هل الدين تراث؟!!

تمهيد: بدأت في السنوات الأخيرة كثير من المصطلحات تتداول في الساحات الفكرية والمعرفية وخصوصا بين الشباب والطلبة الجامعيين من مثل: “المجتمع الديني” و”الديمقراطية” و”المعاصرة” و”الحداثة”…

إلى غيرها من هذه المصطلحات.

 ومن بين هذه المصطلحات مصطلح “الدين تراث” أو “تراثية الدين”، حيث يلاحظ إطلاق لفظة التراث على الدين عند بعض الكتاب والمفكرين العرب. وما أريد أن أتناوله هنا هو “هل يصح إطلاق لفظ التراث على الدين؟!”.

والملاحظ للواقع الفكري يشهد مجموعتين في التعامل مع هكذا مواضيع، أو قل مع هكذا مصطلحات، فبعض يرفض أي مصطلح قد يكون غريبا وأية فكرة لم تتبلور داخل المصنع الإسلامي.

 والبعض الآخر له عقلية انفتاحية كبيرة مما تجعله لا يتردد في قبول أي مصطلح أو فكرة من دون التدقيق “الذي يغلب عليه الطابع الجمودي وطابع الخوف من الآخر.

 لذلك جاء هذا البحث المتواضع ليناقش بهدوء أحد هذه المواضيع وهو الدين والتراث وصحة حمل أحدهما على الآخر، وعرض أهم ما سمعته أو قرأته في الإجابة عن هذا السؤال.

 وأريد أن أشير قبل الدخول في الكلام إلى بعض ملاحظات:

 1- إن هذا البحث هو مجرد تجميع وفهرسة لبعض الأقوال من هنا وهناك.

 2- إن مثل هذه المواضيع يجب الرجوع فيها إلى العلماء الإسلاميين الكبار الذين يوثق بفكرهم ونهجهم.

 3- حاولت عدم الدخول في كثير من تفاصيل الموضوع خوفا من الزلل لخطورة مثل هذه المواضيع وكثرة المنزلقات فيها.

 4- إن البحث يخاطب أساسا من هو داخل الدائرة الإسلامية، وإلا فإن من هو خارج عنها يحتاج لصياغة أخرى للبحث وأسلوب آخر للأدلة.

 المحور الأول: ما هو معنى الدين: * لغة: الجزاء والالتزام «الدين: الجزاء والمكافأة.

يقال: دانه دينا، أي جازاه.

 يقال: “كما تدين تُدان”، أي كما تجازي تجازى، أي تجازى بفعلك وبحسب ما عملت.

وقوله تعالى: {أَءِنَّا لَمَدِينُونَ}(1) أي مجزيون محاسبون.

ومنه الديان في صفة الله تعالى»(2).

 * اصطلاحا: “مجموعة العقائد والمفاهيم والأحكام والأخلاق التي يحملها مذهب ومنهج معين” وقد ورد في هذا التعريف عدة اصطلاحات نبينها بشكل مختصر:

أ- العقائد: مجموعة المفاهيم النظرية الراجعة إلى خالق الكون وصفاته وأفعاله.

ب- المفاهيم: مجموعة التصورات والأفكار الخاصة التي يحملها هذا المذهب لجملة من الموضوعات الفردية والاجتماعية كالعلاقة الزوجية، والحرية، والاقتصاد، والسياسة..الخ.

 ج- الأحكام: مجموعة التكاليف العملية التي يلزم بها هذا المذهب أتباعه كالعبادات الخاصة، وطرق العبادات وقيودها. د- الأخلاق: مجموعة القيم والمثل العليا التي يحملها كل انسان في باطن فطرته وأعماق روحه فيثيرها له هذا المذهب، كالعفة، والتواضع، والعدل..الخ(3).

ومن هنا نحن الإسلاميون (ولا كلام لنا مع غيرهم في هذا البحث) نؤمن أن الدين الإسلامي في شقّيه العقيدي والمفاهيمي ثابت لا يتغيّر، حيث أن علم الله سبحانه وتعالى علم مطلق بالحقائق والمصالح والمفاسد لا يعتريه التحوّل والتبدّل كما ثبت في محلّه، وأن التشريعات الصادرة منه تعالى والتي تنظم حياة الإنسان تشريعات ثابتة أيضا، مع ملاحظة أن هناك منطقة فراغ ترك الشارع المقدس للمجتهدين فيها التدبير والتنظيم وفقا للثوابت الإسلامية العامة وهذا ما يعبر عنه البعض بالإجراءات التدبيرية.

 المحور الثاني: تعريف التراث: *لغة:  “التراث أصل التاء فيه واو، تقول: ورثت أبي، وورثت الشيء من أبي… وتقول: أورثه الشيء أبوه، وهم ورثة فلان، وورثه توريثا، أي أدخله في ماله على ورثته، وتوارثوه كابراً عن كابر”(4).

“ويقال: توارث القوم أي ورث بعضُهم بعضَا، والإرث والورث والوراثة والتراث ما يخلفه الميت لورثته”(5). *اصطلاحا: وهنا نعرف التراث بالمعنى المصطلح، أي معناه المتداول في الساحة المعرفية والثقافية عند علماء الاجتماع.

 والوصول إلى ذلك يتوقف على التعرّف على خصائصه(6) أولاً، وهي:

 1- إنسانية التراث: حيث لا وجود لتراث غير إنساني بالمرة، فالتراث إبداع لجيل معين أو لعدة أجيال إنسانية، فالتراث مادة يفرزها العقل والجهد والذوق والإرادة البشرية.

وعلى هذا فالتراث يختزن في عمقه كل التحولات والتقلبات الإنسانية عقلا أو روحا، حزنا أو فرحا، إرتياحا أو تشنجا، تفاؤلية أو سوداوية، وعيا أو تخلفا…الخ، سواء كان ذلك النتاج فرديا خاصا أو إجتماعيا عاما، لا فرق.

هذا ويقسم علماء الاجتماع التراث إلى قسمين أحدهما هو التراث المادي المتمثل في الجانب المادي فيما يرثه الأبناء من الآباء كالأبنية والمزارع واللباس “في شقه المادي”(7) والأدوات والآلات وغيرها.

 والقسم الآخر هو التراث المعنوي كالثقافة والايدولوجيا واللغة وغيرها.

 2- زمكانية التراث: فالزمان والمكان يشكلان الوعاء والظرف الذي يحوي التراث، أو بتعبير أكثر دقة نقول: هما الوعاء الذي يتأثر منه التراث، فالمادة التراثية – سواءا كانت مادية أو معنوية- نشأت متناسبة مع الزمان والمكان الذي نشأت فيه، فالإنسان لم يبدع إلا ليتلائم مع الزمان والمكان الذي يعيش فيه فالتراث إذن مؤطر بإطار الزمان والمكان، والتعاطي مع شيء على أنه تراث لا يتم إلا إذا تجاوزه الزمان والمكان لتأخذه الأجيال كإرث من الأسبقين.

 3- تحول التراث وتغيره: إذا عرفنا أن التراث هو نتاج إنساني من نتاج العقل البشري، وأنه نشأ في زمان ومكان متناسبا معهما، وإذا عرفنا أن الإنسان عرضة للتقلبات والتغير والتحول في عقله وروحه ووعيه، وأن الزمان والمكان في تطور مستمر وفي حركة سريعة لا يكاد الإنسان يلحقها.

 كان لابد أن نقول أن التراث متغير متحول لارتباطه بالزمان والمكان اللذين نشأ التراث في حضنهما متأثرا بهما، خادما للإنسان في ظرفهما. وكان لا بد أن نقول أنه متغير متحول لأنه نتاج العقل البشري الذي لا زال باب الإبداع مفتوحا أمامه ليبدع كما أبدع الماضون، وليبدع إبداعا جديدا متناسبا مع الظرف الذي يعيشه، هذا مع ملاحظة أن إبداع الإنسان يرتبط بحالته النفسية وتقلباتها.

 إذن نستطيع أن نعرف التراث في اصطلاحهم أنه “إبداع لجيل إنساني ما في زمان ومكان ما، يخلفه الجيل اللاحق عن الجيل السابق، قابل للتغير والتحول” المحور الثالث: هل يصح إطلاق لفظ التراث على الدين؟! بعد أن عرفنا معنى الدين بأنه “مجموعة العقائد والمفاهيم والأحكام والأخلاق التي يحملها مذهب معين” وأننا نحن الإسلاميون نؤمن أن الدين الإسلامي من الله سبحانه وتعالى، أي أن منشأه منه سبحانه، وأننا نؤمن كذلك بثباته في بعديه العقيدي والتشريعي.

 وبعد أن عرفنا أن التراث يختزل في إصطلاحه اليوم أنه نتاج إنساني أنتج في زمان ومكان معين فهو متحول من زمان لزمان آخر ومن مكان لمكان آخر، فيمكن الإشارة إلى فريقين للإجابة على هذا السؤال: الفريق الأول: قال هذا الفريق أنه لا مشكلة من إطلاق لفظ التراث على الدين استنادا إلى أمرين:

 1- معنى التراث اللغوي: حيث تمسك هذا الفريق بمعنى التراث اللغوي وغض الطرف عن المعنى المصطلح.

 2- استندوا أيضا إلى ورود هذه اللفظة “التراث” في كثير من الآيات والروايات والأدعية منها: – {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ}(8).

– {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}(9).

 – وفي الحديث المشهور: «العلماء ورثة الأنبياء»(10).

 – وفي زيارة الإمام الحسين (ع): «السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله السلام عليك يا وارث نوح نبي الله…»(11) وفي غيرها من الزيارات. – وفي الخطبة الشقشقية المعروفة للإمام علي(ع): «أرى تراثي نهبا»(12).

إلى غيرها من المرويات الدينية الكثيرة.

إذن ليست المسألة مسألة مفهوم يصح استخدامه أو لا، المسألة عند هذا الفريق أن هذا المصطلح مصطلح قرآني، لا يصح أن نتنازل عنه بحجة أو بأخرى.

يقول الشيخ محمد مهدي الآصفي (حفظه الله): “يحرص القرآن الكريم على تعميق مفهوم الوراثة بشكل خاص في نفوس المؤمنين، ويصور المسيرة الإلهية الحضارية مسيرة واحدة ذات حلقات مترابطة، متماسكة، يشد بعضها بعضا، ويخلف اللاحق منها السابق.

والأنبياء(ع) في هذه المسيرة يؤكدون دائما على وحدة المسيرة ووشائج القربى التي تربط القيمين على هذه المسيرة الربانية.

وكل نبي يأتي يصدق من قبله من الرسل والأنبياء، ويؤكد أن هذه المسيرة الربانية مسيرة واحدة، لا تعدد فيها، وهي الإسلام، ولن يقبل الله تعالى غيره دينا”(13).

ويقول سماحته في موضع آخر بعد استعراض خصائص هذا الميراث قرآنيا: “أرأيت كيف يتماسك أطراف هذا الميراث الالهي الكبير، وتتجاذب أجزاؤه، وترتبط مراحله ببعض، وكل نبي يرث هذا الميراث من نبي مرسل قبله، وكل أمة من المؤمنين ترث هذا الميراث من أمة مؤمنة قبلها.

رسالة واحدة، وهدى واحد، وولاء واحد، وشريعة واحدة، وحب واحد، وسلم واحد، وحرب واحدة، وخلق واحد، وصبغة واحدة، وإسلام واحد، وعناء واحد، وابتلاء واحد، ومحنة واحدة من لدن آدم(ع) إلى إبراهيم(ع) إلى رسول الله(ص)”(14).

الفريق الثاني: استشكل هذا الفريق على إطلاق لفظ التراث على الدين لما تحمله هذه اللفظة من مداليل سلبية في المصطلح المعاصر لا تتناسب وقدسية الدين، حيث أن هذا المعنى المصطلح لا ينطبق أبدا على الدين، بل هو يتعارض معه، حيث أن الدين إلهي في منشئه، لا يرتبط بزمان ومكان معين، لذلك لا يعتريه التحول والتغير فـ «حلال محمد(ص) حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة»(15) وهو(ص) كما قال  {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}(16).

أما ما استند اليه الفريق الأول فقد رده هذا الفريق بالتالي:

 1- أما استنادهم إلى المعنى اللغوي فردوه بأن مصطلح التراث قد حمل مداليل جديدة في هذه الأزمنة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، فإغفال هذه المداليل الجديدة قد توقع في كثير من الاشتباهات والخلط.

 2- يجب أن نلتفت إلى التركيز الخبيث – من قبل بعض الكتاب والمفكرين – على إطلاق التراث على الدين ومن ثم جر كل معاني التراث إلى الدين من حيث شعرنا بذلك أو لم نشعر.

 3- أما لفظ التراث الوارد في الآيات القرآنية وفي المرويات الأخرى فهي ليست إلا وراثة الأمانة والتكليف والعمل، فهي وراثة تحمل دور وتحمل عمل وتحمل تكليف وحفظ وحراسة، “فالوراثة هنا تسري وفق منهج وراثة الأمانة.. فالأبناء لم يرثوا إبداع الآباء هنا للمنجز الديني بل ورثوا الرسالة التي اعتمدها الآباء كأمانة تكليف وعمل، فهي وراثة تحمل دور وتحمل عمل وتحمل اعتصام”(17).

 يقول الشيخ ناصر مكارم في تفسيره لـ {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ} أن هذه الآية “تتحدّث في موضوع مهم بالنسبة إلى حملة هذا الكتاب السماوي العظيم، أولئك الذين رفعوا مشعل القرآن الكريم بعد نزوله على الرّسول الأكرم(ص)، في زمانه و بعده على مرّ القرون و العصور، و هم يحفظونه و يحرسونه، فتقول: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا}”(18).

 على أن لفظة التراث جاءت في القرآن بمعان متعددة منها وراثة المؤمنين للجنة والفردوس، ووراثة الله سبحانه وتعالى، يرجع في تفصيلها وتفسيرها إلى محلها.

خاتمة: ومهما يكن من أمر فإن ما أريد الوصول إليه بعد ذلك كله أنه يجب أن نكون على حذر عند استخدام هذا المصطلح أو ذاك، فإننا قد نوحي ببعض الملازمات التي قد لا نلتزم بها في الواقع، فعند استخدامنا لمصطلح التراث وإن كنا في الواقع لا نؤمن بالنسبية للحقائق الدينية إلا أن إيحاءات المصطلح حاليا قد تلزمني بما لا ألتزم به.

وفي حال أردنا استخدام هذا المصطلح فلا بد أن نبين المقصود منه لدفع أي إشكال مقدر.

المصادر والمراجع

  • (1) سورة الصافات: 53.
  • (2) الصحاح للجوهري، ج5، ص 211.
  • (3) بداية المعرفة، حسن مكي العاملي، ص 29.
  • (4) الصحاح للجوهري، ج1، ص 295.
  • (5) حرب المصطلحات، حسين درويش العادلي، ص21.
  • (6) راجع التفصيل في المصدر السابق.
  • (7) حيث أن اللباس يمكن أن يلحظ بما هو إرث مادي والمقصود به هذه القطعة المادية من القماش، ويمكن أن يلحظ بما هو إرث معنوي والمقصود به طريقة اللبس ولونه وشكله وهكذا.
  • (8) سورة الأعراف: 169.
  • (9) سورة فاطر: 32.
  • (10) الكافي 1: 32، الحديث 2.
  • (11) مصباح المتهجد: 720.
  • (12) نهج البلاغة 1: 31، الخطبة الثالثة.
  • (13) ميراثان في كتاب الله، محمد مهدي الآصفي، ص42.
  • (14) المصدر السابق، ص41.
  • (15) بصائر الدرجات: 168، وبحار الأنوار 86: 148.
  • (16) سورة النجم: 3 – 4.
  • (17) حرب المصطلحات، حسين درويش العادلي، ص69.
  • (18) تفسير الأمثل، ناصر مكارم الشيرازي، ج14، ص85.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى