البعد الأول للسلام

السلام في الخط الطولي من شبكة الولاء

السلام في الخط الطولي لشبكة الولاء يتجسّد في التسليم والانقياد والحبّ في الخط الصاعد أي في اتجاه علاقة الناس بالله ورسوله وأولياء الاُمور، ويأتي بمعنى الرعاية والحبّ والخدمة والتواضع في الاتجاه النازل أي في علاقة أولياء الأمور و(الدولة الإسلامية) بالرعايا المسلمين.

وفي مقابل التسليم لله ولرسوله يأتي إعلان الحرب على الله ورسوله وأوليائه فالذي لا يسلم أمره لله ولرسوله وأوليائه فلا محالة يدخل في دائرة العاصين والمخالفين والمارقين والبغاة والذين يعلنون الحرب على اللهو رسوله.. باختلاف مستويات العصيان والخروج عن دائرة الطاعة.

العلاقة بين الله تعالى وعباده في الخط الصاعد

1 ـ التسليم لله تعالى

الإسلام هو التسليم لله تعالى والانقياد لحكمه وأمره، ولا يتمّ الإسلام بالإيمان بالله فقط. فلقد كان الناس في الجاهليّة المعاصرة للإسلام يؤمنون بالله تعالى بشكل أو بآخر، ولكن هذا الإيمان لم يكن يكفي في اتصافهم بالإسلام، وإنّما كان عليهم بعد ذلك أن يسمعوا ويطيعوا ليكونوا مسلمين:

{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}[1].

إيمان بالله تعالى وإيمان بملائكته وكتبه ورسله، وعدم التفرقة والتجزيء بين الرسل. فكلّهم أنبياء الله تعالى، إصطفاهم وأرسلهم برسالته، والسمع والطاعة والتسليم والانقياد:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ}[2].

{وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ}[3].

{وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ}[4].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ}[5].

فالطاعة والتسليم عنصران أساسيان في العلاقة بالله تعالى، ومن دون الطاعة والتسليم ينتفي الإسلام رأساً، وليست هذه النتيجة تترتب فقط على الخروج من دائرة السلم لله تعالى، وإنّما يدخل الإنسان في دائرة طاعة الشيطان وتحدّي حكم الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}[6].

فالإسلام هو الدخول في دائرة السلم، والتسليم لله من دون تردد ولا تلجلج ولا تراجع وحتى من دون أن يجد الإنسان في نفسه حرجاً من التسليم لحكم الله ورسوله، وبغير ذلك فهو الإيذان بحرب من الله: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ}[7].

فليس بين هاتين الدائرتين من دائرة وسطى، فإمّا التسليم وإمّا الدخول في دائرة الشيطان، والتمرّد على الله تعالى، والمحاربة لله تعالى، والصدود عن سبيل الله، والشقاق لله، ومحاددة الله، وجزاء كل أولئك خزي في الدنيا وعذاب أليم في الآخرة: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ… ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[8].

{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}[9].

{أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ}[10].

ومشاقّة الله أن يأخذ الإنسان شقّاً غير شقّ الله، والمحاددة بنفس المعنى، أن ينحاز الإنسان إلى خطٍّ وحدٍّ وشقٍّ غير خطٍّ الله وحدِّه وشقِّه، ولكي يخرج الإنسان من دائرة محاربة الله، واتِّباع خطوات الشيطان، ومحاددة الله ومشاحنته، والصدود عن سبيل الله وأذيّة[11] الله ورسوله فلابدَّ من أن يدخل في دائرة التسليم لله والسمع والطاعة… وليس بينهما من برزخ لا يمتُّ إلى هذا أو ذاك بصلة، فإمّا تسليم لله تعالى بدون قيد ولا شرط ولا تحفّظ ولا تحرّج، وإمّا صدٌّ عن سبيل الله، ومحاربة الله ورسوله، وإيذاء الله ورسوله، وعلاقة الإنسان المسلم بالله تعالى لابدَّ أن تكون من النوع الأول: التسليم[12] الكامل من دون حدود وقيود، والانقياد المطلق لأمر الله تعالى ونهيه بلا تحفُّظ ولا اعتراض، والاستسلام الكامل من دون أن يخالج صاحبه شكٌّ أو ريب أو حرج في الاستجابة لأمر الله تعالى ونهيه: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}[13].

{وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ}[14].

{قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ}[15].

{وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}[16].

2 ـ حبّ الله

ولا يكفي الإيمان والتسليم ما لم يقترنا بحبِّ الله تعالى، حبّاً يفوق كل حب، وحبّاً يكون مصدراً لكل حب، وحبّاً يوجِد عاطفة الإنسان ويملك عليه مشاعره، فيحِبّ الله، ويحبّ في الله من يأمر اللهُ بحبّه، ومن يكون حبّه في امتداد حبِّ الله، وحبّاً يقترن بالبغض والعداء لأعداء الله، فلا يجتمع حبُّ الله تعالى مع حبِّ أعدائه، ولا يجتمع الولاء لله تعالى مع موالاة أعدائه، ولا يصدق الإنسان في حبّه لله أن لم يكن هذا الحب يفرز بصورة طبيعيّة عداءً وبغضاً وموقفاً سلبياً من أعداء الله:

{قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}[17].

…هكذا يجب أن يكون الحبّ لله فوق حبّ الإنسان لأبنائه وآبائه وتجارته: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ}[18].

وكأنَّ الإنسان لا يؤمن حتى يكون أشدَّ حبّاً لله، وإمارةُ الإيمان وعلامته في النفس هو أن يكون حبُّ الإنسان لله أشدَّ من حُبِّهِ لأيِّ شخص أو أيِّ شيء آخر، وكان رسول الله “ص” يقول في الدعاء ـ كما في الرواية ـ :

«اللّهم اجعل حبّك أحبّ الأشياء إليّ، واجعل خشيتك أخوف الأشياء عندي، واقطع عنّي حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك»[19].

وعن رسول الله “ص” أيضاً في الدعاء: «اللّهم إنّي أسألك حبَّك وحبَّ من يحبُّك، والعمل الذي يبلغني حبّك، أللّهم اجعل حبَّك أحبَّ إليّ من نفسي وأهلي»[20].

وعن الإمام الصادق “ع” أنه قال: «لا يُمحض رجلٌ الإيمان بالله حتى يكون الله أحبّ إليه من نفسه وأبيه وأُمّه وولده وأهله ومن الناس كلِّهم»[21].

فالحبُّ لله تعالى أساسٌ ومحور في حياة الإنسان المسلم، فهو أساس لكل حبٍّ آخر، فلابدَّ من أن يكون أشدَّ من أيِّ حبّ آخر في حياته، ومحورٌ لأيّ حبٍّ آخر، فلابدّ أن يكون أيّ حبّ آخر متشعباً من هذا الحب ومتفرعاً عنه، ولابدَّ أن يملك هذا الحبُّ على الإنسان كل مشاعره وعواطفه ويتحكّم في حبّه وبغضه وحتى في درجات حبّه وبغضه، ولابدَّ أن يملأ هذا الحبّ كل قلبه وصدره حتى يستطيع أن يمتلك عاطفته ومشاعره.

فهذا الحبُّ إذن كالطاعة حاسم ومطلق ومن دون قيود وشروط، وقويٌّ، وفاعل ومؤثّر وموِّه لقلب الإنسان المسلم ومشاعره، والعلاقة بالله تعالى ـ بقدر ما يتعلّق الأمر بحديثنا هذا عن السلم والسلام في علاقة الإنسان المسلم بالله ـ مزيج من الطاعة والتسليم والحب، وفي هذا المزيج يجتمع السلم والحبّ في طيف واحد، ويتألّف منهما نسيج فريد في العلاقة بالله تعالى، لا نجد لـه نظيراً في غير الإسلام، وهذه هي صبغة السلام في علاقة الإنسان المسلم بالله تعالى.

العلاقة بين الله تعالى وعباده في الخط النازل

هذا هو الطور الثاني من الطورين اللَّذين تحدّثنا عنهما في العلاقة بين الإنسان المسلم والله (عزّوجل)، وهو الطور ـ النازل ـ .

وقد سبق أن استعرضنا بإجمال طبيعة العلاقة السلميّة بالله تعالى في طوره الصاعد.

وسوف نتحدث إن شاء الله عن العلاقة السلمية لله تعالى بعباده في طوره النازل بإجمال.

السلام في علاقة الله تعالى بعباده

علاقة الله تعالى بعباده قائمة على أساس من (السلام) و(الرحمة) وهو عزّ شأنه مبدأ كل سلام ورحمة، فعباده منه في أمن وسلام، لا يصيبهم منه سوء ولا مكروه ولا أذى ولا عذاب إلاّ من جرّاء أعمالهم، ولا يمسّهم من الله تعالى ظلم إلاّ أن يظلموا أنفسهم بأيديهم حيث يقول عزَّ اسمه:

{وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}[22].

{وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}[23].

{فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}[24].

{إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}[25].

ومن أسمائه تعالى «السلام»، والسلام هو من يلقى الإنسان بالسلامة والعافية والأمن، ولا يمسّ الإنسان منه سوء أو ضرر: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ}[26].

فكل سوء أو شرّ يصيب الإنسان إنما هو من ناحية الإنسان نفسه، والله تعالى لا يريد بعباده سوءاً أو شرّاً وإنّما يريد لهم الأمن والطمأنينة والرضا والثقة، والإنسان المؤمن يعيش مع ربّه بمشاعر ملؤها الثقة والرضا والاطمئنان، فهو تعالى رؤوف رحيم بعباده يرحمهم ويعطف عليهم ويرأف بهم: {وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ}[27].

{إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}[28].

فهو راض بحكم ربّه وقضائه في السرّاء والضرّاء وفي الشدّة وفي الرخاء وفي العسر واليسر… ويعلم أنه لا يصيبه الله بشيء يضرّه أو يسوؤه، فهو تعالى لا يريد به إلاّ الخير، وإذا أدخله في عسر أو حرج أو ضرّاء أو بأساء فلصالحه، وإذا أبطأ عن إجابته في دعائه فلمصلحة خفيت عليه يعلمها الله تعالى: «ولعلَّ الذي أبطأ عنّي هو خير لي لعلمك بعاقبة الأُمور»[29].

فإذا استجاب لـه في دعائه كان خيراً، وإذا أبطأ عنه كان خيراً، وإذا أدخله في يسر أو رخاء أراد به خيراً، وإذا أدخله في عسر أو ضرّاء أراد به خيراً، هذه المشاعر تجعل الإنسان المسلم يركن إلى الله تعالى وتمتلئ نفسه في علاقته بالله تعالى بالثقة والرضا والطمأنينة والإحساس بالأمن والسلام.

والله تعالى يهدي عباده سبل السلام ومناهج السلام في حياتهم ومعيشتهم: {قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ}[30].

فإذا اتبّع الإنسان سبل السلام التي هداه الله تعالى إليها على أيدي أنبيائه فسوف يعيش حياة ملؤها السلام مع أولياء الأمور ومع المجتمع ومع أُسرته وأهله وذويه ومع نفسه ومع الأشياء.

وكل ما يعانيه الإنسان من تناقضات وصراع وقلق في داخل نفسه وفي المجتمع; فمن جرّاء الانحراف عن سبيل الله، وأمّا إذا استقام على طريق الله فسوف يعيش حياة ملؤها الثقة والرضا والأمن حتى في أشدّ الابتلاءات واصعب الظروف.

والله تعالى يهدي السلام إلى عباده: {سَلامٌ قَوْلا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ}[31].

{قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى}[32].

وسلِّم ـ سبحانه ـ على أنبيائه وصفوته من خلقه فيقول: {وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[33].

{وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ}[34].

{وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ}[35].

وأخيراً فإنّ الله تعالى يرزق عباده (دار السلام) في الآخرة فيقول: {لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}[36].

فإنّ الجنّة «دار السلام» لا يجد الإنسان فيها سوءاً ولا يمسُّه فيها ضرٌّ ولا يشعر فيها بفزع أو خوف: {وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}[37].

{فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ}[38].

وينزع الله تعالى في الجنّة الغلّ والحقد والحسد من قلوب عباده، فلا يجدون في الجنّة ما يجدونه في الدنيا من المكر والكيد والحقد والغلِّ من الآخرين ولا في أنفسهم، فيقول: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ}[39].

فلا يعيق صفو حياتهم حسد ولا مكر ولا كيد ولا منافسة، ولا يسمعون في الجنّة لغواً ولا تأثيماً من القول إلاّ سلاماً سلاماً فيقول: {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلاّ قِيلاً سَلامًا سَلامًا}[40].

فالجنّة دار السلام ليس فيها خوف من مرض أو ابتلاء أو موت أو فقر أو عذاب أو مكر أو حسد… أمن كلُّها وسلام كلُّها، فإذا أراد المؤمنون أن يدخلوا الجنّة فإنّ اللوحة الأولى التي تواجههم على أبواب الجنّة هي لوحة البشارة بالأمن: {ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ}[41].

وتستقبلهم خزنة الجنّة بالسلام على أبواب الجنّة: {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}[42].

وتتوافد عليهم ملائكة الله تعالى في الجنّة يدخلون عليهم من كل باب ويسِّمون عليهم: {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}[43].

فالله تعالى هو السلام، يُهدي السلام إلى عباده ويَهديهم إلى سبل السلام، ويرزقهم دار السلام في الآخرة، وينعم عليهم بالسلام في الدنيا والآخرة.

وللفخر الرازي في تفسيره الكبير كلمة في: (السلام في علاقة الله تعالى بعباده) يُعجبني أن أدرجها في هذا المقام، فهو يقول:

إعلم أن الله تعالى سلّم على المؤمن في اثني عشر موضعاً:

أولها: أنّه تعالى كأنّه سلّم عليك في الأزل، ألا ترى أنه قال في وصف ذاته: {الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ}.

وثانيها: أنّه سلّم على نوح وجعل لك من ذلك السلام نصيباً فقال: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} والمراد منه أُمّة محمد(ص).

وثالثها: سلَّم عليك على لسان جبريل فقال: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}، قال المفسّرون: إنّه ـ عليه الصلاة والسلام ـ خاف على أُمته أن يصيروا مثل أُمّة موسى وعيسى فقال الله: لا تهتمَّ لذلك فإنّي وإن أخرجتك من الدنيا إلاّ أني جعلت جبريل خليفة لك ينزل إلى أُمتك كل ليلة قدر ويبلغهم السلام منّي.

ورابعها: سلَّم عليك على لسان موسى× حيث قال: {وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} فإذا كنت متّبع الهدى وصل سلام موسى إليك.

وخامسها: سلَّم عليك على لسان محمد(ص) فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} وكل من هدى الله إلى الإيمان فقد اصطفاه، كما قال: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}.

وسادسها: أمر محمداً(ص) بالسلام على سبيل المشافهة فقال: {وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ}.

وسابعها: أمر أُمّة محمد(ص) بالتسليم عليك قال: {وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا}.

وثامنها: سلّم عليك على لسان ملك الموت فقال: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ} قيل: إنّ ملك الموت يقول في أذن المسلم: السلام يقرؤك السلام ويقول: أجبني فإني مشتاق إليك واشتاقت الجنّات والحور العين إليك، فإذا سمع البشارة يقول لملك الموت: للبشير منّي هديّة ولا أعزّ من روحي فاقبض روحي هديّة لك.

وتاسعها: السلام من الأرواح الطاهرة المطهّرة، قال تعالى: {وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ}.

وعاشرها: سلَّم الله عليك على لسان رضوان خازن الجنّة فقال تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا… وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ}.

والحادي عشر: إذا دخلوا الجنّة فالملائكة يزورونهم ويسلِّمون عليهم، قال تعالى: {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}.

والثاني عشر: السلام من الله من غير واسطة وهو قوله: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ} وقوله: {سَلامٌ قَوْلاً مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ}.

وعند ذلك يتلاشى سلام الكل لأن المخلوق لا يبقى على تجلّي نور الخالق [44].

أقرأ ايضاً:


المصادر والمراجع

  • [1] ـ البقرة: 285.
  • [2] ـ النساء: 59.
  • [3] ـ النساء: 13 ـ 14.
  • [4] ـ المائدة: 92.
  • [5] ـ الأنفال: 20 ـ 21.
  • [6] ـ البقرة: 208.
  • [7] ـ البقرة: 279.
  • [8] ـ المائدة: 33.
  • [9] ـ الأنفال: 13.
  • [10] ـ التوبة: 63.
  • [11] ـ {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا} (الأحزاب: 57).
  • [12] ـ قد يتصوّر أحد أن الأمر اشتبه علينا في موضوع السلام بين المشترك اللفظي والمعنوي إذ أن الذي نبحث عنه هو السلام بالمعنى المقابل للحرب، والتسليم في العلاقة مع الله، يأتي بالمعنى المقابل للمخالفة، وعدم الانقياد وهما معنيان مختلفان وإن كانا مشتركين في اللفظ إلاّ أنني انتهيت بشكل عابر أكثر من مرّة في هذا الشطر من البحث إلى أنّ العلاقة السلميّة مع الله تعالى بالمعنى المقابل للحرب تتحدد في التسليم لله تعالى بمعنى (الانقياد والطاعة) ولذلك أدرجنا الحبّ أيضاً مع عناصر هذه العلاقة إلى جنب التسليم.
  • [13] ـ النساء: 65.
  • [14] ـ النساء: 125.
  • [15] ـ الأنعام: 14.
  • [16] ـ غافر: 66.
  • [17] ـ التوبة: 24.
  • [18] ـ البقرة: 165.
  • [19] ـ كنز العمّال (ج 8 ص 36).
  • [20] ـ كنز العمّال (ج 8 ص 37).
  • [21] ـ بحار الأنوار (ج 70 ص 25).
  • [22] ـ آل عمران: 117.
  • [23] ـ البقرة: 57 والأعراف: 160.
  • [24] ـ التوبة: 70 والروم: 9.
  • [25] ـ يونس: 44.
  • [26] ـ الحشر: 23.
  • [27] ـ البقرة: 207 وآل عمران: 30.
  • [28] ـ البقرة: 143 والحج: 65.
  • [29] ـ دعاء الافتتاح.
  • [30] ـ المائدة: 15 ـ 16.
  • [31] ـ يس: 58.
  • [32] ـ طه: 47.
  • [33] ـ الصافّات: 181 ـ 182.
  • [34] ـ الصافّات: 78 ـ 79.
  • [35] ـ الصافّات: 108 ـ 109.
  • [36] ـ الأنعام: 127.
  • [37] ـ النمل: 89.
  • [38] ـ سبأ: 37.
  • [39] ـ الحجر: 47.
  • [40] ـ الواقعة: 25 ـ 26.
  • [41] ـ الحجر: 46.
  • [42] ـ الزمر: 73.
  • [43] ـ الرعد: 23 ـ 24.
  • [44] ـ التفسير الكبير للإمام الفخر الرازي (ج 10).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى