المراحل الخمسة لتاريخ الإنسان في القرآن

فيما نقرأ من كتاب الله المجيد نجد أنّ القرآن الكريم قد ذكر خمس مراحل متميزة لتاريخ البشرية وهذه المراحل هي:

1ـ مرحلة «الميثاق» الفطري: وتبدأ بنبي الله آدم (ع).

2ـ مرحلة «الشهادة»: وتبدأ بنبي الله نوح (ع).

3ـ مرحلة «الإمامة»: وتبدأ بنبي الله إبراهيم (ع).

4ـ مرحلة الكمال… بمبعث رسول الله (ص).

5ـ مرحلة الوراثة وتبدأ بظهور الإمام المهدي المنتظر من أهل البيت (عج).

وهذه المراحل تتميز ببداياتها، ولكنها تتداخل في امتداداتها، أي: إنّ المرحلة الأُولى إذا كانت قد بدأت بآدم (ع)، فإنها لا تنتهي برسالة نوح (ع)، وإنّما يضيف الله تعالى منذ عصر نوح (ع) عاملا جديداً في حياة الإنسان لهدايته، وتوجيهه إلى التوحيد، وذلك هو عامل «الشهادة» ثم يضيف عاملا ثالثاً هو عامل «الإمامة» وزعامة حركة التوحيد منذ بعث إبراهيم (ع).

إنّ هذه العوامل الثلاثة قد اجتمعت وتواصلت في حياة الإنسان بمبعث رسول الله إبراهيم (ع) فكانت المرحلة الثالثة من حياة البشرية.

وفي المرحلة الرابعة تتكامل الرسالة الإلهية بتكامل الإنسان وبلوغه حدّ النضج الحضاري والعقلي وذلك عند مبعث خاتم الأنبياء (ص).

والمرحلة الخامسة هي مرحلة وراثة الأرض وما عليها وستكون على يد الإمام المهدي المنتظر من أهل البيت (ع) بتطهير الأرض من الشرك. وهي مرحلة الميراث حيث يرث الأرض وما عليها.

يقول تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}[1].

واليك تفصيل هذه المراحل من القرآن:

المرحلة الأُولى: الميثاق

المرحلة الأُولى: الميثاق

{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ}[2].

في آية الميثاق نواجه العهد الذي أَخذه الله تعالى من الإنسان ومضمون هذا العهد أو الميثاق:

الإقرار بربوبية الله تعالى وبالعبودية له من الناحية التكوينية، والإذعان لطاعته تعالى من الناحية التشريعية. إنّ العلاقة العقلية واضحة بين هذين الأمرين، حيث أنّ الإنسان إذا ما اعترف لله تعالى بالربوبية لزمه بحكم العقل أن يلتزم بالطاعة له. والعلاقة التكوينية بين الخالق وخلقه تستتبع علاقة تشريعية بطاعة المخلوق لخالقه فيما يشرع له من أوامر ونواهي.

إنّ هذا الميثاق هو أساس دعوة الأنبياء (ع) ورسالات الله، فمهمة الأنبياء تذكير الناس بعهدهم الفطري مع الله.

ولنقرأ ما تضمنته الآية الكريمة:

تتناول آية الميثاق أربعة نقاط أساسية:

1ـ سؤال الله تعالى من ذرّية آدم (ع) عن ربوبيته تعالى لهم {أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ}.

2ـ الإقرار التام بهذه الحقيقة {قَالُواْ بَلَى}.

3ـ شهادة الإنسان على نفسه بذلك {شَهِدْنَا}.

4ـ احتجاج الله تعالى عليهم بإِقرارهم وشهادتهم على أنفسهم يوم القيامة {أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ}.

ويختلف المفسّرون في ظرف هذا السؤال والإقرار والشهادة، فيذهب بعضهم إلى أنّه كان قبل خلق آدم (ع) حيث استخرج الله سبحانه الذرّية من الظهور كهيئة الذرّ، وأخذ منهم العهد والميثاق، وأشهدهم على أنفسهم.

ونعتقد أنّ الآية المباركة تستعرض هذا الأمر بلغة الرمز، وهي لغة مألوفة في التعبير القرآني لمن يحسن فهمه.

فهذا الإقرار، والشهادة قد جرى بصورة فطرية، حيث يُقِرُّ الإنسان بالربوبية وحقّ الطاعة لله تعالى في عمق فطرته.

ولا يختصّ هذا الإقرار بمرحلة سابقة من مراحل الخلق، وإنّما هو أمر مستمر متصل يجري في عمق فطرة كلّ إنسان بصورة طبيعية، في مرحلة من مراحل النضج الفطري، حيث تنفتح فطرة الإنسان على الله عزّوجلّ، لولا أن تَصُدّها العوامل الأخرى وتعيقها فتفسد عليه فطرته.

والعقل يجري في هذا الإقرار والإشهاد بموجب حكم الفطرة. وقد تناولنا هذا الموضوع في بحث مستقل بعنوان (الميثاق).

وإنما الذي وددنا الإشارة إليه، هو أنّ الإقرار بالربوبية والطاعة، والشهادة على ذلك يجري في فطرة وعقل كل إنسان بدون استثناء، غير أنّ عوامل التحريف والصدّ تفسد على الإنسان فطرته، فيحتاج إلى التذكير بحكم الفطرة.

ولكن الإنسان في المرحلة الأُولى من تأريخه، حيث لم تتعقد الحالة الحضارية بعد في حياته، ولم تفسد فطرته، ولم تتكاثر عليه عوامل الصد والتحريف، كانت فطرته كافية إلى حدّ ما في توجيهه وهدايته إلى ربوبية الله تعالى، وفي التزامه بطاعة الله وعبادته. وهذا هو مضمون الميثاق الفطري ولم يكن الإنسان في هذه المرحلة بحاجة إلى أكثر من عامل الفطرة في الإقرار والالتزام بتوحيد الله وعبادته وطاعته. إن هذه المرحلة هي مرحلة حاكمية الفطرة، وقد استمرت منذ آدم (ع) إلى ما قبل عصر نوح (ع). وكان الناس في هذه الفترة أُمّة واحدة على دين الفطرة وهداها. يقول تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ}[3].

وواضح أن الآية الكريمة تشير إلى مرحلتين في تاريخ الإنسان:

المرحلة الأُولى: عندما كان الناس أُمّة واحدة. على هدى الفطرة.

المرحلة الثانية: عندما اختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين يحملون كتاب الله، ليحكموا بين الناس فيما اختلفوا فيه.

والمرحلة الأُولى هي مرحلة الفطرة التي كان الناس فيها أُمّة واحدة، لم تتعقّد حياتهم، ولم تتطوّر حضارتهم، ولم تفسد فطرتهم، ولم يبدأ الاختلاف بينهم، فيما تمثل المرحلة الثانية انتقال الناس إلى حالة حضارية أكثر تعقيداً وفيها بدأ الاختلاف وتلوثت الفطرة. ولا ينافي هذا العرض وجود آدم (ع) وأَبنائه من بعده أنبياء في هذه الفترة، فإِنّ مهمتهم كانت تعديل الحالات التي يتجاوز فيها الإنسان الفطرة، وهي قليلة، مثل قتل قابيل لهابيل (ابني آدم)، بعكس الأنبياء الذين يأتون فيما بعد، في المرحلة اللاحقة حيث يقومون بإِعادة الإنسان إلى فطرته، وتذكيره بها بعد أن إِبتعد الإنسان عن خط الفطرة… والفرق بين المرحلتين واضح. ومن رقائق تعبير القرآن عن هاتين المرحلتين أن الوحدة كانت أبرز معالم المرحلة الاُولى، {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً}، والاختلاف كان من أبرز معالم المرحلة الثانية {فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ}.

ووحدة الناس دائماً أمارة الحركة على خط الفطرة الفطرة، والاختلاف أمارة انفصال الناس عن خط الفطرة… وحتى اليوم لا يتفق الناس على شيء إلاّ أن يكون ذلك الشيء جزءاً ثانية من أجزاء الفطرة. وهذا هو الاختلاف المسبب والناشئ عن الانحراف عن الفطرة، وهناك تفسير آخر للاختلاف، وهو الاختلاف الذي يقع في سلسلة أسباب الانحراف عن الفطرة، ويأتي توضيحه فيما بعد.

ويمكن توضيح الاختلاف في الآية الكريمة بكل منهما، غير أننا نرجح التفسير الأول.

المرحلة الثانية: مرحلة الشهادة

المرحلة الثانية: مرحلة الشهادة

يقول تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}[4].

أربعة حقائق تتجلى في الآية الكريمة، وهي:

1ـ تشير الآية الكريمة أولاً إلى وحدة البشرية بالفطرة على خط عبادة الله وتوحيده {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً}، وفي هذه المرحلة وهي المرحلة الأُولى ـ من حياة الناس كانوا يعبدون الله عزّوجلّ ويطيعونه ويوحدونه على الفطرة.

2ـ وتشير ثانياً إلى أن الناس قد انحرفوا فيما بعد عن مقتضى الفطرة، ودب الاختلاف بينهم، فضعفت وفسدت فطرتهم، الأمر الذي يعني نهاية المرحلة التي كانت فيها الفطرة هي السائدة والحاكمة في حياة الإنسان.

وكان لابُدّ من دخول عامل جديد في حياة الإنسان إلى جانب الفطرة، للهداية إلى الله سبحانه وتعالى.

أمّا السبب في ضعف الفطرة وفسادها وانحراف الناس عنها فهو الاختلاف {لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ}.

ونرى في معنى هذا الاختلاف، أن الناس كانوا يعيشون في هذه المرحلة حياة بدائية بسيطة، فلما تعقدت حياتهم، وتشعبت علاقاتهم، وظهرت عناصر جديدة في حياتهم، ظهر (الظلم) بينهم، وتجاوز بعضهم على بعض. والظلم ظاهرة اجتماعية لها أسبابها وآثارها ونتائجها.

فأمّا الأسباب فهي (الهوى)، ولو لا (الهوى) لم يظهر الظلم في حياة الإنسان وأمّا الآثار فـ(الاستكبار). لان الظلم يستتبع دائماً وجود فئة (مستكبرة) في المجتمع، تعتدي على حقوق الآخرين، وتتجاوز على حدود الله تعالى.

ونتيجة (الظلم) و(الهوى) و(الاستكبار) هو (الفساد) في النفس والمجتمع. والانحراف في حياة الإنسان عن خط الفطرة في نقطتين:

النقطة الأُولى في استبدال حاكمية الله تعالى بحاكمية الطاغوت. وهذه الحالة تبرز بتأثير من نفوذ الطاغوت في المجتمع.

والنقطة الثانية في الانحراف عن خط العدل والحق إلى الظلم والتجاوز.

وهذه النقطة تبرز نتيجة نفوذ الهوى في حياة الإنسان.

وبذلك يظهر الاختلاف في الميثاق الفطري الذي كان قائماً بين الله تعالى والإنسان، ولم تعد الفطرة بعد أن أضعفها الفساد كافية في توجيه الإنسان وتعبيده لله تعالى، وهذا الاختلاف هو الاختلاف الذي يقع في سلسلة أسباب الانحراف عن الفطرة، كما ذكرنا من قبل.

وعن هذه المرحلة من سيادة الفطرة على حياة الإنسان، وما تعقبها بعد ذلك من الاختلاف يقول تعالى: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}[5].

والكلمة التي سبقت القضاء هي قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ}[6].

3ـ ولما دخل الاختلاف بأسبابه ونتائجه حياة الإنسان وأفسد على الإنسان سلامة فطرته، أرسل الله تعالى النبيين مبشرين ومنذرين إلى الناس.

ورسالة هؤلاء النبيين دعم، وإِسناد الفطرة، وبعثها وإثارتها، بعد أن أفسدها الاختلاف وأضعفها.

وهؤلاء النبيون هم (الشهداء)، وهذه المرحلة من حياة الإنسان بداية مرحلة (الشهادة).

يقول تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا}[7].

{وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}[8].

{وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}[9].

{إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء}[10].

{وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ}[11].

وسوف نتحدث إن شاء الله عن الشهادة، ومعناها، ورسالة الشهداء، ومسؤولياتهم في الدنيا والآخرة، ولكن ما لابُدّ من أن نذكر به هنا أن رسالة هؤلاء الشهداء في الدنيا هي:

1ـ التذكير.

2ـ التعليم.

3ـ الأمر والنهي والحكم والسيادة في حياة الإنسان.

4ـ الرقابة على سلوك الإنسان.

التذكير والتعليم:

ومهمة التذكير هي إِثارة الفطرة، وبعثها، عندما يصيبها الخمول، وهي غير مهمة (التعليم).

والقرآن الكريم يحمّل الأنبياء المسؤوليتين معاً:

مسؤولية التعليم ومسؤولية التذكير. والأنبياء معلمون ومذكرون معاً.

يقول تعالى في أمر التذكير: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ}[12].

وعن مهمة الأنبياء في التعليم يقول تعالى: {وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ}[13].

{وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ}[14].

والتذكير يتناول أمر الدعوة إلى الله تعالى.

وأمّا التعليم فيتناول ما يعلمنا الله تعالى من الحكمة وشرائع دينه.

وأمّا المهمة الثالثة فهي الأمر والنهي والحكم والسيادة في حياة الإنسان.

أمّا المهمة الرابعة فهي الرقابة على سلوك الناس، وتتمثل في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

الميثاق والشهادة:

إذن الميثاق والشهادة بعضهما يكمل البعض، فان «الميثاق» هو ارتباط الإنسان بالله تعالى عن طريق الفطرة. و«الشهادة» هو إسناد ودعم هذا الارتباط بإرسال النبيين والشهداء. ومهمة الشهداء هي بعث الفطرة وإثارتها وإعادة ارتباطها بالله تعالى.

4ـ الاختلاف الذي يلي إرسال النبيين.

يقول تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}[15].

وهذا الاختلاف غير الاختلاف الأول الذي أشارت إليه الآية المباركة من قبل {لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ}.

إذن هناك إختلافان تشير إليهما الآية:

الاختلاف الأول: انحراف عن الفطرة.

والاختلاف الثاني: اختلاف حول دعوة الأنبياء والانحراف عن رسالتهم.

والاختلاف الأول كان قبل مبعث الرسل، والاختلاف الثاني كان بعد مبعث الرسل ومن قبل علماء أهل الكتاب أنفسهم.

يقول تعالى: {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}[16].

{وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}[17].

وهذا الاختلاف الذي تشير إليه الآية الكريمة هو الاختلاف الثاني في التاريخ الحضاري للإنسان، ولسنا الآن بصدد البحث عنه.

المرحلة الثالثة: مرحلة الإمامة

المرحلة الثالثة: مرحلة الإمامة

{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}[18].

وهذه المرحلة متميزة ومختلفة عن المرحلتين السابقتين. ومهمة الأنبياء في هذه المرحلة إِمامة حركة التوحيد. ولسنا نجد في دراسة المرحلة السابقة على هذه المرحلة «وهي مرحلة ما قبل إبراهيم (ع)». في القرآن دليلا على وجود قيادة وإِمامة سياسيّة لحركة التوحيد في التاريخ، وفي الصراع بين الحق والباطل، كما كان ذلك في عصر إبراهيم وموسى وعيسى ورسول الله (ص).

فمنذ هذا التاريخ نجد أنّ الأنبياء (ع) يقودون حركة التوحيد قيادة ميدانية، وحركية، بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، ويتصدون لمواجهة حركة الشرك، ويتحول التوحيد والشرك من رأيين وفهمين وموقفين متعاكسين إلى حركتين، وتتحول العلاقة داخل كل حركة إلى علاقة عضوية، كما تتطلبه أي حركة.

يتحول الأنبياء إلى أئمة وقادة لهذه الحركة، كما يتحول الطواغيت إلى أئمة وقادة يقودون حركة الشرك، وهذه مرحلة جديدة تماماً في تاريخ الصراع بين التوحيد والشرك، والحق والباطل.

ولابُدّ لدراسة هذه المرحلة والمراحل السابقة، وفرز بعضها عن بعض من تجميع شواهد وقرائن من كتاب الله، ومن طبيعة المواجهة بين الحق والباطل. ولا يسعنا ذلك في هذه العجالة.

ويكفينا أنّنا قد رسمنا في هذه العجالة المعالم الأوليّة لدراسة تاريخ الحضارة ومراحلها، كما رسم القرآن. والله تعالى اعلم بما نزّل في كتابه من هدى ونور.

وفي هذا التقسيم لمراحل التاريخ لابُدّ أن نذكر مرة أُخرى أَنَّ هذا التقسيم ليس بمعنى أنّ دور الميثاق ينتهي عندما تبدأ مرحلة الشهادة. وان مرحلة الشهادة تنتهي ببدء مرحلة الإمامة.

فالميثاق الفطري قائم في حياة الإنسان إلى اليوم الحاضر، كما أنّ الشهادة قائمة إلى اليوم.

ولكن الذي حدث في تاريخ الإنسان: إنّ الشهادة أُضيفت إلى تاريخ الإنسان وحضارته منذ عصر نوح (ع)، وان الإمامة أُضيفت إلى حركة الأنبياء وحضارة الإنسان منذ عصر إبراهيم (ع)، دون أن يفقد الميثاق، والشهادة قيمتهما ودورهما، في حياة الإنسان في المراحل التالية.

المرحلة الرابعة: مرحلة الكمال

المرحلة الرابعة: مرحلة الكمال

والمرحلة الرابعة مرحلة الكمال، وهو قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا}[19] وبهذه الآية يعلن القرآن إِتمام الدين، وإتمام نعمة الله على الإنسان، وإِتمام الدين هو الوجه الأول للقضية والوجه الآخر لها هو تكامل الإنسان ونموه وبلوغه آخر مراحل نضجه العقلي والحضاري التاريخي. ولا ينفصل هذا الوجه عن ذلك الوجه.

فان الشريعة هي مجموعة التعليمات الإلهية للإنسان في مختلف مراحل نموّه التاريخي ونضجه العقلي، وتتّصل حلقات الشريعة من جانب الله لتوجيه الإنسان، خلال عمره التاريخي الطويل وهذه التعليمات لا تتناقض بالضرورة، لأَنها من مصدر واحد وعلى منهج واحد، ولغاية واحدة، ولكنّها تتكامل في مراحلها المختلفة، كما تتكامل المناهج الدراسية من المراحل الابتدائية إلى المراحل الجامعية العالية من غير أن تتناقض أو تختلف في شيء.

ولذلك فلا نجد عندما نقرأ ما يعكس القرآن من الصيغ التشريعية للأُمم السابقة تخالفاً أو تناقضاً بينها وبين الإسلام بل، بالعكس نجد تكاملا فيما بينها وبين الإسلام، وكأَنَّ أولئك الأنبياء (ع) حلقات من أُسرة واحدة متضامنة ومتكاملة في عملها ورسالتها، يُبَشِّر السابق منهم باللاحق، ويُصَدِّق اللاحق منهم السابق.

تأملوا في هذه الآية الكريمة:

{وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}[20].

وهذا (التبشير) و(التصديق) يكشف عن عمق التلاحم والتضامن والتكامل بين رسالات الله، وهذه الأمم أُمّة واحدة، على امتداد زمني طويل عبر التاريخ {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}[21].

وليس فيما بين هذه الكتب اختلاف أو تناقض، إِلاّ أنها متكاملة، اللاحق منها يكمل السابق، والقرآن مهيمن عليها جميعاً.

{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا}[22]، والتعبير بـ(المهيمن) دقيق، فإِن القرآن في الوقت الذي يأتي مصدّقاً للكتب النازلة من عند الله قبله، على إبراهيم وداود وموسى وعيسى (ع)، ومتطابقاً معها يهيمن عليها، ويفوقها.

وهذا التكامل بالضرورة يتطلب تكاملا موازياً له، في نمّو الإنسان التاريخي ونضجه العقلي والحضاري… بل استطيع أن أقول أَنّ هذا التكامل يكشف إلى حدٍّ ما عن ذلك التكامل ويوجّهه بالوجهة الربّانية السليمة.

ولذلك فبالإمكان اعتبار عصر خاتم الرسالات (ص) مرحلة رابعة في تاريخ البشرية الحضاري.

المرحلة الخامسة: مرحلة الوراثة

المرحلة الخامسة: مرحلة الوراثة

وهي المرحلة التي يمكّن الله تعالى فيها عباده الصالحين من الأرض. يقول تعالى:

{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}[23].

والآية، وان كانت نازلة في أمر بني إسرائيل وفرعون، ولكن المشيئة الإلهية في تمكين المؤمنين من الأرض، وتوريثهم للمال والسلطان والقوة على وجه الأرض ثابتة. وبمراجعة القرآن، والكتب السماوية قبل القرآن نعرف أنّ هذه الإرادة تتحقق بشكل كامل في المرحلة الأخيرة من تاريخ الإنسان، وهي المرحلة التي يقول عنها الله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}[24].


أقرأ ايضاً:

الهوامش والمصادر

  • [1] ـ سنن أبي داود: 5119.
  • [2] ـ الأعراف: 172.
  • [3] ـ البقرة: 213.
  • [4] ـ البقرة: 213.
  • [5] ـ يونس: 19.
  • [6] ـ البقرة: 36.
  • [7] ـ النساء: 41.
  • [8] ـ المائدة: 117.
  • [9] ـ النحل: 89.
  • [10] ـ المائدة: 44.
  • [11] ـ الزمر: 69.
  • [12] ـ الغاشية: 21.
  • [13] ـ البقرة: 151.
  • [14] ـ الجمعة: 2.
  • [15] ـ البقرة: 213.
  • [16] ـ الشورى: 14.
  • [17] ـ آل عمران: 19.
  • [18] ـ البقرة: 124.
  • [19] ـ المائدة: 3.
  • [20] ـ الصف: 6.
  • [21] ـ المؤمنون: 52.
  • [22] ـ المائدة: 48.
  • [23] ـ القصص: 5.
  • [24] ـ الأنبياء: 105.
بواسطة
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى