التوسل و مفهومه و أنواعه و الأدلة على مشروعيته

الهدف من البحث يهدف هذا البحث -باختصار شديد- إلى بيان حقيقة التوسل ومشروعيته من خلال استعراض الأدلة النقلية والبراهين العقلية ومن خلال توزيعه إلى أنواعه وأقسامه المختلفة.

كل ذلك لما أدّاه التوسل من جدل واسع عند بعض الأفراد من المسلمين والذين قاموا على ضوء فهمهم السطحي له بالمسارعة إلى تكفير القائلين به وحتى الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك وهو جواز قتلهم….. وما لحقه ذلك من ويلات أصابت المسلمين من حينها.

 منهجية البحث البحث ينقسم إلى عدة أقسام يَبدأ ببيان معنى التوسل في اللغة والاصطلاح ثم يشرع في سرد أنواع التوسل وبيان معانيها والأدلة عليها، وبعدها يتوسع في توضيح النوع الأخير منه -وهو التوسل بالمعصومين والصالحين- وتدعيمه بالأدلة العقلية والنقلية.

 والبحث عبارة عن حصيلة مجمَّعة مما كتبه العلماء الأعلام في مختلف الكتب المتفرقة وفيه محاولة لمنهجة الأبحاث المتفرّقة واختصار ما ذكره علماؤنا في بيان مشروعيته -جزاهم الله خير الجزاء- الذين بذلوا النفس والنفيس في سبيل خدمة هذا الدين وأوضحوا معالمه وأموراً أخرى كثيرة منها التوسل ومشروعيته لما أثاره التوسل من خلاف على ما ذكرناه في البداية.

وفي آخره يسرد البحث بعض الإشكالات الواردة والرد عليها انتهاءً بخاتمة توضح فائدة من فوائد التوسل وذكر أهمية من أهمياته.

تعريف التوسل في اللغة والاصطلاح التوسل في اللغة: قال الجوهري في الصحاح -مادة وسل-: “الوسيلة هي ما يتقرب به إلى الغير، والجمع الوسيل أو الوسائل ويقال توسل فلان إلى ربه بوسيلة أي تقرّب إليه بعمل”(1).

وقال القرطبي في تفسيره: “الوسيلة هي القربة -نقلاً عن أبي وائل والحسن ومجاهد وقتادة وعطاء والسدي وابن زيد وعبدالله بن كثير- وهي فعيلة من توسلت إليه أي تقربت”(2).

 وقال ابن منظور في لسان العرب: “توسل إلى الله بوسيلة أي تقرب إليه بعمل ووسل فلان إلى الله وسيلة إذا تقرب إليه، والوسيلة هي القربة والدرجة والمنزلة عند الملك”(3).

 وقال الخليل في كتاب العين: “التوسل لغة مِن وسلت إلى ربي وسيلة أي عملت عملاً أتقرب به إليه وتوسلت إلى فلان بكتاب أو قرابة أي تقربت به إليه”(4).

وقال ابن الأثير في النهاية: “الوسيلة هي القربة وما يتوصل به إلى شيء ويتقرب به”(5).

 وقال الراغب الأصفهاني في المفردات: “الوسيلة هي التوصل إلى الشيء برغبة وهي كالقربة”(6).

 وقال ابن فارس في معجم المقايس: “الوسيلة هي الرغبة والطلب ويقال وسل إذا رغب والواسل الراغب”(7).

من هنا يتضح أنّ معنى الوسيلة -في هذا المقام- في اللغة بمعنى القربة والتقرب إلى الله (عزّ وجلّ)، وهي ليست بمعنى الواسطة والتوسط كما يتبادر إلى الذهن في بادئ الأمر.

التوسل في الاصطلاح: يعرف الشيخ جعفر السبحاني في كتاب التوسل أو الاستغاثة بالأرواح بالقول: “هو أن يتقرب العبد إلى الله تعالى بشيء يكون وسيلة لاستجابة الدعاء ونيل المطلوب، وجعل هذا الشيء الذي له قدر ومرتبة طريق للدعاء”(8).

 ويعرفه في كتاب التوسل في الشريعة الغراء بقوله: “التوسل هو أن يقدّم العبد إلى ربه شيئاً ليكون وسيلة إلى الله حتى يقبل دعاءه ويجيبه إلى ما دعا وينال مطلوبه، مثلاً إذا ذكر الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا ومجده وقدسه وعظمه ثم دعا بما بدا له فقد اتخذ أسماءه وسيلة لاستجابة الدعاء ونيل مطلوبه ومثله سائر التوسلات”(9).

 يقول العلامة الطباطبائي في هذا المقام: “وحقيقة الوسيلة إلى الله مراعاة سبيله بالعلم والعبادة وتحري مكارم الشريعة وهي ليست إلا اتصال معنوي بما يوصل بين العبد وربه، ولا رابط يربط العبد بربه إلا ذلة العبودية، وأمّا العلم والعمل فإنّهما من لوازمها وأدواتها كما هو ظاهر”(10).

يظهر لنا من التعاريف السابقة للعلماء الأعلام أن التوسل عبارة عن طريق يتخذه العبد ليتقرب به إلى الله تعالى ويظهر له كل معاني العبودية والولاء تعبّداً بهذا المسلك ويبين للباري من خلاله تضرعه وحاجته وأيضاً شكره وامتنانه على نعمه، ويطلب منه -به- غفران ذنوبه.

 أنواع التوسل

 1ـ التوسل بالله تعالى وبصفاته وأسمائه: عندما يكون الله سبحانه هو منطلق الوجود ومحور حركة هذا الكون بما فيه، وعندما يكون هو المثيب والمعاقب والخالق والرازق….. فيجوز عندئذٍ التوسل به أو بأسمائه وصفاته بل إنّ هذا يعد من منطلق الثقة به والاعتماد والتوكل عليه، فنحن نجد أنّ الله سبحانه قد أمر عباده في كتابه المجيد بالتوسل به وطلب القربى منه فقال: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}(11).

وقال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}(12).

 وقوله: {وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ}(13).

 ولذلك كان حقاً عل كل من اعترف بالعبودية لله أن يتوسل به أو بصفاته وأسمائه سواء كان نبياً أو ولياً أو صالحاً أو غيره… فقد جرى على ذلك أئمة الهدى الطاهرين، فهذا النبي (صلَّى الله عليه وآله) يقول: «اللهم إني أعوذ بك -برضاك- من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك»(14) وتبعه الإمام زين العابدين (عليه السلام) من بعده في الطريق فناجى ربه بقوله: «يا غوث كل مخذول فريد ويا عضد كل محتاج طريد» ثم يطلب منه أن يقضي حاجاته ويفك عنه ما ابتلي به وهذا في الصحيفة السجادية.

وقد روي عن الرضا (عليه السلام) عن جده الباقر (عليه السلام) أنّه كان يدعو الله في شهر رمضان بقوله «اللهم إنّي أسألك بما أنت فيه من الشأن والجبروت وأسألك بكل شأن وحده وجبروت وحدها، اللهم إني أسألك بما تجيبني به حين أسألك فأجبني يا الله…» وهو من أدعية السحر المعروفة. ولذا كانت كتب الأدعية مليئة بهذا النوع من التوسل مثل كتاب مفاتيح الجنان الذي يحوي دعاء الجوشن الكبير والذي يتوسل -بمجمله- بأسماء الله وصفاته وكذا الصحيفة السجادية الواردة عن الإمام السجاد (عليه السلام).

 وغيرها الكثير من الأدعية التي نقلتها لنا سيرة الرسول وأهل بيته الأطياب…

 2ـ التوسل بالقرآن الكريم: كما يتبين لنا في مباحث العقائد والحديث عن حدوث القرآن، أنّ كتاب الله هو المنزل على رسوله بهدف تعليم الناس شرع الله وبيان أحكامه، وبالتالي يكون التوسل بالقرآن توسل بفعل الله سبحانه، وهو كالتوسل بأسمائه وصفاته. روي عن عمران بن الحصين أنّه سمع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: «اقرأوا القرآن واسألوا الله تبارك وتعالى به، قبل أن يجيء قوم يسألون به الناس -أي أهل الحساب-»(15).

 ويقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في نهج البلاغة: «فاسألوا الله به -أي بالقرآن- وتوجهوا إليه بحبه، ولا تسألوا به خلقه، إنه ما توجه العباد إلى الله تعالى بمثله» ثم يقول: «وأعلموا أنه شافع مشفع وقائل مصدق وأنه من شفع له القرآن يوم القيامة شفع فيه»(16). وروي عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة»(17).

يتّضح لنا من خلال ما سردناه من روايات جواز العمل بهذا النوع من أنواع التوسل والحث عليه من قِبَل نبي الرحمة، مع العلم بأن الروايات واردة من كتب الفريقين. ويتضح وجود هذا النوع من التوسل في كتب الأدعية، فالإمام السجاد في الصحيفة السجادية يقول: «واحطط بالقرآن عنَّا ثقل الأوزار»(18). ثم يطلب من الله أن يخفف عن الإنسان سكرات الموت وأهواله متوجهاً ومتوسلاً بالقرآن.

 وورد عن أهل البيت (عليهم السلام) في دعاء رفع المصاحف -وهو ما يدعى به في ليالي القدر-: «اللهم إني أسألك بكتابك المنزل وما فيه وفيه اسمك الأكبر…. أن تجعلني من عتقائك من النار»(19).

 3ـ التوسل بالأعمال الصالحة: يوضّح القرآن الكريم هذا النوع من التوسل عندما يحكي قصة النبي إبراهيم وابنه إسماعيل (عليهما السلام) ويبين أنّ سبب رفعهما للقواعد وبناء البيت الحرام هو التقرب إلى الله، وطلب الحاجات منه عن طريق التوسل بهذا العمل.

{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}(20). ويذكر القرآن صنف من الناس يتوسلون إلى الله بعملهم الصالح -وهو الإيمان الخالص- ليغفر لهم الذنوب ويقيهم من عذاب النار وهو يشيد بهم فيقول: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}(21).

يقول العلامة الطباطبائي في شرح هذه الآية: “وفيها إظهار للعبودية بذكره تعالى بالربوبية واسترحام منه تعالى…. والجملة ليست في مقام الامتنان عليه بل استنجاز لما وعد الله عباده أن يغفر لمن آمن منهم ولذلك فرعوا إليه بفاء التفريع – نتيجة لإيمانهم الحق”(22).

 بالإضافة إلى توضيح القرآن لهذا النوع من التوسل فإنه حثَّ على التقرب إلى الله بالعمل الصالح لدرجة أن المتتبع قد يجد في كل آية من آياته ذكر لذلك فيقول: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}(23)، {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ}(24)، {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}(25)، {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}(26).

 وقد روي عن العلامة الطبرسي: “أنّ أصحاب الكهف النفر الثلاثة الذين دخلوا في غار فانسدّ عليهم فقالوا: ليدع الله تعالى كل واحد منّا بعمله حتى يفرج الله عنا، ففعلوا فنجاهم الله”(27).

 ونلاحظ في حديثنا عن هذا النوع من التوسل أن العبادة مقرونة دوماً بنية القربة لله، ونجد الرسائل العملية تتحدث دوماً عن عدم قبول العمل بدون استحضار هذه النية، وهو من الأدلة الواردة لشرعنة هذا النوع من التوسل.

 4ـ التوسل بدعاء الغير: ويقصد بهذا النوع من التوسل التقرب إلى الله بطلب المؤمن من غيره أن يدعو له فيكون حاله حال المتوسل إلى الله بدعاء الغير له. وينقسم هذا التوسل إلى عدة أقسام منها: أـ دعاء المؤمن لأخيه المؤمن: يذكر الله سبحانه في كتابه المجيد: {الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ}(28).

 تدل هذه الآية على مشروعية دعوة المؤمن للمؤمن بظهر الغيب وتشيد بمن يقوم بذلك.

ويظهر لنا من سيرة النبي (صلَّى الله عليه وآله) الحث على هذا النوع من التوسل فقال لأصحابه: «إن رجلاً من أهل اليمن يقدم عليكم يقال له أويس، فمن لقيه منكم فليأمره فليستغفر لكم»(29).

 وروي أيضاً عن نبي الرحمة (صلَّى الله عليه وآله): «إن دعوة المسلم مستجابة لأخيه بظهر الغيب»(30).

وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي (صلَّى الله عليه وآله) يقول «سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله»(31).

وفي الحديث دلالة واضحة المضمون على أن النبي (صلَّى الله عليه وآله) توسل إلى الله بدعاء أمته له وإذا كان النبي (صلَّى الله عليه وآله) يعمل بهذا التوسل، فالمسلمون أولى أن يتمسكوا بهذه الوسيلة.

ب ـ دعاء المعصوم للمؤمنين في حياته: حينما نبحر في بحر القرآن الكريم نرى الكثير من الآيات الموضحة والذاكرة لهذا النوع من التوسل، سواء في شريعة خاتم الأنبياء محمد (صلَّى الله عليه وآله) أو من قبله من أنبياء الشرائع، فعلى سبيل المثال لا الحصر ذكر القرآن في سورة يوسف قصة أخوة يوسف (عليه السلام) وتوسلهم بدعاء أبيهم فقالوا له: {يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} ثم ردّ عليهم مؤيداً لفكرتهم بقوله {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(32).

وعند ذكر القرآن لخاتم الأنبياء والمرسلين والمكانة عالية التشريف في محكم الآيات يذكر القرآن دعاء النبي (صلَّى الله عليه وآله) لغيره ومشروعيته بل استجابة دعائه لهم في قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا}(33).

 وأما في سيرة النبي (صلَّى الله عليه وآله) فقد وردت عدة حوادث دعا فيها النبي بفنون الدعوات بناءاً على طلب الناس.

منها ما رواه البخاري ومسلم من أنّ رجلاً دخل على النبي (صلَّى الله عليه وآله) وهو يخطب في المسجد يوم الجمعة وطلب منه أن يدعو الله ليعينهم بالمطر نظراً للجدب وآثاره فدعا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) له بذلك، فطلعت سحابة ولما توسطت السماء أمطرت فقال الأعرابي بعدها: والله ما رأينا الشمس سبتاً -أي أسبوعاً كاملاً(34).

 بقيت ملاحظة لا بدّ من ذكرها في هذا المقام، وهي عدم صحة المساواة بين دعاء المؤمن لأخيه، ودعاء النبي (صلَّى الله عليه وآله) لغيره. صحيح أنّ لدعاء المؤمن حرمة ومقام رفيع عند الباري$ ولكن أين ذلك من دعاء النبي (صلَّى الله عليه وآله)؟!… ولهذا تمّ التفريق في هذا البحث بين دعاء المعصوم للمؤمنين ودعاء المؤمن لأخيه المؤمن.

 جـ ـ التوسل بالمعصوم بعد مماته: وسيأتي الحديث عنه في النوع اللاحق لما يتطلبه من مقدمات وبراهين وأدلة عقلية ونقلية…

 5ـ التوسل بالمعصومين ـ الأنبياء والأئمة ـ والصالحين: وينقسم هذا النوع من التوسل وبحثه إلى ثلاثة أقسام: أـ التوسل بدعاء المعصوم أو الصالح في حياته: وقد تقدم الحديث عن التوسل بدعاء المعصوم في البحث السابق، بالإضافة إلى ما يتعلق بدعاء الصالح المؤمن لأخيه.

 ب ـ التوسل بهم في حياتهم: يقول صاحب كتاب الزيارة والتوسل: “المراد بالتوسل هنا هو التوسل بالمعصومين والصالحين بأنفسهم وذواتهم لما لهم عند الله من شأن ومنزلة”(35) ومما يدل على المشروعية ما روي في السيرة النبوية.

 فقد روي عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي (صلَّى الله عليه وآله) فقال: أدعُ الله أن يعافيني يا رسول الله، فقال (صلَّى الله عليه وآله): إن شئتَ دعوتُ وإن شئتَ صبرتَ فهو خير لك.

فقال الضرير: فادعه، فأمره (صلَّى الله عليه وآله) أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى الله ربي في حاجتي لتُقضى اللهم شفعه فيّ»، قال ابن حنيف: فوالله ما تفرّقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا كأن لم يكن به ضر.

(36) وروي أنّ الخليفة عمر بن الخطاب كان -إذا قحطوا- استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: «اللهمّ إنّا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا» قال: «فيسقون»(37).

 جـ ـ التوسل بالمعصومين (عليهم السلام) بعد مماتهم: هذا المبحث يحتاج إلى مقدمتين ثم ذكر الأدلة العقلية والنقلية، بالإضافة إلى بيان الفرق بين الشرك والتوسل. وهو يشمل الحديث عن التوسل بهم مباشرة أو بجاههم وحقهم أو بمقامهم.

المقدمة الأولى:- حياتهم في عالم البرزخ: قال الله تعالى: {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ}(38).

 وروي عن أنس، قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون»(39).

 وهنا دلالة على أنّ الموت هو عملية انتقال من حياة إلى أخرى يختلف طابعها عن الطابع الذي نعرفه وهو البرزخ، كما يتبيّن أنّ الذي يقضي حياته في سبيل الله لا يعتبر ميّتاً بل حيّ في عالم البرزخ.

 وإذا كان المقصود من الآية السالفة الذكر أنّ المقتول في سبيل الله محصور بالشهيد، وصدّقنا بهذا المعنى، فكيف يُتصور أن يكون الشهداء أحياء ولا يكون النبي وأهل العصمة -وهم القادة- أحياء؟! المقدمة الثانية:- سماعهم لمن يتحدث معهم: يقول الشيخ جعفر كاشف الغطاء (رحمه الله): “إنهم يسمعون الكلام ويردون الجواب كما في حياتهم، غير أنّ الله حبس سمع الناس إلا قليلاً من الخواص…. ولا ينافي ذلك إطلاق اسم الموت عليه”.

 ثم يتابع بقوله “روى أبو داود في مسنده عن أبي هريرة مرفوعاً عن النبي (صلَّى الله عليه وآله) قال: «ما من أحد يسلم علي إلا ردّ الله روحي حتى أردّ عليه»”(40).

 وروي عن النبي (صلَّى الله عليه وآله): «أكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة، فإنّ صلاتكم معروضة عليّ.

 قالوا: كيف تعرض عليك وأنت رميم، فقال: إن الله حرم على الأرض لحوم الأنبياء»(41).

 ونقرأ في نهج البلاغة أن الإمام علياً (عليه السلام) عندما عاد من صفين بلغ مقبرة كانت خلف سور الكوفة، فخاطب الموتى فقال كلاماً في تقلّب الدنيا ثم قال:«هذا ما عندنا فما خبر ما عندكم» ثم أضاف (عليه السلام) «أما لو أُذن لهم في الكلام لأخبروكم أنّ خير الزاد التقوى»(42).

وروى ابن عباس عن النبي (صلَّى الله عليه وآله): «ما من رجل يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام»(43).

 ويدل ما استُعرض من روايات على سماع الميت لمن يخاطبه ولكن الباري جعل بيننا وبينهم حجاباً، ألا نرى أن المسلمين بأجمعهم يسلمون على النبي (صلَّى الله عليه وآله) خمس مرات في اليوم أثناء صلاتهم -على أقل تقدير-؟! ألا يستدعي عدم رد النبي للسلام -ولو كانت هناك فائدة مجازية للمُسلِّم- ضرباً من ضروب العبث؟! خاصة وأنه لا يستمع إلى المُسَلِّمينَ عليه؟! ألم يصرح النبي (صلَّى الله عليه وآله) تصريحاً واضحاً بسماع المؤمن الميت للمؤمن الحي وهو يسلم عليه؟! وتأكيداً لما ورد عن سماع الأنبياء لمن يسلم عليهم أو يخاطبهم ويتحدث معهم ما يتم فعله عند زيارة النبي (صلَّى الله عليه وآله) وما ورد من أخذ إذن الزيارة قبل الدخول إلى حرمه.

 فقد قال الشيخ المفيد (رحمه الله) إذا أراد الزائر أن يستأذن لدخول حرم النبي (صلَّى الله عليه وآله): “إذا وردت مدينة النبي (صلَّى الله عليه وآله) وأردت الدخول فقف على الباب وقل: اللهمّ إني وقفت على باب من أبواب بيوت نبيك… ثم تقول: اللهمّ إني أعتقد حرمة نبيك في غيبته كما أعتقدها في حضرته وأعلم أنّ رسلك وخلفائك أحياء عندك يرزقون، يرون مقامي ويسمعون كلامي في وقتي هذا ويردون علي سلامي وأنّك حجبت عن سمعي كلامهم…الخ”(44).

 يتضح من المقدمتين الآنفتي الذكر أنّ المعصومين (عليهم السلام) أحياء في عالم آخر يسمعون الكلام ويردّون السلام، إلا أنّ هناك حاجب يمنعنا عن سماع ما يقولون.

 أمّا إثبات الدليل على جواز التوسل بهم ومخاطبتهم وبثّ الشكوى عندهم فسيأتي الحديث عنه في النقاط الآتية.

  الدليل على عدم ممانعة العقل للتوسل قبل الشروع في بيان جواز التوسل، لا بدّ من تعريف معنى العبادة.

يعرف الشيخ السبحاني العبادة بقوله: “العبادة ليست سوى إظهار الخضوع أمام موجود يُعتَقَدُ بأنّه إله وربّ أو مفوّض إليه الأفعال الإلهية، فلو كان الخضوع خالياً عن هذا الاعتقاد فلا يعد عبادة ولا شركاً فيها”(45).

 وانطلاقاً من هذا التعريف المتفق عليه -حتى عقلاً-، لا نجد أي مانع عقلي من أن يوسط الإنسان أحداً يملك خاصية قبول الدعوة من باب أنّ دعوته أسمع عند الله، لما لهذا الوجيه من مكانة عند الباري$ وهذه الواسطة لا تكون بنحو تستقل بفعلها عن المتوجَه الحقيقي وهو الله بل يقوم بدور الأعرف بالباري.

 كالوزير والملك عندما يريد العوام أن يتقربوا إلى الملك ويطلبوا منه ما يحتاجون ويريدون، فإنهم يوسطون الوزير ويسألونه أن يقضي حاجاتهم، فيقوم هو بدوره بالحديث مع الملك كونه الأقرب لديه والأعرف بحاله وبالتالي يكون دوره دور الوسيط المتمكن من إجابة الطلب.

الفرق بين التوسل والشرك الشرك الذي قد يتحقق من الناس دون التفات هو اتخاذ الأسباب والاعتقاد بأنها المسببة بذاتها من غير تدخل إرادة الله كالتاجر عندما يعتقد أن فطنته وطريقته في التجارة هي لوحدها -بنحو مستقل- الطريق المؤدي لربحه واكتسابه للخيرات؛ فإنّ ذلك يعد شركاً إن لم يعتقد أنها آلة تؤدي إلى الربح بإذن الله.

أمّا طلب الحاجة من الناس -سواء كانت الحاجة دينية أو دنيوية كشفاء المرض وكشف البلاء- فإنه لا يعد من الشرك، وإنما هو معنى التوسل الحقيقي لأنه لا يقصد إشراك المتوسل إليه في كشف الضر -كما ذكرنا في الدليل العقلي-.

 ونحن نرى تصريح القرآن -في قصة الإتيان بعرش بلقيس- نرى النبي سليمان يستعين بآصف بن برخيا ليجلب له بلقيس وعرشها، وهذا لا ينافي التوحيد لأن الاستعانة بآخر لتحقق المراد والوصول إلى المقصود بمن لا يُعتَقد أنه إله أو أنه شريك للباري لا تنافي ذلك؛ حيث أن المُستَعان به له صفات -مكتسبة من الله- تعينه على تحقق مراد المستعين.

“فالشرك لا يكون شركاً -مع عدم الاعتقاد بالشريك- خصوصاً أن الشرك أمر قلبي”(46). “ولا يكون الشرك شركاً إلا إذا كان المخضوع له منعوتاً بأحد النعوت المنعوتة بالعناوين الثلاثة الآتية:

 1ـ أنه إله.

 2ـ أنه رب.

 3ـ أنه مفوض إليه فعل الإله”(47).

 ويقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في هذا المقام: “والعجب -هنا- أن يدعي البعض أن هذا التوسل نوع من الشرك، حيث أن المعروف عن الشرك هو القول بوجود من يشارك الله في صفاته وأعماله”(48).

 الدليل النقلي على مشروعية التوسل أـ الدليل من القرآن الكريم: يقول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(49).

 ما يهمنا في هذا المقام هو بيان أنّ كل ما ذكر -في هذا البحث- من أنواع التوسل يعد وسيلة، وبالتالي يكون التوسل بالمعصوم أحد مصاديق هذه الوسيلة ولعل ذلك من أعظمها رتبة لأن الباري يقول: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً}(50)، ويقول: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}(51).

 وعند جمع الآية الأولى بالثانية يتضح أن معنى السبيل هو المودة في القربى ولتوضيح معنى القربى نذكر هذه الرواية، ولمن أراد الاستزادة فإن ذلك يطلب من محله.

ذكر الزمخشري في تفسيره والحاكم النيشابوري في مستدركه أنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) سئل عن معنى القربى فأجاب: «علي وفاطمة وابناهما، حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي….الخ».

 ب ـ الدليل من الروايات والسيرة:

 1ـ ما روي عن النبي (صلَّى الله عليه وآله) أنه قال: «من خرج من بيته للصلاة وقرأ (اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا و…الخ) أقبل بوجهه واستغفر له ألف ملك»(52). والدعاء هنا يتوسل بحق السائلين بشكل عام وهي غير مخصصة بزمان أو مكان معين -وما يهمنا هو الزمان- وإن من السائلين أهل العصمة (عليهم السلام) فالداعي يتوسل بشكل من الأشكال بحقهم إلى الله.

 2ـ أنشدت صفية بنت عبد المطلب عمة النبي (صلَّى الله عليه وآله) بعد وفاته وقالت في رثائه على مرأى ومسمع من الصحابة: “ألا يا رسول الله أنت رجاؤنا. وكنت بنا براً ولم تكن جافياً”(53).

 ولم يعترض عليها أحد عند مخاطبتها للنبي (صلَّى الله عليه وآله) بالقول (أنت رجاؤنا)…..

 3ـ روى البيهقي أنّ رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له وكان عثمان لا يلتفت إليه، فشكا الرجل الأمر لعثمان بن حنيف، فأمره أن يقول: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي ليقضي لي حاجتي» ثم أمره أن يذكر حاجته ففعل وقضيت له حاجته عند عثمان بن عفان.

 ثم إن الرجل خرج من عنده ولقي عثمان بن حنيف وقال له: «جزاك الله خيراً ما كان لينظر في حاجتي حتى كلمته فيّ» فأجابه: «ما كلمته ولكني سمعت رسول الله يأمر ضريراً بفعل ذلك»(54).

 وفي هذه الرواية دليل واضح على عمل صحابة الرسول (صلَّى الله عليه وآله) بالتوسل وهم في عهد عثمان بن عفان.

 4ـ ما فعله أبو علي الخلال شيخ الحنابلة حيث قال: “ما همني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسلت به إلا سهل الله تعالى لي ما أحب”(55).

 5ـ ما روي عن أوس بن عبد الله قال: قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة فقالت: انظروا قبر النبي (صلَّى الله عليه وآله) فاجعلوا منه كوى إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف قال ففعلوا فمطرنا مطراً حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق(56).

 6ـ ما وري في كتب الأدعية عن الأئمة (عليهم السلام) حيث يقول علي (عليه السلام): «اللهم بحق محمد وآل محمد عليك… أن تعطيني… ثم يطلب الحاجات»(57).

 ويقول الإمام الحسين (عليه السلام) في دعاء عرفة من مفاتيح الجنان: «اللهم إنا نتوجه إليك في هذه العشية التي فرضتها وعظمتها بمحمد نبيك…». إشكالات وردود أورد البعض إشكالات يعتقد بأنها كفيلة لإيقاف عملية التوسل وبالخصوص التوسل بالمعصومين (عليهم السلام)، ولكن العلماء الأعلام قاموا ببيان هذه الإشكالات والرد عليها برد علمي منها ما ذكره الشيخ جعفر السبحاني في كتابه التوسل. ومنها: الإشكال 1: يقول سبحانه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.

 والتوسل نوع من أنواع الاستعانة بغير الله والآية تدل على حصر الاستعانة واختصاصها بالله وحده. الرد:

 1- إن الاستغاثة بالناس والاستعانة بهم لا يتنافى مع حصر الاستعانة بالله لأنّ الاستعانة بهم يكون باعتقاد أن الله هو المؤيد لهم، فلا يكون عملهم بداعي الاستقلال -كما ذكرنا سابقاً- بل بعون الله وتوفيقه والذي هو رب الأرباب.

 2- يقول الله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ}(58).

 هذا في الوقت الذي يحصر الاستعانة به، فإن قلنا بالتنافي بين الآيتين سقطت بذلك حجية القرآن كله! ولكن الواقع أن لا تنافي بينهما؛ لأن الاستعانة بالله تكون بالاستعانة بالصبر والصلاة وغيرها مثل التوسل.

يقول السيد الخوئي (قدّس سرّه) في هذا المقام وفي تفسير الآية: “لا مانع من استعانة الإنسان في مقصده بغير الله من المخلوقات أو الأفعال فليست الاستعانة منحصرة بالله، بل المراد منها استعداد القدرة على العبادة منه والاستزادة من توفيقه لها -أي العبادة- حتى تتم وتخلص”(59).

 الإشكال 2: يقول الله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}(60).

ويقول: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}(61). فهو يصرح (عزّ وجلّ) أنه أقرب إلينا من أي شيء آخر ويعبر عن مدى هذا القرب.

 وبسبب ذلك نقول ما الداعي إلى التوسل والله أقرب المقربين بل إن العمل بالتوسل مخالف لما يريده الله منا وهو الدعاء المباشر له. الرد:

 1- إن التوسل بالمعصوم (عليه السلام) هو بحد ذاته عملية تقرّب إلى الله، وهو بنفسه يحقق مقصدان أيضاً هما القربة منه -كما قلنا- ونيل الحاجات والطلبات لما للمتوسل بهم مكانة مؤثرة في استجابة الدعاء.

 2- إننا إذا أخذنا الآية بظاهرها ولم نفسرها بالطريقة الصحيحة نصل إلى نتيجة تقول بعدم الحاجة إلى التقرب إلى الباري بقراءة القرآن أو الدعاء، بل إنه لا داعي أن يتوسل الإنسان بالأعمال الصالحة؛ لأنّ الله أقرب إلينا من حبل الوريد فمعرفته بالحال تغني عن السؤال والتقرب بما يجب! وهذا ما يسمى بالجواب النقضي.

 خاتمة في الحاجة إلى التوسل إن الحاجة تنطلق من أن للناس عدّة من المنطلقات المختلفة والدوافع المتنوعة لإدخال واسطة تقربهم إلى الله منها: قضاء الحاجات الدنيوية، تفريج الكربات، شفاء الأمراض، التعلق الشديد بالمتوسل وحبه والشفاعة في اليوم الآخر.

 والشفاعة دافع في نفس المتوسل لما لها من أهمية في الآخرة.

 ليس المقام هنا إثبات دليل قدرة المتوسل به على الشفاعة لأن لذلك مجالاً آخر وبحث مختلف موسع.

 إلا أن الخاتمة تقتضي بيان أهمية التوسل في الحياة الدنيوية واعتباره طريق موصل إلى الله.

 يقول السيد الخوئي (قدّس سرّه):”وعلى هذا ليس لمخلوق أن يستشفع بمخلوق مثله ويجعله واسطة بينه وبين ربه هذا كله إذا لم تكن بإذن من الله، وأما إذا إذن الله بالشفاعة لأحد فإن الاستشفاع به يكون نحواً من الخضوع لله والتعبد له.

ويستفاد من القرآن الكريم أن الله تعالى قد أذن لبعض عباده بالشفاعة إلا أنهم لم ينوِّه بذكرهم عدا الرسول (صلَّى الله عليه وآله) فقال تعالى: {لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} والروايات الواردة عن النبي الأكرم وأهل بيته (عليهم السلام) في هذا الموضوع متواترة”(62).

 وننقل هذه الرواية المؤثرة والتي تبين دور التوسل في نيل الشفاعة كخاتمة للبحث.

 قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «أنا سيد الناس يوم القيامة هل تدرون بم ذلك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد ويسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنوا الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس: ألا ترون ما بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض عليكم بآدم فيأتون آدم فيردهم ويأتون نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى فيردوهم كآدم خائبين ثم يأتون محمداً (صلّى الله عليه وآله) فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا عند ربك ألا ترى ما نحن فيه؟….

 فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجداً لربي ثم يفتح الله علي شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب أمتي يا رب فيقال: يا محمد أدخل من أمتك مَن لا حساب عليهم، ثم قال: والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحميراً وكما بين مكة وبُصرى»(63).تم بحمد الله وتوفيقه

المصادر والمراجع

  • (1) ج4 ص1497.
  • (2) ج6 ص159.
  • (3) ج15 ص213.
  • (4) ج7 ص298.
  • (5) ج5 ص185.
  • (6) ص523.
  • (7) ج6 ص110.
  • (8) ص101-102.
  • (9) ص18.
  • (10) الميزان ج5 ص328.
  • (11) غافر الآية: 60.
  • (12) البقرة الآية: 186.
  • (13) الأعراف الآية:8.
  • (14) سنن الترمذي ج5 ص561 ح3566.
  • (15) مسند أحمد بن حنبل ج4 ص445 والبيهقي في شعب الايمان ج1 ص608.
  • (16) نهج البلاغة خطبة 176.
  • (17) مسند أحمد بن حنبل ح6637.
  • (18) الصحيفة السجادية الدعاء42.
  • (19) مفاتيح الجنان.أدعية شهر رمضان.
  • (20) البقرة: 127 – 128.
  • (21) آل عمران: 169.
  • (22) الميزان ج3 ص111.
  • (23) فاطر: 25.
  • (24) البقرة: 25.
  • (25) مريم: 96.
  • (26) سبأ: 4.
  • (27) مجمع البيان: ج3  ص452.
  • (28) الحشر:59
  • (29) صحيح مسلم: ح2042.
  • (30) مسند أحمد بن حنبل 5/195.
  • (31) مسلم في الصحيح 2/4، الترمذي 5/589.
  • (32) يوسف: 97 – 98.
  • (33) النساء: 64.
  • (34) رواه البخاري كتاب الاستسقاء  باب 643، وصحيح مسلم في نفس الكتاب.
  • (35) ص237.
  • (36) صحيح الترمذي ح3578. كتاب الدعوات، سنن ابن ماجة في حديث 1385، أحمد بن حنبل 4/138.
  • (37) صحيح البخاري كتاب صلاة الاستسقاء ج2/32، وسنن البيهقي في الكتاب نفسه ج3/352.
  • (38) البقرة 154.
  • (39) البيهقي في حياة الأنبياء، والشوكاني في نيل الأوطار، وابن عساكر في تاريخ دمشق، ج13 ص326.
  • (40) منهاج الرشاد لمن أراد المراد ص567.
  • (41) كنز العمال ج1  ح2141.
  • (42) نهج البلاغة، الكلمات القصار رقم 130.
  • (43) ابن عساكر في تاريخ دمشق والخطيب في تاريخ بغداد.
  • (44) بحار الأنوار: ج7 ص160.
  • (45) الإلهيات ج2 ص101.
  • (46) ليالي بيشاور ص1467.
  • (47) الإلهيات ج2  ص101.
  • (48) الكشكول العقلائي ص123.
  • (49) المائدة 35.
  • (50) الفرقان: 57.
  • (51) الشورى 23.
  • (52) مسند أحمد بن حنبل ج3 ح21، وصحيح حافظ القزويني 1/562.
  • (53) الطبري في ذخائر العقبى ص252، ومجمع الزوائد 9/36.
  • (54) المعجم للطبراني ج9 ص16.
  • (55) تاريخ بغداد ج1  ص120.
  • (56) سنن عقد الدرامي ج1 ص43.
  • (57) الصحيفة العلوية للسماهيجي ص51.
  • (58) البقرة 45.
  • (59) البيان في تفسير القرآن ص480.
  • (60) ق 16.
  • (61) البقرة 186.
  • (62) البيان ص480.
  • (63) البخاري 6/84ـ85، مسلم 1/127ـ30 أحمد بن حنبل 2/412، بحار الأنوار ج8/46.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى