مذهب أهل البيت (ع)

آية التطهير دراسة في أبعادها الفكرية والتشريعية

أهل البيت صادقون منزّهون عن الكذب:

وهي أدنى مراتب العصمة في حياتهم، كما أنّ الكذب من أفحش الرجس الذي نزّههم الله تعالى عنه، ولا يجوز لمسلم أن يشك في صدق حديثهم وروايتهم، وقد أذهب الله عنهم الرجس، وطهّرهم تطهيراً، والكذب من أفحش الرجس الذي برّأهم الله عنه.

وإلى حدّ ما يتطابق الفريقان السنة والشيعة في هذه الحقيقة، فلم أصادف فيما قرأت من كتب الجرح والتعديل والرجال من كتب أئمة السنة من لا ينزّه ساحة الأئمة الاثني عشر (ع) من كل رجس وكذب وريب.

أهل البيت يروون حديث رسول الله (ص):

وليس شأنهم (ع) شأن سائر المجتهدين وأئمة المذاهب الإسلامية في الاعتماد على الرأي والاجتهاد في دين الله، ولا يصحّ تسميتهم بالمجتهدين وأصحاب الرأي، والمجتهد قد يصيب وقد يخطئ، والحالات التي يخطئ فـيها لا تقل عن الحـالات التي يصيب فيها حكم الله تعالى.

وأهل البيت (ع) لا يدخلون قطعاً في عداد المجتهدين وأصحاب الآراء، ولا مذهب لهم في الرأي والاجتهاد، وإنّما هم يروون حديث رسول الله (ص) ويحملون إلينا ميراثه (ص).

فكل حديث صادر عنهم في الأصول أو الأحكام ليس من رأيهم، وليس فيه شيء من اجتهادهم مطلقاً، ولم يمارسوا فيه رأياً أو اجتهاداً، كما يمارسه سائر الفقهاء، وإنّما يستندون في ذلك إلى سنة رسول الله (ص) انتهى علمه إليهم، ويروونها عنهم سواء رووها كما يروي عامة المحدّثين الحديث مسلسلاً إلى رسول الله (ص)، أم أرسلوها إرسالاً، وهم (ع) قد بيّـنوا هذا المعنى في أكثر من موضع، وإنّهم لا يزيدون شيئاً على سنة رسول الله (ص) ولا ينقصون، ولا يستعملون رأياً في الفقه، وكلّما يقولون في الأصول والفروع إنّـما هو من سـنة رسول الله (ص) وحديثه الذي انتهى إليهـم (ع).

وفيما يلي نذكر بعض النصوص الواردة عنهم (ع) في هذا الأمر:

1 ـ روى ثقة الإسلام الكليني عن علي بن محمد عن سهل بن زياد عن أحمد بن محمد عن عمر بن عبدالعزيز عن هشام بن سالم وحمّاد بن عثمان وغيره، قالوا: سمعنا أبا عبدالله (الصادق) (ع) يقول:

>حديثي حديث أبي: وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدّي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله وحديث رسول الله قول الله عزّ وجلّ<[1].

2 ـ وروى ثقة الإسلام الكليني& عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن داود بن فرقد، عمن حدثه ابن شبرمة قال: ما ذكرت حديثاً سمعته عن جعفر بن محمد (الصادق) إلاّ كاد أن يتصدّع قلبه. قال: حدّثني أبي عن جدّي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم). وقال ابن شبرمة: وأقسم بالله ما كذّب أبوه على جدّه، ولا جدّه على رسول الله. قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):

>من عمل بالمقاييس فقد هلك وأهلك، ومن (أفتى الناس بغير علم)، وهو لا يعلم الناسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه فقد هلك وأهلك<[2].

3 ـ وروى في الأمالي قال: حدّثني الشيخ الجليل المفيد محمد بن محمد بن النعمان، قال: أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد بن محمد القمّي+ قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن عيسى، قال: حدّثني هارون بن مسلم بن علي بن أسباط، عن سيف بن عميرة، عن عمرو بن شمر، عن جابر، قال: قلت لأبي جعفر (ع): إذا حدّثتني بحديث فاسنده لي فقال: حدّثني أبي عن جدّي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عن جبرئيل عن الله عزّ وجلّ، وكلّ ما أحدّثك بهذا الاسناد. وقال:

>يا جابر، حـديث واحـد تأخـذه عن صـادق، خـير لك من الدنـيا وما فيها<[3].

4 ـ روى الحر العاملي في الوسائل عن عليّ بن موسى بن جعفر بن طاووس في كتاب الإجازات قال: ممّا رويناه من كتاب حفص بن البختري قال: قلت لأبي عبدالله (ع): نسمع الحديث منك فلا أدري منك سماعه أو من أبيك، فقال:

>ما سـمعته منّي فأروه عن أبي، وما سـمعته مـنّي فأروه عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)<[4].

5 ـ في بصائر الدرجات: حدّثنا إبراهيم بن هاشم عن يحيى بن أبي عمران، عن يونس، عن عنبسة، قال:

>سأل رجل أبا عبداللّه عن مسألة فأجابه فيها، فقال الرجل: إن كان كذا فما كان القول فيها، فقال له: مهما أجبتك فيه بشيء فهو عن رسول الله، لسنا نقول برأينا في شيء<[5].

6 ـ وروى ثقة الإسلام الكليني، عن علي بن محمد بن عيسى، عن يونس، عن قتيبة، قال:

>سأل رجل أبا عبدالله (الصادق) (ع) عن مسألة، فأجابه فيها، فقال الرجل: أرأيت إن كان كذا وكذا ما يكون القول فيها. فقال له: مه، ما أجبتك فيه من شيء فهو عن رسول الله، لسنا من: أرأيت في شيء<[6].

7 ـ وروى في بصائر الدرجات قال: حدّثنا يعقوب بن يزيد عن محمد ابن أبي عمير، عن عمرو بن أذينة، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (الباقر) (ع) إنّه قال:

>لو إنّا حدّثنا برأينا ضللنا كما ضلّ من كان قبلنا، ولكنّا حدّثنا ببيّنة من ربّنا، بيّنها لنبيّه، فبيّنها لنا<[7].

8 ـ وفي الكتاب نفسه، حدّثنا أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن فضيل بن يسار، عن جعفر (الصادق) (ع)، إنّه قال:

>بيّنة من ربّنا بيّنها لنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فبيّنها نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم) لنا فلولا ذلك كنّا كهؤلاء الناس<[8].

9 ـ وفي الكتاب نفسه أيضاً، حدّثنا عبدالله بن عامر، عن عبدالله بن محمد الحجّال، عن داود بن أبي يزيد الأحول، عن أبي عبدالله (الصادق) (ع)، قال سمعته يقول:

>إنّا لو كنّا نفتي الناس برأينا وهوانا، لكنّا من الهالكين، ولكنّها آثار من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أصل علم نتوارثها كابراً عن كابر نكنزها، كما يكنز الناس ذهبهم وفضّتهم<[9].

10 ـ وفيه أيضاً: حدّثنا حمزة بن يعلي، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (الباقر) (ع)، قال:

>يا جابر: إنّا لو كنّا نحدّثكم برأينا وهوانا، لكنّا من الهالكين، ولكنّا نحدّثكم بأحاديث نكنزها عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضّتهم<[10].

النص قبل الاجتهاد:

وانطلاقاً مما تقدم فإنّ أحاديث أهل البيت (ع) وأقوالهم ليست من الرأي والاجتهاد في شيء، وإنّما هي سنة رسول الله (ص) وآثاره أودعها عند أهل بيته، وتوارثوها (ع) عنه (ص)، ونقلوها إلينا في الأصول والأحكام، وسجّلها عنهم الثقات من المحدثين.

فإذا آمنا ـ بموجب دلالة آية التطهير ـ بأنّهم مطهرون من كل كذب وريب، وصادقون فيما يقولون ويروون، فلا يجوز العدول عن أحاديثهم إلى الاجتهاد والرأي،

فإنّ من غير الجائز ممارسة الاجتهاد، والأخذ بالرأي مع وجود النص الصريح، فإنّ الاجتهاد إنّما يضطر إليه الفقيه عند إجمال السنة، أو غموضه من حيث المتن، أو ضعفه من حيث السند، أو تعارضه في المدلول مع حديث آخر، أو فقدان الدليل من الكتاب والسنة رأساً، أمّا حيث يوجد دليل من الكتاب أو سنة رسول الله (ص)، نص في الحكم الشرعي، واضح الدلالة وقوي السند، فلا مساغ لاستعمال الرأي وممارسة الاجتهاد مطلقاً، باتّفاق من علماء الأصول.

ولما كان حديث أهل البيت نصوص من سنة رسول الله (ص)، بحكم ما تقدّم من صدقهم، وإنّهم لا يزيدون على رواية حديث رسول الله (ص)، فلا يسوغ اللّجوء إلى الاجتهاد والرأي قبل الرجوع إليهم.

ويترتب على ذلك أمران جوهريّان:

أولاً: لا يمكن اعتبار اتجاه أهل البيت (ع) في الأصول والأحكام الإسلامية مذهباً في عداد المذاهب الإسلامية الأخرى في الأصول والفروع، فإنّ المعنى الاصطلاحي للمذهب، الاتجاه القائم على الرأي والاجتهاد الخاص في فهم الإسلام أصولاً، وأحكاماً، وإذا كان أهل البيت ينفون عن أنفسهم واتجاههم أي رأي أو اجتهاد شخصي، وإنّما ينقلون إلينا بأمانة وصدق سنة رسول الله (ص) وحديثه، فاتجاههم لا يُعَدُّ مذهباً في الإسلام، بالمعنى المصطلح المعروف من المذهب.

وثانياً: يعتقد الشيعة إنّه من غير السائغ الرجوع إلى مذهب من المذاهب الفقهية والأصولية، وممارسة مذهب جديد فيهما قبل الرجوع إلى أحاديث أهل البيت وكلماتهم والتراث التشريعي المنقول عنهم، فإنّ ممارسة الاجتهاد في قبال كلماتهم وأحاديثهم من الاجتهاد في قبال النص، هو أمر غير جائز قطعاً.

كيف استقى أهل البيت (ع) العلم من رسول الله (ص):

وهو سؤال لاشك يختلج في ذهن الإنسان، وهو يواجه هذا التراث الضخم الذي ورثه أهل البيت (ع) عن رسول الله (ص) من الأصول والأحكام، وفي الكليات والجزئيات والتفريعات الدقيقة للأحكام، وفي التفسير والأخلاق والتاريخ.

والجواب: إننّا بعدما عرفنا في آية محكمة في كتاب الله إنّهم صادقون، لا يقولون كذباً ولا يدعون باطلاً، فإنّا غير مسؤولين بعد ذلك أن نعرف كيف تلقّوا العلم عن رسول الله (ص)، وفي أي فرصة طويلة، كان عليّ (ع) يخلوا إلى رسول الله (ص)، ليأخذ منه العلم، ليتسلسل هذا العلم بعد ذلك في أبنائه، إماماً بعد إمام.

فإنّ كيفيات التلقي للعلم مختلفة، وليست كلّها بالكيفيات التي نعرفها، في تلقّي الطلاب عن أساتذتهم، فإنّ من هذه الكيفيّات ما هو معروف، يتداوله الناس، وما هو من الغيب الذي ستر الله تعالى عنّا علمه، ولا يمكن أن يدّعي أحد أن التلقي للعلم ينحصر في هذه الكيفية المعروفة الشائعة فيما بين الناس في المدارس والمعاهد.

والقرآن الكريم ينقل لنا قصة الذي آتاه الله علماً من الكتاب في زمان سليمان (ع)، حيث جاء بعرش بلقيس إلى سليمان من سبأ، قبل أن يرتد إلى سليمان طرفه:

{قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ}[11].

فما هذا العلم؟ ومن أين تلقّاه؟ وكيف تلقّاه؟.

لا نعلم، وإنّما نعلم أنّ هذا الشيء قد حدث، وكان فعلاً، والقرآن صرّح به، وكفى.

ومثل آخر في القرآن الكريم، العبد الصالح الذي آتاه الله تعالى من لدنه علماً، وطلبه كليم الله تعالى موسى (ع) ليتّبعه، وليتعلم منه مّما علّمه الله تعالى رشداً، وهو كليم الله تعالى وصفيه ونجيبه ورسوله.

ويصف القرآن الكريم لقاء موسى (ع) بالعبد الصالح بهذا الوصف الرائع:

{فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا}[12].

فهذا عبد من عباد الله تعالى، آتاه الله من لدنه رحمة، وآتاه من لدنه علماً، وجاء إليه موسى (ع)، وهو رسول الله وكليمه، يطلب منه أن يأذن له بأن يتّبعه ويتعلّم منه مّما علّمه الله رشدا.

فكيف استقى هذا العبد الصالح هذا العلم الغزير من لدن الله، والذي كان يجهله موسى (ع) على ماله من الشأن والمقام عند الله، وكيف أخذ هذا العلم، وكيف استوعبه. تلك اُمور مجهولة لنا، ولسنا مسؤولين بأن نتكلّف لـه جواباً مادمنا قد عرفنا صحته من مصدر صادق لا يرقى إليه الشك.

وتوجيه طريقة تلقي أهل البيت هذا العلم الغزير والجم من علم رسول الله (ص) وسنّته لا يختلف أمره عن هذا الأمر، ولسنا نجد إلزاماً لنا في أن نتكلّف له جواباً وتوجيهاً.

ويكفينا أن نعلم أنّ الله تعالى قد طهّرهم من كل ريب ورجس. والكذب من أوضـح مصاديق الرجس، فهم منزّهون عن الكذب، ولا يرقى الشك إلى صدقهم.

فإذا ذكروا بأنّهم قد ورثوا علم رسول الله (ص) وسنته في الأصول والفروع، وإنّ لديهم من علم رسول الله (ص) وحديثه وسنته، ما ليس عند غيرهم، فهم مصدّقون في كلامهم ودعوتهم، ونعلم أنّهم لا يدعون جزافاً وباطلاً، فنأخذ عنهم العلم والحديث والفقه في الحلال والحرام، وفي الأصول والأحكام، وفي حدود الله وشريعته، ونتعبّد بأحاديثهم ورواياتهم على أنّها أحاديث رسول الله (ص) ورواياته، صحّت عنه بطريق صادق سليم لا يرقى إليه الشك، وقد جاء قرآن محكم من لدن الله بصدقهم ونزاهتهم عن الكذب.

وهنا بعض الايضاحات في هذا الشأن من أهل البيت (ع) بالذات، نشير إلى طرف منها.

رسول الله (ص) يخص عليّاً (ع) بما لا يخص به غيره من العلم:

1 ـ روى ثقة الإسلام الكليني&، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبان بن أبي عياش في حديث طويل، عن سليم بن القيس الهلالي، يسأل الإمام عليّاً (ع) فيه عن علمه من رسول الله وعلم سائر الصحابة، والحديث طويل، ننقل مقدار الحاجة، قال (ع):

>وليس كل أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يسأله عن الشيء فيفهم، وكان منهم من يسأله ولا يستفهمه، حتى أن كانوا ليحبّون أن يجيء الاعرابي والطارئ فيسأل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى يسمعوا.

وقد كنت أدخل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كل يوم دخلة، وكل ليلة دخلةً، فيخليني فيها أدور معه حيث دار، وقد علم أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري، فربما كان في بيتي يأتيني رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في بيتي وكنت إذا دخلت عليه بعض منازله أخلاني، وأقام عنّي نساءه، فلا يبقى عنده غيري، وإذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم تقم عني فاطمة ولا أحد من بني. وكنت إذا سألته أجابني، وإذا سكت عنه، وفنيت مسائلي إبتدأني، فما نزلت على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) آية من القرآن إلاّ أقرأنيها وأملاها علي، فكتبتها بخطّي، وعلّمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها وخاصّها وعامّها، ودعا الله أن يعطيني فهماً وحفظاً، فما نسيت آية من كتاب الله تعالى، ولا علماً أملاه علي وكتبته منذ دعا لي بما دعا، وما ترك شيئاً علّمه الله من حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهي، كان أو يكون، ولا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلاّ علمنيه وحفظته، فلم أنس حرفاً واحداً، ثم وضع يده على صدري، ودعا الله لي أن يملأ قلبي علماً وفهماً وحكماً ونوراً، فقلت يا نبيّ الله: بأبي أنت وامي منذ دعوت الله لي بما دعوت، لم أنس شيئاً ولم يفتني شيء لم أكتبه، أفتتخوّف علي النسيان فيما بعد فقال: لا، لست أتخوّف عليك النسيان والجهل<[13].

2 ـ وروى الحر العاملي في وسائل الشيعة عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي الصباح، قال:

>والله لقد قال لي جعفر بن محمد (الصادق) (ع) أنّ الله علّم نبيّه التنزيل والتأويل، فعلّمه رسول الله عليّاً، ثم قال: وعلّمنا والله<[14].

الكتاب الذي أملاه رسول الله (ص) على علي (ع) في الأحكام

واسم هذا الكتاب (الجامعة)، وقد أملاه رسول الله (ص) في مجالسه الخاصة على عليّ (ع) وخطه علي (ع) بيمناه، وهو كتاب يشمل ما يتعلّق بالحلال والحرام وحدود الله تعالى، وقد ورد أنّه كان بمقدار سبعين ذراعاً، وكان الأئمة من أهل البيت يحفظونه ويكنزونه جيلاً بعد جيل، كما يكنز الناس ذهبهم وفضّتهم أو أشدّ حفظاً، وكانوا يرجعون إليه كلّما أحوجهم الأمر إليه.

1 ـ روي في بصائر الدرجات عن علي بن الحسن بن الحسين السحاني عن محول بن إبراهيم عن أبي مريم، قال: قال لي أبو جعفر (الباقر):

>عندنا الجامعة، وهي سبعون ذراعاً، فيها كل شيء حتى ارش الخدش، إملاء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وخطّ عليّ (ع)<[15].

2 ـ وفي بصائر الدرجات أيضاً، عن أحمد بن محمد عن الحسن بن عليّ، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (الصادق) (ع)، قال: سمعته يقول:

>إنّ عندنا جلداً سبعون ذراعاً، أملي (أملاه: ظاهراً) رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وخطّه علي بيده، وإنّ فيه جميع ما يحتاجون إليه حتى ارش الخدش<[16].

3 ـ وروى ثقة الإسلام الكليني&، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن صالح بن سعيد، عن أحمد بن أبي بشير، عن بكر بن كرب الصيرفي، قال: سمعت أبا عبدالله (الصادق) (ع) يقول:

>إنّ عندنا مالا نحتاج معه إلى الناس، وإنّ الناس ليحتاجون إلينا، وإنّ عندنا كتاب: إملاء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وخطّ عليّ (ع)، صحيفة فيها كل حلال وحرام<[17].

4 ـ وفي بصائر الدرجات، عن محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن الحسين، عن أبي مخلد، عن عبدالملك، قال: >دعا أبو جعفر (الباقر) بكتاب علي، فجاء به جعفر (الصادق) مثل فخذ الرجل مطوي، فإذا فيه: >إنّ النساء ليس لهن من عقار الرجل إذا هو توفّى عنها شيء< فقال أبو جعفر: هذا والله إملاء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وخطّه علي بيده<[18].

5 ـ وروى الشيخ الطوسي& في التهذيب، عن موسى بن القاسم، عن صفوان، عن علاء، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما‘ (الباقر أو الصادق) قال:

>إنّ في كتاب عليّ (ع): إذا طاف الرجل بالبيت ثمانية أشواط الفريضة، واستيقن ثمانية، أضاف إليها ستاً، وكذا إذا استيقن أنّه سعى ثمانية أضاف إليها ستاً<.

6 ـ وفي رجال النجاشي، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد، عن محمد ابن أحمد، عن الحسن، عن عباد بن ثابت، عن ابن مريم عبدالغفار بن القاسم، عن عذافر الصيرفي، قال: كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفر (الباقر) (ع)، فجعل يسأله، وكان أبو جعفر (ع) له مكرماً، فاختلفا في شيء، فقال: أبو جعفر (الباقر) (ع): يا بني، قم، فاخرج كتاباً مدروجاً عظيماً، ففتحه وجعل ينظر حتى أخرج المسألة، فقال أبو جعفر الباقر: هذا خطّ علي (ع) وإملاء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)[19].[20]

أئمة أهل البيت (ع) يتوارثون كتاب الجامعة:

وقد كان أهل البيت (ع) يتوارثون كتاب الجامعة جيلاً بعد جيل، وواحداً بعد آخر، ويروون عنه سنة رسول الله (ص) وحديثه.

1 ـ في بصائر الدرجات، حدّثنا الحسن بن علي عن أحمد بن هلال، عن أمية بن عليّ، عن حصاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبي الطفيل، عن أبي جعفر (ع)، قال:

>قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لأمير المؤمنين (علي): اكتب ما أملي عليك. قال عليّ (ع): يا نبيّ الله، وتخاف النسيان. قال: لست أخاف عليك النسيان، وقد دعوت الله أن يحفظك فلا ينسيك، لكن اكتب لشركائك. قال: قلت: ومن شركائي يا نبيّ الله. قال: الأئمة من ولدك<[21].

2 ـ وروي في بصائر الدرجات، عن أبي القاسم، عن محمد بن يحيى العطّار، قال: حدّثنا محمد بن الحسن الصفّار، قال: حدّثنا محمد بن الحسـين، عن صفوان، عن العلي بن خنيس، عن أبي عبدالله (الصادق) (ع)، قال:

>إنّ الكتب كانت عند عليّ (ع)، فلما سار إلى العراق استودع الكتب أمّ سلمة، فلما مضى عليّ (ع) كانت عند الحسن، فلما مضى الحسن (ع) كانت عند الحسين (ع)، فلما مضى الحسين كانت عند عليّ بن الحسين ثم كانت عند أبي<[22].

3 ـ وفي الكافي، عن سليم بن قيس، قال: شهدت وصية أمير المؤمنين حين أوصى إلى ابنه الحسن (ع)، وأشهد على وصيته الحسين ومحمد وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته، ثم دفع إليه الكتاب والسلاح وقال لابنه الحسن:

>يا بني: أمرني رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن أوصي إليك، وأن أدفع إليك كتبي وسلاحي، كما أوصى إلي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ودفع إلي كتبه وسلاحه، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين، ثم أقبل على ابنه الحسين، فقال: وأمرك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، أن تدفعه إلى ابنك هذا، ثم أخذ بيد علي بن الحسين، ثم قال لعليّ بن الحسين: وأمرك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن تدفعها إلى ابنك محمد بن عليّ، وأقرأه من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ومنّي السلام<[23].

4 ـ وفي كتاب الغيبة للشيخ الطوسي، ومناقب ابن شهرآشوب، عن المفضل، قال: قال لي أبو جعفر (الباقر):

>لما توجّه الحسين (ع) إلى العراق، دفع إلى أمّ سلمة زوج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الوصية والكتب وغير ذلك، وقال لها: إذا أتاك أكبر ولدي، فادفعي إليه ما دفعت إليك، فلما قتل الحسين (ع)، أتى علي بن الحسين أمّ سلمة، فدفعت إليه كل شيء أعطاها الحسين (ع)<[24].

5 ـ وفي الكافي وأعلام الورى وبصائر الدرجات وبحار الأنوار واللفظ للأوّل عن عيسى بن عبدالله، عن أبيه، عن جدّه، قال:

>إلتفت علي بن الحسين إلى ولده، وهو في الموت، وهم مجتمعون عنده، ثم التفت إلى محمد بن علي ابنه. فقال: يا محمد، هذا الصندوق، فاذهب به إلى بيتك، ثم قال: أما إنّه ليس فيه دينار ولا درهم، ولكنّه كان مملوء علماً<[25].

6 ـ وفي بصائر الدرجات والبحار، عن عيسى بن عبدالله بن عمر، عن جعفر بن محمد (الصادق)، قال:

>لما حضر عليّ بن الحسين الموت، قبل ذلك أخرج السفط والصندوق عنده، فقال: يا محمد، إحمل هذا الصندوق، قال: فحمل بين أربع رجال، فلما توفي، جاء أخويه يدعون في الصندوق، فقالوا: أعطنا نصيبنا من الصندوق، فقال، والله مالكم فيه شيء، ولو كان لكم فيه شيء ما دفعه إلي، وكان في الصندوق سلاح رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وكتبه<[26].

7 ـ وعن زرارة، عن أبي عبدالله (الصادق) (ع) قال:

>ما مضى أبو جعفر حتى صارت الكتب إلي<[27].

8 ـ وعن عنبسة العابد، قال:

>كنّا عند الحسين ابن عم جعفر بن محمد، وجاءه محمد بن عمران، فسأله كتاب أرض، فقال: حتى أخذ ذلك من أبي عبدالله (الصادق) (ع) قال: قلت لـه وما شأن ذلك عند أبي عبدالله (ع)، قال: إنّها وقعت عند الحسن، ثم عند الحسين، ثم عند عليّ بن الحسين، ثم عند أبي جعفر (ع)، ثم عند جعفر، فكتبناه من عنده<[28].

9 ـ وفي غيبة النعماني والبحار، عن حمّاد الصائغ قال: سمعت المفضل ابن عمر يسأل أبا عبدالله (الصادق) ـ إلى قول حمّاد ـ ثم طلع أبو الحسن موسى بن جعفر (الصادق) فقال له أبو عبدالله (ع): >يسرّك أن تنظر إلى صاحب كتاب عليّ، فقال المفضل: وأي شيء أعظم من ذلك، فقال: هو هذا صاحب كتاب عليّ<[29].

10 ـ وفي الكافي وإرشاد الشيخ المفيد وغيبة الشيخ الطوسي والبحار، عن نعيم القابوسي، عن أبي الحسن موسى (بن جعفر) قال:

>ابني علي أكبر ولدي، وأبرّهم عندي، وأحبّهم إلي، وهو ينظر معي في الجفر، ولم ينظر فيه إلاّ نبيّ أو وصي<[30].

11 ـ وفي رجال الكشي والبحار، عن نصر بن قابوس، قال: إنّه كان في دار الإمام الكاظم، فأراه ابنه الإمام الرضا، وهو ينظر في الجفر، فقال:

>هذا ابني علي والذي ينظر فيه الجفر<[31].

إسناد الشيعة إلى أهل البيت  (ع):

وإذا تعيّن الأخذ بأحاديث أهل البيت (ع)، وعلمنا أنّ حديثهم من حديث رسول الله (ص)، وعلمهم من ميراث رسول الله (ص)، ولا مساغ لأحد في الاجتهاد مع وجودهم، أو مع وجود أحاديث لهم في الأصول والأحكام، أقول إذا تعيّن ذلك فلا يبقى للمسلمين من أهل السنة غير سؤال واحد، وهو:

أنّ حديث أهل البيت (ع)، لم يرو ـ في الغالب ـ إلاّ عن طرق الشيعة وأسانيدهم، وأهل السنة لا يعرفون هذه الطرق.

والجواب: إنّ علماء السنة لا يشترطون في صحّة الرواية غير الوثوق إلى صدق الراوي وحفظه، فإذا وثقوا بصدق الراوي وضبطه، وسلامة الطريق من حيث الأمانة والصدق، لم يتردّدوا في التمسّك بالرواية، وإن كان الراوي على غير عقيدة أهل السنّة ومذهبهم.

وقد ورد كثير من رجال الشيعة في أسانيد الصحاح الستة وطرقهم، واخذ كبار المحدّثين من السنة من أمثال البخاري ومسلم وأحمد والنسائي وابن ماجة وغيرهم عن مشايخ الشيعة ـ علّماً بأنّهم من الشيعة ـ وإنّهم يختلفون معهم في العقيدة والمذهب، ومع ذلك فلم يمنعهم ذلك من الأخذ برواياتهم، والاعتماد عليها.

وقد ذكر الإمام شرف الدين& مائة من رجال الشيعة في أسانيد السنة وطرقهم، على سبيل المثال والاستشهاد، لا الاستقصاء[32].

وجرى على هذه السيرة السّلف من كلا الفريقين السنّة والشيعة، فكان الشيعة يعتمدوهم في طرقهم ورواياتهم على الثقات من السنة والسنة يعتمدون لذلك على الثقات من الشيعة.

فهذا أبان بن تغلب الكوفي، إحتجَّ به مسلم وأصحاب السنن الأربعة، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، ووثّقه أحمد بن حنبل وابن معـين وأبو حاتـم، وكـان شـيعياً مـعروفاً، يـقول الذهـبي في المـيزان في ترجمته:

>أبان بن تـغلب الكوفي شـيعي جلد، لكنّـه صدوق، فلنا صدقه، وعليه بدعته<.

وإسماعيل بن زكريّا الأسدي الخلقاني، روى عنه البخاري ومسلم، وترجم له الذهبي فقال: (صدوق شيعي)، وعدّه ممّن احتج به أصحاب الصّحاح الستة.

وحبيب بن أبي ثابت الكاهلي الكوفي التابعي عدّه من رجال الشيعة كل من ابن قتيبة في المعارف، والشهرستاني في الملل والنحل، واحتجَّ به في الصّحاح الستة جميعاً بلا تردد.

والحسن بن حي، واسم حي (صالح) كان من أعلام الشيعة، ذكره ابن سعد في الطبقات ج6، فقال:

>كان ثقة صحيح الحديث، كثيرة، وكان متشيّعاً، واحتجَّ به مسلم وأصحاب السنن<.

وقد روي عن مسلم في الصحيح، عن كل من سماك بن حرب وإسماعيل السدي وعاصم الأحول، وهارون بن سعد.

وقد أخذ عنه عبيدالله بن موسى العبسي ويحيى بن آدم وحميد بن عبد الرحمن الرواسي وعلي بن الجحد وأحمد بن يونس وسائر أعلام طبقتهم، وذكر الذهبي في ترجمته من الميزان: >إنّ ابن معين وغيره وثّقوه<، وذكر الذهبي أنّ أبا حاتم قال إنّه ثقة حافظ متّقن، وإنّ أبا زرعة قال: اجتمع فيه إتّقان وفقه وعبادة وزهد، وإنّ النسائي وثقه، وإنّ أبا نعيم قال: >كتبت عن ثمان مائة محدّث، فما رأيت أفضل من الحسن بن صالح<.

والحكم بن عتيبة الكوفي نص على تشيعه ابن قتيبة وعدّه من رجال الشيعة في معارفه، إحتجَّ به البخاري ومسلم.

وخالد بن مخلد القطواني شيخ البخاري في صحيحه ذكره ابن سعد في ج6 من طبقاته فقال: >وكان متشيعاً وفي التشيّع مفرطاً<، وكتبوا عنه، وذكره أبو داود فقال: >صدوق لكنّه يتشيّع<.

إحتجَّ به البخاري ومسلم في مواضع من صحيحيهما، وأصحاب السنن كلّهم يحتجون بحديثه، وهم يعلمون بمذهبه، وغيرهم من رجال الشيعة كثيرون في طرق السنة واسنادهم ممّن احتجَّ بهم الشيخان البخاري ومسلم، واستند إليهم أرباب السنن، واعتبروهم من حفظة ميراث الرسالة.

ولو أنّ أهل السنة ألغوا روايات الشيعة وردّوها رأساً لذهبت جملة من الآثار النـبوية، كما يعـترف بذلك الذهـبي في المـيزان في ترجـمة أبان بن تغلب[33].

وهذا عبدالرزاق بن همّام بن نافع الحميري الصنعاني مشبوه إلى التشيّع[34]ومع ذلك فقد (وثّقه الأئمة كلّهم إلاّ العباس بن عبدالعظيم فتكلّم بكلام وافرط فيه ولم يوافقه عليه أحد)[35] وقال عنه ابن عدي >رحل إليه ثقات المسلمين وكتبوا عنه إلاّ أنّهم نسبوه إلى التشيّع وهو أعظم ما ذمّوه به، وأمّـا الصـدق فأرجو أنّـه لا بـأس بـه<[36] واحـتجَّ به الشـيخان البخاري ومسـلم[37].

وكلمات علماء الجرح والتعديل من أعلام أهل السنة تشهد على ذلك، فقد ورد توثيق أبان بن تغلب وهو شيعي معروف بالتشيّع كما ذكرنا على لسان طائفة من علماء الجرح والتعديل والرواة والمحدّثين كالحاكم في المستدرك وابن عجلان العقيلي رغم تصريحه بأنّه كان مغالياً في التشيع وابن سعد وابن حيّان الأزدي[38].

هؤلاء كلّهم صرّحوا بوثاقته مع علمهم بأنّه شيعي وتصريحهم بذلك في بعض الكلمات.

ويقول ابن حجر العسقلاني في مقدمة (فتح الباري): >واعلم أنّه قد وقع من جماعة الطّعن في جماعة بسبب اختلافهم في العقائد فينبغي التنبيه لذلك وعدم الاعتداد به إلاّ بحق، وكذا عاب جماعة من الورعين جماعة دخـلوا في أمر الدنـيا فضعّـفوهم لذلك، ولا أثر لذلـك التضعيف من الصدق والضبط<[39].

ويحتج الخطيب البغدادي على قبول الثّقات من غير أهل السنة بتدوين أهل العلم من المحدّثين قديماً وحديثاً لرواياتهم والاحتجاج بأخبارهم، ويقول الخطيب عن هذه السيرة المعروفة لدى المحدّثين بأنّه أكبر الحجج وبه يقوى الظن في مقارنة الصواب يقول الخطيب: >فاحتجّوا برواية عبيدالله بن موسى وخالد بن مخلد وعبدالرزاق ابن همام، وكانوا يذهبون إلى التشيّع في خلق كثير لم يتّسع ذكرهم، دوّن أهل العلم قديماً وحديثاً رواياتهم، واحتجوا بأخبارهم، فصار ذلك كالإجماع، وهو أكبر الحجج في هذا الباب<[40].

وفي مقابل ذلك أيضاً ورد ذكر ثقات من السنة في أحاديث الشيعة، وتمسّك بها علماء الشيعة من غير تأمّل، كإسماعيل بن أبي زياد السكوني وحفص ابن غياث وغياث بن كلوب ونوح بن دراج وغيرهم من أعلام العامة ورواتهم، كما يقول العـلاّمة في الخلاصة[41].

فلا يشترط في صحّة الرواية إذن أكثر من الوثوق بالراوي، وصدقه، وأمانته، وضبطه، فإذا تأكّدوا من ذلك، فإنّ أصحاب السنن والصحاح والأصول لم يترددوا في الأخذ بروايته، وروايتها والعمل بها.

وفقهاء الشيعة لا يكونون أقل حرصاً من السنة في الراوي وصدقه وأمانته وضبطه، وهذه كتبهم في الرجال والجرح والتعديل، تشهد في هذه الناحية، إلى حدود القسوة، ولا تسلم الرواية عندهم ما لم يتأكّدوا من صدق الراوي وضبطه وأمانته وصدقه وعدالته.

فلا مبرر إذن للتردد في التمسّك بروايات أهل البيت (ع) في الحلال والحرام، وفي الأصول والعقائد بحجّة أنّ روايات أهل البيت وردت في الغالب عن طرق الشيعة لا يعرفها أهل السنة.

ولا نشك نحن أن في أسانيد وطرق الروايات الواردة عن أهل البيت (ع) طرقاً ضعيفة لا يمكن الاعتماد عليها.

غير أنّ الأساس السليم في مثل هذا الموقف أن ينتقي الفقيه السني منها ما تجتمع فيه شروط الرواية الصحيحة من حيث السند والمتن، ويترك غيره، كما يعمل علماء الشيعة، إذا عرفنا أن الرواية عن الشيعة ليس بأمر محظور عند رجال الجرح والتعديل من السنة وما دام أنّ كلمات أهل البيت (ع) وأحاديثهم لا تزيد أن تكون روايات عن رسول الله (ص)، فلا يبق إلاّ التحري في أسانيد هذه الروايات وطرقها، والتأكّد منها، وانتقاء الصحيح منها، كما يفعل علماء السنة بالأحاديث النبوية الواردة عن طرقهم، وكما يفعل الشيعة بالروايات الواردة عن رسول الله وأهل بيته عن طرقهم بالذات.


أقرأ ايضاً:

الهوامش والمصادر

  • [1] ـ اُصول الكافي 1: 53.
  • [2] ـ أُصول الكافي 1: 43.
  • [3] ـ أمالي المفيد: 26.
  • [4] ـ وسائل الشيعة 3: 380.
  • [5] ـ بصائر الدرجات: 86.
  • [6] ـ اُصول الكافي 1: 58.
  • [7] ـ بصائر الدرجات: 85.
  • [8] ـ بصائر الدرجات: 86.
  • [9] ـ بصائر الدرجات: 85.
  • [10] ـ المصدر السابق. 
  • [11] ـ النمل 40.
  • [12] ـ الكهف: 65 ـ 66.
  • [13] ـ أُصول الكافي 1: 62.
  • [14] ـ وسائل الشيعة 3: 391.
  • [15] ـ بصائر الدرجات: 43.
  • [16] ـ بصائر الدرجات: 39.
  • [17] ـ أُصول الكافي 1: 241.
  • [18] ـ بصائر الدرجات: 44.
  • [19] ـ رجال النجاشي: 255.
  • [20] ـ نقلنا هذه الروايات من كتاب جامع أحاديث الشيعة من أحكام الشريعة ج1.
  • [21] ـ بصائر الدرجات: 45.
  • [22] ـ بصائر الدرجات: 43، نقلنا هذه الروايات عن مصادرها عن كتاب جامع أحاديث الشيعة في أحكام الشريعة ج1.
  • [23] ـ الكافي 2: 79 عن كتاب معالم المدرستين 2: 319.
  • [24] ـ غيبة الشيخ الطوسي ط. تبريز سنة 1323 هـ والمناقب لابن شهرآشوب4: 172، والبحار 6: 18، ح3، وقد أخذنا اللفظ من الأخير عن معالم المدرستين 2: 320.
  • [25] ـ معالم المدرستين 2: 82 عن أُصول الكافي 1: 305 ح2، وإعلام الورى ص260، وبصائر الدرجات باب 1 ص44.
  • [26] ـ معالم المدرستين2: 321 عن أصول الكافي 1: 305 ح1، والوافي 2: 82، وبصائر الدرجات ص165.
  • [27] ـ معالم المدرستين2: 321 عن بصائر الدرجات ص158.
  • [28] ـ بصائر الدرجات: 165 ـ 166.
  • [29] ـ غيبة النعماني: 177، والبحار 48: 22.
  • [30] ـ أُصول الكافي 1: 311.
  • [31] ـ معالم المدرستين 2: 322 عن رجال الكشّي: 382.
  • [32] ـ المراجعات للإمام شرف الدين: 52 ـ 118، ونذكر النماذج التالية كشواهد من الشواهد من هذا الكتاب القيّم.
  • [33] ـ نقلنا ما تقدّم من كتاب المراجعات للإمام شرف الدين، ومن أراد المزيد فعليه بمراجعته.
  • [34] ـ فتح الباري، المقدمة ص418.
  • [35] ـ المصدر السابق.
  • [36] ـ المصدر السابق.
  • [37] ـ المصدر السابق.
  • [38] ـ تهذيب التهذيب 1: 94.
  • [39] ـ فتح الباري، المقدمة ص382.
  • [40] ـ كتاب الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص201.
  • [41] ـ راجع معجم رجال الحديث 3: 106 ط. بيروت.
بواسطة
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى