إشكالية استثنائية ثورة الإمام الحسين (ع)

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على محمد وعلى آل محمد الطيبين الطاهرين، وعجِّل فرجهم وأهلك عدوهم.

 مقدمة حينما نتحدث عن الإمام الحسين (عليه السلام) فنحن لا نتحدث عن شخصية عادية، وإنما نتحدث عن سبط رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، نتحدث عن إمام معصوم في قيامه وقعوده، نتحدث عن حجة الله في الأرض، نتحدث عن مَن أقواله وأفعاله وتقريراته حجة في حقنا، نتحدث عن مَن قدَّم دم منحره الشريف من أجل القيم والمبادئ.

 وحينما نتحدث عن ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) فنحن لا نتحدث عن حدث عادي، لا نتحدث عن حدث في غابر الأزمان، لا نتحدث عن واقعة حدثت في سنة الحادية والستين للهجرة وانتهت وانتهى كل شيء، وإنما نتحدث عن حدث فريد من نوعه، حدث غيّر مسار التأريخ، حدث لا زالت تداعياته إلى يومنا هذا، حدث يحوي الكثير من القيم والمبادئ التي تختصر عصارات الأنبياء والمرسلين عليهم جميعاً سلام الله، حدث لا زال يتحكم في مسار الأحداث في عالمنا اليوم، حدث يمهد للوراثة الكبرى للأرض على يد سليل الأنبياء الإمام الحجة المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).

ولكن هذه الثورة التي انطلقت على يد الإمام الحسين (عليه السلام) لم تسلم من التحريف والتزييف تارة، ومن الإشكاليات تارة أخرى… ومن هنا انطلقت الكثير من الإشكاليات التي أحاطت بثورة الإمام الحسين (عليه السلام)، تارة من خارج البيت الشيعي وتارة من داخل البيت الشيعي، وتارة من المغرضين الأعداء لهذه الثورة، وتارة من المشتبهين المؤيدين لهذه الثورة.

وتشكل تلك الإشكالات التي تنطلق من داخل البيت الشيعي ومن المؤيدين لهذه الثورة المباركة من أخطر الإشكالات لأنها تتسلل بين صفوف المؤيدين لهذه الثورة وتقوِّض الأسس التي قامت عليها الثورة من حيث نشعر أو لم نشعر، وخصوصاً إذا انطلقت بعناوين براقة تخدع السذج من العامة وأحياناً كثيرة -وللأسف- من الخاصة أيضاً.

وفي هذه المقالة أحاول أن أضع اليد على واحدة من تلك الإشكالات التي تمت إثارتها في الأوساط العامة وهي إشكالية (استثنائية ثورة الإمام الحسين -عليه السلام-)، هذه الإشكالية التي لها آثار سلبية كبيرة على مستوى الفكر والسلوك الاجتماعي والسياسي، لهذا نحاول في السطور القادمة أن نتفهم هذه الإشكالية أولاً، ثم نقوم بعلاجها بما يوفقنا الله تعالى إليه.

 صياغة الإشكالية تقوم هذه الإشكالية على أن ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء ضد الطاغية يزيد بن معاوية¬ هي ثورة استثنائية، فثورة الإمام الحسين (عليه السلام) ثورة خارجة عن السياق العام الذي كان يخطط له الأئمة (عليهم السلام)، فالخط العام للأئمة (عليهم السلام) لم يدخل في مواجهة ساخنة مع الأنظمة ولم يخطط لهذه المواجهة.

 وإنما جاءت ثورة الإمام الحسين (عليهم السلام) نتيجة ظروف استثنائية فرضت على الإمام الخروج الثوري على النظام الحاكم آنذاك المتمثل في حكم بني أمية.

 ويفترض البعض من أصحاب هذه الاشكالية أن الامام الحسين (عليه السلام) لم يكن ليثور ويقول قولته المشهورة «هيهات منا الذلة» لولا أنه حوصر في كربلاء المقدسة، هذا الحصار الذي اضطره أن يواجه المواجهة الدموية، وإلا فلم يكن خيار الإمام الحسين (عليه السلام) منذ البداية هو المواجهة.

 ويصوغ آخرون هذه الإشكالية بأنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) وإن قام وثار ضد الطاغية يزيد ولكن هذه الثورة تشكل حلقة واحدة فقط من أصل اثني عشرة حلقة من حلقات الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، فنحن لو راجعنا سيرة الأئمة (عليهم السلام) وأجرينا إحصائية بسيطة فإننا نجد أن ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) مقارنة مع بقية الأئمة تشكل واحد من اثني عشر، فلدينا صلح الإمام الحسن (عليه السلام)، ولدينا ولاية العهد بالنسبة للإمام الرضا (عليه السلام)، إضافة لعدم قيام الأئمة الباقون (عليهم السلام) ضد الأنظمة الجائرة.

 بل يضيف أصحاب هذا الاتجاه: أنه حتى لو راجعنا نفس حياة الإمام الحسين (عليه السلام) بعد الإمام الحسن (عليه السلام) وفي زمان معاوية -والتي استمرت ما يقارب عشر سنوات- لوجدنا أن الإمام (عليه السلام) لم يقم ولم يثر ضد معاوية وقد تعايش الإمام مع معاوية تعايشاً سلمياً.

نتائج الإشكالية ويُرتِّب أصحاب هذه الإشكالية عدة نتائج على هكذا صياغة وهكذا فهم لمجمل حياة الأئمة (عليهم السلام) بشكل عام، ولثورة الإمام الحسين (عليه السلام) بشكل خاص، منها:

1- عدم صحة الاستشهاد بثورة الإمام الحسين (عليه السلام): فأصحاب هذا الاتجاه يرفضون أن تستشهد لهم بسيرة الإمام الحسين (عليه السلام) وبثورته المباركة؛ لأن هذه الثورة تشكل استثناء في حركة الأئمة (عليهم السلام) ولا يصح الاستناد إليها، فلا يمكنك أن تستند إلى هذه الثورة لتُصحِّحَ عملاً ثورياً هنا أو قياماً هناك، فلا يصح -كما يقول أصحاب هذا الاتجاه- أن تتمسك بجزء من حياة الأئمة، بل لا بد لك أن تتمسك بسيرة الائمة ككل وسلوكهم العام وليس بجزء فقط، ولعله يستشهد بعضهم بهذا الحديث الشريف ليعضد فهمه «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا».

 2- عدم صحة تربية الجماهير على ثقافة الثورة فقط: فلا يصح -كما يرى هذا الاتجاه- تربية الأمة على ثقافة الثورية الحسينية فقط، فإلى جنب الثورية الحسينية سلمية وصلح الإمام الحسن (عليه السلام)، وإلى جنب الثورية الحسينية معايشة الأئمة للأنظمة الحاكمة….ومع ملاحظة (استثنائية الثورة) فكيف يصح بعد ذلك أن نربي جماهيرنا على الثورية الحسينية فقط، بل لا بد أن نربيهم تربية متكاملة، تربية تضمن الثورية المستعدة للمهادنة من جهة، ومن جهة أخرى تربية مهادنة مستعدة للثورة عند الحاجة.

 3- عدم وجود أصل فكري أو ثقافي في الإسلام يتمثل في القيام والثورة على الظالمين: وفي حالة قد تكون متطرفة عند بعض أصحاب هذا الاتجاه ترى أنه يوجد أصل المهادنة والمعايشة وعدم الدخول في مواجهة الأنظمة الظالمة والحالة الاستثنائية هي المواجهة كما فعل الإمام الحسين (عليه السلام).

 مناقشة الاشكالية لابد أن أشير أولاً أن هذه الاشكالية تتضمن في بطنها الكثير من الإشكاليات الجديرة بالمناقشة والرد، ولكن سأقصر النظر على حيثية واحدة فقط وهي أساس الإشكال والذي تقوم به.

فكما تقدم فإن الإشكالية تقوم أساسا على أن ثورة الامام حالة استثنائية وخارجة عن السياق العام للأئمة (عليهم السلام)، وترتبت على ذلك عدة نتائج كما مر.

وفي مقام المناقشة، أشير إلى المقدمات التالية: المقدمة الأولى:- الفطرة والعقل يرفضان القبول بالظلم: يعتبر الركون للظالمين وعدم إنكار منكرهم خلاف الفطرة والعقل السليم، وفي المقابل فإن الفطرة والعقل السليم تدعو لمقاومة الظلم ورفضه وإنكار المنكر.

المقدمة الثانية:- النصوص المتكثرة ترفض الظلم والركون إليه، وتمدح رفض الظلم: ومن الآيات الكريمة التي تذم وتنهى عن الركون إلى الظالمين قوله تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ}(1).

ومن الآيات الكريمة التي تمدح المقاومين للظلم، قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ}(2).

 ومن الروايات: ما عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «العامل بالظلم، والمعين عليه، والراضي به، شركاء ثلاثة»(3).

وما عن النبي عيسى (عليه السلام): «بحق أقول لكم: إن الحريق ليقع في البيت الواحد فلا يزال ينتقل من بيت إلى بيت حتى تحترق بيوت كثيرة، إلا أن يستدرك البيت الأول فيهدم من قواعده فلا تجد النار محلاً.

 وكذلك الظالم الأول لو أُخذ على يديه لم يوجد من بعده إمام ظالم فيأتمون به، كما لو لم تجد النار في البيت الأول خشباً وألواحاً لم تحرق شيئاً»(4). وغيرها الكثير الكثير.

المقدمة الثالثة:- الأنبياء (عليهم السلام) ومواجهة المستكبرين: المطالع لحياة الأنبياء (عليهم السلام) فإنه لا يحتاج لعناء كبير ليدرك مواقفهم الثورية والرافضة للظلم، وهذا ما ركز عليه القرآن الكريم في سرده لحياة الأنبياء (عليهم السلام)، ومواجهتهم للظالمين، ولا يخفى أن الأئمة (عليهم السلام) ورثة الأنبياء (عليهم السلام) في أدوارهم ومسؤولياتهم.

 يقول الإمام الخميني  (قدِّس سرُّه): “…أنتم كلّكم تعلمون تاريخ الأنبياء، فحضرة إبراهيم (عليه السلام) الذي هو أبو الأنبياء العظام (عليهم السلام) قام بفأسه وحطّم تلك الأصنام كلها، ولم يَخَفْ قط من الإلقاء في النار، لم يخشَ هذا الكلام، ولو كان لديه خوف لما كان نبياً.

هذا منطق ذلك الإنسان الذي حارب القوى الكبرى في زمانه، ووقف وحده إزاء تلك القوى التي سعت لاحراقه فيما بعد، لم يكن منطقه أنه إذا صفعوك على هذا الجانب أدرْ لهم الجانب الثاني.

هذا منطق الكسالى الذين لا يعرفون الله.

هؤلاء لم يقرأوا القرآن، فهذا موسى (عليه السلام) كان امرءً واحداً راعياً، وقف بعصاه مقابل مَن؟ مقابل فرعون الذي كان يدّعي الألوهية.

هؤلاء أيضاً يريدون ادّعاء الالوهية، يرون أنه ليس هناك من يعبأ بهم، ولو تراخيتم قليلاً لقال هؤلاء أيضاً (أنا ربكم الأعلى).

 إن هذه الأكاذيب كانت في العالم، وها هي الآن فيه أيضاً، وسوف تبقى إلى ما بعد، فذلك موسى (عليه السلام) وذلك أيضاً الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) الذي تعرفون تاريخه جيداً بعث وحيداً، وخطط ثلاث عشرة سنة، وحارب عشر سنوات، لم يقل: (ما نحن والسياسة؟).

أدار بلداناً، ولم يقل: (ما علاقتنا بالسياسة؟) وتلك أيضاً حكومة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكلكم تعرفون وضع حكومته ووضع سياسته ووضع حروبه، لم يقل: (علينا أن نجلس في بيوتنا نقرأ الدعاء ونزور، فلا علاقة لنا بهذه الأمور)…

هذا منطق الذين يريدون التنصل من عب‏ء المسؤولية، والإسلام لا يقبل هؤلاء، ولا يقيم لهم اعتباراً، فقد غلبهم التنصّل من المسؤولية، فراحوا يقومون بعمل ما، يبحثون عن روايتين من هنا وهناك، فيتوصّلون إلى نتيجة مؤدّاها ضرورة التنسيق مع السلاطين مثلًا، والدعاء للسلاطين.

وهذه مخالفة للقرآن، هؤلاء لم يقرأوا القرآن، ولو جاءت مائة رواية تشير إلى هذا المعنى ضربنا بها عرض الجدار، فهي خلاف القرآن، خلاف سيرة الأنبياء، مع أنه ليست هناك رواية تقول بهذا.

 لاحظوا أنتم كل تلك الروايات التي تشير إلى أن مَنْ أحب سلطاناً حُشِرَ معه، هل يمكن أن يرغب المسلم في أن يحيي الله أحد الظلمة القاتلين؟ هل يمكن أن تكون لديه محبّة لمن يقتل إنساناً، يقتل عالماً، يقتل العلماء؟ كم لدينا الآن من العلماء الكبار والمدرسين العظام يرزحون في السجون وفي المنفى؟ هل تعلمون كم من العلماء يرزحون الآن في السجون، وكم من هؤلاء العلماء في المنفى؟”(5).

المقدمة الرابعة:- الأئمة (عليهم السلام) يولون ثورة الامام الحسين (عليه السلام) عناية خاصة: وهذا أيضاً من واضحات سيرة الأئمة (عليهم السلام)، فنلاحظ أن الأئمة أعطوا ثورة الامام الحسين (عليه السلام) عناية خاصة، وركزوا على مفاهيم الثورة الحسينية، وكثيرا ما يكون ذلك عن طريق التركيز على مظاهر الحزن والعزاء.

“…إن العناية الفائقة التي خص أئمتنا (عليهم السلام) بها عزاء الحسين (عليه السلام)، وتأكيداتهم المتلاحقة على زيارة قبره المقدس لا يصح تفسيرها بلحاظ المثوبات العظيمة الموعودة عليها كعمل تعبدي فقط -وإن كان لسان جل الروايات المتعلقة بهذه المسألة يقتصر على ذكر المثوبة فقط- بل لا بد في تفسيرها من النظر أيضا إلى الآثار الأخرى المترتبة على عزائه (عليه السلام) وعلى زيارته.

ومن أهم تلك الآثار: الأثر التربوي المنشود من وراء العزاء والزيارة خاصة، ومن وراء الشعائر الحسينية الأخرى عامة، إذ أن صناعة “الإنسان الحسيني” المؤمن الحر الأبي، البصير القاطع الصلب المتأسي بمناقبية الإمام الحسين (عليه السلام) وأنصاره الكرام لا تكون إلا في مصنع عاشوراء.

ومن تلك الآثار الأثر السياسي والاجتماعي، والتغير الفكري والروحي في الأمة الناشئ عن العزاء والزيارة خاصة وعن الشعائر الحسينية الأخرى عامة، خصوصاً في فترة ما بين مقتله (عليه السلام) إلى أيام الغيبة الصغرى، حيث كان العزاء والزيارة مثلا يعنيان في بعض مقاطع تلك الفترة رفض الناس للسلطات الحاكمة آنذاك، وإعلان البراءة منها، والخروج عليها والتصدي لأنواع نكالها وبطشها…

الأمر الذي هال الحكام الطغاة وأفزعهم خوفاً ورعباً من آثاره، فمنعوا الزيارة بعد أن تحولت إلى ظاهرة سياسية اجتماعية خطيرة واعتدوا على القبر المقدس نفسه غير مرة…. وما خوف الطغاة ورعبهم من صاحب هذا القبر (عليه السلام) إلا لوحدة الحقيقة بينه وبين الإسلام المحمدي الخالص، الذي صار بقاؤه رهين بقاء عاشوراء الحسين (عليه السلام)، النبراس والقدوة لكل انتفاضة إسلامية حقة…”(6).

 نستنتج مما سبق: أن الثورة على الظلم أصل أصيل في مفاهيمنا الإسلامية، والمهادنة والمعايشة مع الظالمين -أو عدم الثورة عليهم- استثناء قد تفرضه بعض الظروف الموضوعية، وما عاشه أكثر الأئمة (عليهم السلام) في عدم الثورة العلنية على الظلم إنما فرضته الظروف الموضوعية الضاغطة، ورغم ذلك فإنهم لم يعطوا الحكومات الظالمة الشرعية لا بسلوكهم ولا بأفعالهم، بل قاموا برعاية كثيرٍ من الحركات الثورية التي خرجت على الأنظمة الجائرة -كما يرى ذلك جملة من العلماء منهم الإمام الخميني والإمام الخامنئي-. يقول الإمام الخميني  (قدِّس سرُّه): “…لو كان ابن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يلتزم بيته ولا يتدخل في شؤون الناس، لاحترموه ولما كان ما حدث، ولما كان يثور -أحياناً- أحد الهاشميين ضد الحكومة -وإن كانوا يتظاهرون بعدم الرضا عنه- ولكن كان ذلك بأمر وتحريض منهم، فكان الامام (عليه السلام) يدعو لزيد وأمثاله الذين ثاروا ضد الخلفاء وأصحاب السلطة…”(7).

ويمكننا أن نقتنص هذا الأصل أيضاً “…من قصة سدير الصيرفي مع الإمام الصادق (عليه السلام) التي قال له الإمام في آخرها: «والله يا سدير لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ما وسعني القعود» وكان عدد هذه الجداء سبعة عشر! كما يستفاد من رواية مأمون الرقي في قصة الصادق (عليه السلام) مع سهل بن حسن الخراساني الذي اعتذر للإمام (عليه السلام) عن امتثال أمره في دخول التنور المسجور، ودخله هارون المكي رحمه الله، فقال (عليه السلام) للخراساني: «كم تجد بخراسان مثل هذا؟» فقال: والله ولا واحدا، فقال (عليه السلام): «لا والله ولا واحدا، أما إنا لا نخرج في زمان لا نجد فيه خمسة معاضدين لنا، نحن أعلم بالوقت».

وكان هذا الأصل أيضا عند الإمام الحسن (عليه السلام)، إذ كان أول ما فعله بعد أمير المؤمنين (عليه السلام) هو مواصلة التعبئة العامة لقتال معاوية في حرب مصيرية، ولولا الخيانات الكبرى والخذلان الخطير والوهن المتفشي في عسكره وما أشبه ذلك من أسباب أجبرته على ترك الحرب لما آل الأمر إلى صلح مع معاوية، وكان الإمام الحسن (عليه السلام) قد ابتلى الناس في عزمهم على الجهاد قبل المهادنة فما وجد فيهم إلا الخور والضعف وحب السلامة والدنيا، حين صعد المنبر فخطبهم قائلا: «…ألا وإن معاوية دعانا إلى أمر ليس فيه عز ولا نصفة، فإن أردتم الموت رددناه عليه وحكمناه إلى الله  بضبا السيوف، وإن أردتم الحياة قبلناه، وأخذنا لكم الرضا».

فناداه القوم من كل جانب: البقية! البقية!، فلما أفردوه أمضى الصلح.

ولما أن شكى إليه الصحابي البطل الشهيد حجر بن عدي (رحمه الله) مرارة الحال بقوله: خرجنا من العدل ودخلنا في الجور، وتركنا الحق الذي كنا عليه ودخلنا في الباطل الذي كنا نذمه، وأعطينا الدنية ورضينا بالخسيسة، وطلب القوم أمراً وطلبنا أمراً، فرجعوا بما أحبوا مسرورين، ورجعنا بما كرهنا راغمين، أجابه الإمام الحسن (عليه السلام): «يا حجر، ليس كل الناس يحب ما أحببت، إني قد بلوت الناس، فلو كانوا مثلك في نيتك وبصيرتك لأقدمت..»”(8).

 والنتيجة الواضحة: أن ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) هي الأصل بحكم العقل والفطرة والنصوص وسيرة الأنبياء (عليهم السلام) بل وسيرة الأئمة (عليهم السلام)، ولا يصح أن نقول أن ثورة الإمام استثناء.

 نتائج مهمة على أصل الثورة 1- عدم احتياج ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) -بل كل ثورة على الظلم- إلى تبرير، فالأصل لا يحتاج إلى تبرير، وإنما الاستثناء هو الذي يحتاج لتبرير، فمن هنا كانت المهادنة والمعايشة مع الظلم هي الحالة الاستثنائية التي قد تفرضها بعض الظروف، وهي الحالة التي تحتاج لتبرير.

 2- التركيز في تربية القواعد الجماهيرية على الأصل وهو القيام والثورة على الظالمين -وهذا ما فعله أهل البيت (عليه السلام) بالتركيز على ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) رغم ظروفهم القاسية-، وعدم تركيز الحالات الاستثنائية في وجدان القواعد الجماهيرية كالصلح مع الظلمة أو التعايش معهم، وهذا لا يعني إغفال تربية القواعد على الحالات الاستثنائية، ولكن فرق بين تربيتهم على هذه الحالات كاستثناء، وتربيتهم عليها كأصل، فالأصل يبقى في التربية كأصل، والاستثناء يبقى في أثناء التربية كاستثناء.

 3- ومن الطبيعي أن تكون بعد هذا العرض الصحيح لأصل الثورة واستثنائية المهادنة والتعايش والصلح مع الظلمة، من الطبيعي أن يصح للثوار والأحرار أن يستشهدوا بثورة الإمام الحسين (عليه السلام) كأنموذج يقتدي به كل أحرار العالم، وكل المظلومين في ثوراتهم أمام الظالمين المستكبرين، ولا تكون بذلك ثورة الامام الحسين (عليه السلام) ثورة خاصة وفي ظروف خاصة بل هي حجة علينا جميعاً لتبين لنا الطريق في كل حالة يوجد فيها مستكبر طاغ يخاف منه على أصل الإسلام وبيضته.

 يقول الإمام الخامنئي (دام ظله) في كتاب الثورة الحسينية خصائص ومرتكزات: “…إن الإمام الحسين (عليه السلام) قد علَّم التاريخ الإسلامي درساً عملياً عظيماً، وضمن بقاء الإسلام في عصره وسائر العصور، فأينما وجد مثل هذا الفساد، كان الإمام الحسين (عليه السلام) حياً حاضراً هناك يعلمنا بأسلوبه وفعله ما يجب علينا عمله، لهذا يجب أن يبقى اسم الحسين (عليه السلام) حياً وتبقى ذكرى كربلاء حية، لأن ذكرى كربلاء تجعل هذا الدرس العملي نصب أعيننا….”.

والحمد لله رب العالمين.

المصادر والمراجع

  • (1) هود 113.
  • (2) الشورى 39.
  • (3) البحار، ج75، ص312.
  • (4) البحار، ج14، ص308.
  • (5) صحيفة الإمام، ج3، ص300.
  • (6) مع الركب الحسيني، علي الشاوي، ج1، ص183.
  • (7) صحيفة الإمام، ج4، ص23.
  • (8) علي الشاوي، مع الركب الحسيني، ج1، ص213.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى