طريق ذات الشوكة – الوسائل التي تمكّننا من الحركة على طريق ذات الشوكة

إِنَّ الحركة على طريق ذات الشوكة من أشقّ الأعمال وأكثرها عناءً في حياة الإنسان. ولولا أَن الإنسان يشدّ على هذا الطريق حبله بحبل الله، ويعتصم بحبل الله، لما أمكنه من أن يواصل هذه المسيرة الشاقة العسيرة. ويكفي في أمر هذه المسيرة وعنائها وما يصيب المؤمنين فيها من تعب ويأس ومن بأساء وضراء أَنْ نقرأ هذه الآيات المباركات من سورة البقرة: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ}[1].

وهذه الآيات من سورة الأحزاب:

{…اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا}[2].

وهذه الآيات تشير إلى عمق المعاناة في نفوس المؤمنين، ولا تبلغ المعاناة في نفس الإِنسان أعظم من أَن يقول الرسول والذين معه متى نصر الله، وأعظم من أن تزيغ الأبصار، وتبلغ القلوب الحناجر، ويظن المؤمنون بالله الظنونا.

والذين أصابهم التعب واليأس، وتساقطوا على هذا الطريق، وتراجعوا أو توقفوا عن مواصلة السير أكثر ممن واصلوا الطريق إلى نهايته، وانتهوا إلى ساحل النجاة.

وإِنَّ البدء في هذه الحركة، والدخول في هذه الساحة صعب عسير، وأصعب منه وأعسر أن يواصل الإنسان هذا الطريق إلى نهايته.

فما هي الوسائل التي تمكّن الإنسان من مواصلة العمل والحركة على طريق ذات الشوكة؟

إن القرآن الكريم يلخص ذلك في كلمتين:

الصبر، والصلاة.

والصبر والصلاة هما الأَداتان المفضلتان في القرآن الكريم لتمكين الإِنسان من التحرك على طريق ذات الشوكة، ومواجهة التحدّيات الصعبة التي يواجه بها أئمة الكفر والشرك الدعاة إلى التوحيد في امتداد التاريخ.

يقول تعالى: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ}[3].

{اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}[4].

الصبر في علاقة الإنسان بنفسه وساحة العمل.

والصلاة في علاقة الإنسان بالله تعالى.

ولابد منهما معاً، لابد أن يكون الإنسان قوياً ثابتاً لا يتزلزل ولا ينهار أمام إعصار التحديات في علاقته بنفسه.

ولابد من أن يذكر الله تعالى في ساحة المواجهة والصرّاع، ويضع ثقته في الله تعالى، ويسأله النصر والفوز في ساحة المواجهة; في علاقته بالله تعالى.

وعي المحنة:

وعي المحنة

وليس يتأتى لأَحد أن يكون قوّياً ثابتاً في المحنة، لا تزلزله أعاصير الابتلاء إلاّ عندما يكون واعياً للمحنة، فإن أكثر الذين يسقطون في المحنة من الذين لا يعون المحنة.

فإذا كان الإنسان يرى المحنة شراً يراد له، وانه وحده يواجه هذا الشر، فلابد أن يجزع من هذا الشر الذي لا يطيقه.

وإما إذا كان واعياً للمحنة، ويرى أنها ليس من الشر في شيء وإِنما ابتلاه الله تعالى والمؤمنين بها لأنه أراد به خيراً، وان الله تعالى بعد ذلك لا يتركهم لوحدهم في وسط المحنة، وإنما يمد إليهم يده، ويشدّ على قلوبهم، ويقوّي من عزمهم، ويسهّل لهم الصعاب، ويذلل لهم العقبات، فالأمر يختلف تماماً، فلا ينهار الإنسان أمام المحنة، ولا يتزلزل، ولا يتراجع.

وهذا هو الجانب السلبي من الصبر، وهو احد وجهي الصبر.

وأما الجانب الايجابي من الصبر، فلابد أن يكون الإنسان صبوراً في مواجهة الواقع بأدواته المكافئة له، فلا ينال الإنسان ما يريد بالتمنّيات والشعارات، وإِنما ينال ما ينال بإذن الله، بمواجهة الواقع بما يكافئه من الوسائل والأدوات.

ولكي يواجه الإنسان الواقع بما يكافئه، يحتاج إلى تشخيص دقيق لساحة عمله، وعدوّه وإمكانات عدوه، ويحتاج إلى تفكير وتخطيط لمواجهة هذا الواقع، وهذا هو الوجه الايجابي للصبر وهو إحدى هاتين الأداتين.

(الصبر والصلاة).

وأما الأداة الأخرى فهي (الصلاة)، في علاقة الإنسان بالله تعالى: فلا يكفي الصبر والثبات والتخطيط والتشخيص في هذه الحركة الصعبة والعسيرة إذا قطع الإنسان حبله عن حبل الله تعالى. فان الإنسان ضعيف في إمكاناته وقدراته وعقله وصبره، لا يستطيع أن يواجه بعض هذا الواقع، فإذا وَصَلَ الانسانُ حبله بحبل الله، وشدَّ حوله بحول الله، وقوته بقوة الله، ذلت له الصعاب.

ومن يربط حوله بحول الله، وقوّته بقوّة الله، لا ينفذ حوله وقوته في أي حال من الأحوال، ومهما اشتدت عليه الأزمات، وتكالبت عليه الفتن، فان الله تعالى لابد أن يفتح عليه ويرزقه فرجاً ومخرجاً من كل ضيق يلقاه وشدة.

ولقد كان رسول الله (ص) يواجه من عتاة قريش في مكة والمدينة ما يضيق به صدره الكبير الذي شرحه الله تعالى… فانزل الله تعالى عليه سورة هود، يأمره الله تعالى فيها بالاستقامة والصبر {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ}[5] أمام تلك الموجات العاتية من التحدي والمشاكسة، ويذكّره الله تعالى بقصص من سبقه من الأنبياء الذين حملوا رسالة الله تعالى، ولقوا ما لقوا من عذاب وعناء، وثبتوا وصبروا، ثم يأمره الله تعالى في نهاية هذا الشوط بالصبر والصلاة.

{وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}[6].


أقرأ ايضاً:

الهوامش والمصادر

  • [1] ـ البقرة: 214.
  • [2] ـ الأحزاب: 9ـ11.
  • [3] ـ البقرة: 45.
  • [4] ـ البقرة: 153.
  • [5] ـ هود: 112.
  • [6] ـ هود: 114ـ115.
بواسطة
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى