إمامة أهل البيت في آية التطهير

آية التطهير دراسة في أبعادها الفكرية والتشريعية

نظرة عامة إلى سيرة رسول الله (ص) وسنته تكفي ليطمئن الإنسان إلى أن النبيّ (ص)كان مكلّفاً من جانب اللّه تعالى للإعداد لخلافة أهل بيته^ من بعده في أمّته لأمور دينهم ودنياهم.

وكان رسول الله (ص) يسعى في هذا الأمر، ويعمل كل ما يمكنه لإعداد الأمة للرجوع إلى أهل البيت من بعده في أمور دينهم ودنياهم، ويعمل كذلك لإعداد علي بن أبي طالب (ع) من أهل بيته ليكون من بعده مرجعاً وملاذاً للمسلمين لمعرفة دينهم وما يشتبه عليهم وما يجهلونه من أمور دينهم يأخذون عنه سنته. وقد تكرر منه (ص) توجيه الأمة إلى الرجوع إلى أهل البيت^ في أكثر من موقع وفي أكثر من مناسبة، وكان (ص) يظهر اهتماماً أكثر في ذلك كلّما دنا به الأجل.

وليس في الإمكان أن نستعرض كل الأحاديث والمواقف التي وقفها النبي (ص) في توجيه الأمة إلى أهل بيته إلاّ أننا نستعرض نماذج من ذلك استعراضاً سريعاً لننتهي بعد ذلك إلى ما نحن بصدده من الحديث عن آية التطهير.

حديث الثقلين:

ورد هذا الحديث في روايات كثيرة، ويبدو أن رسول الله (ص) تحدث به في أكثر من موضع ورواه أئمة الحديث والتفسير والتاريخ بألفاظ مختلفة، ونحن ننقل الحديث ببعض ألفاظه الواردة في كتب الحديث.

>أيها الناس إنما أنا بشر أوشك أن أدعى فأُجيب، وأني تارك فيكم الثقلين ما أن تمسكتم بهما (أو ما أن اعتصمتم بهما) لن تضلّوا أبداً ـ وهما: كتاب الله وعترتي أهل بيتي ـ أحدهما أثقل من الآخر، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فاتقوا الله وانظروا كيف تخلفوني (أو كيف تحفظوني) فيهما (أو أن اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتى يلقياني) فلا تسبقوهم فتهلكـوا، ولا تعلموهم فانهم أعلم منكم، وتوشكون أن تردوا علي الحوض وأسألكم حين تردون علي عن الثقلين كيـف خلفتموني فيهما، فمن استقبل قبلتي وأجاب دعوتي فليستوص بهـما خيراً<.

وهذا الذي رويناه مزيج من بعض ألفاظ الحديث، ومن يريد الوقوف على كل ألفاظ الحديث، فليراجع الرسالة القيّمة التي أصدرتها دار التقريب بين المذاهب الإسلامية في هذا الحديث[1].

وقد ورد هذا الحديث ببعض ألفاظه في صحيح مسلم 7: 122، وسنن الترمذي 2: 307، وسنن الدارمي 2: 432، ومسند أحمد بن حنبل 3: 14 و 217، وص26 و 59، و 4: 366 و371، وأيضاً في ج5: 182 و 189، وخصائص النسائي ص30، ومستدرك الحاكم 3:  109 و148 و 533، والحافظ الكنجي الشافعي في كفاية الطالب في الباب الأول ص11، في بيان صحة خطبته بماء يدعى خُمّاً، قال بعد نقل الحديث: أخرجه مسلم في صحيحه، ورواه أبو داود وابن ماجة القزويني في كتابيهما، وأيضاً في الباب الحادي والستين ص130، والطبقات لمحمد بن سعد الزهري البصري في الرابع ص8، والحلية لأبي نعيم الاصبهاني 1: 355، وأسد الغابة لابن الأثير الجزري في 2: 12، وفي 3: 147، والعقد الفريد لابن عبد ربه القرطبي في خطبة النبي (ص) في حجّة الوداع 2: 346 و158، وتذكرة الخواص لابن الجوزي  في الباب الثاني عشر ص332، قال بعد نقل قول جدّه: >وقد أخرجه أبو داود في سننه والترمذي أيضاً وذكره رزين في الجمع بين الصحاح<، والعجب كيف خفي عن جدي ما روى مسلم في صحيحه من حديث زيد بن أرقم… الخ، وإنسان العيون لنور الدين الحلبي الشافعي 3: 308، وذخائر العقبى لأحمد بن عبداللّه الطبري ص16، والسراج المنير للعزيزي الشافعي في شرح الجامع الصغير للسيوطي 1: 321، وفي هامشه أيضاً للشيخ محمد الحنفي، والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص2، ونسيم الرياض لشهاب الدين الخفاجي 3: 410، وفي هامشه شرح الشفا لعلي القاري، ومنتخب كنز العمّال للمتقي على هامش المسند للإمام أحمد بن حنبل 1: 96 و 101، و 2: 390، و5: 95، والكشف والبيان للثعلبي في تفسير آية الاعتصام 3: 18، وتفسير النظام للنيسابوري في تفسير آية الاعتصام 1: 257)، وفي تفسير آية المودة 4: 94، وأيضاً في تفسير آية (سنفرغ لكم أيها الثقلان) ص212، وابن كثير الدمشقي في تفسير آية المودة 4: 113، وفي آية التطهير 3: 485، وأيضاً في تاريخه في ج5 أو ج6 ضمن حديث الغدير، والمواهب العلية لحسين الكاشفي في تفسير آية (سنفرغ لكم أيها الثقلان)، والنهاية لابن الأثير الجزري في ج1، وأيضاً في الدرّ المنثور للسيوطي ص155، ولسان العرب لجمال الدين الأفريقي المصري في ج6 في لغة العترة، وفي ج13 في لغة الثقل والحبل والقاموس لمجدالدين الشيرازي في لغة ثقل، ومنتهى الأرب لعبدالرحيم الصفي في لغة الثقل، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي في معنى العترة  6: 130، ومدارج النبوة لعبد الحق الدهلوي ص520 والمناقب المرتضوية لمحمد صالح الترمذي الكشفي ص96 و100 و 472، ومفتاح كنوز السنة ص2 و 448، ومصابيح السنة للإمام البغوي الشافعي 2: 205ـ 206، وابن حجر في الصواعق ص75 و 87 و99 و90 و136، وإسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار للشبلنجي ص110، وينابيع المودّة لسليمان بن إبراهيم البلخي الحنفي ص18 و 25و30 و32 و34 و115 و126 و199 و230 و238 و301، والعـلاّمة الكبير شمس سماء العلم والجلالة ومجدّد مذهب الإمامية، السيد مير حامد حسين الهندي، أعلى الله مقامه، قد رواه عن جماعة تقرب من المائتين من أكابر علماء المذاهب من المائة الثانية إلى المائة الثالثة عشرة، وعن الصحابة والصحابيات، أكثر من ثلاثين رجلاً وامرأة كلّهم رووا هذا الحديث الشريف عن النبيّ (ص)[2]، وفي هذا الحديث:

1 ـ يجعل رسول الله (ص) أهل بيته صنوا للقرآن لا يفترقان حتى يردا عليه الحوض يوم القيامة.

2 ـ ويعتبر التمسّك بهما عاصماً من الضلال.

3 ـ ويوصي المسلمين بالتمسّك والاعتصام بهما.

4 ـ ويوصيهم أن لا يعلّموهم ولا يسبقوهم في قول أو فعل فانهما أعلم منهم.

وفي بعض ذلك كفاية في الدلالة على إرجاع المسلمين إليهم^ في الحلال والحرام، وفي حدود الله تعالى وأحكامه.

حديث السفينة:

عن حنش الكناني، قال: سمعت أبا ذر يقول وهو آخذ باب الكعبة: أيها الناس من عرفني فأنا من عرفتم، ومن أنكرني فأنا أبو ذر، سمعت رسول الله (ص) يقول:

>مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق<.

قال الحاكم في مستدرك الصحيحين 2:  343: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ورواه الحاكم أيضاً في 3: 150 عن طريق حنش أيضاً، وأخرجه المتقي في كنز العمال بنفس الطريق 6: 216)، وأخرجه الهيثمي في المجمع 9: 168، وأخرج الحديث في حلية الأولياء 4: 306 بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وأخرجه بنفس الطريق الهيثمي في المجمع  9: 168، وأخرجه المحب في الذخائر ص20 بنفس الطريق، والمتقي في كنز العمال 6:  216، وأخرج الخطيب البغدادي الحديث عن طريق أنس بن مالك في تاريخه 12: 19، وأخرج الحديث السيوطي في الدرّ المنثور في تفسير قوله تعالى:

{وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ}[3].

عن طريق ابن أبي شيبة عن عليّ بن أبي طالب (ع). وأخرجه عن طريق علي بن أبي طالب في كنز العمال 6: 250)، وأيضاً في 6: 216، وأخرجه الهيثمي في المجمع 9: 168 عن طريق أبي سعيد الخدري، وأخرجه المحب الطبري في ذخائر العقبى ج20 عن عليّ (ع)، كما أخرجه المناوي في كنوز الحقائق ص132[4].

حديث مدينة العلم:

عن حذيفة عن عليّ (ع) مرفوعاً إلى رسول الله (ص):

>أنا مدينة العلم وأنت بابها، كذب من زعم أنه يصل إلى المدينة إلاّ من قبل الباب<.

وعن الحرث وعاصم عن عليّ (ع) مرفوعاً إلى رسول الله (ص):

>أنا مدينة العلم وعلي بابها، ولا تؤتى البيوت إلاّ من أبوابها<.

وفي لفظ له (ص):

>أنا مدينة العـلم وأنت بابـها، كذب من زعم أنه يدخل المدينة إلاّ من قبل الباب<.

وعن ابن عباس عن رسول الله (ص):

>أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت بابه<[5].

روى الحديث الحاكم في المستدرك 3: 126 و127 و128، وابن كثير في تاريخه 3:  358، والخطيب في تاريخ بغداد 2: 377، والذهبي في التذكرة 4: 28، والخوارزمي في المناقب ص49، وابن الأثير الجزري أخرجه في أسد الغابة 4: 22، ومحمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول ص22، وسبط ابن الجوزي في التذكرة ص29، والكنجي الشافعي في الكفاية ص98 ـ 102 والمحب الطبري في الرياض النضرة 1: 192، وذخائر العقبى ص77، والحافظ شمس الدين أحمد الذهبي ذكره في تذكرة الحفاظ 4: 28، ثم قال هذا الحديث صحيح، والهيثمي في مجمع الزوائد ص114، وابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب 7: 337، وقال في لسان الميزان: هذا الحديث له طرق كثيرة في مستدرك الحاكم أقل أحوالها أن يكون للحديث أصل، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة ص18، وبدر الدين محمود بن أحمد الحنفي في عمدة القارئ
7: 63، والسيوطي في الجامع الصغير 1: 374[6].

وصحح الحديث نفر من أئمة الحديث ذكرهم الشيخ عبدالحسين الأميني في الغدير[7].

وهناك أحاديث أخرى بهذا المضمون وردت عن رسول الله (ص) ذكرها الحجّة المجاهد الشيخ عبدالحسين الأميني في الغدير[8]، ننقلها عنه:

عن رسول الله (ص): >أنا دار الحكمة وعلي بابها<[9].

وعنه (ص): >أنا دار العلم وعلي بابها<[10].

وعنه (ص): >أنا ميزان العلم وعليّ كفتاه<[11].

وعنه (ص): >علي باب علمي ومبين لأمتي ما أرسلت به من بعدي<[12].

عن رسول الله (ص): >يا أم سلمة اشهدي واسمعي هذا علي أمير المؤمنين وسيد المسلمين وعيبة علمي (وعاء علمي) وبابي الذي أوتى منه<[13].

قال المناوي في فيض الغدير 4: 356: >علي عيبة علمي: أي مظنّة استفصاحي وخاصّتي وموضع سرّي ومعدن نفائسي، والعيبة ما يحرز الرّجل فيه نفائسه<.

قال ابن دريد: >وهذا منِ كلامه الموجز الذي لم يسبق ضرب المثل به في إرادة اختصاصه بأموره الباطنة التي لا يطلع عليها أحد غيره، وذلك غاية في مدح عليّ<[14].

وفي هذه الطائفة من الأحاديث: >أن عليّاً باب علمه، ولا شك أن من يريد الدخول إلى البيت، فلابدّ أن يأتيه من بابه: {وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}[15]. وأن علياً عيبة علمه (ص)، ووعاء علمه، ثم يأمر (ص) الأمة أن يأخذوا علمه (ص) وسنّته (ص) من عليّ<.

وبعض ذلك يكفي لمن ألقى السمع وهو شهيد، وهو يدل دلالة واضحة على أن رسول الله (ص) قد عيّن من بعده أهل بيته مصدراً يأخذون الناس عنهم دين الله وسنة رسوله (ص).

أحاديث أخرى:

قال (ص):

>النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأُمتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا وصاروا حزب إبليـس<[16].

قال الحاكم هذا حديث صحيح الاسناد.

وقـال (ص):

>علي مع القرآن والقرآن مـع علي لن يفترقا حـتى يردا عليَّ الحـوض<[17].

وقال الحاكم هذا حديث صحيح الاسناد.

وروى الحاكم في المستدرك عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله (ص):

>من أراد أن يحيا حياتي، ويموت موتي، ويسكن جنّة الخلد التي وعدني ربي، فليتول علي بن أبي طالب فإنّه لن يخرجكم من هدى ولن يدخلكم في ضلالة<[18].

قال الحاكم هذا حديث صحيح الأسانيد.

وهذا غيض من فيض في الأحاديث الواردة عن رسول الله (ص) في أهل بيته^، وتعيينهم أئمة ومراجع للناس في الحلال والحرام وفي حدود الله تعالى وسنة رسوله من بعده (ص).

إعداد عليّ (ع) للإمامة:

وكما كان رسول الله (ص) يحرص على إعداد الأمة لقبول أهل بيته أئمة من بعده يرجعون إليهم في معرفة حدود الله تعالى وأحكامه ولمعرفة الحلال والحرام.

كذلك كان رسول الله (ص) يحرص على إعداد علي (ع) من أهل بيته للقيام بهذه المهمة من بعده.

فكان (ص) يخص علياً بكثير من رعايته وعنايته، ربّاه في بيته، وتولى (ص) تربيته بنفسه، فنشأ على يد رسول الله (ص) منذ نعومة أظفاره، وكان أول من آمن به واقتدى به.

وخصّه (ص) من رعايته وعنايته واهتمامه بما لم يخص به أحداً من أصحابه، وأفضل من يصف علاقة رسول الله (ص) به واهتمامه (ص) بتربيته وإعداده إماماً للمسلمين هو (ع).

يقول في خطبته المعروفة بالقاصعة:

>وقد علمتم موضعي من رسول الله (ص) بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد يضمّني إلى صدره ويكنفني فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة في فعل ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به، وقد كان يجاور في كل سنة بحرّاء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع في بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله (ص) وخديجة وأنا ثالثهما أرى نور الوحي وأشمّ ريح النبوة<[19].

ومما تقدّم من أحاديث رسول الله (ص) في أهل بيته وهو غيض من فيض كما قلنا نجد أن رسول الله (ص) لم يشغله شيء عن العناية بمستقبل الدعوة والدين وأنّه (ص) كان قد أعدّ علياً (ع) من بعده ليحمل إلى المسلمين ميراث النبوة من علم الشريعة وحدود الله.

ولنستمع إلى الإمام عليّ (ع) يحدّثنا بحديث ذي شجون عمّا جرى لسنة رسول الله (ص) وحديثه من بعده وعن علم رسول الله (ص) وعمّن تحمل ميراث النبوة من بعده (ص)، وتقييم ما في أيدي الناس من الحديث النبوي، وأن فيه الحق الذي قاله رسول الله (ص)، والباطل الذي افترى عليه، والصدق الذي نطق به، والكذب الذي وضعه المنافقون والكذّابون عليه (ص)، يقول (ع):

>إن في أيدي الناس حقاً وباطلاً، وصدقاً وكذباً، وناسخاً ومنسوخاً، وعاماً وخاصاً، ومحكماً ومتشابهاً، وحفظاً ووهماً، وقد كذّب على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على عهده حتى قام خطيباً فقال:

«أيها النّاس قد كثُرت علي الكذّابة فمن كذّب علي متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار» ثمّ كذّب عليه من بعده، وإنّما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس:

رجل منافق يظهر الإيمان متصنع بالإسلام، لا يتأثّم ولا يتحرّج أن يكذب على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) متعمداً، فلو علم الناس أنه منافق كذاب لم يقبلوا منه، ولم يصدّقوه، ولكنهم قالوا هذا قد صحب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ورآه وسمع منه وأخذوا عنه، وهم لا يعرفون حاله، وقد أخبره الله عن المنافقين بما أخبره ووصفهم بما وصفهم، فقال عزّ وجلّ: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ}، ثم بقوا بعده فتقربوا إلى أئمة الضلال والدعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان، فولّوهم الأعمال وحمّلوهم على رقاب الناس وأكلوا بهم الدنيا وإنما الناس مع الملوك والدنيا، إلاّ من عصم الله فهذا أحد الأربعة.

ورجل سمع من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) شيئاً لم يحمله على وجهه ووهم فيه، ولم يتعمد كذباً فهو في يده يقول به ويعمل به ويرويه، فيقول: أنا سمعته من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فلو علم المسلمون أنه وهم لم يقبلوه، ولو علم هو أنه وهم لرفضه.

ورجل ثالث سمع من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) شيئاً أمر به ثم نهى عنه، وهو لا يعلم أو سمعه ينهى عن شيء ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ، ولو علم أنّه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنّه منسوخ لرفضوه.

وآخر رابع لم يكذب على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مبغض للكذب خوفاً من الله وتعظيماً لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لم ينسه، بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به كما سمع لم يزد فيه ولم ينقص منه وعلم الناسخ من المنسوخ فعلم بالناسخ ورفض المنسوخ، فإنّ أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مثل القرآن ناسخ ومنسوخ (وخاص وعام). ومحكم ومتشابه، قد كان يكون من رسول الله الكلام لـه وجهان: كلام عام، وكلام خاص، مثل القرآن، وقال الله عزّ وجلّ في كتابه: {َمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}، فيشتبه على من لم يعرف ولم يدر ما عنى الله به ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وليس كل أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يسأله عن الشيء فيفهم، وكان منهم من يسأله ولا يستفهمه، حتى أن كانوا ليحبون أن يجيء الأعرابي والطارئ فيسأل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى يسمعوا.

وقد كنت أدخل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كل يوم دخلة وكل ليلة دخلة، فيخليني فيها أدور معه حيث دار، وقد علم أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه لم يصنع ذلك بأحد غيري، فربما كان في بيتي يأتيني رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أكثر ذلك في بيتي، وكنت إذا دخلت عليه بعض منازله أخلاني، وأقام عني نسائه، فلا يبقى عنده غيري وإذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم تقم عني فاطمة ولا أحد من بني وكنت إذا سألته أجابني وإذا سكتّ عنه وفنيت مسائلي ابتدأني فما نزلت على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) آية من القرآن إلاّ أقرأنيها وأملاها علي فكتبتها بخطّي وعلّمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها وخاصّها ودعا الله أن يعطيني فهمها وحفظها، فما نسيت آية من كتاب الله ولا علماً أملاه علي وكتبته منذ دعا الله لي بما دعا وما ترك شيئاً علّمه الله من حلال وحرام ولا أمر ولا نهي كان أو يكون، ولا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلاّ علمنيه وحفظته فلم أنس حرفاً واحداً، ثم وضع يده على صدري ودعا الله لي أن يملأ قلبي علماً وفهماً وحكماً ونوراً، فقلت: يا نبيّ الله بأبي أنت وأمي منذ دعوت الله لي بما دعوت لم أنس شيئاً ولم يفتني شيء لم أكتبه أفتتخوف علي النسيان فيما بعد؟ فقال: لا لست أتخوّف عليك النسيان والجهل<.

ذلك استعراض موجز لجانب من التخطيط النبوي لإعداد أهل البيت^ ليكونوا من بعده (ص) مرجعاً للناس في دينهم وفي معرفة الحلال والحرام، واستعراض لطرف من الأحاديث والمواقف التي أتخذها رسول الله (ص) لإعداد الأمة للتسليم بإمامة أهل البيت^، والرجوع إليهم بعد وفاته (ص) في معرفة سنة رسول الله (ص) وحديثه.

فهو (ص) حينا يقرن أهل بيته^ بالقرآن، ويقول: >أنهما لن يفترقا حـتى يردا علي الحوض<، ويعـتبر الاعتصام بهـما عاصماً من الخطأ والانـحراف.

وحيناً آخر يمثّلهم بسفينة نوح (ع) تعصم من ركبها ويغرق من تخلّف عنها ولا يجد من دونها عاصماً.

وطوراً آخر يمثّلهم بالنجوم أماناً لأمته من الغرق والضياع والتيه، وغيره كثير من الأحاديث التي لسنا بصدد استعراضها وشرحها هنا.

إستمرار تبليغ الأحكام بعد رسول الله (ص):

من هذا المنطلق نحن نعتقد، أنّ تبليغ الأحكام الإلهية لم ينقطع بوفاة رسول الله (ص) وإنّما استمر تبليغ السنة النبوية من بعد وفاته (ص) على يد أهل بيته من بعده وأعلن ذلك في أكثر من مناسبة وموقف على المسلمين وبتعابير مختلفة، لا تدع مجالاً للشك، ولو أنّ الإنسان أنصف في تحليل وتفسير هذه الأحاديث واستطاع أن يتخلّص من الرواسب النفسية، لم يشك في أنّ رسول الله (ص) كان يعدّ الأمة من بعده للتسليم بإمامة أهل بيته، وكان يعدّ علياً، ومن بعده ذريته من أهل بيته لاستلام إمامة المسلمين في أمور الدين ومن الحلال والحرام. وقد استعرضنا طرفاً من هذه الأحاديث وتركنا استعراض عامتها إلى الكتب المفصلة في هذا الموضوع[20].

آية الإكمال:

ونعتقد أنّ قوله تعالى:

{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا}[21].

نزلت في هذا الأمر بالذات، أي في أمر تعيين أهل البيت^ أئمة للدين ومراجع للمسلمين في أمور دينهم بعد رسول الله (ص).

فقد نزلت هذه الآية بعدما بلغ رسول الله (ص) المسلمين بأمر من الله تعالى ولاية عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين (ع) وإمامته للمسلمين من بعد وفاته (ص) في يوم غدير (خم).

والآية تشير إلى أنّ الله تعالى قد أكمل دينه لعباده، وأتمّ نعمته تعالى عليهم بنصب علي ومن بعده سائر أهل البيت^ أئمة ومراجع لهم في الدين يأخذون عنهم دين الله وسنة رسول الله (ص) وما اشتبه عليهم من حدود الله، وما لم يعرفوا تأويله من المتشابه من كتاب الله، ويستمر بهم تبليغ السنة النبوية فلا تنقطع سنة رسول الله (ص) وحديثه بوفاته[22].

عصمة أهل البيت (ع) ونفي الاجتهاد عنهم:

فالأئمة من أهل البيت^ إذن ليس شأنهم شأن سائر المجتهدين والفقهاء، يخطؤون حيناً ويصيبون حيناً، وإنّما عيّنهم رسول الله (ص) من بعده مصدراً لتبليغ حديثه وسنته، ومرجعاً في الدين يبلّغون أحكام الله تعالى وسنة رسول الله (ص) من غير سهو أو خطأ أو شك أو ترديد، كما كان رسول الله (ص) يبلغ أحكام هذا الدّين ولذلك فمن المسامحة في التعبير أن نقول عن فقههم (مذهب أهل البيت) كما يشيع التعبير عنه، فأن كلمة (المذهب) تشير إلى إتجاه في فهم الدين يدخل فيه عنصر الاجتهاد والرأي، وليس عند الأئمة من آل البيت^ رأي أو اجتهاد في الدين ولا يتكلمون عن ظن، وإنّما يفتون في أحكام الله تعالى وحدوده عن يقين وبصيرة بما، أفتى به رسول الله (ص)، وخصّهم به من علم، وسوف نرى في هذا البحث إن شاء الله أنّ أحاديثهم لا تتجاوز حديث رسول الله (ص) وفتاواهم هي سنة رسول الله (ص) ينقلونها إلى المسلمين.

وهذا هو معنى (العصمة في التبليغ) التي بها يمتاز أئمة أهل البيت^ من سائر العلماء وفقهاء المسلمين.

فالعلماء والفقهاء يفتون الفتوى، ويرون الرأي بعد بذل ما بمقدورهم من الجهد في استنباط حكم الله تعالى، فيصيبون حيناً ويخطؤون آخر، وليس رأيهم بمعصوم عن الخطأ والزلل، ولا يدعون هم لأنفسهم هذه الصفة بحال من الأحوال.

أما الأئمة من أهل البيت^ فليس لهم من رأي، وإنّما ينقلون إلينا حكم الله تعالى بما آتاهم الله من علم. وبما فتح الله عليهم من أبواب فهم كتاب الله وسنة رسول الله (ص)، فلا يخطؤون في حكم الله، ولا يفتون بغير علم، ويقوّمون من استقام بهم ويعصمون من اعتصم بهم من الخطأ والزلل، وهو معنى قوله (ص) في حديث الثقلين الذي سبقت الإشارة إليه:

>يا أيّها النّاس إنّي تارك فيكم ما أن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي<.


أقرأ ايضاً:

الهوامش والمصادر

  • [1] ـ حديث الثقلين إصدار دار التقريب ص6 ـ 9.
  • [2] ـ نقلنا هذه المصادر عن كتاب الغدير للعـلاّمة الأميني.
  • [3] ـ البقرة: 58.
  • [4] ـ روينا الرواية بالأسانيد المتقدمة من كتاب فضائل الخمسة في الصحاح الستة للسيد مرتضى الفيروز آبادي2: 56 ـ 58.
  • [5] ـ الغدير6: 79.
  • [6] ـ نقلنا هذه المصادر عن كتاب الغدير 6: 61 ـ 77، ويحسن مراجعة هذا الكتاب للوقوف على مصادر الحديث الكثيرة في كتب الحديث.
  • [7] ـ الغدير6: 78.
  • [8] ـ الغدير6: 80.
  • [9] ـ أخرجها الترمذي في جامعة الصحيح2: 214، وأبو نعيم في حلية الأولياء1: 64، والبغوي في مصابيح السنة2: 275، وجمع آخر تربو عدّتهم على ستين من الحفّاظ وأئمّة الحديث، الغدير6: 80.
  • [10] ـ أخرجه البغوي في مصابيح السنة، كما ذكره الطبري في ذخائر العقبى: 77، وآخرون، الغدير6: 80.
  • [11] ـ أخرجه الديلمي في فردوس الأخبار مسنداً عن ابن عباس مرفوعاً، وتبعه جمع ونقلوه عنه كالعجلوني في كشف الخفا1: 204 وغيره، الغدير 6: 80.
  • [12] ـ أخرجه المتّقي في كنز العمّال6: 156، والكنز الجلي في فضائل علي للسيوطي، جعله الحديث الثامن والثلاثين من الكتاب، الغدير 6: 80.
  • [13] ـ أخرجه أبو نعيم والخوارزمي في المناقب، والرافعي في التدوين، والكنجي في المناقب، والحموي في فرائد السمطين، والشيخ محمد الحنفي في شرح الجامع الصغير، الغدير6: 80 ـ 81.
  • [14] ـ الغدير6: 81.
  • [15] ـ البقرة: 189.
  • [16] ـ مستدرك الصحيحين3: 149.
  • [17] ـ مستدرك الصحيحين3: 124.
  • [18] ـ مستدرك الصحيحين 3: 128، ونقله الإمام شرف الدين في المراجعات ص27، عن كنز العمّال ح2577.
  • [19] ـ نهج البلاغة: 300 ـ 301.
  • [20] ـ تحسن مراجعة (عبقات الأنوار) للسيد مير حامد حسين، و(الغدير) للمرحوم الشيخ عبد الحسين الأميني، و(المراجعات) للمرحوم السيد شرف الدين، و(دلائل الصدق) للشيخ محمد حسن المظفّر، و(إحقاق الحق) للقاضي نور اللّه التستري… وغير ذلك من المصادر في هذا الباب.
  • [21] ـ المائدة: 3.
  • [22] ـ وقد صرّح عدد غير قليل من المفسّرين والمحدّثين بنزول الآية بعد نصب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب^ للإمامة في غدير خم، وتعيين رسول الله2 الكتاب والعترة من بعده مرجعين للمسلمين لا يضلّون بعدهما، كما في بلاغ يوم الغدير.. ومن هؤلاء المحدّثين الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل: 157. عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله(ص) لمّا نزلت عليه هذه الآية {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} قال: الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الربّ برسالتي وولاية علي بن أبي طالب من بعدي، ثم قال: >من كنت مولاه فعلي مولاه اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله<   ورواه أيضاً بأسانيد أخرى في 157 ـ 158 من شواهد التنزيل وروى الحاكم أيضاً بسند عن أبي هريرة في صوم يوم غدير خم، قال: لمّا أخذ النبي بيد علي، فقال(ص): ألست أولى بالمؤمنين. قالوا: بلى يا رسول الله. فقال: >من كنت مولاه فعلي مولاه<، فقال عمر بن الخطّاب: بخ، بخ لك يا بن أبي طالب، أصبحت مولاي، ومولى كلّ مؤمن، وأنزل الله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}. ونقل الشيخ عبدالحسين الأميني في الغدير1: 210 ـ 217 ط. النجف، الأحاديث الواردة في نزول آية الإكمال في عليّ^، عن ستة عشر مصدراً، منها الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد8: 290، وابن المغازلي الشافعي ذكره في العمدة ص52، والخوارزمي في المناقب: 80 و 94، وسبط ابن الجوزي في التذكرة: 18، وشيخ الإسلام الحمويني الشافعي في فرائد السمطين، كما روى نزول هذه الآية الكريمة في عليّ^ عندما نصّبه الله إماماً على المسلمين عامة، المفسّرين والمحدّثين من الشيعة بغير استثناء.
بواسطة
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى