الابتلاء في حياة الأنبياء

الكلمات الإبراهيمية العشرة في القرآن

الابتلاء في حياة الأنبياء

{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فأَتَمَّهُنَّ

قَالَ: إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَاماً

قَالَ: وَمِن ذُرِّيَّتي؟

قَالَ: لاَيَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}[1].

في هذه الآية الكريمة دراسات قرآنية شيقة:

منها الكلمات التي ابتلى الله تعالى بها عبده وخليله ورسوله إبراهيم (ع): (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ).

وإتمام إبراهيم لهذه الكلمات (فَأَتَمَّهُنَّ) وهي شهادة من الله تعالى لإبراهيم، وناهيك بها في فضل إبراهيم ودرجته عند الله.

ومنها الإمامة التي أناطها الله تعالى بإبراهيم بعد أن اتمّ هذه الكلمات، وعلاقة الإمامة بالكلمات.

وهل هي النبوة ـ وقد كان (ع) نبياً، عندما أتمّ بعض هذه الكلمات، أم هي شأن آخر غير النبوّة، وهو ما نرجّحه، بل نقطع به.

ومنها الشرط الذي تقرره الآية الكريمة للإمامة «لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ»، عندما طلب إبراهيم (ع) الإمامة من الله تعالى لذريته، فاستجاب الله تعالى لدعائه، ثم بين الله تعالى له انه لا يعهد بالإمامة إلى الظالمين من ذريته.

وما هو معنى الظلم الذي يمنع من الإمامة؟

وهل يمنع التلبس بالشرك والظلم من الإمامة في فترة من العمر، أم أن الآية الكريمة تقرر أن الله تعالى لا يعهد بالإمامة إلى من يتلبس بالظلم حالة التلبس بالإمامة.

تلك وغيرها أبحاث ودراسات في هذه الآية الكريمة ونحن في هذه الدراسة نتناول البحث عن «الكلمات الإبراهيمية». إنشاء الله.

الابتلاء سنة إلهية عامة في حياة الناس، وعلى سلّم الابتلاء يرقى الإنسان إلى لقاء الله وقربه تعالى، ومهما كان حظّ الإنسان من الابتلاء، ونجاحه في تجاوز الابتلاء افضل يكون قربه إلى الله تعالى أكثر.

ففي الابتلاء يتضرع الإنسان إلى الله ويكدح إليه تعالى، ويقوى عوده على مقاومة الهوى. ويرقى إلى لقاء الله تعالى وقربه.

ولا تستثني هذه السنة الإلهية الأنبياء (ع). بل إن الأنبياء أكثر الناس حظاً من الابتلاء، ومراتبهم عند الله تعالى في القرب هي درجاتهم في الابتلاء وتجاوز الابتلاء.

واليك طائفة من الشواهد على ابتلاء الأنبياء.

ابتلاء آدم (ع):

وأول من ابتلى الله تعالى أبونا آدم (ع)، ابتلاه بالشجرة الممنوعة.

{وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتَما وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين * فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَات فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}[2].

ومهما يكن أمر هذا الابتلاء، ومهما تكن قصة الشجرة الممنوعة، فقد كان هذا الابتلاء أول ابتلاء في تاريخ الإنسان، وكان هو السبب، كما نفهم في دخول الإنسان دار التكليف.

ابتلاء يوسف (ع):

وابتلى الله تعالى يوسف الصديق (ع) بامرأة العزيز فعصمه الله تعالى في هذه الفتنة التي تقول عنها امرأة العزيز: {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ}، وآثر السجن على معصية الله: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}[3].

وخرج منها منتصراً على الشيطان. فآتاه الله على ذلك الحكم والعلم:

{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}[4].

وبقي يوسف (ع) رغم هذا الانتصار على الشيطان يدعو الله تعالى أن يصرف عنه كيدهن، ويرفع إلى الله تعالى فقره وضعفه وعجزه، لولا رحمته وإمداده وتوفيقه وهدايته تعالى.

{..وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَ وَأَكُن مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.

وأصل القصة كما يحدثنا الله تعالى في كتابه هو:

{وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبَوْابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَن رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}[5].

ابتلاء ذي النون (ع):

ومن نماذج ابتلاء الأنبياء ابتلاء يونس (ع) ببطن الحوت في ظلمات ثلاث: ظلمة الليل وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت. فسبّح لله تعالى، وأناب إليه، واستغفره سبحانه، فاستجاب الله تعالى له، وأنجاه من سجنه.

يقول تعالى:

{وَذَا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ}[6].

ابتلاء موسى (ع):

ومن اكثر الأنبياء ابتلاءً كليم الله موسى بن عمران (ع) فقد ابتلاه الله بكلمات كثيرة فأتمَّهنَّ، وآتاه الله تعالى الحكم والنبوة.

وها نحن نذكر نماذج مما ابتلى الله تعالى به عبده وكليمه موسى بن عمران (ع).

منها ابتلاؤه بدعوة طاغية عصره إلى عبادة الله تعالى وإطلاق سراح بني إسرائيل، وكان ابتلاءً صعباً، أن يدخل موسى (ع) على طاغية عصره ليدعوه بدعوة الله تعالى.

ونقرأ قصة هذه الدعوة في سورة طه:

{اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالاَ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى * قَالَ لاَ تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى * فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِل مَعَنَا بَني إِسْرائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَة مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى * إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى * قَالَ فَمَن رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَاب لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى}[7].

ومن ذلك ابتلاؤه بعد عودته من ميقات الله سبحانه وتعالى بضلالة السامري، وعبادته للعجل، ودعوته لبني إسرائيل إلى عبادة العجل.

{وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الاَْلوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يِجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الاَْعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَ رَبِّ اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين * إنَّ الَّذِيَن اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ* وَالَّذِينَ عَملُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}[8].

ومن ذلك ابتلاء موسى (ع) باتباع العبد العالم، وكان ابتلاؤه شاقاً على كليم الله (ع)، ولكنه كان يخضع بكل أدب النبوة لهذا الابتلاء الصعب، مرة بعد اخرى، حتى بلغ العبد العالم من لدن كليم الله (ع) عذراً، فافترقا بعد أن قضى موسى (ع) معه جولة من الامتحان الصعب الذي كان لابد لـه من أن يجتازه معه، واستمع إلى قصة هذا الامتحان العسير في سورة الكهف:

{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبَرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البحرِ سَرَباً * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً * قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً * فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَينَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً * قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللهُ صَابِراً وَ لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً * قَالَ فَإِن اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَن شَيْء حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْراً * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جَئْتَ شَيْئاً إِمْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً * فَانَطَلَقَا حَتَّى إذا لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةَ بِغَيْرِ نَفْس لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْء بَعْدَهَا فَلاَ تصَاحِبْني قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَة اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُريدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً * أمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يأْخُذُ كُلَّ سَفِينَة غَصْباً * وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرهِقَهُمَا طُغْيَاناً وكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكوةً وَأَقْرَبَ رُحْماً * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنَزهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبُّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً}[9].

ابتلاء إبراهيم (ع) بالكلمات:

وابتلى الله تعالى إبراهيم أبا الأنبياء بكلمات، فاتمهن كما يقول تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ}.

ويذهب بعض المفسرين مذاهب مثيرة للاستغراب في تفسيره هذه الكلمات، ومن ذلك ما رواه بعضهم أن هذه الكلمات هي الخصال العشرة التي تسمى خصال الفطرة، وهي قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس، وتقليم الأظافر، وحلق العانة، ونتف الإبط، والاستحداد، وهي مجموعة تعليمات صحية مندوبة في الشريعة.

يقول الشيخ محمد عبده في التعليق على هذه الرواية:

«إن هذا من الجرأة الغريبة على القرآن، ولا شك عندي في أن هذا مما أدخله اليهود على المسلمين، ليتخذوا دينهم هزواً، وأي سخافة اشدّ من سخافة من يقول: إن الله تعالى أبتلى نبيا من اجل الأنبياء بمثل هذه الأمور، وأثنى عليه بإتمامها، وجعل ذلك كالتمهيد لجعله إماما للناس، واصلا لشجرة النبوة.

وان هذه الخصال لو كلف بها صبي مميز لسهل عليه إتمامها، ولم يعد ذلك امراً عظيماً»[10].

يقول الشيخ رشيد رضا صاحب تفسير المنار:

كتب إليه رجل من المشتغلين بالعلم في سوريه كتاباً عقب قراءته رأي الشيخ محمد عبده في تفسير هذه الآية في مجلة المنار.

يقول فيه: إن تفسير الكلمات بخصال الفطرة مروي عن ترجمان القرآن ابن عباس ـ فكيف يخالفه فيه، وشدّد النكير في ذلك، وأطنب في مدح ابن عباس.

وقد أرسل إليَّ الاستاذ كتابه عند وصوله ـ وكتب عليه: الشيخ رشيد يجيب هذا الحيوان.

فكتبت إليه، وكان صديقاً لي، كتاباً لطيفاً، كان مما قلته فيه على ما أتذكر.

إننا لم نر أحداً من المفسرين، ولا من أئمة العلماء التزم موافقة ابن عباس في كل ما يروى عنه، وان صح سنده: فكيف إذا لم يصح وقد قال الشيخ محمد عبده انه يجلّ ابن عباس عن هذه الرواية ولا يصدقها[11].

ومناقشة الشيخ محمد عبده لهذه الروايات مناقشة صحيحة ومتينة… ولكن الشيخ، مع ذلك لا يريد أن يأخذ بما ورد في القرآن مما حدثنا الله تعالى عنه من ابتلاءات إبراهيم العظيمة، ومن اعظم ذلك ابتلاء إبراهيم بما رآه في المنام من ذبح ولده إسماعيل (ع)، ويناقش ذلك بمناقشات غير واضحة، فيقول: وإنما هذا الأمر كلمة واحدة جعلوها عشراً، ولست اعتقد بوجاهة هذه المناقشة، فلم يرد في القرآن تحديد لعدد الكلمات، ثم إن ما يحدثنا القرآن الكريم به من ابتلاءات إبراهيم (ع) ليس بواحدة، وإنما هي كثيرة، قد تبلغ العشرة وقد تزيد.

وفي رأيي أن تفسير (الكلمات) بما ورد في القرآن من موارد ابتلاء الله تعالى لعبده وخليله إبراهيم (ع) لا يمكن أن يغيب عن فكر الشيخ الثاقب، ولكن الشيخ (قده) يريد أن يتجنّب هذا التفسير لما يؤول إليه أمر هذا التفسير من فصل الإمامة عن النبوّة أولا واشتراط الإمامة بعدم تلبس الإمام بالظلم في حياته ثانياً، وهذا ما لا يريد الشيخ الإقرار به، وفي نفس الوقت لا يريد أن يفصح عن سبب ذلك.


أقرأ ايضاً:

الهوامش والمصادر

  • [1] ـ البقرة: 123.
  • [2] ـ البقرة: 35 ـ 37.
  • [3] ـ يوسف: 32ـ 33.
  • [4] ـ يوسف: 22.
  • [5] ـ يوسف: 23 ـ 24.
  • [6] ـ الأنبياء: 87.
  • [7] ـ طه: 42 ـ 52.
  • [8] ـ الأعراف: 150 ـ 153.
  • [9] ـ الكهف: 60 ـ 82.
  • [10] ـ تفسير المنار 1: 454.
  • [11] ـ المصدر السابق.
بواسطة
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى