وحدة المنطلق والمسيرة والغاية في رسالات الله

على الرغم من تعدد الرسالات الإلهية، وعلى الرغم من أن أي رسالة من هذه الرسالات يختص بفترة زمنية تنتهي بالرسالة التي تليها ـ عدا خاتمة الرسالات فإنها تمتد إلى آخر الدنيا ـ فإن هذه الرسالات على اختلافها وتعددها، تعبِّر ـ في تاريخ الإنسان ـ عن وحدة المنطلق والمسيرة والغاية في رسالات الله، وتعدد الرسالات يعبر عن مراحل نضج الإنسان ورشده التاريخي، ويشكل المنهج التربوي والتشريعي الضروري لكل مرحلة من مراحل نضج الإنسان ونموه.

وباستثناء ذلك، فإن هذه الرسالات كلها، تعبّر عن خط رسالي واحد يملك عمقاً وامتداداً واحداً ومترابطاً، من آدم (ع) إلى رسول الله (ص)وهي دعوة واحدة متماسكة ومترابطة: ذات خط واحد، وعمق واحد ومنطلق واحد ومحتوى واحد.

والذي يستعرض مراحل حياة هذه الاسرة الربانية من التاريخ، ويلاحظ الوحدة والمسانخة والانسجام والتشابه بين هذه الرسالات على اختلاف مراحلها وفتراتها، يطمئن بأن هذه الرسالات تنبع جميعاً من مصدر واحد، وتحمل جميعاً دعوة واحدة، ويحكمها جميعاً ولاء واحد وبراءة واحدة.

ولا يمكن أن تلتقي هذه الرسالات جميعاً على اختلاف العصور بهذه الصورة من وحدة الخط والدعوة والمنطلق والغاية والمسير والولاء والبراءة والعمل… بصورة عفوية ومصادفة.

ويتعمق لدينا الإحساس بوحدة الرسالات وارتباطها جميعاً بالمصدر الرباني الواحد، عندما نلاحظ أن هذا اللقاء بين الرسالات، يتجاوز حدود الانسجام والتناسق والتشابه إلى التصديق والتبشير.

فالمتقدمة منها تبشّر بالمتأخرة، والمتأخرة منها تصدق المتقدمة، ولم يصادف أن إحداهما ناقضت الاخرى، أو انتقصتها، أو أحصت عليها خطأً أو نقصاً.

وبغض النظر عن أي اعتبار آخر، من الإعجاز، والغيب الذي يمكِّنُ الله تعالى أنبياءه منه كلما يشاء… فإن هذا اللقاء، والتناسق، والانسجام، والترابط، ووحدة المنطلق، والدعوة، والغاية، والمسير، والمعاناة، والحب، والبغض، بين هذه المجموعة الكبيرة من الرسالات على امتداد التاريخ الطويل، ليبعث الثقة والطمأنينة في نفس الإنسان، بارتباط هذه الرسالات جميعاً بالله سبحانه وتعالى.

ولا يمكن أن تلتقي هذه الرسالات جميعاً على خط واحد، ودعوة واحدة، ومنهج واحد، وحب واحد، وبغض واحد… بصورة عفوية.

والذي يستعرض آيات القرآن الكريم في ما يقص من قصص الأنبياء (ع)، يجد في ذلك باباً من أبواب الإيمان بالأنبياء (ع) ورسالاتهم وارتباطهم بالله تعالى وصدقهم.

والامة الموحدة لله تعالى هي أسرة واحدة مهما اختلفت مواقعها الزمنية ومواضعها من عمود التاريخ.

قال تعالى: {وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}.[1]

وبنفس هذه الكلمات تتكرر هذه الآية الكريمة في سورة الأنبياء: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}[2].

أمة واحدة من حيث المنطلق، والمسار، والغاية، والأخلاق، والحضارة… وإن كانوا يختلفون بحكم اختلاف مواضعهم في التاريخ، وبحكم اختلاف مراحلهم ومستوياتهم في النضج العقلي في جملة من التفاصيل الواردة في منهج التشريع… ولكن ذلك لا يعني أن لا يكون المؤمنون بتوحيد الله ـ من غير تحريف واعوجاج ـ أسرة واحدة.

والقرآن الكريم يسمي هذه الاسرة بـ «الامة المسلمة»، ويسمي هذه الطريقة والمنهج بـ «الإسلام»… وهو دين الله تعالى في حياة الإنسان، فلن يقبل الله من الإنسان غيره، ولم يبعث نبياً بغيره.

يقول تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ}.[3]

ويقول تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.[4]

ويقول تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ}.[5]

والإسلام، هو التسليم والانقياد لله تعالى من دون العباد… والعبودية لله سبحانه وحده.

وبهذه الدعوة يدعو القرآن الكريم أهل الكتاب أن يقفوا معنا ـ نحن المسلمين ـ على كلمة واحدة سواء بيننا وبينهم، وهي كلمة التوحيد والعبودية الخالصة لله، ونبذ أي عبودية لغير الله، ونبذ أي تسليم وطاعة لغير الله ومن دون إذن الله.

فقال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَبِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَة سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَ لاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}.[6]

وهذه «الكلمة» تجمع أطراف هذه الاسرة الواحدة، مهما بعدت مواضعهم على عمود الزمان، واختلفت مناهجهم وشرائعهم.

الأسرة الإبراهيميّة

وتنتمي هذه الاسرة إلى إبراهيم (ع) أبي الأنبياء، لا لأن إبراهيم (ع) هو الذي شيَّد أساس الدعوة إلى التوحيد على وجه الأرض، ولم يكن قبله من يدعو إلى الله تعالى، وإنما لأن إبراهيم (ع) نهض بإمامة التوحيد على وجه الأرض بأمر الله لأول مرة في تاريخ التوحيد، فعرفت الاسرة في القرآن الكريم باسمه، والأنبياء (ع) الذين جاءوا من بعده يعتبرهم القرآن الكريم من هذه الاسرة.

قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً}.[7]

وقال تعالى: { وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ}.[8]

وقال تعالى: { وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي ا لاْخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاِّ وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ}.[9]

فملة إبراهيم (ع) هي الإسلام الحنيف الذي اصطفاه الله تعالى لإبراهيم وبنيه وشيعته، ووصى إبراهيم (ع) به أبناءه.

والاسرة المسلمة في التاريخ وعلى وجه الأرض هي أسرة إبراهيم (ع).

ولم يكن إبراهيم (ع) يهودياً أو نصرانياً ولا مشركاً، وإنما كان حنيفاً مسلماً.

فيقول تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلكِن كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.[10]

وليس أحد من الناس أولى بإبراهيم من الذين اتبعوه ووضعوا خطاهم موضع خطاه، فقال تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ}[11].

ومن هذا المنطلق الرحب ـ لا من المنطلقات الضيقة التي يؤمن بها اليهود والنصارى ـ فان هذا النبي الأمي (ص)يكون أولى الناس بإبراهيم (ع)، ومن أكثر الناس صلة وارتباطا بهذه الاسرة الإبراهيمية، وبعميدها أبي الأنبياء إبراهيم الحنيف (ع).

ولقد كان اليهود يظنون أنهم أولى من النصارى بإبراهيم (ع) لأنهم أقرب عهداً وأقرب نسباً إليه، وكان النصارى يظنون أنهم ألصق بإبراهيم (ع) من المسلمين لأنهم أقرب عهداً به وأقرب نسباً، ولكن القرآن الكريم يشجب هذه المنطلقات جميعاً، ويضع أساساً جديداً للارتباط والعلاقة بهذه الاسرة، وهذا الأساس ليس من قبيل وشيجة الدم والنسب، وإنما هو من وشيجة العقيدة والعمل، ولذلك فإن النبي الامي (ص)والذين اتبعوه من المسلمين هم أولى الناس بهذه الاسرة.

فأُسرة التوحيد ـ إذن ـ أسرة واحدة في التاريخ، وان اختلفت مناهجها التشريعية في المراحل المختلفة من حياة وتاريخ هذه الاسرة.

والذي يتأمل في كتاب الله، يجد أن القرآن الكريم يحرص حرصاً شديداً على أن يعكس للمسلمين هذه الوحدة في أسرة التوحيد من حيث المنطلق والمسار والغاية.

وبالتأمل في نقاط الالتقاء بين رسالات الله ينفتح أمامنا أفق جديد للتأمل والنظر والمعرفة برسالات الله.

فليس من الممكن أن يلتقي هذا العدد الكبير من الأنبياء والأديان في الفكر والدعوة والغاية عبر الامتداد الطويل من التاريخ، وفي نقاط مختلفة من المعمورة، بصورة عفوية ومن دون أن تنتمي هذه الرسالات جميعاً إلى مصدر واحد وتنبع من نبع واحد.

وفيما يلي نستعرض بعض النماذج من نقاط الالتقاء بين رسالات الله تعالى في التاريخ من خلال القرآن الكريم، وهي كما يلي:

أولا: وحدة المصدر والاصطفاء.

ثانياً: وحدة التشريع.

ثالثاً: وحدة الولاء والبراءة.

رابعاً: وحدة المعاناة.

خامساً: وحدة العاقبة والمصير.

سادساً: وحدة القبول «التبشير والتصديق».

وها نحن نستعرض هذه الوحدات، ونقاط الالتقاء بين رسالات الله في ضوء القرآن الكريم بقدر ما يتسع له صدر هذا الحديث.


أقرأ ايضاً:

الهوامش والمصادر

  • [1] ـ المؤمنون: 52.
  • [2] ـ الأنبياء: 92.
  • [3] ـ آل عمران: 19.
  • [4] ـ آل عمران: 85.
  • [5] ـ النساء: 125.
  • [6] ـ آل عمران: 64.
  • [7] ـ النساء: 125.
  • [8] ـ الحج: 78.
  • [9] ـ البقرة: 130 ـ 132.
  • [10] ـ آل عمران: 67.
  • [11] ـ آل عمران: 68.
بواسطة
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى