السلام في الخط الاُفقي من شبكة الولاء

وعلى هذا الخط من شبكة الولاء مجموعة من الدوائر والنقاط التي يرتبط بها الإنسان المسلم في حياته الاجتماعية في المجتمع الإسلامي، من هذه الدوائر: المجتمع الإسلامي الكبير (الاُمّة)، ومنها: دائرة المعارف التي يرتبط بها بصلة المعرفة والعمل والزمالة والصداقة وغير ذلك من أواصر المعرفة، ومنها: دائرة العائلة والأرحام والأقراب، وهي بحدِّ ذاتها شبكة ممتدّة ومتداخلة ومترابطة من العلاقات، لا يستغني عنها الإنسان بحال من الأحوال، ويشكّل الارتباط والتعامل مع هذه الشبكة ضرورة اجتماعيّة حتميّة في حياة الإنسان.

وتستقرّ حياة الإنسان وتستقيم وتسلم من كثير من المشاكل إذا قامت حياته على اُسس صحيحة في العلاقة بهذا الخط، ويسعد الإنسان عندما يضع علاقاته الاجتماعيّة على هذا الخط على أصول إلهيّة صحيحة، وبعكسها يشقى الإنسان وتتحوّل حياته إلى مسلسل من المشاكل والمتاعب والمعاناة والصدام والانشقاقات والخلافات العميقة عندما لا تستقرّ حياته الاجتماعية على هذا الخط على اُصول صحيحة.

وقد أولى الإسلام هذه المسألة اهتماماً كبيراً جدّاً، ووضع للإنسان منهجاً شاملا لتنظيم علاقاته بالأمّة وبمعارفه وأسرته وبصورة دقيقة ومحددة وضمن منهجين متكاملين: المنهج التشريعي، والمنهج الأخلاقي، كما وضع نظاماً قضائيّاً في المجتمع الإسلامي لمعالجة المشاكل الناجمة عن سوء العلاقة على هذا الخط.

وسوف ندرس ـ إنشاء الله ـ صيغة الإسلام في العلاقات التي تربط الإنسان المسلم بالدوائر العديدة على هذا الخط، واهتمام الإسلام بتوفير عناصر السلام في علاقات المسلمين على هذا الخط.

جذور وامتدادات السلام على الخط الاُفقي من شبكة الولاء

ولكن قبل أن ندخل في دراسة مفردات دوائر السلام على هذا الخط يجب أن نقف عند نقطة بالغة الأهميّة، وهي أنّ السلام ليس مسألة فوقيّة في بناء الفكر والمجتمع الإسلامي، بل هو قائم في عمق الحياة الاجتماعيّة والعلاقات التي يرتبط بها الإنسان المسلم، ويستوعب كل المساحة الواسعة للعلاقات في حياة الإنسان المسلم، إنه ليس ظاهرة مبتورة عديمة الجذور والآثار والنتائج في الحياة وإنّما لـه جذوره وخلفيّاته واُصوله، كما له ثماره ونتائجه وفروعه في الحياة.

فالسلام إذا كان شعاراً فوقيّاً في حياة الناس وهتافاً وحبراً على ورق فلن يطول بقاؤه، ولن يقاوم أسباب الخلاف والصدام والنزاع بل يموت في اللحظة التي يولد فيها… أمّا عندما يكون السلام أمراً قائماً في عمق حياة الإنسان وقائماً على أصول وخلفيّات ثابتة ومستقرّة، وجذور عميقة وممتدّة في حياة الناس، فإنّه لن يتعرّض للخطر، ولن تغلبه أسباب الخلاف والصراع والنزاع… وسوف تكون لـه ثمار طيبة ومباركة في حياة الإنسان.

والسلام الذي يهتف به الناس في المجتمعات الجاهليّة المعاصرة وتهتف به الهيئات الدوليّة والأنظمة إنما هو سلام فوقي لا يتجاوز حدود الشعار والهتاف، وليست لـه جذور ولا عمق في حياة الإنسان، ولا يزيد على أن يكون شعاراً للتمويه والتضليل ترفعه الأنظمة والهيئات الدوليّة بين حين وآخر… مثل هذا السلام ضعيف يسرع إليه الزوال، ولن يطول بقاؤه ولن يقاوم أسباب الخلاف والنزاع، أمّا الإسلام فله تصوّر آخر عن السلام في كلّ الشبكة الاجتماعيّة للعلاقات.

إنّ السلام في الإسلام له جذور وعمق في حياة الإنسان، ويقوم على خلفيّة في داخل النفس الإنسانية، وله فروع وثمرات وآثار واسعة في حياة الآنيان، وله امتداد واسع في كل شبكة العلاقات (شبكة الولاء) التي تحدّثنا عنها قريباً، طولا، وعرضاً، وعمقاً.

وجذور السلام في أعماق النفس الإنسانية: الحبّ، وحسن الظن، والعدل، ولا قيمة للسلام دون وجود هذا العمق إطلاقاً، والسلام الذي لا يقوم على هذه الأسس النفسيّة لا يستقيم ولا يدوم، ولا يتجاوز أن يكون حبراً على ورق أو هتافاً وشعاراً خاوياً لا قيمة له، شأنه شأن السلام الذي تدعو إليه الأنظمة في عالمنا اليوم.

وامتداد السلام وآثاره ونتائجه في شبكة العلاقات في حياة الإنسان المسلم هو النصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين، والتعاون والتآخي، والعفو والصلح، والتكافل والتضامن، والبرّ والتسديد، والتآزر والتعاضد، وغير ذلك من النقاط الإنسانية في صلات الإنسان وعلاقاته.

ونقف الآن وقفات قصيرة وسريعة في حدود استعراض النصوص الإسلامية من القرآن والسنّة عند هاتين النقطتين، فنقول:

1ـ الجذور الأساسيّة والخلفيّات العميقة للسلام في نفس الإنسان.

2ـ امتدادات السلام وآثاره وثماره في حياة الإنسان الاجتماعيّة.

(أولاً) جذور وخلفيّات السلام في نفس الإنسان

1 ـ الحبُّ في الله

أكثر ما يمنح الإنسان الإحسان بالأمن والسلام من قبل الآخرين هو تبادل الشعور بالحبِّ مع الآخرين، وأفضل منابع الحب في قلب الإنسان هو الحب لله وفي الله، ذلك أنّ هذا الحب لا يشوبه شائبة من طمع أو خوف، والحبُّ في الله مرآة الصفاء القلب ونقواته، وكلَّما يكون قلب الإنسان أكثر صفاءً ونقاوة يكون أحفل بالحبِّ والودِّ.

عن الإمام الباقر “ع” أنه قال: «إذا أردت أن تعلم أنَّ فيك خيراً فانظر إلى قلبك، فإن كان يحبُّ أهل طاعة الله عزّوجل ويغضُ أهل معصيته ففيك خير، واللهُ يُحبُّك، وإذا كان يبغض أهل طاعة الله ويحبُّ أه معصيته فليس فيك خير، والله يغضك والمرءُ مع من أحبَّ»[1].

فالحبُّ في الله والبغض في الله مقياس دقيق لمعرفة خلوص القلب لله تعالى وصفائه.

فإذا تحابَّ اثنان في الله تعالى كان أفضلُهما أشدَّهما حبّاً لصاحبه.

عن رسول الله “ص” أنه قال: «ما تحابَّ اثنان في الله تعالى إلاُ كان أفضلُهما أشدَّهما حبُاً لصاحبه»[2].

وعن الإمام الصادق “ع” أنه قال: «ما التقى مؤمنان قطُّ إلاّ كان أفضلُهما أشدَّهما حبّاً لأخيه»[3].

وتحابب المؤمنين نور في قلب الإنسان ذلك أنّ هذا التحابب ينبع من أطهر منبع في القلب وهو حبُّ الله تعالى والحبُّ في الله… وهذا النور مما يتميّز به المتحابّون في الله يوم القيامة حتى أنهم يعرفون به في ذلك اليوم.

عن الإمام الصادق “ع” أنه قال: «إنّ المتحابِّين في الله يوم القيامة على منابر من نور قد أضاء نور أجسادهم ونور منابرهم كل شيء حتى يُعرفوا به، فيقال هؤلاء المتاحبُّون في الله»[4].

لذلك كلّه فإنّ حبّ الإنسان لأخيه المؤمن في الله دليل على حبِّه لله، وليس شيءٌ في حياة الإنسان أفضل من أن يحبَّ الإنسان في الله ويبغض في الله ويعطي في الله ويمنع في الله، فإذا توفّر كل ذلك في قلب امرئ مسلم فإنّ ذلك امارة تمكُّن التوحيد الخالص من قلبه وخلوص قلبه لله تعالى.

عن رسول الله “ص” أنه قال: «وُدُّ المؤمن للمؤمن من أعظم شعب الإيمان، ألا ومن أحبَّ في الله وأبغض في الله وأعطى في الله ومنع في الله فهو من أصفياءِ الله»[5].

2 ـ الثقة وحسن الظن

جعل الله تعالى الثقة في الحياة الاجتماعيّة أساساً متيناً للعلاقة والتعامل المشترك في المجتمع، ولو تزلزلت الثقة في نفس الإنسان تجاه الآخرين فسوف لا يستطيع أن يتعامل بسهولة مع أحد، ويخسر أفضل مكاسب الحياة الاجتماعيّة، كما أننا لو أسأنا الظنّ بإنسان في المجتمع لأسقطناه من العضويّة النافعة في المجتمع وأفقدنا المجتمع عضواً من أعضائه يمكن أن ينهض بجانب من عبء الحياة الاجتماعيّة الثقيل.

يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ}[6].

ونفهم من الآية الكريمة أنّ (كثيراً من الظن) الذي يجب أن نجتنبه أوسع دائرة من (بعض الظن) الذي هو إثم، وعلينا أن نحتاط في الاجتناب عمّا نعلم من الظن أنّه إثم وما لا نعلم حتى لا نقع في هذا الاثم الذي يترتّب على سوء الظن، فنجتنب دائرة واسعة جدّاً من سوء الظن، ولا نظنّ بأحد سوءً إلاّ أن يردنا عليه إثبات قطعي أو بيّنة.

عن أمير المؤمنين “ع” أنه قال: «ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظنَّن بكلمة خرجت من أخيك سوءً وأنت تجد لها في الخير محملا»[7].

وفيما عدا هذه الحالات اليقينيّة من السوء يجب على المسلم أن يلتمس لأخيه عذراً أو محملا يحمله عليه فيما يشكُّ فيه.

فقد ورد عن رسول الله “ص” أنه قال: «اُطلب لأخيك عذراً، فإن لم تجد له عذراً فالتمس له عذرا»[8].

وهذه غاية في التحفّظ من سوء الظن ورمي الناس بالظن.

فما أكثر ما يثير الشيطان في نفس الإنسان ظنّ السوء على أحد ثم ينكشف لـه الأمر على خلاف ذلك… ولو أراد أن يستعمل الظنّ السيّء الذي يثيره الشيطان في نفسه في حياته الاجتماعيّة وعلاقاته أفسد على نفسه وعلى الآخرين الكثير من المكاسب التي جعلها الله تعالى في الحياة الاجتماعيّة.

عن أمير المؤمنين “ع” أنه قال: «من عرف من أخيه وثيقة دين وسداد طريق فلا يسمعنَّ فيه أقاويل الناس، أما إنّه قد يرمي الرامي ويخطئ السهام»[9].

تلك هي القاعدة الإسلامية للتعامل والتعايش في المجتمع: «من عرف من أخيه وثيقة دين وسداد طريق فلا يسمعنَّ فيه أقاويل الناس» إلاّ أن يثبت لـه الأمر ثبوتاً بتّاً، وفي غير ذلك فإنّ تحكيم سوء الظنّ في الحياة الاجتماعيّة يؤدِّي إلى نسف الحياة الاجتماعيّة وتفتيت العلاقات الاجتماعيّة، وليس هذا فقط وإنّما يؤدّي سوء الظنّ إلى سلب الأمن والسلام من المجتمع… فإذا تحوّل الأساس في الحياة الاجتماعيّة من الثقة إلى الشكّ وسوء الظن فسوف تكون القاعدة في التعامل بين الناس هو الحذر والريب، وتسقيط الآخرين والتآمر عليهم وإهدار كراماتهم والنيل من مواقعهم الاجتماعيّة، ويجرّ هذا إلى نشوب خلافات وصراعات في المجتمع تسلب المجتمع الأمن والسلام والإحساس بهما… ويتحوّل الإنسان في مثل هذا المجتمع من عضو نافع مسالم يثق بالآخرين ويثق به الآخرون ويتعامل معهم بإحسان ويتعاملون معه بإحسان; إلى شخص لا يثق بأحد، ولا يثق به أحد، ولا يأمن على نفسه من مكر الآخرين، ولا يأمن منه الآخرون على أنفسهم، ومثل هذا الإنسان هو شرُّ إنسان يعيش في المجتمع.

عن أمير المؤمنين “ع” أنه قال: «شرّ الناس من لا يثق بأحد لسوء ظنّه ولا يثق به أحد لسوء ظنّه»[10].

ورغم أنّ في طرح الثقة ـ بهذه الصورة الواسعة ـ ضريبة ثقيلة يدفعها الإنسان كثيراً في وضع الثقة في غير موضعها… ولكن مع ذلك كلّه
فإنّ الخسارة التي تلحق بالمجتمع بسلب الثقة وتحكيم سوء الظن في التعامل والعلاقة أعظم بكثير من الخسارة التي تلحق بالناس بطرح الثقة في غير موضعها.

وقد روي عن الإمام الكاظم “ع” أنه قال: «كذِّب سمعك وبصرك في أخيك، وإن شهد عندك خمسون قسامة… وقال لك قول فصدِّقه وكذّبهم، ولا تذيعَنَّ عليه شيئاً تشينه به وتهدم به مروءته، فتكون من الذين قال الله عزّوجل فيهم: « إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ…»[11].

وهذه غاية في التأكيد والحرص على حماية المجتمع من سوء الظن وآثاره وتبعاته في الحياة الاجتماعيّة.

3 ـ الاُخوّة

وهي أقصى درجات القرب فيما نعرف من وشائج الصلة المتقابلة بين الناس، والتعبير عن العلاقة بين المؤمنين بالأُخوة يرسم عمق هذه الصلة وثباتها… ـ فقد يحدث بين الأخ والأخ في أُسرة واحدة من أسباب الخلاف الكثير بين حين وآخر ولكن لما كان هذا السبب أقوى من حواجز الخلاف والقطيعة فإنّ وشيجة الأُخوّة تغلب أخيراً في الغالب ـ أسباب القطيعة والخلاف وتثبت لها، كذلك الصلة بين مؤمن ومؤمن عندما تكون بعمق وثبات الاُخوّة حقيقة فإنها تثبت لأسباب القطيعة والخلاف.

والقرآن الكريم يقرر ـ عندما يرسم نوع العلاقة بين المؤمنين في شبكة الولاء أنّ هذه العلاقة من نوع الاُخوَّة، وهو أعمق وأثبت أنواع الوشائج والصلات في حياة الناس الاجتماعيّة.

يقول تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}[12].

وهذه العلاقة فريدة في شبكات العلاقات الاجتماعيّة المختلفة في الولاءات المختلفة ولا نعرف مذهباً فكريّاً يتبنى اُطروحة لشبكة العلاقات الاجتماعيّة يضع العلاقة فيما بين أفراد المجتمع على مثل هذا الأساس المتين والعريق.

والصلة عندما تقوم بين المؤمنين على مثل هذا الأساس المتين فسوف تتغلب على أسباب القطيعة والخلاف وما ينشب في حياة الناس من مشاكل تعكّر صفو الحياة.

ولكي لا يتصوّر الإنسان أنّ اعتبار الاُخوّة أساساً للعلاقة فيما بين المؤمنين من المجاز والاستعارة وليس من الحقيقة، وأن الاُخوة الحقيقيّة لا يمكن أن تنتقل إلى العلاقة فيما بين المؤمنين في شبكة الولاء… تؤكّد النصوص الإسلاميّة أنّ العلاقة ما بين المؤمنين هي ذات العلاقة القائمة ما بين الإخوة من أب وأم وبنفس القوّة، وبنفس العراقة وبنفس الثبات، وإن لم يجمعهم أب واحد وأمّ واحدة.

كتب الإمام الحسن العسكري “ع” إلى أهل قم وآبه* جاء فيه: «المؤمن أخو المؤمن لأُمّه وأبيه»[13].

وعن الإمام الصادق “ع” أنه قال: «إنّما المؤمنون إخوة بنو أب وأمٍّ، إذا ضرب على رجل منهم عرق سهر له الآخرون»[14].

وعلاقة الاخوة فيما بين المؤمنين في شبكة الولاء ذات معطيات مختلفة، وأولى هذه المعطيات التحسيس بالأمن والسلام من ناحية بعضهم لبعض، فكما أنّ علاقة الأخوة في الأُسرة الواحدة بين الأخوين تؤمِّن كلاًّ منهما من عدوان الآخر، وتوحي إليه بالأمن والسلام من الطرف الآخر، كذلك علاقة الأخوّة فيما بين المؤمنين في شبكة الولاء تؤمِّن كلاًّ من أعضاء هذه الاُسرة الواحدة من عدوان الآخرين ومكرهم وإيذائهم.

عن الإمام الصادق “ع” أنه قال: «المؤمن أخو المؤمن عينه ودليله، لا يخونه ولا يظلمه، ولا يغشّه ولا يعده فيخلفه»[15].

وثانية هذه المعطيات أنّها تؤمّن له وحدة المشعار والعواطف ووحدة الوجدان فما يصيب أحدهم من ألم أو كرب يصيب الجميع، وإذا نزلت بأحدهم نازلة من مصيبة أو همٍّ أحسَّ بها الجميع وتضامنوا جميعاً على دفعها ورفعها.

عن الإمام الصادق “ع” أنه قال: «المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد إن اشتكى شيئاً منه وجد ألم ذلك في سائر جسده»[16].

وثالثة هذه المعطيات وحدة الذمّة ووحدة المواجهة، فذمّة أيِّ أحد منهم ذمّتهم جميعاً، وإذا ثقلت ذمّة واحد منهم بعهد أحسّ الجميع بهذا الثقل والوعد على عاتق ذممهم.

وإذا نال عدوّ من أحدهم أو هدده بسوء شعر الجميع بهذا العداء وتوجَّهوا لمواجتهه وكفّه وردعه.

عن رسول الله “ص” أنه قال: «المؤمنون إخوّة تتكافأ دماؤهم وهم يدٌ على من سواهم، يسعى بذمّتهم أدناهم»[17].

4 ـ لزوم جماعة المسلمين

لزوم جماعة المسلمين وعدم مفارقتهم وعدم هجرهم من المسائل الأساسيّة في الإسلام، وعليها يُتبنّى الكثير من المسائل الإسلامية العباديّة والسياسيّة كالحج والجمعة والجماعة، وهذه المسألة من الزاوية التي نستعرضها في هذه الدراسة لها تأثير كبير في إزالة الحواجز النفسيّة فيما بين المسلمين، وتذويب الحساسيّات والخلافات التي يلعب الشيطان في تكوينها دوراً كبيراً، فقد جعل الله تعالى في اجتماع المؤمنين تأثيراً كبيراً في تذويب الحساسيّات وإزالة الخلافات أو تخفيفها، وتأليف النفوس النافرة، وتقريب وجهات النظر والرأي، وتحكيم عُرى الولاء ووشائج القربى فيما بين المسلمين.

إنَّ هذا الحضور وملازمة جماعة المسلمين وتجّمعاتهم يعمِّق في نفس الإنسان الشعور بعضويته في المجتمع الإسلامي، والانتماء إلى الاُمّة الربانيّة، والارتباط بشكبة الولاء، ويدعم الإحساس بالبنوّة والانتماء إلى الاُسرة الإبراهيميّة العريقة في التاريخ.

ولاهتمام الإسلام بمسألة ملازمة جماعة المسلمين وعدم الغياب عنها وعدم هجرها والانعزال عنها، أعطاها الإسلام قيمة عباديّة، وربطها بجملة من العبادات الأساسيّة كالصلاة والحج، واعتبر الخروج عن جماعة المسلمين وهجرها واعتزالها من الخيانة بالأمانة التي ألقاها الله تعالى على عاتق عباده.

عن أبي عبد الله الصادق “ع” أنه قال: «خطب رسول الله “ص” يوم منى، فقال: نضَّر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها، وبلَّغها من لم يسمعها، فكم من حامل فقه غير فقيه، وكم من حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهنّ قلب عبد مسلم:

1ـ إخلاص العمل لله.

2ـ والنصيحة لأئمّة المسلمين.

3ـ واللزوم لجماعتهم، فإنّ دعوتهم محيطة من ورائهم، المؤمنون إخوة تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم، يسعى بذمّتهم أدناهم»[18].

ولزوم جماعة المسلمين في هذه الخطبة النبويّة المعروفة ممّا لا يغلّ عليها قلب امرئ مسلم، أي لا يخون بها (من الغلول الخيانة)، والأمانات الثلاث التي تحمّلها رسول الله “ص” على المسلمين هي الإخلاص لله وهو الأساس، والنصيحة لأئمّة المسلمين وتسديدهم وابتغاء الخير لهم، ثم لزوم جماعة المسلمين وعدم مفارقتهم، وهذه أمانات ثلاث في شبكة الولاء لله تعالى ولرسوله ولأولياء الأمر وللمؤمنين ألقاها الله تعالى على عاتق المؤمنين، والإخلال بأيِّ واحدة من هذه الثلاث من الخيانة والغلول: «لا يغل عليها قلب امرئ مسلم».

وهذه الدعوة إلى الإخلاص والنصيحة لأئمّة المسلمين ولزوم جماعة المسلمين دعوة شاملة للأجيال، محيطة بها لا تخصّ الجيل الذي سمع هذه الدعوة من رسول الله “ص” في مسجد الخيف من منى، وإنّما تحيط بكل الأجيال، وتثقل عاتق الأجيال القادمة بهذه الأمانة كما تثقل عاتق الجيل الذي سمع هذه الدعوة من رسول الله “ص”، ولذلك فقد أمر رسول الله “ص” المسلمين الذين تلقَّوا منه هذه الرسالة أن يعوها وينقلوها إلى الأجيال التي تليهم كما سمعوها، ولربّما تكون الأجيال التي تأتي بعد هذا الجيل أوعى وأكثر استيعابا لهذه الرسالة النبويّة «وكم من حامل فقه إلى من هو أفقه منه».

وروي عن الإمام الصادق “ع” أنه قال: «من خلع جماعة المسلمين قدر شبر خلع ربقة الإسلام من عنقه، ومن نكث صفقة الإمام جاء إلى الله أجذم»[19].

والصفقة: البيعة، وقد كانت البيعة ثمَّة بالتصافق مع الإمام بالأيدي، فمن نكث صفقة الإمام (أي بيعة الإمام) جاء إلى الله تعالى يوم القيامة أجذم مقطوع الكف كما يأكل الجذام أطراف المريض.

و(خلع الجماعة) تعبير مجازي عن مفارقة الجماعة المسلمة، كما يخلع الإنسان ثوبه الذي يلبسه.

والربقة هي العروة التي توضع في رقبة الدّابَّة لضبطها وتوجيهها… وكأنَّ الجماعة ثوب يلبسه الإنسان فيقيه من الأهواء والشيطان، ويمنحه شخصيّته المتميّزة، وكأنَّ الحضور في المجتمع الإسلامي يقي الإنسان من الانحراف والإفراط والتفريط فتشبه الربقة التي تضبط الدابّة وتوجِّهها وتحدُّ من جموحها، والذي يفارق جماعة المسلمين يشبه الذي يخلع ربقة التوجيه والضبط من عنقه.

وعن أبي عبد الله الصادق “ع” أنه قال: «من خلع جماعة المسلمين قدر شبر خلع ربقة الإيمان من عنقه»[20].

وعن موسى بن جعفر أنه قال: «ثلاث موبقات: نكث الصفقة، وترك السنّة، وفراق الجماعة»[21].

وعن الإمام الباقر “ع” أنه قال: «قال رسول الله “ص” من فارق جماعة المسلمين فقد خلع ربقة الإسلام، قيل: يا رسول الله وما جماعة المسلمين؟ قال: جماعة أهل الحق وإن قَلُّوا»[22].

وعن أمير المؤمنين “ع” أنه قال: «إنّ الله سبحانه لم يعطِ بفرقة خيراً، ممَّن مضى ولا ممَّن بقى».

والجماعة المسلمة ليست كميّة عدديّة من المؤمنين يضاف بعضهم إلى بعض فيكون لها من القوّة والفاعليّة بقدر الكميّة العددية التي تشكّلها هذه الجماعة من المسلمين، وإنّما تتحوّل الجماعة المسلمة التي تشكّل تراكماً رياضيّاً للمؤمنين إلى كيفيّة جديدة تمنحها قوّة ربّانيّة فوق قوّة البشر، وتستنزل رحمة الله تعالى وتحمي أفرادها من سطو الشيطان وعدوانه كما يحمي الراعي قطيع الغنم من الذئاب، فإذا فرَّ بعضه وشذّ من القطيع كان من حظّ الذئاب المفترسة.

عن رسول الله “ص” أنه قال: «يد الله على الجماعة فإذا اشتذّ الشاذّ منهم اختطفه الشيطان كما يختطف الذئب الشاة الشاذة من الغنم»[23].

وعن أمير المؤمنين “ع” أنه قال: «والزموا السواد الأعظم، فإنّ يد الله على الجماعة، وإيّاكم والفرقة، فإنّ الشاذّ من الناس للشيطان كما أنّ الشاذّ من الغنم للذئب، ألا من دعا إلى هذا الشعار فاقتلوه»[24].

هذه الحالة لا علاقة لها بالهيئة الرياضيّة من التجمّع البشري في الجماعة البشريّة… إنها حالة جديدة وكيفيّة جديدة «يد الله على الجماعة» فيها يضع الله تعالى يده على الجماعة يحميها من الشيطان ومن الضلال كما تُرى يد الراعي على القطيع.

وعن رسول الله “ص” أنه قال: «يد الله مع الجماعة»[25].

وفي هذه الرواية تضاف إلى التجمّع البشري في الجماعة المسلمة كيفيّة وحالة ربّانيّة جديدة وهي (معيّة يد الله) فتكون يد الله مع الجماعة في حركتها ودعوتها، ومقاومتها وصبرها ومواجهتها، تسدِّدها وتدعمها وتبصِّرها وتطمئنها وتوجِّهها في مسيرتها وتبعث فيها القوّة والإيمان.

وقد جعل الإسلام للتجمّع الإيماني قيمة عباديّة، وربط ظاهرة التجمّع بالعبادات الرئيسيّة في الإسلام كالصلاة والحج، وقرن هذه بتلك لتكريس هذه الحالة وتثبيتها في صلب منهاج عمل المسلمين اليومي والدوري.

روي عن الإمام الصادق “ع” أنه قال: «انّ رسول الله “ص” قال: لا صلاة لمن لا يصلِّي في المسجد مع المسلمين إلاّ من علّة، ولا غيبة لمن صلّى في بيته، ومن رغب عن جماعتنا سقطت عدالته، وإن رُفع إلى الإمام أنذره وحذّره، ومن لزم جماعة المسلمين حرمت عليهم غيبته»[26].

وعن الإمام الصادق “ع” أنه قال: «همّ رسول الله “ص” بإحراق قوم في منازلهم كانوا يصلّون في منازلهم ولا يصلّون الجماعة فأتاه رجل أعمى فقال: يا رسول الله أنا ضرير البصر وربّما أسمع النداء ولا أجد من يقودني إلى الجماعة والصلاة معك، فقال النبيّ “ص”: شُدَّ من منزلك إلى المسجد حبلا واحضر الجماعة»[27].

وقال رسول الله “ص” لقوم: «لتحضرُنَّ المسجدَ أو لاحرقَنَّ عليكم منازلكم»[28].

وعن رسول الله “ص” أنه قال: «إذا سئلت عمَّن لا يشهد الجماعة فقل لا أعرفه»[29].

5 ـ العدل

العدل من أسس السلام والأمن الرئيسية في المجتمع، وبالعدل نقي المجتمع من الخلافات ونحفظ المجتمع من ظهور المشاكل والصراعات، كما أنّ العدل أفضل العلاج لما يحدث في المجتمع من خلافات ومشاكل فيما بين الناس.

فالعدل وقاية وقاية وعلاج في وقت واحد لما يمكن أن يحدث في المجتمع، ولما يحدث في المجتمع من خلافات، ويضمن الأمن والسلام في المجتمع.

وقد أمر الله تعالى بالعدل والإحسان فقال: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ}[30]

وأمرنا تعالى أن نقوم بالعدل والقسط في المجتمع فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ}[31].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ}[32].

و(القوّام) من المبالغة في القيام… بمعنى أن يتعهّد المؤمنون تنفيذ العدل في المجتمع، وأن يقوموا بالعدل من دون ميل إلى هوىً أو عاطفة، ومن دون تعب أو كلل، ومن دون أن ينحرفوا عن العدل لخوف أو طمع… ينهضون بالعدل والقسط في المجتمع ويحملونه ويتعهّدون أمر تنفيذه بقوّة وصلابة.

وبسبب هذا الدور الرئيسي للعدل في استقرار الأمن والسلام في الحياة الاجتماعيّة، فقد ورد في الرواية: «العدل أساس به قوام العالم»[33].

ووردت في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين “ع” مقارنة بين العدل والجود… أيُّهما أفضل وأشرف؟

سئل أمير المؤمنين “ع” : أيُّهما أفضل العدل أو الجود؟. قال “ع” : «العدل يضع الأمور مواضعها، والجود يخرجها من جهتها، والعدل سائس عام والجود عارض خاص، فالعدل أشرفهما وأفضلهما»[34].

وهي كلمة تستوقف الإنسان كثيراً، فإنَّ العدل هو أن تعطي الطرف الآخر حقه، والجود أن تعطيه أكثر من حقه، وتعطيه من حقك، ولا شكّ أنّ العطاء الثاني أفضل من العطاء الأول، ففي الثاني من الإيثار ما ليس في الأول، ومع ذلك يقول الإمام “ع” : «فالعدل أشرفهما»، والسرُّ في ذلك أن الجود لا يمكن أن يكون أساساً وقانوناً عاماً للمجتمع… فهو كتصرّف فردي أفضل من العدل من دون شكّ.. ولكنّ موقع العدل في الحياة الاجتماعية أفضل من موقع الجود، فإنّ الجود كما يقول الإمام “ع” : «عارض خاص» لا يصلح قاعدة في المجتمع، ولا أساساً عاماً للتعامل ولا قانوناً للحياة الاجتماعيّة، بينما العدل «سائس عام» وأساس عام، وقانون عام، تنتظم به الحياة الاجتماعيّة.

والعدل كقانون اجتماعي (يضع الأمور موضعها)، بينما الجود لو طبّق كقانون عام في الحياة الاجتماعيّة ـ وهو أمر غير ممكن ـ (يخرجها من جهتها)، وإذا كان يمكن تطبيقه من غير إلزام في حالات خاصة في المجتمع وكانت فضيلته فوق العدل فلا يمكن تطبيقه كقانون عام للمجتمع، وإذا تمّ تطبيقه قانوناً عاماً في المجتمع فسوف يؤدّي إلى اختلال في المجتمع، فهو كعارض خاص أفضل من العدل، ولكن كقانون عام; العدل أشرف منه وأقوى على إدارة المجتمع وتقويمه وحمايته.

وهذا التقويم العجيب يكشف عن عمق (النظريّة الاجتماعيّة) في الإسلام.. وإنّ مقياس التقويم هو المصلحة الاجتماعيّة.

إنّ الجود قيمة وفضيلة بالتأكيد، ولكن لا ينفع للمجتمع كقانون، وأمّا العدل فيصلح أن يكون قانوناً للمجتمع فهو أفضلهما بهذا المقياس.

هذه هي أهمّ أُسس وخلفيّات ومقوِّمات الأمن والسلام في المجتمع، وإذا توفّرت هذه الأُسس في المجتمع فإنّ المجتمع يسلم من كثير من المتاعب والمشاكل والخلافات والإسلام يؤكّد تأكيداً على توفير هذه العناصر في المجتمع الإسلامي.

والآن بعد أن استعرضنا أسس وخلفيّات الأمن والسلام في المجتمع ننتقل إلى استعراض امتدادات وآثار هذه الأسس للسلام والأمن في المجتمع الإسلامي.

(ثانياً): امتدادات وآثار ونتائج السلام في الحياة الاجتماعية

1 ـ التعاون على البرّ والمعروف:

{وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}[35].

إنّ البرّ والإحسان والمعروف والتعاون على ذلك من خصائص المجتمع الإسلامي… فعندما يطبع السلام المجتمع وتسلم النفوس من الحقد والكره تجاه الآخرين وتطهر من البغضاء والغل فإنّ هذه النفوس تفيض بالخير والمعروف والبرِّ والعاطفة كما يفيض النبع بالماء، لأنّ نوازع الشرّ والغل والبغضاء هي التي تعكّر النفس الإنسانية، فإذا طهرت النفس من هذه النوازع فإنّ النفس البشريَّة فيّاضة بالبِّر والمعروف والعاطفة.

عن الإمام الباقر “ع” أنه قال: «إنَّ الله جعل للمعروف أهلا من خلقه حبَّب إليهم فعاله، ووجَّه لطلاب المعروف الطلب إليهم، ويسَّر لهم قضاءه، كما يسرّ الغيث للأرض المجدبة»[36].

عن أبي هاشم الجعفري قال: سمعته يقول: «إنّ في الجنّة باباً يقال له: المعروف، لا يدخله إلاّ أهل المعروف».

فحمدت الله في نفسي وفرحت بما أتكلّف من حوائج الناس فنظر إليّ وقال: «نعم، فدُمْ على ما أنت عليه، فإنّ أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة، جعلك الله منهم يا أبا إبراهيم ورحمك»[37].

وقد أكّدت التعليمات الإسلاميّة على مواصلة المسلمين بالبرِّ والمعروف والتراحم والتعاطف والتوادد والتحابب في الله، وأبرزت النصوص الإسلاميّة هذه الخصلة من خصال المجتمع الإسلامي بصورة مؤكَّدة وقويّة، وفيما تقوم المجتمعات الجاهليّة الماديّة على أساس الاستثمار والحرص والجشع والأنانيّة والطمع والحسد… يقوم المجتمع الإسلامي على أساس من التواصل والتوادد والتحابب والتعاون على البرِّ والمعروف والتراحم والتعاطف.

عن الإمام الصادق “ع” أنه قال: «تواصلوا وتبارُّوا وتراحموا وكونوا إخوة بررة كما أمركم الله عزّوجل»[38].

عن الإمام الصادق “ع” أيضاً أنه قال: «تواصلوا وتبارُّوا وتراحموا وتعاطفوا»[39].

وعن الإمام الصادق “ع” أيضاً أنه قال: «إتّقوا الله وكونوا إخوة بررة متحابِّين في الله متواصلين متراحمين»[40].

2 ـ التآلف:

{هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[41].

والتآلف من خصائص القلوب المؤمنة إذا خلصت وطهرت من عوامل الغلّ والحقد فإنها تتجاذب وتتآلف وتمتزج فيما بينها كما يمتزج ماء السماء بماء الأرض فلا تكاد تميّز أحدهما عن الآخر…

فإنّ الله تعالى قد خلق هذه القلوب متآلفة متجاذبة بعضها بعضاً ويألف بعضها بعضاً لولا ما يحجزها عن بعض من حواجز الغلّ والبغضاء وسوء الظن ووساوس الشيطان فإذا طهرت النفوس من هذه العوامل الحاجزة والعائقة فإنها تتجاذب وتتآلف وتتعارف بسرعة عجيبة وكأنها قد تعارفت منذ عهد طويل وبأقوى ما يعرف الناس في حياتهم من أواصر الصلة والعلاقة.

وقد روي عن الإمام الصادق “ع” حديث يستحق الكثير من التأمّل والدراسة، يقول “ع” : «إنّ ائتلاف قلوب الأبرار، إذا التقوا وإن لم يظهروا التوادد بألسنتهم كسرعة اختلاط قطر السماء على مياه الأنهار، وإنّ ائتلاف قلوب الفجّار إذا التقوا وإن أظهروا التوادد بألسنتهم كبعد البهائم من التعاطف وإن طال اعتلافها على مذود واحد»[42].

إنّ هذه القلوب المؤمنة ولو بعدت المسافة بينها كالمسافة بين الأرض والسماء فإنها من عنصر واحد فإذا تلاقت في مكان وزمان فسرعان ما تتجاذب فيما بينها وتتآلف وتختلط حتى لا تكاد تميّز بعضها عن بعض، فكما يختلط قطر السماء بمياه الأنهار، فلا تكاد تعرف أيها قطر السماء وأيها ماء النهر بعد أن يتلقى بعضها ببعض; كذلك القلوب المؤمنة، فقد يلتقي مؤمن من العرب بآخرين من الترك بآخرين من أقصى شرق آسيا على ما بينهم من حواجز في اللغة والمكان فيختلطون ويمتزجون في ساعة واحدة، حتى تحسبهم أسرة واحدة مترابطة متماسكة متآلفة منذ سنين طويلة.

أمّا المنافقون والفاسقون فقد يجتمعون طويلا في مكان واحد وعلى مائدة واحدة وعلى عمل واحد وعلى هدف واحد، ولكن قلوبهم متنافرة يضمر بعضهم لبعض شرّاً ويحفر أحدهم لأخيه وينطوي بعضهم على الحقد للآخرين… وتكفي إشارة صغيرة لأن تبرز كل هذه الأحقاد والضغائن مرّة واحدة على السطح وتطغى هذه الأحقاد المضمرة على دبلوماسيّة التعايش السلمي، ووحدة الهدف فيما بينها، كما تعيش البهائم على مذود واحد طويلا ولكنها في لحظة واحدة وبإشارة تافهة تتنافر فيما بينها ويضرب بعضها بعضاً.

ولا شكّ في أنّ هذا التآلف من فعل الله تعالى ورحمته بعباده… وإلاّ فمن كان يستطيع أن يؤلّف بين تلك القلوب المتنافرة التي دخلت الإسلام ويجعل منها أسرة واحدة مترابطة متآلفة… وخطاب الله تعالى لرسوله “ص” عجيب في هذا الأمر: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ}.

فالاُلفة والتآلف من مواهب الله تعالى التي ينزلها على قلوب عباده المؤمنين فيطهِّرها ويصفّيها ويمنحها التآلف والتجاذب.

وقد وردت في النصوص الإسلاميّة تأكيدات وتوصيات كثيرة بالتآلف والتقارب والتلاحم بين المؤمنين نذكر بعضها:

عن رسول الله “ص” أنه قال: «خير المؤمنين من كان مألفه للمؤمنين ولا خير فيمن لا يؤلف ولا يألف»[43].

عن الإمام علي “ع” أنه قال: «طوبى لمن يألف الناس ويألفونه على طاعة الله»[44].

عن رسول الله “ص” أنه قال: «أقربكم منّي غداً في الموقف… أحسنكم خلقاً، وأقربكم من الناس»[45].

3 ـ المصالحة

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}[46].

… القاعدة والأساس هي أنّ المؤمنين إخوة وهي القاعدة التي يقررها القرآن الكريم {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، إلاّ أنّ الشيطان قد ينزغ فيما بين الأخوين ويفسد فيما بينهما الاُخُوّة ويثير أحدهما على الآخر، فيجب عليهما وعلى الآخرين أن يتداركوا فوراً ما أفسد الشيطان من العلاقة بينهما {فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}.

ولا شكّ في أنّ هذا الإصلاح أقوى من ذلك الإفساد فإنّ هذا الإصلاح من نفس الرحمن وذلك الإفساد من نفس الشيطان، ونفس الرحمن أقوى وأدوم من نفس الشيطان في حياة الإنسان.

وقد تواترت الروايات في أنّ إصلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصيام:

عن الإمام علي “ع” أنه قال في وصيّته عند وفاته للحسن والحسين: «وأوصيكما وجميع ولدي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم وصلاح ذات بينكم فإنّي سمعت جدَّكما رسول الله “ص” يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصيام»[47].

وقد كان أبو عبد الله الصادق “ع” يأمر أصحابه بإصلاح ذات البين بماله:

عن أبي حنيفة سابق الحاج قال: مرَّ بنا المفضّل وأنا وختني نتشاجر في ميراث فوقف علينا ساعة ثم قال: تعالوا إلى المنزل، فأتيناه فأصلح بيننا بأربعمائة درهم فدفعها إلينا من عنده حتى إذا استوثق كل واحد منّا من صاحبه قال: أما إنّه ليس من مالي ولكنّ أبا عبد الله أمرني إذا تنازع رجلان من أصحابنا في شيء أن اُصلح بينهما فأفتديها من ماله، فهذا من مال أبي عبد الله[48].

وقد تواترت الروايات عن رسول الله “ص” في أنّ المؤمن لا يجوز لـه أن يهجر أخاه المؤمن أكثر من ثلاث:

عن أنس بن مالك أنّ رسول الله “ص” قال: «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال»[49].

وعن أبي أيّوب الأنصاري، أنّ رسول الله “ص” قال: «لا يحلُّ لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام»[50].

4 ـ العفو

لإطفاء حريق الخلافات وتحويل العدوِّ إلى وليّ حميم ليست هناك وسيلة أفضل من العفو وكظم الغيظ; شريطة أن يكون العفو في موضعه ولا يشجِّع المعتدي على التمادي في الإساءة والعدوان.

وقد أكّد القرآن الكريم على العفو وكظم الغيظ، حيث يقول تعالى:

{الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}[51].

{وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[52].

{َمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}[53].

وقد روي أنّ العفو من خير أخلاق الدنيا والآخرة:

عن رسول الله “ص” أنه قال: «آلا أدلُّكم على خير أخلاق الدنيا والآخرة؟ تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمّن ظلمك»[54].

وبعكس ما يتصوّر الإنسان فإنّ العفو والصفح عن الإساءة لا يزيد الإنسان إلاّ عزّاً.

عن الإمام الصادق “ع” أنه قال: «قال رسول الله “ص”: عليكم بالعفو فإنّ العفو لا يزيد العبدَ إلاّ عزّاً فتعافوا يعزّكم الله»[55].

وروي أنّ العفو عند القدرة على الانتقام والثأر من سنن الأنبياء.

عن الإمام الصادق “ع” أنه قال: «العفو عند القدرة من سنن المرسلين والمتّقين»[56].

5 ـ التناصح

النصيحة هي تسديد الآخرين بالرأي، وهي من إمارات سلامة العلاقة بأولياء الأمور وبعامّة المسلمين، فإنّ العلاقة التي تربط الإنسان المسلم بالله ورسوله وأولياء الاُمور والمسلمين عامّة عندما تكون سليمة وخالصة وليس فيها شيءٌ من أسباب الخلاف والبغضاء فإنّ الإنسان يجد نفسه جزءاً لا يتجزّأ من هذه الأمّة الكبيرة، يصلحه ما يلصحها، ويضرّه ما يضرّها، ويحسن إليه ما يحسن إليها ويسيءُ إليه ما يسيءُ إليها… والنصيحة والتسديد أمارة الإحساس بهذه العضويّة وأمارة الانتماء إلى هذه الأمّة.

وقد روي عن رسول الله “ص” أنه قال: «من لا يهتّم بأمرِ المسلمين فليس منهم، ومن لم يصبح ويمس ناصحاً لله ولرسوله ولكتابه ولإمامه ولعامّة المسلمين فليس منهم»[57].

وعن رسول الله “ص” أيضاً أنه قال: «الدين النصيحة».

قال الراوي لنا، لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم»[58].

وعن رسول الله “ص” أنه قال: «إنّ أعظم الناس منزلة عند الله يوم القيامة أمشاهم في أرضه بالنصيحة لخلقه»[59].

وعن رسول الله “ص” أنه قال: «من يضمن لي خمساً أضمن له الجنّة: النصيحة لله عزّوجل والنصيحة لرسوله والنصيحة لكتاب الله والنصيحة لدين الله والنصيحة لجماعة المسلمين»[60].

6 ـ المداراة والرفق

المداراة والرفق أسلوب في التعامل يعتمد التحمّل وسعة الصدر واللين في التعامل مع الآخرين… وهذا الأسلوب يجنِّب الإنسان الكثير من المصادمات والخلافات في علاقاته وتعامله مع الآخرين… شريطة أن لا ينفي الحزم والجديّة في العمل… وليس من صفات الحزم والجديّة العنف والشدّة في التعامل، فمن الممكن أن يجمع الإنسان بين الرفق والمداراة وبين الجديّة والحزم.

وقد أوصى الله تعالى رسوله “ص” في أكثر من موضع بالرفق واللين مع الناس، حيث يقول: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}[61].

ويقول تعالى أيضاً: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}[62].

وقد روي عن رسول الله “ص” أنه كان يقول: «إنّا اُمرنا ـ معاشر الأنبياء ـ بمداراة الناس كما اُمرنا بأداء الفرائض»[63].

وعن الإمام عليٍّ “ع” أنه كتب إلى بعض عمّاله: «واخلط الشدّة بضغث من اللين، وارفُق ما كان الرفق أرفق»[64].

وعن الإمامين الباقر والصادق أنهما قالا: «إنّ الله تعالى رفيق يحب الرفق، ومن رفقه بكم تسليل أضغانكم ومضادَّة قلوبكم»[65].

وعن الإمام الباقر “ع” أنه قال: «إنّ الله رفيق يحبُّ الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف»[66].

وعن رسول الله “ص” أنه قال: «إنّ الله رفيق يحبُّ الرفق في الأمر كلّه»[67].

7 ـ البشر والبشاشة وحسن اللقاء

وهو من صفات المؤمن في لقائه بالمؤمنين، فإنّ المؤمن بشره في وجهه وهمّه في قلبه، يلقى إخوانه بالبشر والبشاشة، ويزيل عنهم همومهم، ولا تنعكس همومه على وجهه ولا ينشر همومه بين الناس.

إنّ طلاقة الوجه والبشر والبشاشة على وجه الإنسان تكشف عن قدرة صاحبها على الاحتفاظ بهمومه ومشاكله لنفسه، وعدم إشراك الآخرين فيما لا يسرُّهم، وإيثار الآخرين بالسرور والبشر، والاحتفاظ لنفسه بهمومه ومشاكله.

انّ صاحب هذه الموهبة يتمكّن من تلطيف أجواء العلاقة والعمل من حوله، وتذويب المشاكل والحساسيّات الناجمة من العمل إلى حدّ كبير، وإشاعة جوٍّ من المحبّة والود. فإنّ في كل ابتسامة صادقة موجة من الحبّ تنفذ من القلب إلى القلب.

وقد وردت تأكيدات كثيرة في النصوص الإسلاميّة بتلطيف اللِّقاءات فيما بين المؤمنين بالبشر والبشاشة وحسن اللقاء، وإليكم جملة منها:

عن رسول الله “ص” أنه قال: «يا بني عبد المطّلب إنّكم لم تسعوا الناس بأموالكم فالقوهم بطلاقة الوجه وحسن البشر»[68].

عن الإمام الصادق “ع” أنه قال: «إنّ الله ـ عزّوجل ـ ارتضى لكم الإسلام ديناً فأحسنوا صحبته بالسَّخاء وحسن الخلق<[69].

وعن الإمام عليٍّ “ع” أنه قال: «إذا لقيتم إخوانكم فتصافحوا وأظهروا لهم البشاشة والبشر، تتفرّقوا وما عليكم من الأوزار قد ذهب»[70].

إنّ أحسن ما يألف به الناس قلوب أودّائهم، ونفوا به الضغن عن قلوب أعدائهم حسن البشر عند لقائهم والتفقّد في غيبتهم والبشاشة بهم عند حضورهم»[71].

8 ـ النهي عن السعاية والنميمة والوشاية

وهذه الخصلة: (السعاية والوشاية) تفسد أجواء العلاقة فيما بين المؤمنين وتقوم بدور تخريبي في الحياة الاجتماعيّة.

والمشّاؤون والسعاة بالنميمة هم أولئك الذين يمشون بالسوء والفساد فيما بين الإخوة، فينقلون من أحد إلى الآخر ما يسيء إليه، ويرجعون إلى الأول من الثاني بأسوأ منه… وهكذا يقومون بهذا الدَّور التخريبي في الوشاية والسعاية، وإثارة المؤمنين بعضهم على بعض، وهذه الطبقة تبعث على الكثير من الخلافات والمشاكل التي قد تؤدّي إلى حرائق اجتماعيّة واسعة يصعب إطفاؤها وإخمادها، وهم من أصحاب الكبائر من دون شكّ في ذلك.

وقد ورد في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف النهي المؤكَّد عن هذه الخصلة الذميمة، وإليكم إضبارة من الآيات والأحاديث الإسلاميّة في ذلك:

يقول تعالى:

{وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ}[72].

{وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا}[73].

يقول الراغب في المفردات[74]:

النميمة: الوشاية، والمشّاء: الذي يمشي ويسعى بالنميمة والإفساد.

وعن رسول الله “ص” أنه قال: «ألا اُخبركم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: المشّاؤون بالنميمة، المفرِّقون بين الأحبَّة، الباغون للبراء العيب»[75].

من كتاب للإمام الصادق “ع” إلى النجاشي حاكم الأهواز قال فيه: «إيّاك والسعاة وأهل النمائم فلا يلتزقنَّ بك أحدٌ منهم، ولا يراك الله يوماً ولا ليلة وأنت تقبل منهم صرفاً ولا عدلا فيسخط الله عليك ويهتك سترك»[76].

وعن الإمام علي “ع” أنه قال: «بئس السعي التفرقة بين الأليفين»[77].

ورفع رجل إلى أمير المؤمنين “ع” كتاباً فيه سعاية، فنظر إليه “ع” ثم قال: «يا هذا إن كنت صادقاً مقتناك، وإن كنت كاذباً عاقبناك، وإن أحسنت القيلة أقلناك» قال: بل تقيلني يا أميرالمؤمنين[78].

9 ـ النهي عن الغيبة

{وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ}[79].

وتلفت النظر في هذه الآية الكريمة هذه الفقرة العجيبة: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} فإلى جانب ما تثيره الآية الكريمة في نفس الإنسان من الاشمئزاز الشديد أن يأكل الإنسان لحم أخيه ميتاً… هناك نقطة أخرى تشير إليها الآية الكريمة إشارة سريعة وهي أنّ عمليّة الغيبة عمليّة قتل وإماتة، والذي يغتاب مؤمناً فكأنما يغتاله ويقتله ثم يأكل لحمه ميتاً.

والقتل والاغتيال هنا ليس في جسده وإنما في شخصيّته الاجتماعيّة، فإنّ الغيبة إذا تركّزت حول شخص وأسقطته اجتماعيّاً سلبت عنه ثقة الناس.. وعندما تسلب الثقة عن شخص في المجتمع يفقد دوره كعضو نافع متحرّك في المجتمع ويشلّ وهو بحكم الميّت، فالذي يغتاب مؤمناً كأنه يأكل لحمه ميتاً، ويتخذ أدامه من لحوم المؤمنين بعد أن يقتلهم وهو أدام كلاب النار.

روي عن الإمام الصادق “ع” أنه قال: «إجتنب الغيبة فإنها أدام كلاب النار»[80].

وسمع الإمام علي بن الحسين رجلا يغتاب آخر فقال: «إنّ لكل شيء أداماً وأدام كلاب النار الغيبة»[81].

وقد حصَّن الله تعالى المؤمنين بثلاث حرمات: حرمة الدم وحرمة المال وحرمة العرض، وهذه الحرمات الثلاث تحصّن المؤمنين وتمنحهم السلام والأمن من قبل المؤمنين على دمائهم وأموالهم وأعراضهم.

والغيبة تهتك عرض المؤمن الذي حرّمه الله تعالى على الآخرين وهو بحكم هتك حرمة الدم والمال، وقد يكون أشدّ حالا في بعض الحالات منهما.

وقد روي أنّ رسول الله “ص” قال في خطبة الوداع المشهورة: «أيُّها الناس إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، إنّ الله حرّم الغيبة كما حرَّم المال والدم»[82].

والغيبة تؤدّي إلى تفتيت وتخريب واسع في شبكة الولاء، في علاقة المؤمنين بعضهم ببعض، فإذا فشت الغيبة فيما بين المؤمنين فقدت الثقة، وفسدت العلاقة فيما بين المؤمنين، وتعرَّضت شبكة الولاء التي تربط المؤمنين بعضهم ببعضهم لعمليّة تفتيت وإفساد واسعة.

وهذه الشبكة شبكة واحدة منَّ الله تعالى بها على المؤمنين دون غيرهم من الناس، فإذا تعمَّد الإنسان إفساد هذه الشبكة وتفتيتها أخرجه الله تعالى من دائرة ولائه إلى دائرة ولاء الشيطان، وليس بينهما فاصل وبرزخ، فإذا سمحت لـه نفسه بالإفساد في شبكة الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين; فإنّ الله تعالى يخرجه منها ويدخله في دائرة ولاية الشيطان.

عن الإمام الصادق “ع” أنه قال: «من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه وهدم مروّته ليسقط من أعين الناس، أخرجه الله عزّوجل من ولايته إلى ولاية الشيطان»[83].

وإنَّ الغيبة لتحبط حسنات الإنسان، فيعمل الإنسان من الحسنات ما شاء الله ثم لا يجدها يوم القيامة في صحيفة أعماله التي ينشرها الله تعالى يوم القيامة فيسأل عنها، فيقال لـه: إنّك محوت حسناتك بسيّئة الغيبة وأحبطْت أعمالك بها.

وعن رسول الله “ص” أنه قال: «إنّ الرجل ليؤتى كتابه منشوراً فيقول: يا ربِّ فأين حسنات كذا وكذا عملتها ليست في صحيفتي، فيقال: محيت باغتيابك الناس»[84].

10 ـ الستر

الستر على عورات الناس يحمي المجتمع الإسلامي وأعضاءه من عمليّة التسقيط فلو أنّ هذه الخصلة الذميمة: (الكشف عن عورات المؤمنين) فشت فيما بين المؤمنين لشملت دائرة التسقيط والتشهير الكثيرين، ولأدَّت بالتالي إلى تعطيل مساحة واسعة من مجتمع المؤمنين، وإلى تسريب سوء الظن والشك والريب إلى مساحة واسعة من المجتمع الإسلامي.

ومن صفات الله تعالى وأسمائه الحسنى (الساتر) فهو يستر عباده بفضله ويعرف من عباده ما لو عرف الناس بعضهم من بعض لفرَّ بعضهم من بعض، ولكنّ الله تعالى يستر عباده ويرخي عليهم ستراً من فضله ورحمته، ويرأف بهم ويرحمهم، ويغفر لهم ويقبل منهم التوبة إذا تابوا.

وكذلك يحبُّ الله تعالى لعباده أن يستر بعضهم بعضاً، ولا يشيعون الفاحشة فيما بينهم، فيقول تعالى:

{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[85].

وإشاعة الفاحشة ليست أن يفتري الإنسان على أخيه ما لا يعرف، فتلك التهمة، وإنّما إشاعة الفاحشة أن يقول فيه ما يعرف مما ستره الله تعالى عليه.

وقد روي عن الإمام الصادق “ع” أنه قال: «من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته اُذناه فهو من الذين قال الله عزّوجل: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ}».

وروي عن الإمام أمير المؤمنين “ع” أنه قال: «لو وجدت مؤمناً على فاحشة لسترته بثوبي (وقال: بثوبه هكذا)»[86].

وعن أمير المؤمنين “ع” أنه قال: «قال لي النبي “ص”: لو رأيت رجلا على فاحشة؟ قلت: أستره، قال: إن رأيته ثانياً؟ قلت: أستره بازاري وردائي إلى ثلاث مرّات، فقال النبي “ص”: لا فتى إلاّ علي»[87].

وإذا أحبَّ الإنسان أن يستره الله تعالى في الدنيا والآخرة من الخزي والعذاب فعليه أن يستر المؤمنين فيما يعرف عنهم وفيما انكشف له من عيوبهم وعوراتهم وسقطاتهم.

عن رسول الله “ص” أنه قال: «من علم من أخيه سيِّئة فسترها ستر الله عليه يوم القيامة»[88].

وعن رسول الله “ص” أنه قال: «من ستر أخاه في فاحشة رآها عليه ستره الله في الدنيا والآخرة»[89].

وسأل رجل رسول الله “ص” فقال: اُحبّ أن يستر الله عليَّ عيوبي
فقال “ص”: «اُستر عيوب إخوانك يستر الله عليك عيوبك»[90].

وتأكيداً للمدلول الاجتماعي لعدم التشهير وإشاعة الفحشاء يقول رسول الله “ص” كما في الرواية: «من ستر على مؤمن فاحشة فكأنما أحيا موؤدة»[91].

فإنَّ في كشف عورات الناس وتتبّع سقطاتهم وإشاعة الفحشاء فيهم وأد وقتل للناس وهم أحياء، وبعكس ذلك الستر على عوراتهم إحياءٌ لهم.

والذين يتّبعون عورات الناس ويتعمّدون إشاعة الفحشاء والكشف عمّا ستره الله تعالى من عيوب الناس وعوراتهم وتسقيط المؤمنين والتشهير بهم فإنّ الله تعالى ينتقم منهم بفضحهم وكشف ما يخفونه من سقطاتهم وعوراتهم وعيوبهم ومهما يخفي الإنسان عيوبه وسقطاته على أحد فليس بقادر على أن يخفي ذلك على الله تعالى، فإنّ الله تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}[92].

فإذا تتبّع عورات النّاس وكشفها فإنّ الله تعالى يفضحه في عيوبه وعوراته، ولو في جوف بيته، كما في الرواية الواردة عن رسول الله “ص”: «لا تتبّعوا عورات المؤمنين فإنه من تتبّع عورات المؤمنين تتبَّع الله عورته، ومن تتبَّع الله عورته فضحه ولو في جوف بيته»[93].

وما أروع هذا التعبير والتشبيه المروي عن سيّدنا المسيح ابن مريم حيث يقول: «أرأيتم لو أنّ أحداً مرّ بأخيه فرأى ثوبه قد انكشف عن عورته أكان كاشفاً عنها أم يرد على ما انكشف منها؟ قالوا: بل يردُّ على ما انكشف منها، قال: كلا بل تكشفون عنها»[94].

كلا إنّ الذي يصنعونه من كشف عورات الناس والتشهير بهم هو أقبح من كشف عورة الأجساد، إنهم بالتشهير بالناس وتتبّع عوراتهم وإشاعة الفاحشة في المؤمنين يصنعون ما هو أقبح من ذلك.

قيل للصادق “ع” : شيءٌ يقوله الناس عورة المؤمن على المؤمن حرام؟ قال “ع” : «ليس حيث تذهب[95] إنّما عورة المؤمن أن يراه يتكلّم بكلام يعاب عليه فيحفظه عليه ليعيّره به يوما إذا غضب»[96].

وهذه خصلة ذميمة يكرهها الله تعالى، ومن القبيح والذميم أن يؤاخي الإنسان مؤمناً ويرافقه فيحفظ عليه سقطاته وزلاّته ويدَّخرها في ذاكرته ليوم يحتاج إليها في التشهير به وتسقيطه إذا حدث بينهما ما يغضبه.

روي عن الإمام الصادق “ع” أنه قال: «أَبْعَدُ ما يكون العبد من الله أن يكون الرجل يؤاخي الرجل وهو يحفظ عليه زلاّته ليعيِّره بها يوما»[97].

وحتى الحاكم لا يجوز لـه أن يكشف عورات الناس لمعاقبتهم وإجراء الحدّ عليهم، وإنّما يجب عليه إجراء الحدّ فيما ظهر من الناس من عوراتهم وقبائح أعمالهم.

كتب أمير المؤمنين “ع” إلى الأشتر لمّا ولاّه مصر: «وليكن أبعد رعيّتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لمعايب الناس، فإنّ في الناس عيوباً الوالي أحق من سترها، فلا تكشفنَّ ما غاب عنك منها فإنّما عليك تطهير ما ظهر لك، والله يحكم على ما غاب عنك; فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحب ستره من رعيّتك»[98].

11 ـ النهي عن التهمة

وأقبح من تتبّع عورات الناس والكشف عنها هو أن يتّهم الإنسان المسلمين بما لا يعرف عنهم ويقذفهم به، فتلك جريمة يعاقب الله تعالى المجرمين عليها بأشدّ العذاب في الآخرة.

وأمّا عقوبته في الدنيا فيما وصل إلينا من الروايات فأمران كل منهما يخرجه عن دائرة الإيمان:

أحدهما: انفصاله عن دائرة الولاء وخروجه عن ساحة الولاية لله تعالى فلا تبقى لـه بعد ذلك الحرمة التي يمنحها الله تعالى للمؤمنين المنتمين إلى دائرة الولاء لله تعالى ولرسوله وللمؤمنين.

وثانيهما: أن ينحسر الإيمان من قلبه ويذوب كما يذوب الملح في الماء.

عن الإمام الصادق “ع” أنه قال: «إذا اتَّهم المؤمن أخاه إنماث الإيمان من قلبه كما ينماث الملح في الماء»[99].

عن الإمام الصادق “ع” أنه قال: «من اتّهم أخاه في دينه فلا حرمة بينهما»[100].

12 ـ كفّ الأذى عن الآخرين

{وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}[101].

وإنّما قيّدت الآية الكريمة حرمة الإيذاء « بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا » لأن الإيذاء بما اكتسبوا هو من الإيذاء عن استحقاق للعقوبة، وليس هو من الإيذاء المحرّم.

والولاء للمؤمنين جزء من شبكة الولاء لله ولرسوله، وقد ذكرنا أنّ هذه الشبكة شبكة واحدة لا تتجزأ، ومقاطعة أيّ جزء من هذه الشبكة هي مقاطعة لشبكة الولاء كلها وخروج من دائرة الولاء لله تعالى إلى دائرة الولاء للشيطان.

ومن هذا المنطلق فإنّ إيذاء المؤمنين وحربهم إيذان بحرب من الله تعالى:

فقد ورد عن الإمام عليٍّ “ع” أنه قال: «يقول الله تعالى ـ كما في الحديث القدسي ـ: ليأذن بحرب منَّي من آذى عبدي المؤمن»[102].

وهذه غاية في تصوّر المؤمن عند الله تعالى وموضعه من دائرة الولاء حتى يكون إيذاء المؤمن ومحاربته إيذاءً لله تعالى ومحاربة له.

وحتى لو أخاف الإنسان مؤمناً بنظرة قاسية شديدة يهدده بها ويقصد بها إخافته فإنَّ الله تعالى يخيفه يوم لا ظِلَّ إلاّ ظلّه.

عن رسول الله “ص” أنه قال: «من نظر إلى مؤمن نظرة يخيفه بها أخافه الله تعالى يوم لا ظِلّ إلاّ ظلّه»[103].

وكفّ الأذى عن المؤمن صدقة تدفع عن الإنسان الأذى وحوادث السوء كما تدفع الصدقُة عن الإنسان الأذى وقضاء السوء.

عن رسول الله “ص” أنه قال: «كُفَّ أذاك عن الناسِ فإنَّه صدقة تصدّق بها على نفسك»[104].

13 ـ النهي عن السباب

المؤمن لا يكون سبّاباً ولا يكون لسانه بذيئاً فاحشاً، وسباب المؤمن في الإسلام كما يكون جريمة; يكون سبباً في فسق صاحبه.

فقد ورد عن رسول الله “ص” أنه قال: «سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه من معصية الله»[105].

وعنه “ص” أنه قال: «سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر»[106].

وروي عن رسول الله “ص” أنه قال: «لا يرمي رجل رجلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلاّ ارتدَّت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك»[107].

وكان أنس خادم رسول الله “ص” يقول: «لم يكن رسول الله “ص” فاحشاً ولا لعّاناً ولا سبّاباً، كان يقول عند العتبة: ما له ترب جبينه»[108].

14 ـ النهي عن الاستهزاء والسخرية

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ}[109].

في السخريّة والاستهزاء بالمؤمن احتقار وازدراء وتسقيط للمؤمن، وقد حرّمها الله تعالى، وأشار القرآن الكريم إلى نقطة أساسيّة في هذا العمل وحرمته فقال «عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ» فإنّ السخرية تكشف دائماً عن حالة احتقار الساخر وازدرائه للذي يسخر منه… وقد يكون الذي يسخر منه الإنسان أفضل منه عند الله تعالى.

والاستهزاء والسخرية تجرح القلوب وتقطع المودّة فيما بين الناس.

يقول الإمام الصادق “ع” على ما في الرواية: «لا يطمع المستهزئ بالناس في صدق المودّة»[110].

وقد نهى رسول الله “ص” أن يضحك الرجل ممّا يخرج من الأنفس[111].

15 ـ التحيّة والسلام (في الإسلام)

التحيّة ظاهرة قائمة في كل الحضارات البشريّة ومعروفة للإنسان منذ أقدم أيام التأريخ، وليست ظاهرة جديدة في حياة الإنسان.

فهي نوع من أدب اللّقاء ومجاملة الإنسان للإنسان عندما يلتقيان… وهي كأيّة ظاهرة فطريّة قائمة في تأريخ الإنسان منذ أقدم العصور وفي كل الحضارات تقريباً.

والسنّة الجاهليّة في التعامل مع الظواهر والقيم الفطريّة في حياة الإنسان التي تعجز عن استئصالها هي محاولة تحريفها وصبغها بصبغة الجاهليّة.

و(التحيّة) قد اُخضعت في الحضارات الجاهليّة لهذه الصبغة وفقدت محتواها الفطري في حين بقي شكل التحيّة بتعابيرها المختلفة قائماً في الحضارات الجاهليّة.

يقول العلاّمة الطباطبائي في الميزان: (وإذا تأمّلت هذه التحيّات الدائرة بين الاُمم على اختلافها وعلى اختلافهم وجدتها حاكية مشيرة إلى نوع من الخضوع والهوان والتذلل يبديه الداني للعالي والوضيع للشريف والمطيع لمطاعه والعبد لمولاه، وبالجملة تكشف عن رسم الاستعباد الذي لم يزل رائجاً بين الأمم في أعصار الهمجيّة فما دونها وإن اختلفت ألوانه، ولذلك ما نرى أنّ هذه التحيّة من المطيع وتنتهي إلى المطاع وتشرع من الداني الوضيع وتختتم في العالي الشريف فهي من ثمرات الوثنيّة التي ترتضع من ثدي الاستعباد)[112].

وهذا الذي يتحدّث عنه العلاّمة الطباطبائي في الميزان حقيقة تنعكس في الأشكال المختلفة للتحيّة في الحضارات الجاهليّة القائمة; كالانحناء والأنماط العسكرية من التحيّة، وهذه التحايا جميعاً نشأت وتكونّت في بيئات جاهليّة قائمة على الاستغلال والاستثمار والاستعباد.. وأعاد الإسلام (التحيّة) إلى أصلها الفطري، وأعاد إليها محتواها الإنساني، وجعل التحيّة رمزاً للعلاقات الاجتماعيّة في اللقاءات.

فأساس كثير من المشاكل الاجتماعيّة في حياة الإنسان سوء اللقاء وسوء العلاقة وتحوّل العلاقة من قاعدة التعاون والتفاهم والتسالم إلى قاعدة التضارب والصدام، ومن قاعدة حسن النيّة وحسن الظن إلى قاعدة سوء النيّة وسوء الظن، والنسيج الاجتماعي في المجتمعات الجاهليّة والسائرة في ركب الجاهليّة على هذا الأساس.

ويحاول الإسلام ـ كما وجدنا في هذه الدراسة ـ أن يضع العلاقات الاجتماعية بين الأمّة على أساس التفاهم والتعاون والتحابب وحسن الظن وحسن النيّة، ويستخدم لهذا الغرض التحيّة ويمنحها هذا المحتوى السلمي في العلاقات الاجتماعيّة… ويجعل التحيّة مفتاحاً للعلاقات الاجتماعيّة السليمة التي تقوم على أساس من التفاهم والتعاون ويجعل من التحيّة وسيلة ليُشعِرَ كل طرف في العلاقات الاجتماعيّة الأطراف الأخرى بالأمن والسلام من جانبه، ويتلقى في مقابل ذلك من الآخرين نفس الإحساس والشعور في جملة: «عليكم السلام».

وعندما يكون السلام رمزاً للعلاقات واللقاءات وتحيّة فيما بين المسلمين يتهاداه المسلمون فيما بينهم بعضهم لبعض فلا شكّ في أنّ العلاقات الاجتماعيّة في مثل هذا المجتمع تتأثّر بشكل قهري بهذا الجو الذي تشيعه التحيّة فيما بينهم من الأمن والسلام.

أقرأ ايضاً:


المصادر والمراجع

  • [1] ـ بحار الأنوار ج69 ص247.
  • [2] ـ كنز العمّال ح24648.
  • [3] ـ بحار الأنوار ج74 ص398.
  • [4] ـ بحار الأنوار ج74 ص399.
  • [5] ـ بحار الأنوار ج69 ص24.
  • [6] ـ الحجرات: 12.
  • [7] ـ بحار الأنوار ج75 ص196.
  • [8] ـ بحار الأنوار ج75 ص197.
  • [9] ـ بحار الأنوار ج75 ص197.
  • [10] ـ غرر الحكم ج1 ص447.
  • [11] ـ تفسير نور الثقلين ج3 ص582.
  • [12] ـ الحجرات: 10.
  • [13] ـ بحار الأنوار ج50 ص317. * (وآبه: بُليدة تقابل ساوه تعرف بين العامة بـ : آوه) معجم البلدان / للحموي / ج1 / ص50.
  • [14] ـ بحار الأنوار ج74 ص264.
  • [15] ـ بحار الأنوار ج74 ص268.
  • [16] ـ بحار الأنوار ج74 ص268.
  • [17] ـ أمالي المفيد ص110.
  • [18] ـ بحار الأنوار ج2 ص148، وبلفظ قريب منه في الخصال للشيخ الصدوق ج1 ص150.
  • [19] ـ بحار الأنوار ج2 ص267، عن المحاسن للبرقي.
  • [20] ـ بحار الأنوار ج2 ص266.
  • [21] ـ بحار الأنوار ج2 ص266، وج67 ص185 ـ 186، والمحاسن.
  • [22] ـ أمالي الصدوق ص297.
  • [23] ـ نهج البلاغة (عبده) ص575 ـ 576.
  • [24] ـ بحار الأنوار ج68 ص289، ونهج البلاغة (عبده) ج1 ص260، الخطبة 125.
  • [25] ـ كنز العمّال ح20241.
  • [26] ـ وسائل الشيعة ج5 ص376.
  • [27] ـ وسائل الشيعة ج5 ص377.
  • [28] ـ وسائل الشيعة ج5 ص376.
  • [29] ـ مستدرك الوسائل ج1 ص489.
  • [30] ـ النحل: 90.
  • [31] ـ النساء: 135.
  • [32] ـ المائدة: 8.
  • [33] ـ بحار الأنوار ج78 ص83.
  • [34] ـ نهج البلاغة ـ الحكمة رقم 437، وبحار الأنوار ج75 ص350.
  • [35] ـ المائدة: 2.
  • [36] ـ وسائل الشيعة ج11 ص521.
  • [37] ـ مستدرك وسائل الشيعة ج2 ص394.
  • [38] ـ الكافي ج2 ص175.
  • [39] ـ الكافي ج2 ص175.
  • [40] ـ الكافي ج2 ص175.
  • [41] ـ الأنفال: 62 ـ 63.
  • [42] ـ بحار الأنوار ج74 ص281.
  • [43] ـ بحار الأنوار ج75 ص265.
  • [44] ـ بحار الأنوار ج78 ص56.
  • [45] ـ بحار الأنوار ج77 ص150.
  • [46] ـ الحجرات: 10.
  • [47] ـ نهج البلاغة ص968 الطبعة المترجمة ـ ترجمة فيض الإسلام ـ .
  • [48] ـ اصول الكافي ص414 ـ الطبعة الحجريّة سنة 1311.
  • [49] ـ صحيح البخاري ج4 ص51 ـ 52، ط سنة 1286 القاهرة.
  • [50] ـ المصدر السابق.
  • [51] ـ آل عمران: 134.
  • [52] ـ النور: 22.
  • [53] ـ الشورى: 40.
  • [54] ـ اصول الكافي ـ الطبعة الحجريّة 1311 ص361.
  • [55] ـ المصدر السابق.
  • [56] ـ سفينة البحار ج2 ص207.
  • [57] ـ الترغيب والترهيب ج2 ص577.
  • [58] ـ صحيح مسلم ج1 ص74، والترغيب والترهيب ج2 ص576.
  • [59] ـ بحار الأنوار ج74 ص358.
  • [60] ـ مشكاة الأنوار ص310.
  • [61] ـ آل عمران: 159.
  • [62] ـ الحجر: 88.
  • [63] ـ بحار الأنوار ج75 ص53.
  • [64] ـ نهج البلاغة ـ كتاب رقم 46.
  • [65] ـ الكافي ج2 ص120.
  • [66] ـ الكافي ج2 ص119، وبحار الأنوار ج75 ص60.
  • [67] ـ كنز العمّال ح5370.
  • [68] ـ وسائل الشيعة ج2 ص222 الطبعة الحجريّة.
  • [69] ـ وسائل الشيعة ج2 ص445 الطبعة الحجريّة.
  • [70] ـ بحار الأنوار ج76 ص20.
  • [71] ـ بحار الأنوار ج78 ص57.
  • [72] ـ القلم: 10 ـ 11.
  • [73] ـ النساء: 85 .
  • [74] ـ المفردات ص506.
  • [75] ـ بحار الأنوار ج75 ص264.
  • [76] ـ بحار الأنوار ج77 ص190.
  • [77] ـ غرر الحكم / ج1، ص342.
  • [78] ـ بحار الأنوار ج75 ص266.
  • [79] ـ الحجرات: 12.
  • [80] ـ بحار الأنوار ج75 ص248.
  • [81] ـ شرح نهج البلاغة ج9 ص62، ط بيروت.
  • [82] ـ الترغيب والترهيب ج3 ص503.
  • [83] ـ بحار الأنوار ج75 ص254.
  • [84] ـ الترغيب والترهيب ج3 ص515.
  • [85] ـ النور: 19.
  • [86] ـ مستدرك وسائل الشيعة ج2 ص411.
  • [87] ـ مستدرك الوسائل ج2 ص411.
  • [88] ـ الترغيب والترهيب ج2 ص239.
  • [89] ـ كنز العمّال ح6392.
  • [90] ـ كنز العمّال ح44154.
  • [91] ـ كنز العمّال ح6388.
  • [92] ـ غافر: 19.
  • [93] ـ بحار الأنوار ج75 ص214.
  • [94] ـ بحار الأنوار ج14 ص306.
  • [95] ـ أي ليس هذا الذي تتصوّره فقط هو الحرام وإنّما معنى القدرة المحرِّمة أوسع مما تذهبون.
  • [96] ـ بحار الأنوار ج75 ص214.
  • [97] ـ بحار الأنوار ج75 ص219.
  • [98] ـ نهج البلاغة ـ كتاب رقم 53.
  • [99] ـ أصول الكافي ج2 ص361.
  • [100] ـ أصول الكافي ج2 ص361.
  • [101] ـ الأحزاب: 58.
  • [102] ـ بحار الأنوار ج75 ص152. وأصول الكافي ج2 ص350.
  • [103] ـ وسائل الشيعة ج8 ص614.
  • [104] ـ بحار الأنوار ج75 ص54.
  • [105] ـ بحار الأنوار ج75 ص148.
  • [106] ـ صحيح البخاري ج4 ص48، وكنز العمّال ح8094.
  • [107] ـ صحيح البخاري ج4 ص48.
  • [108] ـ المصدر السابق.
  • [109] ـ الحجرات: 11.
  • [110] ـ بحار الأنوار ج75 ص144.
  • [111] ـ صحيح البخاري ج4 ص47.
  • [112] ـ الميزان في تفسير القرآن ج5 ص31.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى