التحيّة في النصوص الإسلامية

تشريع السلام في القرآن الكريم

وقد جعل الله تعالى السلام تحيّة مباركة طيّبة فيما بين المسلمين عندما يلتقي بعضهم ببعض، وعندما يدخل بعضهم على بعض، يقول تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً}[1].

ويقول تعالى أيضاً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}[2].

وقد أمر الله تعالى نبيّه أن يسلّم على المؤمنين فقال: {وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}[3].

عن أنس قال: قال النبيّ “ص”: «يا أنس سلِّم على من لقيت يزيد (يَزِد) الله في حسناتك وسلّم في بيتك يزيد (يَزِد) الله في بركتك»[4].

وروي عن أنس قال: خدمت رسول الله “ص” عشر سنين فما قال لي في شيء فعلته: لِمَ فعلته؟ ولا قال لي في شيء تركته: لِمَ تركته؟

وكنت واقفاً على رأس النبي “ص” أصبّ الماء على يديه فرفع رأسه إليّ وقال: «ألا أعلّمك ثلاث خصال تنتفع بهنّ؟» قلت: بأبي وأمّي أنت يا رسول الله، بلى، فقال: «من لقيت من أمّتي فسلّم عليهم يطل عمرك، وإذا دخلت بيتاً فسلّم عليهم يكثر خير بيتك، وصلِّ صلاة الضحى فإنَّها صلاة الأوّابين»[5].

عن أبي جعفر الباقر “ع” أنه قال: «إذا دخل الرجل منكم بيته فإن كان فيه أحد يسلِّم عليهم وإن لم يكن فيه أحد فليقل السلام علينا من عند ربّنا. يقول الله: {تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً}[6].

وعن رسول الله “ص” أنه قال: «من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه»[7].

وعن رسول الله “ص” أنه قال: «إنّ أعجز الناس من عجز عن الدعاء، وإنّ ابخل الناس من بخل بالسلام»[8].

عن أبي عبد الله “ع” عن رسول الله “ص” أنه قال: «إذا تلاقيتم فتلاقوا بالتسليم والتصافح، وإذا تفرّقتم فتفرّقوا بالاستغفار»[9].

وعن أبي عبد الله “ع” عن آبائه”ع”: «ألا إنّ من التواضع أن يرضى الرجل بالمجلس دون المجلس، وأن يسلّم على من يلقى، وأن يترك المراء محقّاً، ولا يحبُّ أن يحمد على التقوى»[10].

وعن علي “ع” عن رسول الله “ص” أنه قال: «إذا دخل أحدكم بيته فليسلِّم فإنه ينزله البركة وتؤنسه الملائكة»[11].

وعن أبي جعفر الباقر “ع” عن رسول الله “ص” أنَّه قال: «قال رسول الله “ص”: خمس لا أدعهنّ حتى الممات: الأكل على الحضيض مع العبيد، وركوبي الحمار مؤكفاً، وحلبي العنز بيدي، ولبس الصوف، والتسليم على الصبيان لتكون سنّة من بعدي»[12].

عن أبي عبد الله “ع” أنه قال: «جمع رسول الله “ص” بني عبد المطلب فقال: يا بني عبد المطَّلب أفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وتهجَّدوا والناس نيام، وأطعموا الطعام، وأطيبوا الكلام تدخلوا الجنّة بسلام»[13].

البدء بالسلام

عن رسول الله “ع” أنه قال: «إنّ أولى الناس بالله ورسوله من بدأ بالسلام»[14].

وعنه “ص” أيضاً أنه قال: «أطوعكم لله الذي يبدأ صاحبه بالسلام»[15].

عن الإمام عليٍّ “ع” أنه قال: «السلام سبعون حسنة تسعة وستّون للمبتدئ وواحدة للرادِّ»[16].

ردّ التحيّة

{وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا}[17].

عن رسول الله “ص” أنه قال: «السلام تطوُّع والردُّ فريضة»[18].

وعن رسول الله “ص”: أنّ رجلا قال لـه: السلام عليك فقال: «وعليك السلام ورحمة الله»، وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله، فقال: «وعليك السلام ورحمة الله وبركاته»، وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال: «وعليك»، فقال الرجل: نقصتني فأين ما قال الله: «وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا»؟ فقال “ص”: «انّك لم تترك فضلا ورددت عليك مثله»[19].

وبعد فإن طبيعة السلام الشامل في العلاقات الاجتماعيّة داخل الأمّة في الأصول والامتدادات وبناء شبكة العلاقات الاجتماعيّة في الأمّة الإسلامية على أساس متين من السلام تجعل من هذه الأمّ اُسرة واحدة متضامنة ومتكافئة ومتماسكة وجسداً واحداً يتملكه شعور واحد واحساس واحد بالألم والراحة:

«المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد إن اشتكى شيئاً منه وجد ألم ذلك في سائر جسده»[20].

وهذه الاُسرة الواحدة تتماسك وتترابط فيما بينها بمشاعر وأحاسيس وحقوق ومسؤوليات تُخرج هذه القضيّة من حيّز النظرية إلى حيّز التنفيذ وتجعل هذه الاُسرة المتماسكة حقيقة خارجيّة وليست افتراضاً في عالم الفرضيّات.

وفيما يلي ننقل هذه الحقوق والمسؤوليّات التي تربط أبناء هذه الأسرة بعضها ببعض ضمن نصّ يرويه الإمام أمير المؤمنين “ع” عن رسول الله “ص”.

الحقوق المتبادلة بين المسلمين

عن عليّ “ع” أنه قال: «قال رسول الله “ص”: للمسلم على أخيه ثلاثون حقّاً لا براءة له منها إلاّ بالأداء أو العفو:

1 ـ يغفر زلّته 2 ـ ويرحم عبرته 3 ـ ويستر عورته 4 ـ ويقيل عثرته 5 ـ ويقبل معذرته 6 ـ ويردّ غيبته 7 ـ ويديم نصيحته 8 ـ ويحفظ خلّته 9 ـ ويرعى ذمّته 10 ـ ويعود مرضته 11 ـ ويشهد ميّته 12 ـ ويجيب دعوته 13 ـ ويقبل هديّته 14 ـ ويكافيء صلته 15 ـ ويشكر نعمته 16 ـ ويحسن نصرته 17 ـ ويحفظ حليلته 18 ـ ويقضي حاجته 19 ـ ويشفِّع مسألته 20 ـ ويسمِّتُ عطسته 21 ـ ويرشد ضالّته 22 ـ ويردّ سلامه 23 ـ ويطيّب كلامه 24 ـ ويبرّ إنعامه 25 ـ ويصدِّق أقسامه 26 ـ ويوالي وليّه ولا يعاديه 27 ـ وينصره ظالماً ومظلوماً، فأمّا نصرته ظالماً فيردُّه عن ظلمه، وأما نصرته مظلوماً فيعينه على أخذ حقّه 28 ـ ولا يسلمه ولا يخذله 29 ـ ويحبّ لـه من الخير ما يحبّ لنفسه 30 ـ ويكره له من الشرّ ما يكره لنفسه»[21].

ولأمر ما يبني الإسلام الاُمّة الإسلامية بهذه الصورة من الإحكام والقوّة، ويجعل منها كتلة واحدة وصفاً واحداً، وأسرة واحدة، وجسداً واحداً تتماسك أطرافه ويرتبط بعضه ببعض بالحقوق والمسؤوليّات، وتضمُّهم جميعاً شبكة واحدة محكمة النسيج هي شبكة الولاء… فإنّ الله تعالى قد أعدّ هذه الاُمّة لمهمّة كبيرة ومسؤولية خطيرة هي حمل رسالة الدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومقارعة الطغاة والجبابرة والصادّين عن سبيل الله {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}[22].

{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ}[23].

وهذه المهمّة الشاقّة والعسيرة التي أناطها الله تعالى بهذه الاُمّة تتطلَّب أن يكون بناؤها الداخلي بناءً محكماً قويّاً صلباً متماسكاً يقاوم الضغوط التي تواجهها في طريق الدعوة إلى الله تعالى، وتتطلّب أن يكون تكوينها الداخلي متماسكاً فيه الكثير من العطف والرحمة واللين والرفق والأمن والسلام، وأن تكون قدرتها في مقاومة الضغوط والابلاءات والبأساء والضرّاء… شديدة وقويّة ومنيعة {أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ}[24].

ومن دون هذا التماسك والرحمة واللِّين والقوّة والمنعة والشدّة لا تتمكن هذه الاُمّة من أن تضطلع بالمسؤوليّة الخطيرة والأمانة الصعبة التي أناطها الله تعالى بها.

ونلاحظ أنّ هذا البناء ذو تكوين عجيب يحمل في أحد وجهيه الرفق واللين والعطف والرقّة ويحمل في وجهه الآخر الشدّة والصلابة والقوّة والمنعة، في أحد وجهيه السلام والأمن والحب والمودّة والولاء والمواصلة، ويحمل في وجهه الآخر البراءة والجديّة في التعامل والشدّة.

وهذا التركيب العجيب من الرقّة والشدّة، ومن اللِّين والقوّة، ومن المواصلة، ومن المسامحة والجديّة هو الذي يؤهّل هذه الاُمّة لأن تضطلع بهذا الدور الكبير الذي أناطه الله تعالى بهذه الأمّة في التأريخ: خلافة الله عزّوجل في الأرض، وحمل أمانة الله، والقيام بأعباء الدعوة إلى الله تعالى، ومقارعة الظالمين والطغاة الصادّين عن سبيل الله.

أقرأ ايضاً:


المصادر والمراجع

  • [1] ـ النور: 61.
  • [2] ـ النور: 27.
  • [3] ـ الأنعام: 54.
  • [4] ـ بحار الأنوار ج76 ص3.
  • [5] ـ التفسير الكبير للإمام الرازي ج24 ص38.
  • [6] ـ تفسير القمّي ص462، وبحار الأنوار ج76 ص3.
  • [7] ـ خصال الصدوق ج1 ص13، والبحار ج76 ص3.
  • [8] ـ خصال الصدوق ج2 ص162، وبحار الأنوار ج76 ص4.
  • [9] ـ بحار الأنوار ج76 ص5 نقلا عن أمالي الشيخ الطوسي. ج1 ص219.
  • [10] ـ بحار الأنوار ج76 ص6 نقلا عن معاني الأخبار ص381.
  • [11] ـ بحار الأنوار ج76 ص7.
  • [12] ـ أمالي الصدوق ص44، وبحار الأنوار ج76 ص10.
  • [13] ـ بحار الأنوار ج76 ص10 نقلا عن المحاسن للبرقي 388.
  • [14] ـ بحار الأنوار ج76 ص12.
  • [15] ـ كنز العمّال ح25265.
  • [16] ـ كنز العمّال ح25294، وبحار الأنوار ج78 ص243.
  • [17] ـ النساء: 86.
  • [18] ـ كنز العمّال ح25294، وبحار الأنوار ج78 ص243.
  • [19] ـ الميزان في تفسير القرآن ج5 ص35 نقلا عن تفسير الصافي للفيض الكاشاني.
  • [20] ـ عن الإمام الصادق× بحار الأنوار ج74 ص268.
  • [21] ـ بحار الأنوار ج74 ص236.
  • [22] ـ البقرة: 143.
  • [23] ـ آل عمران: 110.
  • [24] ـ الفتح: 29.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى