مفاتيح شرح الصدر

الانشراح

المفاتيح الثلاثة لرحمة الله تعالى:

مفاتيح رحمة الله تعالى عامة ومفاتيح شرح الصدر خاصة ثلاثة:

ووعي هذه الثلاثة ينفع الإنسان كثيراً في استنزال رحمة الله تعالى، فإن رحمة الله تنزل على هذه المواطن.

فهناك جانب واسع من رحمة الله تعالى ينزل على الكون، وعلى الناس من دون سؤال وطلب، ومن دون عناء وجهد «يا من يعطي من سأله، يا من يعطي من لم يسأله ومن لم يعرفه تحنناً منه ورأفة» وهو جانب واسع من رحمة الله الواسعة، ولا يحتاج الإنسان في هذه المساحة من الرحمة الإلهية إلا أن يتلقى ويأخذ، فما دام يأخذ يُعطى، وما دام الإنسان يَتَلقّى تُلْقى إليه الرحمة، ولا حد لهذه الرحمة النازلة على الكون والعباد إلا وعاء الكائنات، من ملك، وإنسان، وجن، وحيوان، ونبات، وجماد، ووعاء الإنسان في تلقي هذه الرحمة من أوسع الأوعية في هذا الكون، إلاّ أن يستكبر الإنسان ويأبى ويرفض أن يأخذ من رحمة الله.

وكثيرون من الناس يُعرضون عن رحمة الله ويرفضون الرحمة النازلة إليهم، ويتعاملون معها بالرفض والامتناع والاستكبار والإعراض… وأولئك هم البائسون الأشقياء، تنزل عليهم رحمة الله، من دون سؤال وطلب، ومن دون مقابل من عناء وجهد، فيرفضونها ويردونها.

ومفتاح هذا الشطر العظيم من رحمة الله تعالى هو «الأخذ والاستجابة فقط».

وجانب آخر من رحمة الله الواسعة تنزل على الإنسان عند السؤال والطلب، ولا يعطاها من دون سؤال وطلب، وهذه هي الرحمة التي ينزلها الله تعالى على الإنسان عند الدعاء وبالدعاء فإن الدعاء، كما قدمنا مفتاح لجانب عظيم من رحمة الله تعالى والله تعالى كما يحب أن يتلقّى عباده من رحمته ما ينزل عليهم من دون سؤال وطلب، كذلك يجب لعباده أن يسألوه، ويطلبوا منه، ويلحوا في السؤال والطلب والدعاء.

{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}[1].

{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَيُحِبُّ الْمُعْتَدينَ}[2].

{وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ}[3].

وهذا شطر آخر عظيم من رحمة الله تعالى، ينزل على الإنسان بالدعاء والسؤال والطلب، وهو يختلف عن الشطر الأول الذي كان ينزل من دون سؤال وطلب، ومفتاح هذا الشطر هو الدعاء… وقد تحدثنا عن هذين الشطرين قريباً، فلا نعيد التفصيل فيهما ونكتفي بهذه الإشارة.

وشطر ثالث من رحمة الله تعالى، ينزل على العباد في مقابل العمل والجهد، وجزاءً لجهد الإنسان وعمله، وليس معنى المقابلة والجزاء التكافؤ، فلا يمكن أن يكافئ جهد الإنسان المقل رحمة الله الواسعة وأي شيء يكافئ رحمة الله، فأنَّ جهد الإنسان نفسه من فضل الله ورحمته، وليس للإنسان من غير فضل الله ورحمته حول ولا قوة ولا جُهد. وإنما نقصد بالمقابلة أن الرحمة تنزل بنسبة العمل والجهد والعطاء، وهو ما يسمى بـ«الجزاء».

والجزاء في الدنيا والآخرة شطر عظيم من رحمة الله تعالى ينزل على مواطن العمل والجهد والعطاء.

والقرآن يعبّر عن هذا الشطر العظيم من رحمة الله تعالى بصيغة التعامل، والتجارة، والبيع، والشراء بين الله وعباده وهو ما نقصده من «العمل بالجزاء».

يقول تعالى:

{إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ}[4].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَة تُنجِيكُم مِنْ عَذَاب أَلِيم}[5].

{يَرْجُونَ تِجَارَةً لَن تَبُورَ}[6].

وهذا شطر واسع من رحمة الله تعالى مفتاحه العمل والعطاء والجهد.

والآن نتحدث في ضوء هذا التشخيص عن مفاتيح شرح الصدر، وهي بطبيعة الحال على ثلاثة أقسام:

فمن مفاتيح شرح الصدر، الاستجابة، والتلقي، والأخذ، وعدم الإعراض عن رحمة الله تعالى، وهذا هو القسم الأول من مفاتيح شرح الصدر.

والقسم الثاني من مفاتيح الشرح الدعاء والسؤال والإنابة إلى الله.

والقسم الثالث من مفاتيح الشرح العمل، والجهد، والحركة، ومن أهم مفردات هذا القسم التقوى، والإخلاص لله تعالى.

وفيما يلي دراسة موجزة عن مفردات هذه الأقسام جميعاً:

الاستجابة وعدم الإعراض

القبول والاستجابة لرحمة الله تعالى هو المفتاح الأول لرحمة الله تعالى، وهو يخص الرحمة النازلة على الخلق والعباد من دون سؤال وطلب «يا من يعطي من سأله يا من يعطي من لم يسأله ومن لم يعرفه» والله تعالى يشرح صدور عباده للهدى والنور والمعرفة واليقين من دون سؤال وطلب، كما يشرح صدور عباده بالسؤال والطلب والدعاء، فهو مائدة ممدودة وموصولة للعباد من قبل الله تعالى، كما أن نعمة الإسلام واليقين كذلك نعمة ممدودة وموصولة للعباد من لدن الله… وليس على الإنسان ليستفيد من هذه المائدة الإلهية التي أعدها لله تعالى لعباده إلا أن يستجيب، فإن لم يستجب وانغلق على هذه النعمة الموصولة من جانب الله وأعرض عنها، فهو فقط المسؤول عن حرمانه من نعمة شرح الصدر.

وهذا غاية الجود والكرم من جانب الله أن يبذل نعمه لعباده من دون سؤال وطلب، وإذا اعرض العبد عن هذه النعمة التي وفّرها الله لعباده ولم يستجب، وتصامم عنها وتعامى، فذلك غاية اللؤم من الإنسان.

إن السماء لتمطر الأرض بوابل من المطر، تشرب منه الأرض، وتخضر، وتزدهر وتثمر، فإذا تصلّبت قطعة صخرية من الأرض على هذه الرحمة النازلة وَصدَّتها عن نفسها… حَرمت عن هذه الرحمة، كذلك الأمر في الرحمة النازلة من عند الله بلا سؤال وطلب.

وكما يصح الأمر في القضايا التكوينية، يصح كذلك في القضايا الإرادية التي يعود الأمر فيها إلى إرادة الإنسان واختياره… فإن الإنسان الذي ينغلق باختياره على دعوة الله تعالى إلى الإسلام، ويصد هذه الرحمة عن نفسه، ويغلق صدره دونها فهو المسؤول عن حرمانه عنها.

إن الله تعالى إذ يدعو عباده إلى الإسلام يشرح صدورهم له، ويجري الأمرين معاً: الدعوة إلى الإسلام، وشرح الصدر للإسلام ليتلقى هذا ذاك، فإذا استجاب الإنسان لدعوة الله تعالى شرح الله صدره، وأنزل على صدره نور العلم واليقين والإسلام، وإذا أعرض عنها وتصامم عن هذه الدعوة، وتعامى عنها، وضاق صدره بها… لم يشرح الله لـه صدراً، ولم ينزل الله على صدره هذا النور الذي ينزله على صدور الصالحين من عباده[7].

الاستجابة والإعراض

والقرآن يدعو عباد الله إلى الاستجابة لدعوة الله تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ}[8].

{اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ}[9].

وفي مقابل الاستجابة حالة الكفر، وهي حالة الصدود والإعراض في مقابل حالة الاستجابة {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلاَلاً بَعِيداً}[10].

{الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ}[11].

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا}[12].

وهذه حالة كفر وصدود ومشاققة للرسول من بعد ما تبين لهم الهدى.

والذين يكفرون بالله تعالى ويجحدون بآيات الله، ويعرضون عن الله لن يهديهم الله، لا لأن الله لا يحب هدايتهم، وإنما لأنهم يرفضون الهداية والدعوة من الله تعالى.

{كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ}[13].

والإعراض، والانغلاق، والكفر على أنواع، فمنه الإعراض عن الإيمان وهو الجحود والكفر وتكذيب آيات الله ولقاء الآخرة.

يقول تعالى: {وَمَا تَأْتِيهِم مِنْ آيَة مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ}[14].

{وَكَأَيِّن مِنْ آيَة فِي السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}[15].

ومنه الإعراض عن التسليم لله والإسلام «والإسلام بمعنى التسليم والطاعة» والإعراض هو المشاققة، والمحادّة، والصدود عن سبيل الله.

يقول تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا}[16].

{أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ}[17].

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا}[18].

ومنه الإعراض عن شكر نعم الله تعالى، وهو الكفر بنعماء الله. يقول تعالى:

{وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ}[19].

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً}[20].

{أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}[21].

{أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ}[22].

{يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ}[23].

هذا الانغلاق والإعراض بكل أقسامه في مقابل الاستجابة لله تعالى.

الانغلاق بالإرادة والانغلاق اللاّإرادي

وبداية أي انغلاق وإعراض تتم بإرادة الإنسان، وكل إنسان يملك اختيار نفسه تجاه دعوة الله تعالى.

وتبلغه هذه الدعوة الإلهية من عمق الفطرة، كما تبلغه على لسان الأنبياء وخلفاء الأنبياء والدعاة إلى الله، فإذا رفض الإنسان وأعرض عن دعوة الله، فإن الفطرة وما أودع الله فيها من عوامل الاستجابة تضغط على الإنسان بألوان مختلفة من الضغط، كما يستخدم الأنبياء ألوانا من الإنذار والتبشير في توجيهه إلى الاستجابة لدعوة الله تعالى… فإذا رفض وأصر على الإعراض والانغلاق على دعوة الله تعالى فإنه تعالى يسلب عنه ما رزقه من الوعي والقدرة على الاستجابة، ويسلب عنه ما آتاه من البصر والسمع في قلبه، وإن للقلب لبصراً وسمعاً، فيبتليه بالعمى والصمم، كما كان يحب هو أن يتعامى أو يتصامم، والجزاء هنا من سنخ الجريمة، فالذي يريد أن يتعامى عن آيات الله ونعمائه يعميه الله، والذي يحب أن يتصامم عن دعوة الله يبتليه الله بالصمم.

والى هذه المسانخة بين العقوبة والجريمة تشير الآية الكريمة: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً}[24].

والتعامي والتصامم في المرحلة الأولى وهي مرحلة الجريمة يتم بإرادة الإنسان واختياره ونزوعه للانغلاق على دعوة الله وآياته والإعراض عن الله، ويتم في المرحلة الثانية وهي مرحلة العقوبة بصورة قهرية وخارجة عن إرادة الإنسان.

يقول تعالى:

{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَيَرْجِعُونَ}[25].

{أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ}[26].

وهذه الحالة من الانغلاق القهري هي حالة قساوة القلب أعاذنا الله منها.

وفي هذه الحالة يفقد الإنسان كل قدرة على الاستجابة والانفتاح، ويفقد القلب خاصيته الأساسية في الرقة والخشوع والاستجابة لله والانفتاح والاستنارة بنور الله، فيكون القلب قاسياً، وبيتاً مظلماً،
ليس فيه نور، ويكون الصدر حرجاً ضيقاً، إلا أن يتوب فيتوب الله عليه ويرحمه.

موجبات القسوة والانغلاق في القلوب[27]

من أعظم أسباب القسوة والانغلاق في القلوب ارتكاب المعاصي والذنوب، وإن الإنسان ليعصي الله تعالى فيطبع الله تعالى على قلبه فيحجب قلبه عن المعرفة، وهو الطبع والرين الذين يشير إليهما القرآن الكريم:

{كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[28].

{..أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَيَسْمَعُونَ}[29].

وهذه هي حالة الانغلاق والحجب عن المعرفة والنور.

عن الأصبغ بن نباتة، قال: قال أمير المؤمنين (ع): ما جفت الدموع إلا لقسوة القلوب، وما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب[30].

وإن الإنسان ليرتكب الذنب فيتحول الذنب إلى نقطة سوداء في قلبه تتّسع بالتدريج، وتستوعب كل قلبه، فيظلم قلبه، ويفقد النور والوعي، وتصيبه القسوة والانغلاق.

عن أبي جعفر (ع)، قال: «ما من عبد إلاّ وفي قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب خرج من النكتة نكتة سوداء، فإذا تاب ذهب ذلك السواد، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد، حتى يغطي البياض، فإذا تغطى البياض لم يرجع صاحبه إلى الخير أبداً، وهو قول الله عزّ وجلّ: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[31].

وعن أبي عبدالله الصادق (ع) قال: «كان أبي يقول: ما من شيء أفسد للقلب من الخطيئة، إن القلب ليواقع الخطيئة فما تزال به حتى تغلب عليه، فيصير أسفله أعلاه وأعلاه أسفله»[32].

وتلك هي حالة الانتكاسة في القلب، فإذا انتكس القلب وصار أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه لم ينحجب الإنسان عن الرؤية والمعرفة فقط، وإنما يتلقى القلب الرؤية بصورة معكوسة، فيرى الحق باطلا، والباطلَ حقاً.

دوام حالة الانغلاق في الروح ما بعد الموت

إن حالة الانغلاق، والانقباض، والقسوة تظهر على الإنسان بارتكاب المعاصي والذنوب، فتبدأ النفس اللوامة بمكافحة هذه الحالة، وتوبيخ الإنسان على الاستجابة لعوامل الهوى وارتكاب المعاصي، وتعنيفه على ذلك، ودعوته إلى التوبة والعودة إلى الله تعالى، وتستعمل النفس اللوامة والضمير كل وسائل التعنيف والتوبيخ والضغط على النفس، حتى يقلع الإنسان عن المعصية، ويتوب إلى الله تعالى، فإذا أقلع وتاب واستجاب أزال الله تعالى عنه حالة القسوة والانغلاق وشرح صدره… وإن لم يستجب ترسخت بالتدريج هذه الحالة في نفسه وتأصّلت حالة الانغلاق والقسوة عنده… وكلما يمر عليه يوم وهو يصرُّ على معصية الله تعالى تترسخ حالة الانغلاق أكثر من ذي قبل، وكان التخلص منها أصعب كأية حالة مرضية أخرى لا يتداركها صاحبها في بداية حدوثها… فإذا لم يحصل للإنسان قبل وفاته تَغَير في داخل نفسه، ومات بهذه الحالة المرضية فإنها تتحول في نفسه إلى حالة ثابتة ودائمة لا علاج لها بعد الموت، وتتحول من حالة غير محسوسة إلى حالة محسوسة، وهي الحالة التي يحشر عليها يوم القيامة.

فإن من خصائص يوم القيامة ظهور سرائر الناس بصورة محسوسة مرئية، وهو معنى قوله تعالى عن يوم القيامة «يوم تبلى السرائر».

فمن الناس من يحشر يوم القيامة بقلب نقي واع وبصيرة نافذة، ومن الناس من يحشر يوم القيامة أعمى، وهو الذي أعرض عن ذكر الله، وقسى قلبه في الحياة الدنيا، وانغلق على هدى الله، فيحشره الله يوم القيامة أعمى، ويتحول فيه هذا الإعراض والتعامي من الهدى إلى عمى محسوس وذلك قوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}[33].

وهذا «العمى» في الآخرة هو الصورة المحسوسة والثابتة للإعراض عن ذكر الله تعالى والانغلاق وقسوة القلب وضيق الصدر في الدنيا.

يقول ابن سينا في (الإشارات) عن هذه الأعراض النفسية التي تتحول بعد الموت إلى حالات ثابتة:

«واعلم إن هذه الشواغل التي هي كما علمت من أنها انفعالات وهيئات تلحق النفس بمجاورة البدن إن تمكنت عند المفارقة كنت بعدها كما كنت قبلها، لكنها تكون كـ«آلام» متمكنة كان عنها شغل، فوقع إليها فراغ، فأدركت من حيث هي منافية، وذلك الألم المقابل لمثل تلك اللذة الموصوفة، وهو ألم النار الروحانية فوق ألم النار الجسمانية»[34].

يقول المحقق نصير الدين الطوسي في شرحه:

«يريد أن ينبه على بقاء الأمور المضادة لكمالات النفس الإنسانية التي هي أسباب الشقاوة معها بعد الموت، وعلى حصول التألم بها حينئذ لحصول سببه»[35].

إن ابن سينا يريد أن يقول: إن هذه الأعراض التي تلحق النفس ـ في حالة اقتران النفس بالبدن، في الحياة الدنيا، تشغلها عن ذكر الله، وتصرفها عن الله تعالى…

فإن ترسخت في النفس وتأصلت فيها عند مفارقة النفس للبدن «حين تموت»، ولم يتمكن الإنسان من مكافحتها وإزالتها قبل الموت… ثبتت في النفس واستقرت فيها بعد الموت.

إلا أن النفس في الحياة الدنيا، لم تكن تشعر بصورة واضحة ودقيقة بهذه الأعراض المرضية وما فيها من آلام وعذاب، وذلك لانشغال النفس في الحياة الدنيا بالبدن، وهذا الانشغال ينسيها بالتأكيد جزءاً كبيراً من هذه الأعراض وآلامها وعذابها، فإذا فارقت النفس البدن ووقع للنفس فراغ عن الانشغال بالبدن أحست النفس بصورة قوية بعذاب هذه الأعراض والشواغل.

وفي مقابل الأعراض النفسية، اللذات الروحية للنفس التي كانت النفس عنها في شغل في الحياة الدنيا لانشغالها بالبدن فإذا فرغت من البدن وتخلصت عنها تشعر النفس بلذتها بصورة كاملة… وكذلك في هذه النقطة الأعراض وعذابها ومعاناتها.

الدعاء

المفتاح الثاني لشرح الصدر السؤال والدعاء، ويشرح الله تعالى صدور عباده بالسؤال والدعاء، كما يشرح صدور عباده من غير طلب ولا دعاء ولا سؤال، إلا أن ما يرزق الله عباده من شرح الصدر بالسؤال والدعاء أوسع وأكثر مما يرزق الله تعالى عباده من دون طلب ودعاء فإن الدعاء من أعظم مفاتيح رحمة الله تعالى… فإذا سأل الإنسان ربه سبحانه وتعالى شرح الصدر، وصدق في سؤاله وألحّ في السؤال والدعاء، رزقه الله تعالى ما يطلب من شرح الصدر.

والرزق هنا يناسب السؤال والدعاء، فكلما يكون إلحاح المؤمن
في الدعاء والتضرع إلى الله تعالى أكثر كان حظه من رحمة الله تعالى أوسع.

التقوى

ومن مفاتيح شرح الصدر «التقوى» والورع والالتزام بحدود الله تعالى، وهذه قضية ذات وجهين متقابلين:

في الوجه الأول منه نشرح كيف يحجب إتباع الهوى وارتكاب المعاصي والذنوب، الإنسان عن المعرفة.

وفي الوجه الثاني منه نشرح علاقة التقوى بشرح الصدر وهو ما ذكرناه من أن «التقوى» مفتاح من مفاتيح شرح الصدر.

أما فيما يتعلق بالوجه الأول من هذه القضية، فإن القرآن الكريم يقرر في أكثر من موضع أن إتباع الهوى يحجب الإنسان عن النور والمعرفة والهداية.

يقول الله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}[36].

وهذا قرار إلهي لا يتغير «إن الله لا يهدي القوم الظالمين».

والذين اتبعوا أهواءهم يشملهم هذا القرار الإلهي ويحجبهم الله عن الهداية والمعرفة، ويجعل صدورهم ضيقة، وقلوبهم منغلقة على هداه ونوره.

و«إتباع الهوى» في هذه الآية الكريمة سبب الانغلاق على دعوة الله والأعراض عنها «فإن لم يستجيبوا لك فاعلم إنما يتبعون أهواءهم» والآية واضحة في تحديد هذه الحقيقة: إن عدم الاستجابة «الانغلاق» نابع من إتباع الهوى.

يقول تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْم وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}[37].

والعلاقة في هذه الآية الكريمة أوضح بين إتباع الهوى والحجب والانغلاق.

فالذين يتخذون أهواءهم آلهتهم، ويتبعون أهواءهم من دون الله… أولئك يضلهم الله، ويحرمهم الله عن المعرفة، ويجعل على بصرهم غشاوة، ويختم على أسماعهم وقلوبهم… وتلك أقصى درجات الانغلاق.

ويقول تعالى: {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم}[38].

والمقابلة هنا بين أولئك الذين جعلهم الله تعالى على بينة منه والذين اتبعوا أهواءهم… وطبيعة هذه المقارنة تقتضي أن لا يكون هؤلاء على بينة من ربهم وأن يحرمهم الله تعالى، بإتباع الهوى من هذه البينة، ويجعلهم في ظلمات بعضها فوق بعض.

وروي عن الإمام الصادق (ع)، كتب أميرالمؤمنين (ع) إلى بعض أصحابه يعظه… فارفض الدنيا، فإن حب الدنيا يعمي ويصم ويبكم ويذل الرقاب…[39]

كذلك يفعل حب الدنيا وإتباع الهوى بالنفس… يغلق منافذ النفس على النور والمعرفة غلقاً كاملا، وهذا هو الوجه الأول من القضية.

والوجه الثاني في علاقة التقوى بشرح الصدر والانفتاح والمعرفة… وهذا الوجه الثاني يتضح أمره بالمقابلة مع الوجه الأول، ونجد في القرآن إشارات واضحة إلى هذه العلاقة يقول تعالى: {وَاتَّقُوا اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللّهُ}[40].

ويناقش الشيخ محمد عبده فيما ينقله عنه تلميذه الشيخ محمد رضا في تفسير (المنار) في دلالة هذه الآية المباركة على وجود علاقة بين التقوى والعلم بأن: عطف «يعلمكم على «اتقوا الله» ينافي أن يكون جزاءً له ومرتباً عليه، لأن العطف يقتضي المغايرة… ثم قال المعروف المعقول أن العلم هو الذي يتم به التقوى فلا تقوى بلا علم، فالعلم هو الأصل الأول وعليه المعول»[41].

واعتقد أن النزعة الصوفية التي عاصرها الشيخ في الاستغناء عن العلم والمعرفة هي السبب في هذه المناقشة، ونحن نقر الشيخ على بطلان هذه النزعة في الاستغناء عن التعليم والدراسة والاكتفاء بالذكر… فللعلم والمعرفة أسباب طبيعية من الدراسة والبحث لابد منها ومخالفة ذلك مخالفة لسنن الله تعالى، ولسنا نحن نقصد في هذه العلاقة بين التقوى والعلم الاكتفاء بالتقوى عن الدراسة والبحث، وإنما نريد أمراً آخر لا علاقة له بذلك، فإن الدراسة وطلب العلم لا يفتحان صدر الإنسان على معرفة الله وعلى معارف الإسلام.

فإذا شرح الله صدر عبده فإنه سوف ينتفع بما يدرس وبما يلقى إليه، وإن لم يشرح الله صدره فلا ينفعه شيء: وقد كان رسول لله (ص)وهو أفضل المعلمين يدعو أبا سفيان وأبا لهب إلى الله فلم تكن تنفعهم هداية رسول الله (ص).

ويقول تعالى {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً}[42]. وأي علم وأي معلم أفضل من القرآن ومن رسول الله (ص).

وكم نجد من علماء كبار في الذرة والفيزياء والكيمياء والطب والنبات يتعاملون باستمرار مع آيات الله تعالى فلا ينفذ النور إلى قلوبهم، ذلك أن الله تعالى ختم على قلوبهم، وجعل على أبصارهم غشاوة، وَضيَّق صدورهم من أن ينالوا معرفة الله تعالى وهداه.

وعطف كلمة «يعلمكم الله» على كلمة «واتقوا الله» في حد نفسه يكشف عن وجود علاقة بينهما، فلابد أن يكون بين هاتين الجملتين علاقة حتى تعقّب الثانية الاولى، وليس من الضروري أن تبرز هذه العلاقة من خلال الجملة الشرطية فقط.

ويقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَل لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}[43].

والفرقان هنا هو التفريق بين الحق والباطل، والخير والشر، والاستقامة والانحراف، فإذا كان الإنسان يتقي الله تعالى فإن الله عزوجل يرزقه نوراً وهدى يستطيع به أن يفرق بين الحق والباطل والهوى والهدى والاستقامة والانحراف فلا تلتبس الأمور عليه… فإن لم يتّق الله، أوكل الله أمر الإنسان إلى نفسه، فيقع في اللبس، ويتخبط في الضلال.

يقول القرطبي في تفسير الآية الكريمة: فإذا اتقى العبد ربه، وذلك باتباع أوامره واجتناب نواهيه… جعل لـه بين الحق والباطل فرقاناً ورزقه فيما يريد من الخير إمكاناً[44].

ويقول السيد الطباطبائي في الميزان في تفسير الآية الكريمة: الفرقان بين الحق والباطل سواء كان ذلك في الاعتقاد بالتفرقة بين الإيمان والكفر، وكل هدى وضلال، أو في العمل بالتمييز بين الطاعة والمعصية، وكل ما يرضي الله ويسخط أو في الرأي والنظر بالفصل بين الصواب والخطأ، فإن ذلك كله مما تثمره شجرة التقوى[45].

فالتقوى تمكن الإنسان من الفصل بين الحق والباطل وهذا الفصل والفرقان هو من ثمرات التقوى.

والطريقة التي نفهم بها هذه الآية الكريمة ونظائرها أن التقوى تكون سبباً لشرح الصدور، وانفتاح القلوب فإذا شرح الله صدور عباده حل فيها النور والهدى من جانب الله، فيتمكّن الإنسان عندئذ من الفصل بين الحق والباطل.

ويقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ}[46] فإذا كان الإنسان يتقي الله جعل الله في صدره هذا النور الذي يمكّنه من السير والحركة في المجتمع ومن معرفة الناس، وتشخيص الحق عن الباطل، ولا يحل هذا النور في صدور الناس إلا بعد أن يشرح الله تعالى الصدور لتلقي هذا النور والمعرفة.

وفي الرواية عن الإمام الجواد (ع): «إن الله عزّوجل يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عن عقله، ويجلي بالتقوى عماه وجهله»[47].

…وفي هذا النص التقوى يزيل العمى ويفتح بصر الإنسان.

وعن أميرالمؤمنين (ع): «اعلموا أنه من يتق الله يجعل له مخرجاً من الفتن ونوراً من الظلم»[48].

وعن رسول الله (ص)في وصية الخضر لموسى‘: «يا موسى وَطِّن نفسك على الصبر تلقى الحلم، واشعر قلبك التقوى تنل العلم، ورض نفسك على الصبر تخلص من الإثم»[49].

الإنابة إلى الله

ومن مفاتيح شرح الصدر الإنابة إلى الله تعالى، والإنابة إلى الله هو الرجوع والعودة إلى الله، فإن العبد يعرض عن الله فيحجب الله تعالى عنه المعرفة والعلم والنور، فإذا عاد إلى الله تعالى فتح الله على قلبه ينابيع المعرفة، وشرح صدره وأنار قلبه.

يقول تعالى: {أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوج * وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْج بَهِيج * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْد مُنِيب}[50] فهذه آيات الله تعالى في السماء والأرض، يلتقي بها جميع الناس، على نحو سواء، غير أن المعرضين عن الله تعالى محجوبون عن رؤية الله تعالى وصفاته وأسمائه الحسنى من هذه الآيات، أما المنيبون من عباد الله، الراجعون إلى الله فهي لهم تبصرة وذكرى، تمنحهم البصيرة والتذكير بالله تعالى.

ويقول تعالى: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاء رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاّ مَن يُنِيبُ}[51].

إن الله تعالى يُري آياته جميع خلقه، وينزل عليهم رزقه من السماء جميعاً، مؤمنين كانوا أم غير مؤمنين، إلا أن المنيبين إلى الله تعالى والعائدين إليه هم الذين يتذكرون من هذه الآيات، وتذكرهم بالله تعالى وآياته وأسمائه وصفاته الحسنى.

الإخلاص لله

الخامس من مفاتيح شرح الصدر الإخلاص لله، والإخلاص على نحوين:

1 ـ إخلاص العمل لله تعالى واليه تشير الآية الكريمة: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}[52].

2 ـ إخلاص النفس من عوامل الهوى ومن شوائب الشرك بمعنى تخليص النفس من كل شائبة وهوى، فيكون الإنسان عندئذ من «المخلصين ـ بالفتح ـ» واليه تشير الآية الكريمة: {..فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ}[53].

والأول هو تخليص العمل وتنقيته، والثاني تخليص النفس وتنقيتها من الشوائب.

والإخلاص الثاني ينبع من الإخلاص الأول، فإذا أخلص الإنسان عمله لله تعالى، فإنه سوف يتمكن من إخلاص نفسه وتنقيتها وتصفيتها، وإذا صفت نفس الإنسان من شوائب الشرك والهوى، وخلصت لله تعالى، فإن الله يشرح صدره، ويفتح قلبه للهدى والنور، ويفجر المعرفة والحكمة من قلبه على لسانه.

وقد روي عن رسول الله (ص): «من أخلص لله أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه»[54].

وعن أمير المؤمنين (ع): ليس العلم في السماء فينزل إليكم ولا في تخوم الأرض، فيخرج لكم، ولكن العلم مجبول في قلوبكم، تأدبوا بآداب الروحانيين يظهر لكم[55].

والإخلاص من الإحسان، والله تعالى يقول في المحسنين في سياق الحديث عن قصة موسى بن عمران (ع):

{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}[56].

فالذي آتى الله تعالى رسوله وكليمه موسى بن عمران (ع) من الحكم والعلم يؤتيه الله تعالى كل من كان من المحسنين من عباده «وكذلك نجزي المحسنين».

وعن رسول الله (ص): «ليس العلم بكثرة التعلم، وإنما العلم نور يقذفه الله في قلب من يحب فينفتح لـه، ويشاهد الغيب، ويشرح صدره فيحتمل البلاء»، قيل يا رسول الله وهل لذلك من علامة؟ قال: «التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله»[57].

وفي خبر عنوان البصري، عن أبي عبدالله الصادق (ع) قال: «فإن أردت العلم فاطلب أولا في نفسك حقيقة العبودية واطلب العلم باستعماله، واستفهم الله يفهمك»[58].


أقرأ ايضاً:

الهوامش والمصادر

  • [1] ـ البقرة: 186.
  • [2] ـ الأعراف: 55.
  • [3] ـ النساء: 32.
  • [4] ـ التوبة: 111.
  • [5] ـ الصف: 10.
  • [6] ـ فاطر: 29.
  • [7] ـ الأمران يجريان معاً، وفرزهما عن بعض يحتاج إلى دقة… فالله تعالى يشرح صدور عباده ويملؤها نوراً وعلماً، والأمر الثاني يتوقف على الأول. فإذا أغلق الإنسان صدره لا يحل فيه هذا النور. وبما أن الأمرين يجريان معاً وفي وقت واحد، فقد نواجه بعض الصعوبة في تصور تفكيك أحدهما عن الآخر.
  • [8] ـ الانفطار: 24.
  • [9] ـ الشورى: 47.
  • [10] ـ النساء: 167.
  • [11] ـ محمد: 1.
  • [12] ـ محمد: 34.
  • [13] ـ آل عمران: 86.
  • [14] ـ الأنعام: 4 ـ 5.
  • [15] ـ يوسف: 105.
  • [16] ـ النساء: 114.
  • [17] ـ التوبة: 64.
  • [18] ـ محمد: 32.
  • [19] ـ الإسراء: 83.
  • [20] ـ إبراهيم: 28.
  • [21] ـ النحل: 71.
  • [22] ـ النحل: 72.
  • [23] ـ النحل: 83.
  • [24] ـ البقرة: 10.
  • [25] ـ البقرة: 18.
  • [26] ـ محمد: 23.
  • [27] ـ إن الفرق بين «القلب» و«النفس» و«الروح» و«العقل»، دقيق وخارج عن بحثنا، وهي كما يقول العلامة المجلسي& في البحار: 70: 35، ألفاظ متقاربة المعاني ومتداخلة. وعليه فإننا قد نتسامح في استعمال هذه الكلمات لأجل هذا التقارب والتداخل فيما بينها.
  • [28] ـ المطففين: 14.
  • [29] ـ الأعراف: 99.
  • [30] ـ علل الشرائع 1: 80 : ط نجف ـ الحيدرية ـ، وبحار الأنوار 70: 55.
  • [31] ـ الكافي: كتاب الإيمان والكفر، باب الذنوب، حديث رقم 20.
  • [32] ـ أمالي الصدوق: 239. وأمالي الشيخ الطوسي 2: 53.
  • [33] ـ طه: 124.
  • [34] ـ الإشارات والتنبيهات 3: 350، مطبعة آرمان، 1403 هـ.
  • [35] ـ المصدر السابق.
  • [36] ـ القصص: 50.
  • [37] ـ الجاثية: 23.
  • [38] ـ محمد: 14.
  • [39] ـ الكافي للكليني 2: 136.
  • [40] ـ البقرة: 282.
  • [41] ـ تفسير المنار 3: 129.
  • [42] ـ الإسراء: 82.
  • [43] ـ الأنفال: 29.
  • [44] ـ تفسير القرطبي 7: 396.
  • [45] ـ تفسير الميزان 9: 54 : ط. أولى.
  • [46] ـ الحديد: 28.
  • [47] ـ بحار الأنوار 78: 359، وروضة الكافي 8: 52.
  • [48] ـ نهج البلاغة الخطبة رقم: 181.
  • [49] ـ بحار الأنوار: 1: 227.
  • [50] ـ ق: 6 ـ 8.
  • [51] ـ غافر: 13.
  • [52] ـ البيّنة: 5.
  • [53] ـ الصافات: 127 ـ 128.
  • [54] ـ تتبع السيد محمد حسين الطهراني«حفظه الله» مصادر هذا الحديث فقال رواه من علماء الإمامية الصدوق& في عيون أخبار الرضا: 258، وابن فهد الحلي في عدة الوافي: 170، والكليني في أصول الكافي 2: 16، والمجلسي في البحار 70: 242، ورواه من علماء العامة الغزالي في الإحياء 4: 276، وفي كنز العمال ح5271.
  • [55] ـ موسوعة العقائد للريشهري: 2: 22 ح1285.
  • [56] ـ القصص: 14.
  • [57] ـ الصراط المستقيم للسيد حسين البروجردي: 1: 267.
  • [58] ـ منية المريد للشهيد الثاني: 148; والبحار: 1: 225 ح 17.
بواسطة
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى