الفقر اللاواعي والفقر الواعي

الانشراح

الفقر اللاواعي والفقر الواعي

ونشرح الآن علاقة إفاضة الرحمة من لدن الله تعالى على الممكنات من خلال المثال الذي ذكرنا آنفاً…

إن الحاجة والفقر يستنزلان رحمة الله تعالى أينما تكون الحاجة… فإن إفاضة الرحمة من لدن الله عزوجل حالة مستمرة ومن خصائص كرمه وجوده وغناه عز شأنه، ولا تنقطع… وتفيض هذه الرحمة دائماً على موطن الحاجة والفقر… وهذه سنة إلهية لا تختلف في الجماد والنبات والحيوان والإنسان والملائكة.

فحيث تجد حاجة وفقراً أُطلب عندها رحمة الله تعالى.

إن سنن الله تعالى في الفيزياء والطبيعة وفيما وراء الطبيعة «الميتافيزياء» واحدة… فكما أن الأرض الواطئة تجتذب الماء، والماء المنحدر يطلب الأرض الواطئة، كل منهما يطلب الآخر، كذلك الرحمة الإلهية والحاجة والفقر كل منهما يطلب الآخر. فالحاجة والفقر تجتذبان رحمة الله تعالى، كذلك رحمة الله تعالى تطلب الحاجة والفقر، كل منهما يطلب الآخر، فحيث وجدت حاجة وفقراً فاطلب عندها رحمة الله تعالى….

وقد ورد في الحديث: «أنا عند المنكسرة قلوبهم»[1]. إن القلب لينكسر فيكون قريباً من الله، وإن القلب ليستكبر، ويدخله الكبرياء والإحساس بالغنى، ويتغطرس فيبتعد عن رحمة الله…

فهناك نحو من التجاذب بين رحمة والحاجة والفقر، كما يكون التجاذب بين القطبين المختلفين في المغناطيس، وكما يكون التجاذب بين الأجسام ومركز الجاذبية في الأرض.

والحاجة والفقر اللذان يجتذبان رحمة الله تعالى على نحوين: الفقر الواعي، والفقر اللاواعي، وكلاهما يجتذبان رحمة الله تعالى، وتنزل عليهما الرحمة، ولابد من إشارة إلى هذين القسمين من الفقر والحاجة.

الفقر اللاواعي

ونقصد بالفقر اللاواعي: الحاجة والفقر اللذان لا يتخذان صفة الطلب والسؤال والدعاء إلى الله تعالى…

ونقصد بالفقر الواعي: الحاجة والفقر اللذان يتخذان صفة الطلب والسؤال والدعاء…

وكلاهما يجتذبان رحمة الله تعالى.

والله سبحانه يفيض برحمته على مواطن الحاجة والفقر حيث يكون الفقر والحاجة، سأل الله تعالى صاحبه أم لم يسأل، وعرف الله تعالى صاحبه أم لم يعرف.

وقد ورد هذا المعنى في الدعاء في شهر رجب:

«يا من يعطي من سأله، يا من يعطي من لم يسأله ومن لم يعرفه تحنناً منه ورأفة»[2].

إلا أن قابلية الفقر الواعي المقرون بالطلب والسؤال والدعاء على اجتذاب رحمة الله تعالى أوسع وأكثر… وهذه أيضاً سنة لله تعالى في إفاضة الرحمة على عالم الإمكان…

ومهما يكن من أمر، فإن الحاجة اللاواعية تستنزل رحمة الله، ويفيض الله عليها برحمته… فالشجرة البرية في قلب الصحراء يرزقها الله من المياه والأملاح… والحشرة في قلب الصحراء، وعلى قمم الجبال يؤتيها الله تعالى رزقها… والسباع والحيوانات غير الأهلية يؤتيها الله تعالى رزقها من الماء والطعام والجنس والدواء والدفء والراحة والحنان في صغرها وما الى ذلك[3]… والسمكة في بطون البحار تنال رزقها وما تحتاج إليه من طعام ونور وهواء وأبصار وقدرة على الدفاع وكل المتطلبات والظروف الضرورية لبقائها وحياتها… ومهما يكن توجيه وتفسير علماء الأحياء فإن المسألة من وجهة النظر الفلسفية هي أن الله تعالى يعطي كل ذي حاجة حاجته بالصورة والطريقة التي يرتضيها.

{رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}[4].

ويحتاج صغار الإنسان إلى مزيد من الرعاية والحنان، فيفيض الله تعالى عليهم هذه الرعاية من خلال عاطفة الأمومة والأبوة.

إن سنة الله تعالى في مواطن الفقر والحاجة، هي أن الحاجة كلما تكون أكثر، وكلما يكون إناء صاحب الحاجة لاستيعاب الرحمة الإلهية أوسع، فإن حظه من إفاضة الرحمة الإلهية أكثر، شريطة أن لا يرفض رحمة الله تعالى، كالحجارة الصلبة التي ترفض أن تستقبل قطرات المطر والأرض الصلبة التي تردّ مياه الأمطار….

ومع ذلك فلا شك أن لسعة وضيق إناء كل ممكن من الممكنات علاقة بمقدار ما يفيض عليه من رحمة الله تعالى… فالبكتريا البسيطة والكائنات ذات الخلية الواحدة يختلف حظها من رحمة الله تعالى عن الإنسان والحيوان والنباتات المتكاملة… وليس مرد ذلك إلى شح وضيق في رحمة الله تعالى، أو اختلاف وتمييز من لدن الله تعالى، وإنما يرجع ذلك إلى اختلاف الممكنات، نفسها، من حيث سعة وضيق إنائها وظرفها لقبول رحمة الله، يقول تعالى:

{إِنَّا كُلَّ شَيْء خَلَقْنَاهُ بِقَدَر}[5].

{وَإِن مِّن شَيْء إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَر مَعْلُوم}[6].

وهذا التقدير في إفاضة الرحمة من جانب الله تعالى، والذي تشير إليه الآيات الكريمة يتبع قابلية الممكنات الذات في استيعاب وقبول رحمة الله تعالى.

هذا هو الجانب الأول من السنن الإلهية في إفاضة الرحمة على مواطن الفقر والحاجة غير الواعية، اختصرنا الحديث فيه اختصارا شديداً، وهو باب واسع من العلم والمعرفة، لعل الله تعالى أن يتيح له من يدخله بصورة علمية واسعة.

الفقر الواعي أو (الدعاء)

وفي مقابل مواطن الحاجة اللاواعية والفقر اللاواعي التي تستنزل رحمة الله تعالى… هناك نحو آخر من الحاجة والفقر تتلبس بالوعي، وتأخذ صورة «الطلب» و«السؤال» و«الدعاء»… وكلاهما «طلب»، إلا أن القسم الأول طلب بلسان الحال والثاني بالمقال.

وكما يستجيب الله تعالى للنوع الأول من الحاجة والطلب ويفيض عليها برحمته، كذلك يستجيب تعالى لهذا النوع من الطلب الواعي ويفيض على مواطنه برحمته الواسعة… وكلاهما مهبط رحمة الله.

إلا أن قابلية الطلب الواعي «الدعاء والسؤال» على استيعاب رحمة الله تعالى أوسع من الطلب اللاواعي.

و«الدعاء» مفتاح رحمة الله تعالى… يقول تعالى:

{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}[7].

عن أميرالمؤمنين (ع):

«الدعاء مفتاح الرحمة»[8].

وعنه (ع) أيضاً:

«ثم جعل في يدك مفاتيح خزائنه، بما أذن فيه من مسألته… فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب خزائنه»[9].

وعن الإمام الصادق (ع) في قول الله تبارك وتعالى:

{مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا}: الدعاء[10].

وعن أميرالمؤمنين (ع):

«من قرع باب الله سبحانه فتح له»[11].

وعن رسول الله (ص):

«من فتح له من الدعاء منكم فتحت له أبواب الإجابة»[12].

وعن الإمام الصادق (ع):

«أكثر من الدعاء فإنه مفتاح كل رحمة، ونجاح كل حاجة، ولا ينال ما عند الله إلا بالدعاء، وليس باب يكثر قرعه إلا يوشك أن يفتح لصاحبه»[13].

سنن استجابة الدعاء

كما إن لله تعالى سنناً دقيقة، ومحددة، ومضبوطة في الإفاضة على مواطن الفقر والحاجة، بلسان الاستعداد والحال: «الفقر غير الواعي»… كذلك لله تعالى سنن دقيقة ومحددة في الإفاضة على مواطن «الفقر الواعي»، وفي الاستجابة لدعاء العبد، وكل يجري بموجب سنن وقوانين دقيقة ومضبوطة، وليست استجابة الدعاء بمستثناة من هذه السنن.

ومن أهم هذه السنن في الاستجابة للدعاء:

1 ـ معرفة الله تعالى حق معرفته من قبل السائل والداعي…

قال قوم للصادق (ع): ندعو فلا يستجاب لنا، قال:

«لأنكم تدعون من لا تعرفونه»[14].

فعلى قدر المعرفة تكون استجابة الدعاء…

2 ـ ومن سنن الله تعالى في الاستجابة للدعاء أن يصدر الدعاء عن قلب نقي طاهر، ولسان صادق…

وفيما روي من الكلمات القدسية من خطاب الله تعالى لرسوله وكليمه موسى (ع):

«يا موسى أُدعني بالقلب النقي، واللسان الصادق»[15].

وسئل أميرالمؤمنين (ع) عن قول الله تعالى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، فما لنا ندعو فلا نجاب، قال: «إن قلوبكم خانت بثمان خصال: أولها أنكم عرفتم الله فلم تؤدوا حقه كما أوجب، فما أغنت عنكم معرفتكم شيئاً… فأي دعاء يستجاب لكم مع هذا، وقد سددتم أبوابه وطرقه»[16].

3 ـ ومن سنن الله تعالى في استجابة الدعاء، أن يقترن الدعاء والطلب من الله تعالى بالحركة والعمل.

عن رسول الله (ص):

«الداعي بلا عمل، كالرامي بلا وتر»[17].

4 ـ ومن سنن الله تعالى في الاستجابة للدعاء، إقبال القلب على الله تعالى في الدعاء…

عن رسول الله (ص):

«اعلموا أن الله لا يقبل دعاء عن قلب غافل»[18].

وعنه (ص):

«لا يقبل الله عزوجل دعاء عن قلب ساه»[19].

وسئل النبي (ص)عن اسم الله الأعظم، فقال: «كل اسم من أسماء الله أعظم، ففرغ قلبك من كل ما سواه، وأدعه بأي اسم شئت»[20].

وعن الإمام الصادق (ع):

«إن الله عزوجل لا يستجيب دعاء بظهر قلب ساه، فإذا دعوت فأقبل بقلبك ثم استيقن الإجابة»[21].

5 ـ ومن سنن الله تعالى في الاستجابة للدعاء أن يرق قلب الداعي، ويلين، وتذرف دموعه، ويخشع في دعائه…

عن رسول الله (ص):

«اغتنم الدعاء عند الرقة، فإنها رحمة»[22].

وعن الصادق (ع):

«إذا رق أحدكم فليدع، فإن القلب لا يرق حتى يخلص»[23].

وعن الإمام الصادق (ع) أيضاً: «إذا اقشعر جلدك ودمعت عيناك، ووجل قلبك، فدونك دونك فقد قصد قصدك»[24].

ومما أوحى الله تعالى إلى موسى بن عمران (ع): «يا موسى كن إذا دعوتني خاشعاً، مشفقاً، وعفِّر وجهك في التراب، واسجد بمكارم بدنك، واقنت بين يَديَّ في القيام وناجني حيث تناجيني بخشية من قلب وجل»[25].

6 ـ ومن سنن الله تعالى في الاستجابة للدعاء إيقان العبد بالاستجابة وحسن ظنه بربه سبحانه…

عن رسول الله (ص): «ادعوا الله وأنتم موقنون»[26].

وعن الإمام الصادق (ع): «إذا دعوت فأقبل بقلبك وظن حاجتك بالباب»[27].

وعنه (ع): «إذا دعوت فظن أن حاجتك بالباب»[28].

7 ـ ومن سنن الله تعالى في الاستجابة للدعاء الإلحاح في الدعاء: عن رسول الله (ص): «أن الله يحب السائل اللحوح»[29].

عن الإمام محمد بن علي الباقر (ع): «إن الله كره إلحاح الناس بعضهم على بعض في المسائلة، وأحب ذلك لنفسه»[30].

وعن علي أميرالمؤمنين (ع): «فألحح عليه في المسألة يفتح لك أبواب الرحمة»[31].

8 ـ ومن سنن الله تعالى في الاستجابة للدعاء أن يقبل الإنسان على الله تعالى من الباب الذي أمره الله تعالى، فإن الله تعالى قد شخص أبواباً لمعرفته وطاعته ودعائه، فمن أقبل على الله من غير هذا الباب لا يجد الاستجابة، وهو ولاية أولياء الله وأحبائه وأصفيائه.

فإن الله تعالى يقول كما في الرواية: «إني أحب أن أطاع من حيث أريد»[32].

وعن أبي جعفر الباقر (ع) في قوله تعالى: {وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}قال: يعني أن يأتي الأمر من وجهه ـ أي الأمور كان[33].

وقد روي عن أبي عبدالله الصادق عن أبيه عن علي بن الحسين (ع): قال: مرّ موسى بن عمران على نبينا وآله وعليه السّلام برجل وهو رافع يده إلى السماء يدعو الله، فانطلق موسى في حاجته، فغاب سبعة أيام ثم رجع إليه وهو رافع يده إلى السماء فقال: يا رب هذا عبدك رافعاً يديه إليك، يسألك حاجته، ويسألك المغفرة منذ سبعة أيام لا تستجب له، قال: فأوحى الله: يا موسى لو دعاني حتى تسقط يداه، أو ينقطع لسانه ما استجبت له حتى يأتيني من الباب الذي أمرته[34].

وروي أن رجلا من بني إسرائيل اجتهد أربعين ليلة ثم دعا فلم يستجب لـه، فأتى عيسى بن مريم يشكو إليه ما هو فيه، ويسأله الدعاء، فتطهّر عيسى وصلّى، ثم دعا فأوحى الله إليه: يا عيسى إن عبدي أتاني من غير الباب الذي اُوتي منه، إنه دعاني وفي قلبه شك منك[35].

9 ـ ومن سنن الله تعالى في الاستجابة أن يجري الدعاء في مجرى سنن الله، فلا يطالب الداعي خلاف ما تجري عليه سنن الله قال:

فإن الله تعالى لم يستجب لدعاء عبده ورسوله نوح (ع) حين طلب نوح (ع) نجاة ابنه {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِح فَلاَ تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}[36].

وحيث ذكرنا دعاء العبد الصالح نوح (ع) وعدم استجابة الله تعالى لعبده نوح، فلابد أن نشفع ذلك بأدب نوح (ع) مع ربه وتراجعه السريع عن طلبه {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْني أَكُن مِنَ الْخَاسِرِينَ}[37].

ويقول تعالى لرسول الله (ص)في الدعاء للمشركين {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَتَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَيَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}[38].

ويقول تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَاتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}[39].

مشهد من اقتران الفقر اللاواعي بالفقر الواعي

ومن المشاهد الرائعة في اقتران هذين النوعين من الطلب والفقر «الوعي واللاواعي» قصة إسماعيل وأُمه هاجر‘، عندما تركهما إبراهيم (ع) بأمر من الله في واد غير ذي زرع بموضع البيت الحرام اليوم، فنفد ما لديهم من ماء، وغلب العطش بالطفل الرضيع إسماعيل في هجير تلك الصحراء القاحلة، فأخذ يضطرب، ويتقلب، ويصرخ في طلب الماء، «وهذا هو الطلب والحاجة اللاواعية من الطفل الصغير، بينما أخذت أمه تهرول من الصفا إلى المروة وبالعكس بحثاً عن الماء وتطلب وتتضرع إلى الله تعالى أن يسقي طفلها شربة ماء «وهذا هو الطلب والفقر الواعي المتمثل في الدعاء».

فاستجاب الله تعالى لحاجة الطفل وطلب أمه وفجر تحت أقدام الطفل الرضيع عين زمزم، فسقت الاُم طفلها بماء زمزم.

وقد أبقى الله تعالى معالم هذا المشهد إلى اليوم من «زمزم» و«من السعي بين الصفا والمروة» ليشهد أجيال المؤمنين معالم هذه القضية التاريخية ذات الدلالات العجيبة، وليروا بأعينهم أن رحمة الله تعالى قريبة من عباده كلما كانت هناك حاجة وطلب حقيقي، وكلما انقطع الإنسان إلى الله تعالى وتضرع إليه، وحصر أمله ورجاءه فيه تعالى.

الدعاء «وعي الفقر» وليس «توعية بالفقر»

وحقيقة الدعاء أمران: الحاجة والفقر إلى الله وهذا هو العنصر الأول.

ووعي الحاجة والفقر إلى الله وهذا هو العنصر الثاني.

ونقصد بالعنصر الثاني أن يعي الإنسان حاجته وفقره إلى الله تعالى، والدعاء تعبير عن «الحاجة والفقر إلى الله».

وليس الدعاء تعريف هذا الفقر والحاجة إلى الله تعالى، فإن الله عليم بما في أنفسنا، لا تخفى عليه خافية مما في نفوسنا، وليس سبحانه بحاجة إلى تعريف وتوعية منا بما يحتاج إليه، فهو تعالى أقرب إلي الإنسان من نفسه، وهو تعالى يحول بين الإنسان ونفسه… وإنما نحن بحاجة في مقام استنزال رحمة الله تعالى أن نسبغ صفة الوعي على حاجتنا وفقرنا إليه تعالى، فإن الفقر والحاجة إلى الله بنفسها تستنزل رحمة الله عزوجل، فإذا اقترن بهذه الحاجة والفقر وعي الحاجة والفقر إلى الله كانت الحاجة أكثر استيعابا واجتذابا لرحمة الله.

ولهذا السبب نلاحظ: أن حالات الانكسار، والتذلل، والخشوع، وإقبال القلب في الدعاء، والرقة تضاعف من قيمة الدعاء وقابليته لجذب رحمة الله تعالى، فإن هذه الحالات في حقيقتها تركيز، وتعميق لوعي الإنسان بحاجته وفقره إلى الله تعالى.

والاضطرار إلى الله تعالى في المهمات بنفسه يستنزل رحمة الله، ولكن الشعور بهذا الاضطرار والإحساس به يضاعف قيمه الاضطرار وقابليته لجذب واستنزال رحمة الله تعالى.

ولاستجابة الدعاء علاقة مباشرة بوعي الفقر والحاجة إلى الله، فكلما يكون هذا الوعي أعمق يكون الإنسان أقرب إلى الله تعالى، وكلما يكون إحساس الإنسان بلجوئه إلى الله واضطراره إلى الله تعالى أكثر تكون الاستجابة أقرب إليه. فالدعاء حاجة وطلب، وكلما تكون الحاجة أكثر والطلب في نفس الداعي أعمق تكون الاستجابة أقرب إلى العبد.

الرحمة “الرحمانية” والرحمة “الرحيمية”

إنَّ كلمة «الرحمن» و«الرحيم» الواردتين في البسملة مشتقتان من الرحمة، إلا أن الرحمن لما كانت على صيغة المبالغة فإنها تفيد عموم الرحمة وشمولها للمؤمنين وغير المؤمنين، وأما كلمة «الرحيم» فإنها لما كانت على نحو الصفة المشبهة فإنها تفيد الدوام والاستمرار وهي تناسب الرحمة النازلة على خصوص المؤمنين لاستمرار هذه الرحمة للمؤمنين في الدنيا والآخرة.

ولذلك ذكر بعض المفسرين أن الرحمة «الرحمانية» تعم المؤمنين وغير المؤمنين في الدنيا، والرحمة «الرحيمية» تخص المؤمنين فقط، ولكن في الدنيا والآخرة.

…أقول إذا صح هذا التفريق بين الرحمن والرحيم فإن الرحمة التي تفيض على مواطن الفقر والحاجة «من غير وعي» تناسب أن تكون من الرحمة «الرحمانية» والرحمة التي تفيض على مواطن الدعاء والسؤال من قبل المؤمنين يناسب أن تكون من الرحمة الرحيمية… نقول هذا ولا نريد أن نصر على هذه النقطة من الحديث، ونتجاوزها.

إذن قضية «الفيض» تتلخص في طرفين اثنين الطرف الأول منهما هو إفاضة الرحمة من جانب الله تعالى والطرف الثاني هو الفقر والحاجة والطلب في مواطن الفقر والحاجة من عالم الإمكان.

عود إلى مسألة شرح الصدر

بعد هذه الجولة في مسألة إفاضة الرحمة من لدن الله تعالى على عالم الإمكان… نعود إلى ما كنا بصدده من مسألة «شرح الصدر» فنقول إن من الرحمة النازلة من لدن الله تعالى على الإنسان المعرفة والنور واليقين والإسلام والهدى… وهذا نحو من الرحمة تنزل على الإنسان من عند الله، {أَوَمَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ}[40].

{أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُور مِن رَبِّهِ}[41]. وليس للإنسان فيه شأن، وإنما الشأن كل الشأن فيه لله تعالى، ينزله على عباده، ومن لم ينزل الله تعالى عليه نوراً من عنده فما له من نور:

{وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُور}[42].

وموطن هذا النور هو «الصدر»، ومهما يكن الصدر أوسع يكن حظه من هذا النور أكثر، فمن الناس من لا يتلقى من نور الله تعالى إلا القليل، وإلا بصيصاً من النور ومن الناس من يتسع صدره للكثير والعظيم من هذا النور، فيعمر هذا النور صدره.

وقلة حظوظ الناس وكثرة حظوظهم من نور الله تعالى لا يرجع إلى اختلاف في إفاضة النور على الناس، فإن هذا النور نور واحد متصل يفيض من لدن الله تعالى من غير حدود، وإنما يعود اختلاف حظوظ الناس منه إلى اختلاف صدورهم من حيث السعة والضيق، فمن آتاه الله صدراً واسعاً وشرح صدره تلقى الكثير من هذا النور، ومن ضاق صدره فلا يأخذ من هذا النور إلا القليل ومن انغلق صدره دونه فلا يأخذ منه شيئاً على الإطلاق.

إذن الشأن، كل الشأن، في اختلاف حظوظ الناس من هذا النور الإلهي هو في هذا الإناء الذي يسميه القرآن «صدراً» وينزل عليه النور من عند الله.

وكما أن هذا النور ينزل من عند الله وليس للإنسان فيه شأن (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُور).

… كذلك أمر الإناء الذي يتلقى هذا النور من عند الله وهو الصدر بيد الله تعالى، فإن الله هو الذي يشرح الصدور، وليس من شأن للإنسان في شرح الصدر.

وقد رأينا فيما سبق من هذا الحديث أن القرآن ينسب شرح الصدر إلى الله تعالى.

{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}[43].

{فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلاِْسْلاَمِ}[44].

{قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي}[45].

وبقدر ما يشرح الله تعالى صدور عباده تتلقى هذه الصدور النور واليقين والإسلام من عند الله.


أقرأ ايضاً:

الهوامش والمصادر

  • [1] ـ منية المريد للشهيد الثاني: 123; والدعوات للراوندي: 120.
  • [2] ـ إقبال الأعمال لابن طاووس: 3: 211.
  • [3] ـ نتحدث عن السنن العامة في إفاضة الرحمة من لدن الله تعالى، وإلا فقد يموت الحيوان جوعاً، وقد تجف النبتة، إلا أن هذه الحالات تتبع سنناً وقوانين إلهية أُخرى في الكون لسنا بصدد شرحها هنا، وهذه المجموعة من السنن كالشبكة المتداخلة لا نستطيع أن نفهم أحداث الكون والمجتمع إلا من خلال فهم دقيق لهذه السنن جميعاً وفك التشابك والتداخل فيما بينها.
  • [4] ـ طه: 50.
  • [5] ـ القمر: 49.
  • [6] ـ الحجر: 21.
  • [7] ـ غافر: 60.
  • [8] ـ بحار الأنوار 93: 300 والآية من سورة فاطر: 2.
  • [9] ـ بحار الأنوار 77: 204.
  • [10] ـ بحار الأنوار 93: 299.
  • [11] ـ غرر الحكم.
  • [12] ـ كنز العمال 2: 68 ح3154.
  • [13] ـ بحار الأنوار 93: 295.
  • [14] ـ بحار الأنوار 93: 368.
  • [15] ـ بحار الأنوار 93: 341.
  • [16] ـ بحار الأنوار 93: 376.
  • [17] ـ بحار الأنوار 93: 312.
  • [18] ـ بحار الأنوار 77: 173.
  • [19] ـ بحار الأنوار 77: 57.
  • [20] ـ بحار الأنوار 93: 322.
  • [21] ـ بحار الأنوار 93: 305.
  • [22] ـ بحار الأنوار 93: 313.
  • [23] ـ بحار الأنوار 93: 345.
  • [24] ـ المصدر السابق.
  • [25] ـ بحار الأنوار 93: 305.
  • [26] ـ المصدر السابق.
  • [27] ـ الكافي 2: 473 وبحار الأنوار 93: 305.
  • [28] ـ المصدر السابق.
  • [29] ـ بحار الأنوار 93: 374.
  • [30] ـ بحار الأنوار 78: 173.
  • [31] ـ بحار الأنوار 77: 205.
  • [32] ـ بحار الأنوار 2: 262.
  • [33] ـ المصدر السابق.
  • [34] ـ بحار الأنوار 2: 263.
  • [35] ـ بحار الأنوار 27: 191، ح48.
  • [36] ـ هود: 45 ـ 46.
  • [37] ـ هود: 47.
  • [38] ـ التوبة: 80.
  • [39] ـ التوبة: 113.
  • [40] ـ الأنعام: 122.
  • [41] ـ الزمر: 22.
  • [42] ـ النور: 40.
  • [43] ـ الانشراح: 1.
  • [44] ـ الأنعام: 125.
  • [45] ـ طه: 25.
بواسطة
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى