طالب العلم والسنة الدراسية

كلمة سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم بمحضر جمع من طلبة العلوم الدينية في مدينة قم المقدسة ألقاها في الحسينية البحرانية بتاريخ 11 شوال 1430هـ تزامناً مع بدء العام الدراسي.

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

   ساحة العلم وطلب العلم من أشرف وأهم وأخطر ساحات الجهاد، الأرض لا تعيش بلا علم، لا الحياة البدنية تعيش بلا علم ولا الحياة الروحية تعيش بلا علم.

 العلم شرط الحياة، والأمة التي لا تتعلم ويحكمها الجهل مكتوب عليها أن تنحط وتتخلف وتحكم للغير وتهزم وتسلب إرادتها، والإنسان مشروع كبير لا تظهر عظمته بالفعل إلا من خلال العلم الصحيح والعمل الصالح، كل الحياة الإرادية عند الإنسان تستمد صحتها وتستمد قوتها ونهضتها ابتداءً واستمراراً من العلم.

العلم شرط الانطلاقة الحياتية الصحيحة والتقوى تحتاج دائماً إلى علم، والعلم يحتاج دائماً إلى تقوى، وعلم بلا تقوى يعني الدمار، ويعني الوسيلة الهائلة بيد نفس صغيرة شريرة، والتقوى بلا علم ولا بصيرة يمكن أن يكون مدخل الإنسان إلى خدمة الشر من حيث لا يعي ولا يفهم، والشخصية الرسالية ما انهدم أحد هذين العمودين بداخلها أو توارى فإنها لا يصح أن نطلق عليها بأنها رسالية، لا يمكن أن تكون الشخصية رسالية بلا بصيرة وعلم وبلا تقوى، وتخلف أحد الأمرين يعني ارتفاع هذا العنوان وهو عنوان الشخصية الرسالية.

نجيء إلى قم المباركة، ونجيء إلى النجف الأشرف، وعلينا قبل أن نجيء أن نطرح السؤال على أنفسنا، لماذا تحملنا أقدامنا إلى قم وإلى النجف؟ لماذا هذا الخيار؟ ولماذا ليس لندن؟ ولماذا ليس أمريكا؟ وفي لندن علم وفي أمريكا علم وهو سبب حياة.

أن نأتي من غير دراسة ومن غير رؤية ومن غير خيار متأملٍ فيه، أن نأتي بهذا المستوى لأن صديقاً شجعني على المجيء، أو لأن خاطرة ما عابرة رأيت من خلالها أن آتي النجف أو آتي قم.

 أو رأيت الآخرين يأتون فأتيت، أم سمعت أو تصورت بأن طالب العلم يمكن أن تكون له شخصية في الناس ويمكن أن يكون له موقع في الناس ويمكن أن يقدر.

كل هذه خلفيات للمجيء إلى قم وللمجيء إلى النجف خاطئة، لا تنفع صاحبها ولا تنفع الأمة، ما ينفع المرأ أن يفكر وأن يدرس وأن يوازن ويقارن ويتعرف على مسار وعلى واقع ومناخات النجف ومناخات قم وما تتطلبه الحياة العلمية في قم وفي النجف، وما يطلبه المستقبل من الطالب حيث يختار هذا الطريق، وما تتطلع إليه الأمة من هذا الطالب، وهو يحدد خياره في الحياة في هذا الاتجاه، لماذا آتي؟ هل هناك شعور بالحاجة الذاتية لمجيئي إلى قم؟ ومن منطلق الحاجة الذاتية جئت أم من منطلق الشعور بالحاجة الاجتماعية؟ هل أشعر بنوع من العطش ومن الجوع لموائد النجف الأشرف وموائد قم المباركة؟ أم أني غني عن قم وغني عن النجف في شعوري ومع ذلك جئت؟ في قم دين، في قم علم الإسلام، في قم عقلية إسلامية، في قم موائد تحتاجها الروح، في قم نتعلم القرآن، نتعلم السنة، نتعلم الفقه، نتعلم العقيدة، فهل عندي شعور عميق بالحاجة إلى العقيدة، إلى الفقه، إلى الفكر الإسلامي، إلى الاقتراب من الثقافة القرآنية؟ هناك نفر يأتي قم ويذهب النجف من شعور بالحاجة الشديدة لموائد قم وموائد النجف، بالحاجة الذاتية قبل أن يشعر بحاجة الآخرين وحاجة المجتمع، وقبل أن يفكر فيما يصلح المجتمع، إنه يرى في  نفسه فراغاً ويحس في روحه جوعاً، ويشعر أن له أسألة كبيرة وعريضة تحتاج إلى جواب، ويتطلع إلى الجواب من قم ويتطلع إلى الجواب من النجف، فلذلك لا تسعه الحياة في بلده، يضيق صدره بالحياة في بلده، لما في صدره من أسألة ولما عنده من طموح ديني، وشعور شديد بالحاجة الدينية مما يقرر عنده شأن المادة العريضة في بلده وحياة الترف واللين والأجواء الحريرية.

تعرفون أنه في التاريخ رجالاً طلّقوا الكثير من اللذائذ وباعوا الدنيا وقطعوا المسافات البعيدة يطلبون أجوبةً عن أسألتهم الفكرية، ويطلبون مائدةً تغذي جوعتهم الروحية، كانوا يذلّون أنفسهم لحاجة طلب العلم، وتدفعهم هذه الحاجة أن يتصاغروا وأن يتواضعوا وأن ينسوا دنياهم لأنه شعور بالحاجة الروحية في داخلهم يغلب الشعور بالحاجة المادية عندهم.

 طالب من هذا النوع يأتي وكله شعور بالحاجة إلى الدين والعلم، لا بد أن يكون جاداً، ولا بد أن يكون صادقاً، ولا بد أن يكون مقدراً للعلم، وهو طالب لا ينقصه الصبر ولا ينقطع نفسه سريعاً، ولا تحدثه نفسه بين آونة وأخرى ليس بينهما الفارق المقبول بأن يرجع إلى بلده ويبقى الشهرين والثلاثة والأربعة يهون على ذلك الطالب أمرُ الغربة ويهون على ذلك الطالب ظروفُ الشح وظروف الضيق المادي؛ لأن هدفاً كبيراً وراء مجيئه يلغي في نفسه ثقل المتاعب وينسيه أثر كل الأجواء الضاغطة التي تتعب النفوس في العادة، هذا الطالب هو الذي يحتاجه الدين، وهذا الطالب هو الذي ينفع الدين، وهذا الطالب هو الذي لا تشتريه الدنيا، وبمثل هذا الطالب وبأستاذ من نوعه قامت الأديان والمذاهب ووجدت مكانها في التاريخ على الأرض، أمّا طلَّاب الدنيا حيث تضعهم الظروف والخيارات غير المدروسة والفرص العابرة في أجواء الدين، ففي الأغلب ينقلبون على الدين أعداءً صريحين أو أعداءً مبطنين.

 الدين اتجاه إلى السماء ولا تلتقي به النفوس المتجهة إلى الأرض، المكبة عليها، الباحثة عن فرصها، المشغولة هماً بلذائذها، فكان علينا، على كبيرنا وصغيرنا، وعلى الذين يأتون من بعدنا أن نأتي قم أو أن نأتي النجف ونحن واعون لذلك، وعن شعورٍ صادقٍ بالحاجة للنجف وبالحاجة إلى قم، يطغى هذا الشعور بالحاجة على كل الانشدادات للوطن والأهل وعادات البلد وأعرافها وما يجتذب النفوس العادية فيها.

هناك حاجة اجتماعية لأن تأتي قم ولأن تأتي النجف لتضع مجتمعك على طريق ما في قم وما في النجف من دين أصيل ومن علم صادق، لكن الإصلاح الاجتماعي لا يمكن أن يتم من نفس خاوية أو من نفس تعاني من مرض، حيث تعمر نفس الطالب وتغنى بالعلم والمكرمات وتشرأب إلى الله.

وحيث تستقيم هذه النفس وتتطهر وتتزكى ويصح علمها ويكون لها الارتباط المكين بالكتاب الكريم والسنة المطهرة، يزكو بها المجتمع، ويطهر بها المجتمع، وإن كان حديثها القليل.

 أما النفس التي تعاني من نواقص كثيرة، ومن أمراض كثيرة، وانحرافات كثيرة، فلا يمكن أن تصلح مجتمعاً ولا يمكن أن تشعر بحاجة الغير إلى الخير وأنا لا أشعر بحاجتي للخير أو لا يمكن أن يكون شعوري صادقاً وفاعلاً في مسألة الشعور بحاجة الغير إلى الخير، وأنا لا أملك الشعور الصادق الفاعل الدافع المحرك لحاجتي للتوفر على الخير، كيف أشعر بأن المجتمع بحاجة إلى الدين وإلى النهضة الدينية وأستطيع أن أسهم في وضع المجتمع على طريق الوعي الديني والفهم الديني والإخلاص الديني والفاعلية الدينية والسلوك الديني وأنا لا أشعر بالحاجة لشيء من هذا لنفسي؟ المجيء إلى قم لا تصدق معه خلفية الشعور بحاجة المجتمع إلى الإسلام ما لم يصدق الشعور بحاجة الذات إلى الإسلام.

 أنا إذا أرى أنني في غنىً عن الإسلام، وأن الإسلام لا يرفع من شأني عند الله ولست بحاجة إلى الله، ولا بلذة الاقتراب من الله، ولا يشعر بأن هذا الطريق مقرب إلى الله، لا يشعر بشيء من الخسارة حيث يفقد هذا الزاد ولا بشيء من الربح حيث يتوفر على هذا الزاد كيف يكون الداعية الصادق والمبلغ الصادق؟ وكيف يتمكن في داخله الشعور بحاجة الناس إلى الإسلام وأن الإسلام هو المنقذ؟ الحاجة للشعور الذاتي لموائد النجف الأشرف وقم المباركة قبل الشعور بحاجة المجتمع إلى الزاد الطيب المبارك هنا وهناك، الطالب الذاهب إلى لندن أو الذاهب أمريكا لأي اختصاص من الاختصاصات إذا كان لا يشعر بحاجته أو بحاجة مجتمعه بعد ذلك إلى هذا الاختصاص.

 كم سيتفاعل معه؟ أتتوقع أن يتفاعل مع هذا الاختصاص؟ أن يعطي له كثيراً من جهده؟ أن يصبر الصبر الكبير على دربه؟ ما لم يكبر القصد في النفس وتعظم الغاية لا يمكن أن تصبر على الطريق إليها.

 ما لم يكبر القصد في النفس وما لم تعظم الغاية عندها لا أستطيع أن أتصور أن النفس تصبر على الطريق الشائك إليها وطريق طلب العلم من الطرق الشائكة التي تحتاج إلى صبر كبير وجهد وفير.

 لماذا جئت قم؟ لو فرغت عن الإجابة عن هذا، وعليَّ أن أتفرغ للنفس وأجلس معها وأدير الحديث معها للوصول إلى إجابة صادقة بأني لماذا جئت إلى قم؟ هل جئت لدين أم جئت لدنيا؟ جئت لله أم جئت للنفس؟ جئت بسذاجة أم جئت بقصدٍ مدروس؟ جئت ليقال شيخ فلان؟ جئت لأظهر ولأبرز؟ أو جئت ليظهر ويبرز دين الله؟ عليَّ أن أجلس مع النفس الجلسة الواحدة والأخرى حتى أصل إلى إجابة أقتنع بأنها صادقة وبأنها مقبولة في دين الله، بعد الفراغ من الإجابة عن لماذا جئت قم؟ وبعد أن أطوي مراحل من الدراسة وأصل إلى مرحلة الاختصاص، لماذا أدخل هذا الاختصاص دون ذاك؟ لا بد أن أدرس كفاءتي، لا بد أن أدرس ميلي، لا بد أن أدرس حاجتي، لا بد أن أدرس حاجة مجتمعي لتقديم هذا الاختصاص على ذلك الاختصاص، ولا أدخل أي بابٍ من اعتباط، عليَّ أن لا أدخل باباً من أبواب الدراسة أو أبواب الحياة وأن لا آخذ  بخيارٍ من خياراتها إلا عن فكر دارس،  فكرٍ متأمل، فكرٍ وبصيرة.

 أطرح سؤال: ما قيمة السنة الدراسية؟ مرة نقيس السنة الدراسية لعمر الستين أو السبعين أو أكثر من السنوات فتأخذ نسبتها في هذا المحيط أو على مستوى هذا البعد، فتكون الواحد على السبعين أو الواحد على المئة، وقيمة السنة الواحدة من المئة قيمة عالية في الحقيقة، لكن مرة أخرى أقيس السنة الدراسية إلى عمر الإنتاج وليست السبعون سنة أو الثمانون سنة التي يمكن أن يعيشها الإنسان كلها عمر إنتاج، عمر الإنتاج أقصر من العمر الطبيعي، عمر الإنتاج في الثمانين سنة بطرح مرحلة الطفولة وبطرح زمن الأمراض وزمن الهموم والغموم الشاغلة وزمن الشيخوخة المقعدة هو أقل من ذلك بكثير، ومرة نقيس السنة الدراسية إلى العمر الدراسي، كم ستبقى في قم؟ إذا كان البقاء لعشر سنوات فهذا جزء من عشر، واحد على عشرة، فالسنة الدراسية واحد على عشرة والنسبة عالية وليست هي واحد على ثمانين التي هي العمر بل واحد على عشرة، هذا جزء غالي يكتسب نسبة عالية والجزء له قيمته المرتفعة والحساب يكون حساباً كبيراً، والآن سنوات البداية المندفعة فيها رغبة وحيوية واندفاع ونشاط وأمل، ربما يكون بعد ثمان سنوات أقل حماسة وتفاعلاً مع الدراسة وصار يفكر في إنهاء الدراسة.

 والسنوات الأولى هي سنوات الشباب، ونحن لا نأتي صغاراً في قم ولا في النجف نأتي في الثانية والعشرين والثالثة والعشرين والرابعة العشرين والخامسة والعشرين، معنى ذلك أن هذه السنة الدراسية تمثل رصيدا كبيراً من العمر وفي مسار الدراسة بالخصوص وهي سنوات ذات قيمة عالية من جهة أخرى.

من جهة أنها هي التي ستشكل شخصيتك على أكثر من بعد، ليس البعد الفكري فقط، هي التي ستحدد في الكثير مسارك، هي التي ستحدد في الكثير موقعك، ومن بعد ذلك هي التي ستكون من خلالها عظيماً في الآخرة أو غير ذلك، فالسنة الدراسية بهذا في الوقت التي تمثل فيه فرصة عالية كبيرة جداً للارتفاع بمستوى الذات في مختلف أبعادها، وللارتفاع بمستوى الأمة، وللمشاركة الفاعلة للنهوض بأوضاعها، وتمثل خطراً كبيراً وقد تمثل انتكاسة شنيعة في حياة المرء.

 السنة الدراسية ليست ديناراً، وليست ألف دينار، ولا مليون دينار، السنة الدراسية قطعة غالية من العمر، وتقع في مقطعٍ هو من أهم مقاطع العمر، والسنة الدراسية حلقة كبيرة من حلقات وسنوات بسيطة تصنع شخصية هذا الإنسان.

 وعلينا أن لا تنصرف أذهاننا ونحن نتحدث عن العلم وطلب العلم وطالب النجف الأشرف وقم المباركة أن لا تنصرف أذهاننا إلى التقدم أو التأخر إلى النمو والتوقف في البعد الفكري عند الطالب، فقد يشب الطالب فكرياً شباباً رائعاً، وقد يقطع مسافات في هذا المسار إلا أنه في نفس الوقت يتسافل روحياً ويخسر من نفسه ومن طهره ومن نقاء شخصيته، فيكون كارثة على نفسه وعلى الأمة، يكون الطفل الذي بيد السلاح الفعّال القتّال الكبير، العلم سلاح وكما أن علم القنبلة الذريّة سلاح وهو سلاح خطير، إذا صار في اليد غير الأمينة كان كارثة على الإنسانية، فإن العلم الديني سلاح وسلاح كبير وهو أخطر على الإنسانية حيث يكون في اليد غير الأمينة.

نأتي قم ونأتي النجف لا لنصع أنفسنا في البعد الفكري فقط، لا لنتحول كمبيوترات جامعة ولا منتجة أيضاً، مبدعة فقط، لو فعلنا هذا وبقيت الروح في مآسن أو أخذت بدرجة أخطر في الانحدار لكان ذلك خطيراً على أنفسنا وخطيرة على الأمة وما أسفه عالماً كبيراً يتوفر على علم جم ونفس طفلة تشتريها الدنيا بيد الأغنياء وتشتريها الدنيا بيد الحكّام.

النفس الطفلة بلا إمكانات أقل خطراً جداً من النفس الطفلة بالإمكانات الكبيرة الهائلة، وعلم الدين إمكانية كبيرة هائلة بحيث يكون هذا العلم ومعه روح ساقطة ونفسية متدنية وشهوات غالبية وهو سلاح فتّاك للدين ولإنسانية الإنسان.

 أذكر هذا الشيء أكثر من مرة أنا الطالب صاحب العشرين سنة والاثنين والعشرين والثلاثة والعشرين أقارن بين أن أكون في البلد وبين أن أكون في قم أو النجف، في البلد سأبحث عن فرصة عمل، وفرصة العمل تعني عطاءً للمجتمع وفرصة العمل تعني كسب الرزق ورفعاً لمستوى عائلتي إذا كانت محتاجة من ناحية مادية وفيها ملأ كرامة وفيها نظرة احترام من الآخرين، وأني لست عالة، ولست العاطل إلى آخره.

 حين آتي قم أو أذهب إلى النجف فرصة العمل ساقطة ولا يوجد إنتاجية من ناحية العمل، قد أكون بحاجة لأن يمدني أهلي بشيء يساعدني على الدراسة.

إذا كان هناك جد واجتهاد ونمو علمي ونمو روحي فكل المكاسب التي في البلد لا تساوي شيئاً، لا بالنسبة للذات ولا بالنسبة للأمة، فإن الأمة حيث يكون فيها الرجال الصالحون الرعاة المؤثرون على أنفسهم الماضون في سبيل الله فإن هذا يعني استقامتها وانفتاحها على مسيرة العبد والرقي والنمو والصلاح، وحتى الحياة المادية إنما ترغد وإنما تهنأ وإنما تتوافر بدرجة أكبر في ظل فكر صحيح وسلامة نفس وسلامة سلوك، أما أن آتي قم أو أذهب النجف ولا أصنع من نفسي رجل المستقبل النافع للأمة الذي يقوم بالدور الكبير الكامل بحسب الكفاءات التي وهبها الله تعالى فأكون قد خسرت نفسي وخسرت الأمة.

 والعامل هناك بمئة وخمسون ديناراً أشرف مني مليون مرة، وأنتج مني مليون مرة، وهو خير مني مليون مرة.

 إخوتي، أعزائي، أبنائي، سيرجع طلاب قم كما رجع سابقوهم وطلاب النجف وطلاب لندن وأمريكا والبلاد الأخرى سيرجعون إلى البلد كما رجع سابقوهم.

لا يرجعوا بشيء ينفع ونرجع بخفي حنين، ذاك سيحمل شهادة ويمكن أن يخدم المجتمع، سيرجع طبيباً، مهندساً، خبيراً في هندسة المدن أو العمارات أو ما إلى ذلك، سيملأ ثغرة من الثغرات التي يحتاج المجتمع إلى ملأها، سيرجع بسعادة وبفخر حيث يسهم في بناء المجتمع، سيكسب رزقه بطريقة شريفة ليس لأحدٍ عليه جميل فيها.

أنا أرجع لماذا إذا رجعت بلا شيء؟ لا أجيد الكثير، لا أجيد الكتابة، لا أجيد التدريس، مستواي لا يسمح لي  بشيء من هذا، ألا أكون قد ظلمت الدين بهذا وظلمت السمعة الدينية وظلمت نفسي وظلمت مجتمعي؟ يرجع طلاب الدنيا بما ينفع الناس في دنياهم وأنا طالب الدين أرجع بخفي حنين لا أنفع ديناً ولا دنيا؟ علينا أن نشعر بالمسؤولية الكبيرة، وأن لا نضيع لحظة نستطيع أن نستثمرها في الدراسة والنمو العلمي، علينا أن لا نضيع لحظة واحدة يا أخواني.

 يرجع الآخرون بشهاداتهم وبمواقعهم وبدورهم الاجتماعي وبمحاضراتهم في اختصاصاتهم وبندواتهم، وأرجع لا أستطيع أن أشارك في ندوة ولا ألقي محاضرة ولا أصبر على عمل؟ هذا تشويه للدين لا نرتكبه إن شاء الله.

 واضح جداً أن مستقبلنا التبليغي ودورنا الديني المستقبلي وفاعليتنا والتزامنا وقدرتنا على أن نصرع الدنيا ولا تصرعنا، وعلى أن نقطع طمع الأقوياء -أقوياء المال والسلطة- في شرائنا، كل ذلك هو من نوع ما نحضر له أنفسنا الآن.

 طبعاً لن نستطيع أن نعطي أكثر من حجمنا، وصناعة الحجم الآن -الحجم الفكري والروحي والنفسي والعملي(1)-  ما من أحد يستطيع أن يعطي من ذاته فوق ما عليه مستوى ذاته، وفاقد الشيء لا يعطيه.

وغداً زمن العطاء والإنجازات، واليوم زمن التحضير.

وصحيح أن الخوض في الحركة الاجتماعية يعطي خبرة ويصقل ويبصّر لكن صنع الأساس هنا، ولن يصنعك الكتاب وحده وما في الكتاب وحده، وإنما أن تعمل التفكير بما في الكتاب وفي غيره.

وباختصار أيضاً علينا أن لا ننزل إلى بلداننا أمماً، وإنما علينا أن ننزل بعد طول الدراسة والمجاهدة هنا أمة واحدة، وعلينا أن نتعلم فن العمل ضمن الفريق الواحد، وأن نغالب عادةً غلبت علينا؛ لأنَّ نكون مشاريع متعددة ولا نجيد أن نكون المشروع المشترك الواحد، “وقومي رؤوس كلهم هلاّ رأيت مزرعة البصل”، علينا أن نتحرر من هذا المفهوم اليوم لا غداً، إذا عشنا في قم أو في النجف كلنا رؤوس بصل أي على مستوى واحد ولا يعترف الصغير بالكبير ولا يرحم الكبير الصغير، إذا عشنا في قم هذه الحالة طبعاً سنعيشها في بلدان مختلفة الخليجية وغير الخليجية، ومعنى ذلك حيث ننزل كمشاريع وكطموح وكتوجهات وكرؤى وأفكار رئيسة حيث ننزل في هذه الحيثيات والأبعاد بقدر عددنا نجعل شعوبنا أمماً وفرقاً ومزقا، والتمزق هنا يعني التمزق هناك والفرقة هنا تعني الفرقة هناك، والتنافس على الدنيا هنا وفي هذه الساحة الهادئة من هذه الناحية نتنافس على الدنيا هناك في الساحة الساخنة، فلنتق الله في دينه وفي أنفسنا بأن نحاول حسب الجهد وبقدر ما يمكن أن من تحمل الجهد أن نكون الفريق الواحد المتراص، وأن نقدم أكثرنا خبرة وأكثرنا كفاءة في أمورنا الطلابية هنا في قم.

 وهذا التطبيق الذي سمعت عنه من أحد الإخوة وهو صلاة الجماعة بين طلاب، وأنه بعضهم يؤم بعضاً، هذا شيء جميل جداً ويعودنا على شيء كنّا نفقده ونحتاج إليه من انضمام الصفوف الطلابية في صلوات الجماعة وراء بعضهم البعض.

 في المقدمة قلت بأن ساحة طلب العلم ساحة من أمجد وأشرف وأصفى ساحات الجهاد، وذلك جلي في ضوء حقيقة أن مستقبل الطالب يتحدد في ضوء أيام طلبه، وأن شخصيته تتشكل في سنوات أيام دراسته، وفي ضوء أن العلم مشواره طويل وفيه نوع حسب حاضرنا من الغربة(2)، وطريق طلب العلم طريق طويل ويحتاج إلى صبر وكدح فكري ومعاناة وهو ساحة من ساحات الجهاد تتطلب الصبر.

 إخوتي، أحبتي، شبابنا، طلّق بلدك مدة كافية، الغرب بلا رسالية يمتلك العشق العلمي فقط وحب الوطن يجعله يغادر حضارته الناعمة الحريرية والقصور والحدائق والحياة الليّنة ويسافر إلى مجاهيل الأرض والصحراء وإلى قرى نائية ويبقى العشر سنوات ليحقق مسألة واحدة ودراسة ظاهرة اجتماعية وما إلى ذلك.

أنا آتي قم ثلاثة أشهر وأنزل، خمسة أشهر وأنزل؟ إذا كنت أستطيع أن أواصل خمس سنوات في قم فلأواصل باختياري، صنع الشخصية العلمية اليوم القادرة على العطاء شيئاً ليس يسيراً، وأنتم تعرفون إلى حد الآن علماء الغرب يحبس نفسه الزمن الطويل من أجل التحقيق والتدقيق، هذه العلوم الضخمة أنتجها مطالعة ساعات؟ ودراسة أوراق متفرقة؟ أو أنتجها دراسة صبورة دؤوبة مجدّة؟ ثمّ الزوجات المؤمنات الصالحات إن شاء الله هنا لا ينسين أن تعاونهن مع أزواجهن وتوفير الجو المريح للدراسة والصبر على مفارقة الأم والأخوات وما إلى ذلك ونسيان مناسبات الأفراح العائلية هذا نوع من الجهاد.

وهي تشترك في صناعة شخصية زوجها العلمية والإيمانية بهذا ولها الأجر الكبير غير المعلوم عند الله(سبحانه وتعالى)؛ حيث تحسن القصد وحيث تخلص النية وتحتسب هذا عند الله نصرة لدين الله، فالزوجات يرجى منهن كثيراً أن لا يكون تطلعهن إلى تكرار النزول إلى البلد بكثرة هذا شيء، وطلاب العلم أرجو أن لا يكونوا أكثر ليناً من زوجاتهم في هذا الأمر.

اصنع من نفسك رجلاً هنا يا أخي تحتاجك الأمة ويحتاجك الدين.

هذا وغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المصادر والمراجع

  • (1) أي الخبرات العملية.
  • (2) وإن كانت هذه الغربة لا تساوي شيئاً بالنسبة لغربة الماضي، الماضي حيث كان يسافر أحدهم من أقصى الأرض إلى أقصاها من غربها  إلى شرقها ومن شمالها إلى جنوبها ويبقى في الغربة حيث لا مواصلات ولا هاتف ولا…. لعشر سنوات وعشرين سنة حتى ينضج ويرجع إلى بلده والدافع لهم على هذا هو دافع طلب العلم، أما الآن فلا تكاد توجد غربة أبداً فالجالية البحرانية والخليجية واسعة مع اللقاءات والاتصالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى