إن الشيطان لكم عدوا فأتخذوه عدوا

الشيطان لغة على وزن فيعال من شطن (والشاطن هو الخبيث والوضيع) إذا بَعُدَ فيمن جعل النون أصلا، وقيل هو من شاط يشيط (على وزن فعلان) إذا احترق غضبا(1).

الشيطان في اصطلاح القرآن والروايات “الشيطان اسمُ جنسٍ عام، وإبليس اسم علم خاص، وبعبـارة أخرى الشيطـان كل موجود مؤذٍ مغو طـاغ متمرد، إنسانا كان أم غير إنسان، وإبليس اسم الشيطان الذي أغوى آدم ويتربص هو وجنده الدوائر بأبناء آدم دوما…

 والاستعمال القرآني لكلمة شيطان يشمل حتى أفراد البشر المفسدين المعادين للدعوة الإلهية كقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ}(2).

يقول الشيخ محمد جواد مغنية في كتابه في ظلال الصحيفة السجادية: “.

.وعليه فأيُّ دافع إلى الفساد والضلال يسوغ لنا أن نسميه شيطانا أكان من الداخل كالهوى، والغرور وسوء الظن والحقد والحسد، أم من الخارج كالدجال والمحتال ووسائل الاعلام المضللة التي يسيطر عليها المستعمرون والصهاينة وكل من يلبس الحق بالباطل”(3).

 وتجدر الإشارة إلى أنَّ كلمة الشيطان وردت في بعض الروايات بمعنى الميكروبات المضرة، مثل: – ما عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا تشربوا الماء من ثلمة الاناء ولا من عروته، فإن الشيطان يقعد على العروة والثلمة»(4).

 وعن الامام الصادق (عليه السلام): «ولا يشرب من أذن الكوز، ولا من كسره إن كان فيه، فإنه مشرب الشياطين»(5).

وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «لا يطولن أحدكم شاربه، فإن الشيطان يتخذه مخبئا يستتر به»(6).

 من أسمائه اللعين والخبيث والمهلك والهاوية وأطلق عليه لقب رئيس العالم ولهذه التسيمة أو الصفة ما يبررها إن أريد بالعالم عالم الشر(7). خصائص الشيطان

1. الخفاء والوسوسة: يقول علماء النفس إنَّ أيَّ جهةٍ إذا أرادت أن تغير جهة أخرى لا تدخل لها بعنوان التغيير، حيث أني لو علمتُ أنَّ هذه الجهة المعينة تستهدفني لتغيير سلوك أو فكرة فإن ذلك تلقائيا يسبب أن أضع حاجزا بيني وبينها فتصعب عملية التغيير.

 لذلك نجد الشيطان لا يأتي للإنسان بشكل ظاهر بعنوان التغيير والاستهداف بل يأتي بشكل خفي غير ظاهر لادراكه هذه الحقيقة.

وهذه الحقيقة بينها أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله: «احذروا عدواً نفذ في الصدور خفيا، ونفث في الآذان نجياً»(8).

 وكذلك بيَّنَتْ هذه الخصيصةَ مجموعةٌ من الآيات الشريفة منها: قال تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ}(9).

 قال تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ}(10).

والخناس من الخنوس بمعنى الخفاء والتراجع.

يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: “الشياطين يمزجون أعمالهم دائما بالتستر.

 ويرمون بالقاءاتهم في الإنسان بطريقة خفية حتى يخال الإنسان أن هذه الإلقاءات من بنات أفكاره، وهذا ما يؤدي إلى ضلاله وغوايته.

 عمل الشيطان هو التزيين، وإخفاء الباطل تحت غطاء الحق، و الكذب في قشر من الصدق، والذنب في لباس العبادة، والضلال خلف ستار الهداية.

وبإيجاز، الموسوسون متسترون، وطرقهم خفية، وفي هذا تحذير لكل سالكي طريق اللّه أن لا يتوقعوا رؤية الشياطين في صورتهم الأصلية، أو رؤية مسلكهم على شكله المنحرف.

 أبدا… فهم موسوسون خناسون… وعملهم الحيلة والمكر والخداع والتظاهر والرياء وإخفاء الحقيقة”(11).

وهنا يجب أن نلتفت إلى أن الخفاء تارة يكون لنفس العمل الشيطاني، وتارة يكون لنفس الشيطان، لذلك لا بد للإنسان أن يشخص الشيطان جيدا والأعمال الشيطانية جيدا؛ كي لا يخفى عليه شيءٌ منهما، ويلتفت لوساوس الشيطان.

 وهذا أيضا ما نجده في شياطين الإنس من الاستكبار العالمي المتمثل في أمريكا “الشيطان الأكبر” وأذناب أمريكا من الحكام المرتبطين بها ومن وسائل الإعلام وغيرها، حيث لا زال خفيا على البعض للأسف أن هذه المسماة أمريكا ليست إلا شيطاناً بكل ما للكلمة من معنى، وأنَّ أعمالها ليست إلا لإغواء البشر وسحق الشعوب وإبعادها عن عبودية الله وإدخالها تحت عبودية الطاغوت. من هنا نفهم إطلاق الامام الخميني (قدّس سرّه) شعار “الشيطان الأكبر” على أمريكا، ومن هنا نفهم أيضا كلام الامام القائد الخامنئي (حفظه الله) بأنه “إذا رضيت عنكم أمريكا فشكو في دينكم” وهل الشيطان يقبل عملا إلا إذا كان شرا يُرضِيه ويُسخِط اللهَ سبحانه؟!.

 2. الاصرار: قال تعالى في سورة الأعراف حكاية عن ابليس: {قَالَ أَنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}(12).

 فالشيطان لا يكل ولا يمل في عملية إغواء البشر -وهذا للأسف ما يفقده كثيرٌ من المؤمنين في عملية الهداية والدعوة- فهو أقسَمَ على إغواء البشر وإضلالهم.

 3. تنوع الأساليب: فالشيطان لا يكتفي بأسلوب واحد في عملية الإغواء والاضلال بل يستخدم أساليب متنوعة، فبعض يأتيه بالأموال وبعض بالنساء وبعض بالجاه وبعض يأتيه بصورة الناصح الأمين.

 بعض أساليب الشيطان في لسان الروايات عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «الفتن ثلاث: حب النساء وهو سيف الشيطان، وشرب الخمر وهو فخ الشيطان، وحب الدينار والدرهم وهو سهم الشيطان»(13).

 عن الامام الصادق (عليه السلام): «إن الشيطان يدبر الإنسان في كل شيء فإذا أعياه جثم له عند المال فأخذ برقبته»(14).

وعن الصادق (عليه السلام): «ليس لإبليس جند أشد من النساء والغضب»(15).

أساليب الشيطان في القرآن الكريم

 1- العصبية للآباء والأجداد: قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ}(16).

 يقول الشيخ ناصر مكارم: “إن القرآن في الحقيقة يزيح هنا الغطاء عن أتباع سنة الآباء والأجداد الزائفة ويبين الوجه الحقيقي لعمل هؤلاء والذي هو في حقيقته أتباع الشيطان في مسير جهنم”(17).

 إذن فالشيطان يتخذ من سنة الآباء والأجداد وسيلة وأسلوبا لإثارة العصبية والحمية، فتعمي هذه العصبية الإنسان عن رؤية الحق وعن اتباعه، فعلى الإنسان المؤمن أن يتحرر من أسر العقل الجمعي الذي يحيط به ويقيده، ويجعل المحورية للحق فقط.

 2- التدرج: قال تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}، تكررت هذه العبارة خمس مرات في القرآن الكريم مما يؤكد أن الشيطان في كثير من الأحيان لا يأمر بالباطل مباشرة بل قد يتدرج فيضع رجل الإنسان على طريق الباطل، فخطوة بعد خطوة حتى يجد الإنسان نفسه قد استولى الباطل عليه من رأسه حتى أخمص قدميه.

 3- التخويف: قال تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}(18).

 لفظة “ذلكم” إشارة إلى اللذين كانوا يخوِّفون المسلمين من قوة قريش وبأس جيشهم ولإضعاف معنويات المسلمين. فإذن التخويف والتثبيط والإيهام بالضعف هو عمل شيطاني يريد أن يضعف كيان المسلمين أمام المشركين، في حين يؤكد القرآن الكريم أن المسلمين هم الأقوى، قال تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.

 4- التحاكم إلى الطاغوت: قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً}(19). وقد ورد عن الامام الصادق (عليه السلام) أن: «الطاغوت كل من يتحاكم اليه ممن يحكم بغير الحق».

 يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في التعليق على هذه الآية: “إن التحاكم إلى الطاغوت فخ الشيطان ليضل المؤمنين عن الصراط المستقيم وغير خفي أن الآية الحاضرة…تتضمن حكما عاما، وتبين قانونا خالدا لجميع المسلمين في جميع العصور والدهور وتحذرهم من مراجعة الطواغيت وطلب الحكم منهم”(20).

 5- تزيين الأعمال: قال تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ}(21).

 وقال تعالى: {تَاللّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(22).

وقال تعالى: {وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ}(23).

 إذن هذه الآيات وغيرها تريد أن تقول لنا احذروا من تزيين الشيطان لأعمالكم فترون أنفسكم أصحاب القوة التي لا تقهر، والنفوذ الذي لا يعارض؛ فتنسون الولي الحقيقي لكل هذه النعم، فهنا يكلكم الله (سبحانه وتعالى) إلى أنفسكم فخسرانكم حينئذ الخسران الكبير والظلال البعيد وهنا الحسرة الحقيقية حين يدرك الإنسان أن الشيطان هو الذي زين له أعماله، ويأتي تبري الشيطان من الإنسان ليزيده حسرة على حسرة وألم فوق ألم!! 6- النصح: قال تعالى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ}(24).

 ومن أساليب الشيطان اللعين أن يأتي للإنسان بصورة الناصح الأمين، بل ويقسم الشيطان على ذلك، وهنا على الإنسان المؤمن بعد أن حددت له الآيات أن الشيطان عدو مبين واضح العداء فلا مجال كي ينخدع بوساوس الشيطان وإن تلبس بلباس النصيحة وإن انطلق في ظل ألف قسم وقسم.

ويمكن أن نستفيد هنا أننا بعد أن نحدد أي عدو لله (سبحانه وتعالى) والذين هم من شياطين الجن-كما تقدم- ونقطع بعداوته، فلا مجال للثقة به وبوعوده لأنها لا تنطلق عادة إلا من هذه العداوة وهذا العداء لكل ما هو خير وصلاح.

 مواجهة الشيطان وقبل الدخول فيما ذكرته الروايات والآيات الشريفة لمواجهة الشيطان، لا بد من الإشارة إلى أن القرآن أسس لأساسين اثنين لمواجهة الشيطان وهما: الأساس الأول:- عداوة الشيطان: تكررت عبارة {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} في القرآن الكريم عشر مرات، إضافة إلى صيغة أخرى وهي {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً}.

وهذا التأكيد القرآني له دلالتان: الدلالة الأولى: تقول لنا أنه عدو.

الدلالة الثانية: الأمر باتخاذه عدوا.

فلا يكفي أن أعرف أنه عدو من دون إعلان وإظهار وإعمال العداء له، وهذا درس يريد القرآن الكريم أن يعلمنا إياه وهو أن أي مواجهة مع الباطل لا بد أن تستند على معرفة العدو أولا وإظهار العداء له ثانيا، فلا يكفي العداء القلبي دون العداء العملي وهذا ما نستوحيه من لفظة { فَاتَّخِذُوهُ}.

الأساس الثاني:- ضعف الشيطان: قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً}(25).

وقال تعالى: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ}(26).

 وهذا التركيز من القرآن على ضعف الشيطان يعكس واقع ضعفه وأولياءه في داخل نفوسهم من جهة، ويعطي القوة للمؤمنين والعزة من جهة ثانية.

يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي (حفظه الله): “توضح هذه الآية حقيقة مهمة هي أن الطاغوت والقوة المتجبرة مهما امتلكت من قوة ظاهرية، ضعيفة في نفسها وجبانة في باطنها، وبهذا تطمئن الآية المؤمنين كي لا يخافوا من هؤلاء الطواغيت مهما أوتوا من عدة أو عدد لأنهم خالون من الهدف فارغون من الايمان..”(27).

 بعض الروايات التي تتحدث عن اسلوب مواجهة الشيطان عن الامام الصادق (عليه السلام): «قال إبليس خمسة ليس لي فيهن حيلة وسائر الناس في قبضتي، من اعتصم بالله عن نية صادقة واتكل عليه في جميع أموره، ومن كثر تسبيحه في ليله ونهاره، ومن رضي لأخيه المؤمن ما يرضاه لنفسه، ومن لم يجزع على المصيبة حتى تصيبه، ومن رضي بما قسم الله له ولم يهتم لرزقه»(28).

عن الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) أنه قال لأصحابه: «ألا أخبركم بشيء إن فعلتموه تباعد الشيطان عنكم كما تباعد المشرق عن المغرب؟ قالوا: بلى.

قال: الصوم يسود وجهه والصدقة تكسر ظهره، والحب في الله والمؤازرة على العمل الصالح يقطع دابره، والاستغفار يقطع وتينه»(29). وعن الإمام علي (عليه السلام): «ذكر الله مطردة للشيطان»(30).

وعنه أيضا (عليه السلام): «ذكر الله دعامة الإيمان وعصمة من الشيطان»(31).

 بعض الآيات التي تتحدث عن اسلوب مواجهة الشيطان أولا:- الآيات الحاثة الناهية عن اتباع خطوات الشيطان: قال تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}.

وقد قلنا سابقا أن هذه الآية تكررت خمس مرات في القرآن الكريم مما يوحي بأهمية مضمونها وهو أهمية أن يدقق الإنسان في بدايات أعماله والخطوات الأولى لكل عمل يقوم به سواء كان فرديا أو اجتماعيا، فكثيرا ما يغفل الإنسان أن هذه الخطوات في طريق الشيطان وبعد حين يرى نفسه قد ارتمى في أحضان الشيطان بالكامل.

 ثانيا:- الآيات الحاثَّة على الاستعاذة بالله واللجوء إليه: قال تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}(32).

وقال تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(33).

وقال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}(34).

 وقال تعالى: {وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ}(35).

وقال تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ}(36).

وهنا نلاحظ التأكيد القرآني على الاستعاذة بالله (سبحانه وتعالى) وأنه (سميع عليم) لهذه الاستعاذة مما يؤكد للعبد أن أية خطوة للجوء إلى الله من تسويلات الشيطان ومكره فإن الله لا يترك عبده في حبائل الشيطان ولا بد أن يعيذه منه.

 وملاحظة أخرى أن الله سبحانه يؤكد أن الارتباط بالله سبحانه والاستعاذه به من الشيطان الرجيم يجب أن يكون حاضرا في وجدان الإنسان المؤمن بحيث أنه بمجرد أن يشعر بنزغ الشيطان فإنه يجب عليه أن يستعيذ بالله مباشرة، وهذا ما جاء في وصف المتقين في الآية المباركة أنه بمجرد أن يمسهم طائف من الشيطان فإنهم يلجؤون إلى الله  مباشرة وهذا سبب بصيرتهم.

 يقول الشيخ ناصر في بحثٍ عقده بعد سورة الناس: “الإنسان معرض للانحراف في كل لحظة، و حين يأمر اللّهُ نبيَّه أن يستعيذ به من شر «الوسواس الخناس» فإن ذلك دليل على إمكان الوقوع في شراك الموسوسين الخناسين.

 مع أنَّ النّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في مأمن من الانحراف بفضل اللّه ومدده الغيبي وخضوعه التام للّه، فالآيات تأمره أن يستعيذ باللّه من شرّ الوسواس الخناس، فما بالك بغيره من النّاس! ولا يجوز للإنسان أن ييأس أمام مخاوف الموسوسين.

 فملائكة اللّه تهبُّ للأخذ بناصية المؤمنين والسائرين على طريق اللّه.

فالمؤمنون ليسوا وحيدين في ساحة صراع الحق مع الباطل، بل ملائكة اللّه في عونهم: {إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ}.

ولكن، على أي حال، لا يجوز للإنسان أن يغترَّ وأن يحسب نفسه غنيا عن الموعظة والتذكير والإمداد الإلهي.

يجب الاستعاذة به سبحانه دائما ويجب أن يكون الإنسان على وعي وحذر باستمرار”(37).

المصادر والمراجع

  • (1) تاج العروس، ج18.
  • (2) الأمثل، ج1، ص 172.
  • (3) في ظلال الصحيفة السجادية، الشيخ محمد جواد مغنية، ص228.
  • (4) الكافي، ج6، كتاب الأطعمة والأشربة، باب الأواني.
  • (5) المصدر السابق.
  • (6) الكافي، ج6، ص487.
  • (7) في ظلال الصحيفة السجادية،الشيخ محمد جواد مغنية، ص228.
  • (8) التفسير المعين، ص132.
  • (9) الأعراف، 27.
  • (10) سورة الناس.
  • (11) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج‏20، ص: 581.
  • (12) الأعراف، 14-17.
  • (13) البحار، ج73، ص140.
  • (14) البحار، ج63،ص260.
  • (15) البحار،ج78،ص246.
  • (16) لقمان 21.
  • (17) الأمثل ج13- ص56.
  • (18) آل عمران 175.
  • (19) النساء 60.
  • (20) الأمثل،ج3، ص297.
  • (21) الأنفال، 48.
  • (22) النحل، 63
  • (23) العنكبوت، 38.
  • (24) الأعراف، 20.
  • (25) النساء، 76.
  • (26) المجادلة، 19.
  • (27) الأمثل، ج3، ص 327.
  • (28) البحار، ج69، ص177.
  • (29) البحار، ج69، ص380.
  • (30) التفسير المعين، ص133.
  • (31) المصدر السابق.
  • (32) الأعراف، 200-201.
  • (33) فصلت، 36.
  • (34) النخل،98.
  • (35) المؤمنون، 97.
  • (36) سورة الناس.
  • (37) الأمثل، ج20، ص582.ا
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى