وحدة العاقبة والمصير

وحدة المنطلق والمسيرة والغاية في رسالات الله

كما تحكم مسيرة الأنبياء والمرسلين (ع) سنن إلهية ثابتة، كذلك تحكم السنن الإلهية عاقبة ونتيجة هذه المسيرة، والمصير الذي يؤول إليه أمر هذه المواجهة والصراع في الأخير.

والقرآن الكريم ـ من خلال الصورة التي يرسمها للصراع الدامي والمعركة المصيرية بين الأنبياء (ع) وأئمة الكفر، وما يستتبع هذا الصراع من آلام ومعاناة ومتاعب للمؤمنين والمكذبين معاً ـ يرسم السنن الإلهية في هذه المعركة الدامية بين الإسلام والجاهلية.

والأمر الرائع في ذلك، أن القرآن يرسم السنن الإلهية الثابتة في نصر الأنبياء (ع) في وسط الإطار الذي يرسم فيه هذه المعركة الدامية….

فيقرن صورة المعركة الدامية الحامية الباعثة على القلق والخوف والارتباك، بصورة السنن الإلهية الثابتة والباعثة على الاطمئنان والثقة، ويستخرج هذه الصورة من تلك وفي جو واحد.

قال تعالى: {..وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}[1].

ففي أجواء ذات الشوكة، وعلى طريق ذات الشوكة، وفي الطريق الشائك الوعر يرسم القرآن الكريم هذه المشيئة الإلهية الثابتة والمطمئنة.

قال تعالى: (وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ).

وتأملوا في هذه الصورة الثانية التي يقترن فيها الألم بالراحة، والقلق
ـ في جو المعركة ـ بالثقة والاطمئنان بالله تعالى وسننه، واليأس بالرجاء والأمل:

قال تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً}[2].

وأخيراً تأملوا في هذه الصورة القرآنية الرائعة التي تمتزج فيها القروح والدماء والآلام بالاستعلاء والثقة المطلقة بنصر الله تعالى، والاطمئنان الكامل بسننه تعالى، في وسط المعركة وغبارها المتصاعد، وصرخات الكر والفر، والانتصارات والنكسات.

قال تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ..}[3].

واستعراض السنن الإلهية في جو الصراع، يرسم ـأولاـ للأنبياء (ع) والدعاة خط السير والتحرك السياسي بشكل دقيق، ويشخص لهم مواضع أقدامهم في هذه المسيرة وفي ساحة الصراع والعمل ويشخّص لهم شروط النصر، وطريقة الاستعلاء النفسي على انتكاسات المسيرة، ويطمئنهم ـ ثانياً ـ في حلبة الصراع بالنتيجة الحتمية والنصر الإلهي، وإن الإنسان ليحتاج في ساحة الصراع وفي مواجهة العدو إلى أن يطمئنه الله تعالى على لسان أنبيائه وملائكته بعاقبة المعركة ونتيجة الأمر وسنن الله تعالى في هذا الصراع.

وعندما نستعرض كتاب الله، نجد أن هذه السنن التي يرسمها القرآن الكريم واحدة في حياة الأنبياء والمرسلين، ولا يختلف في ذلك رسول عن رسول.

ووحدة السنن الإلهية والعاقبة في حياة الأنبياء (ع) تكشف عن وحدة الخط والأسلوب والدعوة والمواجهة في حياة الأنبياء (ع)، كما تكشف ـ في نفس الوقت ـ عن تشابه عجيب فيما بين أئمة الكفر والجاهلية في مواجهة الأنبياء (ع) في العصور المختلفة. فالأنبياء (ع) يدعون أقوامهم إلى نبذ عبادة الأصنام، ونبذ الشرك ونبذ عبادة الطاغوت والتحرر من الهوى، ويدعونهم إلى العبودية لله تعالى وامتثال أحكامه والتسليم له في كل شيء… ويصرون على ذلك. ويواجه المشركون هذه الدعوة بالصدود، والإعراض، والتشكيك، والتكذيب، والاستهزاء، والاستخفاف، وكل الوسائل الممكنة لإفشال هذه الدعوة ومصادرتها.

ويدخل الطرفان «الطرف الرباني والطرف الجاهلي» في صراع عنيف من أعنف ما يعرفه الإنسان من صراع في تاريخه، وعند ذلك تنتظم السنن الإلهية في هذا الصراع الحضاري بالشكل التالي:

1 ـ الابتلاء.

2 ـ الاستدراج.

3 ـ الهلاك.

فيبتليهم الله تعالى ـ أولاـ بمختلف أنواع البلاء، لعلهم يضرعون ويعودون إلى الله ويكفون عن غيهم وضلالهم، فإذا استمروا في طيشهم وغيهم استدرجهم الله تعالى ـ ثانياً ـ بألوان النعم حتى ينسوا الله سبحانه ويتمادوا في غرورهم وطيشهم.

ثم ـ ثالثاً ـ يصب الله تعالى عليهم العذاب صباً ويهلكهم بعد أن أنذرهم وابتلاهم، وبعد أن استنفد الرسل معهم الوسائل الممكنة في هدايتهم وتوجيههم، وبعد أن تستنفد الوسائل التكوينية بالابتلاء إمكانات توجيههم وهدايتهم… فينزل الله عليهم العذاب، ويهلكهم، وتسقط هذه الحضارات الجاهلية سقوطاً نهائياً.

قال تعالى: {َمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَة مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَيَشْعُرُونَ * وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ وَلكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[4].

وقال تعالى: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَة إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ * ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ}[5].

وقال تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَاد وَثَمُودَ * إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لاََنْزَلَ مَلاَئِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ * فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّام نَحِسَات لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الاْخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ * وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[6].

وقال تعالى: {وَكَأَيِّن مِن قَرْيَة عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ..}[7].

وقال تعالى: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوط * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * فَكَأَيِّن مِن قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْر مُّعَطَّلَة وَقَصْر مَّشِيد * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَي الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور * وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَة مِمَّا تَعُدُّونَ * وَكَأَيِّن مِن قَرْيَة أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ}[8].

وقال تعالى: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ * فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[9].

وقال تعالى: {يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِن رَّسُول إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ * أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ}[10].

وتنجلي هذه المعركة الحامية عن سقوط الحضارات الجاهلية المعادية لدعوة الله، وانتصار الأنبياء والرسل (ع).

قال تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لاََغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}[11].

وقال تعالى: {وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلاَفَكَ إِلاَّ قَلِيلاً * سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً}[12].

وقال تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ}[13].

وقال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}[14].

وقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً}[15].

وكما لا ينزل العذاب إلا بعد أن تستنفد الوسائل التشريعية والتكوينية كل الإمكانات في هداية المشركين، كذلك لا يأتي النصر عادة حتى يبلغ الرسل ومن حولهم حد اليأس، ويبلغ الابتلاء أقصاه، وتستنفد الوسائل التكوينية بالابتلاء كل الإمكانات الموجودة في تكامل وتنامي هذه المسيرة الربانية من خلال طول المحنة وطول الابتلاء والمعاناة… حتى إذا بلغ الأمر أقصاه، وامتلأ الإناء بالبلاء… نزل عليهم النصر مرة واحدة كما ينهمر الغيث من السماء.

قال تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}[16].


أقرأ ايضاً:

الهوامش والمصادر

  • [1] ـ الأنفال: 7 ـ 8.
  • [2] ـ النساء: 104.
  • [3] ـ آل عمران: 139 ـ 140.
  • [4] ـ الأعراف: 94 ـ 96.
  • [5] ـ الشعراء: 208 ـ 209.
  • [6] ـ فصلت: 13 ـ 17.
  • [7] ـ الطلاق: 8 ـ 10.
  • [8] ـ الحج: 42 ـ 48.
  • [9] ـ الحجر: 80 ـ 84.
  • [10] ـ يس: 30 ـ 31.
  • [11] ـ المجادلة: 21.
  • [12] ـ الإسراء: 76 ـ 77.
  • [13] ـ غافر: 51.
  • [14] ـ الأنبياء: 105.
  • [15] ـ النور: 55.
  • [16] ـ يوسف: 110.
بواسطة
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى