي في أي مجتمع من خلال رسالة ذلك المجتمع.

فقد تتجمّع مجموعة من الناس بهدف تنظيم وتيسير شؤون معيشتهم، وهذه المهمّة تتطلّب منهم توزيع الاختصاصات والأدوار، كما تتطلب منهم تحديد مساحة كل عضو في المجتمع للعمل والتحرّك.

فالإنسان في الحياة الاجتماعية يقوم بممارسات اجتماعية كثيرة لتنظيم وتيسير حياته فهو يبيع ويشتري ويشارك ويتزوّج ويتملّك وينافس الآخرين، ويدرس، ويدافع عن حقوقه، ويختلف مع الآخرين، ويقاتل، ويرفّه عن نفسه وعن أهله. وكل ذلك وغيره يدخل في دائرة الحياة المادية والاقتصادية للفرد والمجتمع.

وفي مثل هذه الحالة لا يحتاج المجتمع إلى أكثر من نسيج يؤمِّن علاقة التعاون وتوزيع الأعمال بين أعضاء المجتمع، ويؤمِّن لهم العدالة الاجتماعية، والحسم والقضاء بعدل في حالة تصادم المصالح والعدوان، وتوفير التعليمات والمجاملات الأخلاقية التي تلطّف جوّ التعامل الاجتماعي، ولا يحتاج مثل هذا المجتمع إلى أكثر من ذلك.

رسالة المجتمع الإسلامي

أمّا المجتمع الإسلامي فله شأن آخر غير هذا الشأن، إن هذه الأُمّة مسؤولة عن الدعوة إلى توحيد الله تعالى وتعبيد الإنسان لله في العبودية والطاعة، ومقاومة أئمة الكفر الذين يعملون لصدّ الناس عن الله وحجب هذه الدعوة عنهم ، وهي مسؤولية صعبة وعسيرة تتطلب الجهاد، كما هي مسؤولة عن إقامة المعروف على وجه الأرض والدعوة إليه، وإِنكار المنكر واستئصاله. وهذه رسالة (توحيد) و(دعوة) و(حركة) و(رقابة).

ولا بد أن نقف قليلاً عند هذه النقطة، لننطلق منها إلى الحديث عن طبيعة هذه الشبكة التي تنظّم علاقات الإنسان المسلم بالله تعالى وبرسوله وأولياء أُمور المسلمين وبالأُمّة في عرضها العريض، وبنفسه.

وننطلق في معرفة طبيعة هذه الشبكة التي يسمّيها القرآن بـ (الولاء) من طبيعة الدعوة وما تواجهها من تحديات، فإن معرفة طبيعة هذه الدعوة تمكننا من معرفة هذه الشبكة.

الدعوة

إن هذه الدعوة قديمة وعريقة، وهي واحدة لا تتعدّد ولا تختلف في حياة الأنبياء، وهي الدعوة إلى توحيد الله تعالى بالعبودية والطاعة. استمعوا إلى بيان القرآن:

{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ}[6]

{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ}[7]

{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ}[8]

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ}[9]

{وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ}[10]

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ}[11]

وهذا هو جوهر هذه الدعوة، لا يختلف، ولا يتعدد في حياة الأنبياء جميعاً، دعوة واحدة، وأُمّة واحدة،: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}[12].

والذين آمنوا بالأنبياء^ جميعاً أُمة واحدة على هدى التوحيد.

إن الدعوة إلى الله تعالى من كبرى الغايات والمسائل في المجتمع، والمجتمع الإسلامي مسؤول عن تبليغ هذه الدعوة إلى البشرية عامّة، وبدون استثناء.

التحدّي

إلاّ أن هذه الدعوة تواجه تحدّيات كثيرة من أئمة الكفر والاستكبار وشياطين الإنس، وسوف يسعى هؤلاء لإيقاف حركة التوحيد على وجه الأرض وعرقلة سير الدعوة، بكل ما يملكون من إمكانات وقدرات، ولا يسمحون لهذه الدعوة أن تبلغ الناس، عبر مناطق نفوذ الجاهلية وسلطان الكفر.

وهو أمرٌ طبيعي، فإن هذه المسيرة إذا استمرت على وجه الأرض فلا تبقى لهم بقية من سلطان أو نفوذ، وترد الأمر كله لله تعالى، وتعبّد الناس كلّهم لله عزّ شأنه، وتسحب بساط الحكم والسلطان من تحت أقدامهم… وهذه حقيقة يدركها هؤلاء بكل وضوح. ولذلك فإن الجاهلية سوف لا تألو جهداً في التصدّي لحركة التوحيد ومواجهة الدعوة، وسوف تبذل من الجهد والمال كلّما تتطلبه هذه المعركة.

وعليه فلا تستطيع حركة الدعوة أن تتقدّم على وجه الأرض من دون أن تحسب حساباً لهذه المواجهة الحتمية بين الإسلام والجاهلية، ومن دون أن تعدّ لهذه المعركة عدّتها، من قوّة ومن رباط الخيل، ومن كلّ ما تتطلبه هذه المعركة الحضارية من جهد وعمل وحركة.

ولابد من خوض هذه المعركة الضارية، ومن الصمود فيها لسحق أئمة الكفر، وتجاوزهم، والوصول إلى الناس. وهذه حقائق ثابتة وكبرى في حركة الدعوة.

فلا تحقق الدعوة أهدافها دون أن تبلغ قلوب الناس وأفئدتهم، ولا تستطيع الدعوة أن تصل إلى الناس دون أن تخترق الحواجز التي يقيمها أئمة الكفر، ومناطق نفوذ الجاهلية، ولا يمكن اجتياز سلطان أئمة الكفر ومناطق نفوذهم دون القضاء عليهم. ولا يمكن فصل هذه الحقائق بعضها عن بعض.

والقرآن الكريم صريح وواضح في تصوير هذه الحقائق، ولنقرأ هذه الآيات المباركة من سورة البقرة:

{وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ… * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ}[13].

فإذا أردتم أن لا تكون فتنة، ولا يفتتن الناس في دينهم، وان يكون الدين على وجه الأرض لله… فلابد من قتال أئمة الكفر وجنودهم، ولابد من إخراجهم، ونفيهم، وتطهير الأرض منهم، كما أخرجوكم من قبل من أرضكم ودياركم وبيوتكم، واعتدوا عليكم وقاتلوكم.

ثم نقرأ في سورة الأنفال هذه الآيات المحكمات; في قتال الكفّار وفي المواجهة الحتمية بين الإسلام والكفر، وما يبذله أئمة الكفر وجنودهم من جهد ومال لإيقاف حركة الدعوة على وجه الأرض، وهي آيات واضحات وصريحات في تبيان هذه الحقائق:

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}[14].

إن القرآن الكريم يذكِّر بحقيقة ثابتة في جبهة الكفر دائماً وفي كل مكان، أكثر ممّا يذكِّر بحال أهل مكّة من المشركين حيث يقول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ…).

فلا بد إذن من مواجهة أئمة الكفر على كل حال، وهؤلاء يستخدمون كل ما في وسعهم لإيقاف حركة التوحيد، وللصد عن سبيل الله… فلكي لا تكون فتنة، ولكي لا يفتتن الناس عن دينهم، ولكي لا يعيق الناس أمرٌ عن عبادة الله تعالى وطاعته، ولكي لا يقف سلطان أو نفوذ في طريق عبودية الإنسان لله تعالى… لابد من القضاء على كل سلطان أو نفوذ للجاهلية على وجه الأرض: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه}[15].

والدعوة إلى التعبئة والنفر دعوة شاملة عامّة لكل المجتمع، وكل المجتمع الإسلامي مدعوّ إلى هذه المواجهة المصيرية والإعداد لها إعداداً نفسياً وميدانياً. {انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}[16].

فلا يقبل عذر لأحد في التخلّف عن هذه المواجهة المصيرية بين الإسلام والكفر، خفيفاً كان أم ثقيلاً، إلاّ أن يعذره الله تعالى، ولا يستثني هذا الجهاد شيئاً ممّا يملكه المسلم ممّا أعطاه الله من ماله ونفسه (وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ).

إذن، طبيعة هذا الدين طبيعة حركية، وطبيعة المجتمع الذي يحمل رسالة هذا الدين طبيعة حركية جهادية ولا يستطيع المجتمع أن يحقق رسالة هذا الدين إلاّ بالتصدي والمواجهة الدائمة لتحدّيات الجاهلية، كما لا تتخلّى الجاهلية عن مواجهة الإسلام في حال من أحوالها. فالمجتمع الإسلامي ـ إذن ـ في حالة مواجهة دائمة للتحديات، وفي حالة تحدٍّ دائم لها. وهذه هي الحالة الحركية التي قلت عنها أنها حالة طبيعية ثابتة في المجتمع الإسلامي، وإنها إلهية ثابتة، ودائمة في هذا المجتمع.

الطبيعة الحركية للمجتمع الإسلامي ومتطلباتها

فالمجتمع الإسلامي ـ إذن ـ ليس مجتمعاً ترفاً، أُعدَّ لحياة وديعة مترفة،

وإنّما هو مجتمع مواجهة، وتحدٍّ وصراع، دائم ومستمر، ولذلك أمرنا الله تعالى بإعداد القوّة لهذا المجتمع {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}[17] دون أن يقيّد ذلك بوقت الحرب.

ومثل هذا المجتمع الرسالي لا يستطيع أن يقاوم هذه العقبات والتحديات الكثيرة في مسيرتها ما لم يتمتّع بتركيب اجتماعي متماسك وقوي، وما لم يكن نسيج هذا المجتمع نسيجاً قويّاً ومتماسكاً، يقاوم الصدمات، والضربات، والتحديات. وما لم تكن شبكة العلاقات في داخل المجتمع متلاحمة أقوى ما يكون التلاحم، ومترابطة، أقوى ما يكون الترابط. فليس الهدف في هذا المجتمع تيسير الاُمور المعيشية وتنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية فقط، حتى يكفي في بناء هذا المجتمع وتركيبه الحدّ الأدنى من الروابط والعلاقات التقليدية التي تؤمّن هذه الغاية في المجتمع، وإنّما الهدف من إقامة هذا المجتمع بالإضافة إلى ذلك، هو هدف حركي وجهادي. وطبيعة عمل هذا المجتمع هي المواجهة المستمرة للتحديات والصدمات والصراع المستمر لأئمة الكفر والجاهلية… وما لم يتوفر للمجتمع تماسك قوي في تركيبه الاجتماعي وارتباط عضوي قوي بين أعضاء هذا المجتمع فلا يستطيع أن يقطع هذه المسافة الطويلة والمسيرة الشاقّة الحافلة بالمتاعب والتحديات.

العلاقة العضوية في المجتمع الإسلامي

إن هذه الأُمة لا تستطيع أن تحقق هدفها الرسالي ما لم تكن كتلة بشرية واحدة وصفّاً مرصوصاً، شديد الرص وبنياناً متماسكاً شديد التماسك في مواجهة الأعاصير والعواصف والهزّات {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ}[18]… هكذا كالبناء المتماسك المحكم الذي اُحكم بالرصاص، فلا سبيل إلى تفتيته ولا يجد فيه العدو ثغرة فينفذ منها إليه، وهذه الكتلة البشرية المتماسكة القوية ذات طبيعة تخصّها من بين سائر البنى الاجتماعية. فهي من الداخل محشوة بالرحمة والمحبة ومن الخارج صلبة قوية شديدة، لا يمكن أن يجد فيها العدو خللاً أو ثغرةً ينفذ منها إليها {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ}[19].

وفي الحديث عن رسول الله “ص”: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً)[20] أرأيت كيف يكون البنيان المتماسك الذي يشدّ بعضه بعضاً، كذلك المجتمع الإسلامي في مواجهة الأعداء.

ولا أعرف تعريفاً لطبيعة العلاقات العضوية في داخل المجتمع الإسلامي أبلغ من هذا التعريف الذي كتبه الإمام الحسن العسكري “ع” لأهل قم: يقول الإمام سلام الله عليه: (المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأُمّه)[21].

وعن رسول الله “ص” : (المؤمنون أُخوة تتكافأ دماؤهم وهم يد على مَنْ سواهم يسعى بذمتهم أدناهم)[22].

… هكذا كلّهم يدٌ على مَن سواهم.

وعن رسول الله “ص” : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى لـه سائر الأعضاء بالسهر والحمى)[23].

نظرية (الولاء) في بناء المجتمع الإسلامي

وهذه النصوص الإسلامية تصوّر لنا طبيعة العلاقة العضوية داخل المجتمع الإسلامي، وتكشف عن طبيعة الانسجام بين رسالة هذا المجتمع وتركيبه الاجتماعي (وهم يدٌ على من سواهم).

وهذا الالتحام والتماسك في نسيج المجتمع الإسلامي وبنائه يبلور قانون (الولاء) الذي نتحدّث عنه .

و(الولاء) بهذا المعنى ليس غريباً عن معناه اللّغوي، فإن الولاء في اللّغة يدلّ على التوالي والتقارب الشديد، وهو بمعنى التلاحم والتماسك والترابط العضوي في شبكة العلاقات الاجتماعية.

إذن نخلص ممّا تقدّم إلى النتيجة التالية:

إن الإسلام جاء بتصور وفهم جديدين لطبيعة شبكة العلاقات التي تربط الناس بعضهم ببعض كما تربطهم بالله ورسوله وأولياء أُمور المسلمين.

وهذا التصوّر والفهم الجديد يقوم على أساس من الترابط العضوي والتماسك الشديد والتلاحم القوي داخل المجتمع وفي النسيج الاجتماعي. وهذا هو المقصود بالولاء.

وهذه الصيغة (الولائية) الجديدة لتركيب المجتمع تأتي منسجمة مع تصوّر الإسلام وفهمه لرسالة المجتمع وحركته الجهادية على وجه الأرض.

ولابد لهذا الإجمال من تفصيل يكشف عن طبيعة وأبعاد وصور الولاء في المجتمع الإسلامي وعن ارتباط هذه الصور بعضها ببعض، وهذا ما سوف تراه قريباً إن شاء الله في الفصول القادمة من هذا الحديث.

الخط العمودي للولاء في المجتمع

للولاء خطّان في شبكة العلاقات في الإسلام:

الخط الأوّل بالاتجاه العمودي، والخط الثاني بالاتجاه الأُفقي، لكل منهما طبيعته الخاصة وشكله الخاص.

ويتلخص الاتجاه العمودي للولاء في مسلسل الطاعة والتسليم والتبعيّة، وتتمثّل في طاعة الأُمة لله ولرسوله ولأُولي الأمر الذين جعلهم الله تعالى ورسوله أولياء للمؤمنين وتتسلسل حلقات الطاعة صاعدة إلى الله وهابطة إلى كل من يتولّى شأناً من شؤون المسلمين ممّن أمر الله تعالى ورسوله بطاعته، أو انتهى إليهما ذلك.

يقول تعالى: {قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ} (آل عمران / 32)، و{وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (آل عمران/ 132)،
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} (النساء/ 59)، و{وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ} (المائدة/ 92)، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ} (الأنفال / 20)، و{وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ} (الأنفال / 46).

وهذا هو الخط العمودي للولاء في المجتمع الإسلامي.

ومعنى (الطاعة) هو تقديم الإنسان لإرادة الله ورسوله ومن أمر اللّهُ ورسولُهُ بطاعته على إرادته ورغبته. وهو قوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ}[24] ، فتكون إرادة رسول الله “ص” وأمره أسبق إلى المؤمنين من إرادتهم ورغباتهم الشخصية، ويكون النبي “ص” أولى بهم من أنفسهم، وأقرب إليهم من أنفسهم، وأحق بالتلبية والامتثال من أنفسهم. وهذا هو (ولاء الطاعة)، وكما يتطلّب (الولاء) على هذا الخط الطاعة لله ولرسوله كذلك يتطلّب الحب والود لله ولرسوله، وان يكون اللّهُ ورسولُه أحبَّ إلى المؤمنين من أنفسهم وهو (ولاء الحب)، وكلاهما يقعان على هذا الخط.

روى البخاري عن عبد الله بن هاشم قال: كنّا مع النبي(ص) وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحبُّ إليَّ من كلّ شيء، إلاّ من نفسي. فقال النبيّ(ص): لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك. فقال عمر: فإنّه الآن[25].

عن أبي هريرة عن رسول الله(ص) قال: (فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبَّ إليه من ماله وولده)[26].

ورواه مسلم في الصحيح عن أنس بالصورة التالية: (لا يؤمن عبدٌ حتى أكون أحبَّ إليه من أهله وماله ومن الناس أجمعين)[27].

وعن طريق أبي ليلى الأنصاري عن رسول الله(ص): (لا يؤمن عبد لله حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه، وتكون عترتي أحبَّ إليه من عترته ويكون أهلي أحبَّ إليه من أهله)[28].

الطاعة والحب

فالطاعة إذن لابد أن تقترن بالحبّ، ولا يمكن تفكيك الطاعة عن الحب، إلاّ إذا فقدت الطاعة بواعثها النفسية الإنسانية وأُفرغت من قيمتها الحقيقية، فتحصل عندئذ عن قهر وإرهاب.

ولا نقصد بالطاعة هنا هذا المعنى، وإنّما نقصد بالطاعة التي تتمّ باستجابة النفس وإقبالها ورضاها.

وهذه الطاعة لا تتم من دون أن تقترن بالحب، وتنبعث عن الحب، كما أنها تعتبر من مصادر الحب كذلك.

والإسلام يقرن الطاعة بالحبّ، وقبل أن يطلب الطاعة يطلب الحب، حتى تكون الطاعة منبعثة عن الحب، وصادرة عنه، ويولي هذا الأمر اهتماماً كبيراً في منهجه التربوي ويرفض أن يكون التلويح بالعصا مصدراً للطاعة، إلاّ حينما لا تستجيب النفوس لوسائل التهذيب والإصلاح.

فالطاعة ويليها الحب والمودّة ـ إذن ـ هما قوام الولاء في بناء المجتمع وتركيبه بهذا الاتجاه (العمودي) ويعتبران العمود الفقري لشبكة العلاقات الاجتماعية.

الخط الاُفقي للولاء

والخط الآخر هو الخط الأُفقي للولاء داخل هذه الشبكة، وهذا الخط يمثِّل العلاقات العرضية (الأُفقية) في المجتمع الإسلامي بين أفراد المجتمع، وأعضاء هذه الأُسرة الربانية الكبيرة.

وهذه العلاقة تتلخص في العناصر الثلاثة التالية:

1 ـ التناصر.          2 ـ التعاون.     3 ـ التحابب.

وبما أن علاقة الولاء في هذا الخط علاقة عرضية وبين أعضاء المجتمع أنفسهم، وليست علاقة طولية، فهي بالطبع متبادلة في العناصر الثلاثة المتقدّمة، فيكون كل عضو في هذه الأُسرة مسؤولاً تجاه كل الأعضاء عن النصرة والعون على نحو الواجب الكفائي، كما أن على كل عضو في المجتمع أن يحمل الحب والود للآخرين من أعضاء هذه الأُسرة المسلمة الواسعة، بشكل عام، فيتبادل أعضاء المجتمع النصرة والعون والحب، ولذلك عبّرت عن ذلك على صيغة (التفاعل)، بالتناصر، والتعاون، والتحابب.

ونقول: أن كل عضو يكون مسؤولاً تجاه الأعضاء الآخرين في هذه الأُسرة، عن النصرة والعون والحبّ، حتى لا يتصوّر أحد أن هذه الصلة تدخل في الأخلاقيات والأدبيات المستحبة في الإسلام في حقل العلاقات الاجتماعية، وإنما تعتبر من المقوّمات والعناصر الضرورية للعلاقات الاجتماعية العرضية في شبكة الولاء ويحرص الإسلام على توفير هذه المقوّمات في نسيج العلاقة الاجتماعية، ولسوف نرى، إن شاء الله، في الحديث التفصيلي لهذه العناصر مدى اهتمام الإسلام بتوفير هذه الأواصر الثلاثة في شبكة العلاقات الاجتماعية، وبناء المجتمع على أساس من ذلك.

ولربما يعتبر التعبير بالأُخوَّة هو أبلغ تعبير يجمع هذه الأواصر الثلاثة… والقرآن الكريم يعتبر الأُخوَّة أساساً صلباً للعلاقات الاجتماعية العرضية (الأُفقية) فيقرر هذه الحقيقة بشكل واضح وصريح {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}[29].

وقد رأينا من قبل كيف يعمّق الإسلام هذا المفهوم في العلاقات الاجتماعية، ويعطيها بعداً أُسرياً حقيقياً ليبعدها عن جوّ المجاملات الاجتماعية، ويجعل منها أساساً حقيقياً للعلاقات الاجتماعية، فيقول الإمام العسكري “ع”: (المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأُمّه)[30].

وهذه المعاني التي ذكرناها للولاء في الخط العمودي والأُفقي تعتبر جميعاً مصاديق وتطبيقات للمعنى اللّغوي وهو (القرب)، وليست معاني مختلفة ومتعددة يجمعها لفظ واحد من الاشتراك اللّفظي كما يتصوّر بعض العلماء.

وبعد فهذا هو الهيكل العظمي لنظرية الولاء في نسيج العلاقات، والرؤية الإسلامية لشبكة العلاقات داخل هذه الأُمّة.

وسوف ننطلق في هذا البحث من نقطة (ولاية الله تعالى) وهي منطلق هذه الأبحاث جميعاً، وأساس وروح شبكة الولاء في المجتمع الإسلامي.

ونتحدّث عن ولاية الله ضمن بحثين:

1 ـ ولاية الحاكمية والطاعة لله تعالى.

والبحث عن ولاية الحاكمية والطاعة لله تعالى يقع ضمن عنوانين أحدهما يتفرّع عن الثاني، وهما الولاية التكوينية لله تعالى على الكون والولاية التشريعية لله في حياة الإنسان.

2 ـ ولاية الحب، وهو الحقل الثاني من حقول ولاية الله تعالى على عباده. وندع الحقل الثالث لولاية الله، وهو ولاية النصرة اقتصاراً على المهم من أبحاث ولاية الله في هذه الرسالة.

ثم ننطلق بعد ذلك إلى البحث عن الولاية في الخط العمودي في المجتمع في ولاية رسول الله “ص” وأُولي الأمر من بعده بمعنى الطاعة والحب والنصرة.

ثم نتحدّث بعد ذلك عن الولاية على الخط الأُفقي في المجتمع الإسلامي من أعضاء هذه الأُمّة بمعنى التناصر والتحابب والتعاون.

إذن تسلسل هذه الأبحاث يتم إن شاء الله بالشكل التالي:

1ـ ولاية الله.

أ: ولاية الحاكمية والطاعة لله تعالى على عباده.

 1ـ الجانب التكويني من ولاية الله.

 2ـ الجانب التشريعي من ولاية الله.

ب : ولاية الحب.

2ـ ولاية أولياء أُمور المسلمين على الخط العمودي من ناحية الحاكمية، والطاعة من ناحية الحب والنصرة.

3ـ ولاية المؤمنين على الخط الأُفقي (داخل الأُمة) من ناحية التناصر والتحابب والتعاون.

والنقطة الأُولى في هذا البحث (ولاية الله) هو أساس هذا الدين ومحوره وجوهره وروح رسالات الله جميعاً ومن دون استثناء، والأساس في تنظيم شبكة الولاء داخل كيان الأُمّة على الخطين الأُفقي والعمودي.

والنقطة الثانية والثالثة في هذا البحث (الولاء لأولياء اُمور المسلمين والولاء للأُمّة) هما بمثابة اللحمة والسدى في نسيج شبكة العلاقات في المجتمع الإسلامي. وسوف نبدأ بالبحث من ولاية الحاكمية والطاعة لله تعالى في حقل التكوين والتشريع.

المبدأ والمنطلق الأول للولاء

مبدأ الولاية في حياة الإنسان هو الله تعالى، وليس لغير الله تعالى ولاية لأحد على الإنسان.

وكل ولاية مشروعة في حياة الإنسان وبين الناس نابعة من ولاية الله تعالى على الإنسان وتابعة لها. وليس لأحد على أحد ولاء منفصلاً عن الولاء لله تعالى.

وتوحيد الولاء من أهم معاني التوحيد. ولكي نتحدّث عن الولاء في العلاقات الطولية والعرضية (العمودية والأُفقية) في المجتمع، لابد أن نتحدّث أوّلاً عن الولاء لله تعالى وهو الأصل والمبدأ لكل ولاء في الطاعة والحب والنصرة والعون. فلا تجب الطاعة لأحد إلاّ بأمر الله، حتى رسولُ الله “ص” لا تجب طاعته إلاّ بأمر الله، ولا يجب الحب لأحد إلاّ بأمر الله، ولا يصح إلاّ بإذنه تعالى، ولا يجب النصر والعون لأحد إلاّ بأمر الله تعالى. وهذه قضية أساسية وجوهرية لفهم الولاء في الإسلام، فإن الولاء من مقولة التوحيد في بعده العمودي والأُفقي، ومن دون أن نفهم هذا الأصل التوحيدي للولاء لا نستطيع أن نفهم شبكة الولاء في الإسلام في سياقه الصحيح، في بُعديه، ولا نستطيع أن نضعه في موضعه الصحيح من الفكر الإسلامي.

ففي بداية هذا الحديث ذكرت أن الولاء والولاية مشتق في اللّغة من (الولي) وهو بمعنى القرب. وكافة استعمالات واشتقاقات هذه الكلمة في اللّغة وفي الشرع تأتي بمناسبة هذا الأصل وفي دائرته.

يقول ابن فارس: (ومن الباب المولى: المعتِقْ، المعَتَقْ، والصاحب، والحليف، والناصر، والجار… كُل هؤلاء من الوَلي، وهو القرب)[31].

وعليه فإن هذه المادة تطلق على التبعية والطاعة والنصرة من جانب، فيقال والاه ولاءً تابعه، ونصره[32].

كما تطلق هذه المادة على الحاكمية والإمارة والتصرّف من جانب آخر، فيقال للإمارة والسلطان وتولّي الأمر: وِلاية[33] انطلاقاً من هذا الأساس، فإن الطاعة والتبعيّة نحو من أنحاء القرب بين التابع والمتبوع، كما شرحناه من قبل، كما أن الإمارة والسلطان والحق في التصرّف والأمر أيضاً يلازم نحواً من أنحاء القرب بين الحاكم والمحكوم، فيكون أولى منه بنفسه، وأقرب إليه من أي شيء آخر[34].

وعليه فإن هذه المادة تطلق على معنيين متضادّين هما: الحاكمية والتبعية[35].

فيقال الولاية لله تعالى بمعنى الحاكمية والتصرّف والفعل والتدبير والقدرة والأمر[36].

ويقال: ولاء العبد لله بمعنى الطاعة والتبعية والنصرة.

كما تستعمل كلمة (الولي) تارة في مورد علاقة العبد بالله تعالى وأُخرى في مورد علاقة الله تعالى بعبده[37]. فيقال للمؤمن: ولي الله ويقال لولاية الله تعالى (الله ولي المؤمنين) ومن الأول قوله تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}[38].

ومن الثاني قوله تعالى: {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ}[39].

فالولاية بين الله تعالى وعبده، علاقة قوامها الحاكمية والتصرف والتدبير من جانب، والطاعة والعبودية والعبادة من جانب آخر، وتستتبع هذه العلاقة النصرة والحب، فإن طاعة الله تقترن دائماً في النفوس المؤمنة بحب الله ونصرته.

والحب والنصرة علاقة متبادلة بين الله تعالى وعبده فإذا أحب العبد ربّه واتبع أحكامه وحدوده أحبه الله تعالى، وإذا نصر العبد رّبه عزّوجلّ نصره الله تعالى.

{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ}1. {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}2.

أقرأ ايضاً:


المصادر والمراجع

  • [1] ـ مفردات الراغب: 533.
  • [2] ـ المصباح المنير: 841.
  • [3] ـ معجم مقاييس اللغة، ابن فارس 6:  141.
  • [4]ـ المصدر السابق.
  • [5]ـ مفردات الراغب: 533.
  • [6]ـ الأعراف: 65.
  • [7]ـ الأعراف: 73.
  • [8]ـ الأعراف: 85 .
  • [9]ـ المؤمنون: 23.
  • [10]ـ العنكبوت: 16.
  • [11]ـ الأنبياء: 25.
  • [12]ـ الأنبياء: 92.
  • [13]ـ البقرة: 190 ـ 193.
  • [14]ـ الأنفال:  36 ـ 40.
  • [15]ـ الأنفال:  39.
  • [16]ـ التوبة: 41.
  • [17]ـ الأنفال: 60.
  • [18]ـ الصف: 4.
  • [19]ـ الفتح: 29.
  • [20]ـ رواه البخاري 1: 123، ومسلم 8: 20.
  • [21]ـ بحار الأنوار50: 317 للعلاّمة المجلسي.
  • [22]ـ أمالي المفيد: 110 وقريباً من هذا المضمون عن طريق أبي داود والنسائي.
  • [23]ـ رواه البخاري وروى قريباً منه المجلسي في البحار 74: 274 والمتقي في كنز العمّال 1: 143.
  • [24]ـ الأحزاب: 6.
  • [25]ـ صحيح البخاري 7: 218 كتاب الإيمان والنذور.
  • [26]ـ صحيح البخاري 1: 6 ط. دار الطباعة سنة 1286.
  • [27]ـ صحيح مسلم 1: 49 دار الفكرـ بيروت. ورواه في كنز العمال 1: 37 ح70.
  • [28]ـ رواه الشيخ عبد الحسين الأميني في كتابه سيرتنا وسنّتنا ـ سيرة نبيّنا وسنّته ص: 11، عن النصيبي في الجزء الثاني من أحاديثه، والحافظ البيهقي في شعب الإيمان والديلمي في مسنده ورواه العلاّمة المجلسي في البحار باختلاف يسير 27: 13.
  • [29]ـ الحجرات: 10.
  • [30]ـ بحار الأنوار 50: 317.
  • [31]ـ معجم مقاييس اللغة 6: 141.
  • [32]ـ يقال والاه موالاة وولاءً: تابعه والوَلاء: النصرة (المصباح المنير: 841).
  • [33]ـ يقول ابن الأثير في النهاية: وكأن الولاية تشعر بالتدبير والقدرة والفعل. (النهاية لابن الأثير 5: 277).
  • ويقول الراغب في المفردات: الوَلاية : تولي الأمر. وقيل الوِلاية والوَلاية نحو الدِلالة والدَلالة وحقيقته: تولي الأمر. (مفردات الراغب: 533).
  • ويقول ابن السكيت الولاية: السلطان (لسان العرب 15: 407).
  • ويقول أبو العباس الوِلاية: الإمارة (لسان العرب 15: 407).
  • [34]ـ يقول ابن منظور في لسان العرب: وانه لبين الوِلاة والولية والتولي والوَلاء والوِلاية والوَلاية والولي: القرب والدنو. (لسان العرب 15: 411).
  • ويقول ابن الفارس بعد أن يبيّن مشتقّات الولاء: والباب كلّه راجع إلى القرب. (معجم مقاييس اللّغة 6: 142).
  • [35]ـ يقول الزمخشري: مولاي: سَيِّدي وعبدي. (أساس البلاغة للزمخشري: 689).
  • [36]ـ يقول ابن الأثير: ومن أسمائه عزّوجلّ: الوالي وهو مالك الأشياء جميعها، المتصرِّف فيها، وكأن الولاية تشعر بالتدبير والقدرة والفعل، وما لم يجتمع ذلك فيها لم يطلق عليها اسم الوالي. (النهاية لابن الأثير 5: 227).
  • [37]ـ يقول الراغب: والوالي والمولى يستعملان في ذلك كل واحد منهما يقال في معنى الفاعل أي الموالي، وفي معنى المعبود أي الموالى. يقال للمؤمن هو ولي الله ولم يرد مولاه. وقد يقال الله ولي المؤمنين ومولاهم. (المفردات للراغب: 533).
  • [38]ـ يونس: 62.
  • [39]ـ البقرة: 257.

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى