طريق ذات الشوكة – آثار وخصائص السير على طريق ذات الشوكة

المسافات الطويلة تكشف نقاط الضعف في نفوس العاملين. فلا يستطيع الإنسان أن يكتشف نقاط الضعف في نفسه قبل الابتلاء والحركة. فإذا دخل ساحة الابتلاء والحركة عرف نقاط الضعف وشخّصها وعرف كيف يتعامل مع هذه النقاط، وكيف يسدّها ويعالجها.

وهذا الاكتشاف لا يتم إلاّ عبر المحنة والمعاناة والابتلاءات وفي المسافات الطويلة والحركات ذات الشوكة.

هناك يستطيع الإنسان أن يعرف نفسه جيداً، ويعرف نقاط الضعف ونقاط القوة في نفسه، ويتمكن من تسديد نقاط الضعف في نفسه.

إن الإنسان قبل أن يقدم على تسلق الجبال الصعبة لا يعرف شيئاً كثيراً عن نقاط العجز والضعف في جسمه وأجهزته الباطنية، فيتصور أنّه قادر على هذا التسلق، فإذا بدأ حركة التسلق وباشر ذلك ظهرت له بالتدريج نقاط الضعف والعجز في جسمه وعضلاته وعظامه وقلبه ورئته وعرف من جسمه وجوارحه وأجهزته الباطنية ما لم يكن يعرف من قبل.

ولذلك فإن من المفيد أن يدخل الإنسان دورة اختبارية قبل أن يبدأ بمثل هذه الحركات والأعمال الصعبة مهما كان نوع هذه الحركات والأعمال، من قبيل التسلق، أم من قبيل المواجهة العسكرية الميدانية، أم من قبيل المواجهة السياسية والحضارية والعقائدية.

ولعل من ذلك فترات الابتلاء الصعبة في تاريخ الأنبياء التي تسبق الصراع العقائدي والحضاري الحاسم بين الأنبياء عليهم السلام وأقوامهم.

يقول تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء}[1].

وليس من شك أن البأساء والضراء الذين يأخذ بهما الله تعالى الأنبياء (ع) ومن يقوم معهم من المؤمنين يعدهم لخوض الصراع الحاسم بين التوحيد والشرك، ويرفع درجة كفاءتهم في الصمود في هذا الصراع العنيف والضاري.

وهذه إحدى النتيجتين، وهي نتيجة تخص الكيان النفسي للفرد.

والنتيجة الأخرى للحركات ذات الشوكة تخص الكيان الجمعي للأمة الناهضة بحركة التوحيد. فإن المسؤوليات الصعبة لرسالة التوحيد تتطلب من الأمة الناهضة بهذه الحركة أن تكون ذات كفاءة عالية في المقاومة والصمود. وان وجود العناصر الضعيفة في جسم الأمة يقيّدها ويبطئ حركتها، ويسلبها المقاومة في مواجهة التحديات.

ولا شيء أضر على الأمة الناهضة بحركة التوحيد في ظروف الصراع الضاري من الترهّل. ولا شيء أكثر ضرورة في تكوين الأمة النفسي في هذه المرحلة من صلابة النواة الأولى التي تحمل مسؤولية رسالة التوحيد.

ومثل هذه الابتلاءات تمنح النواة الأولى للدعوة هذه الصلابة والمتانة والاستحكام الذي تحتاجه الدعوة في المراحل الأولى من صراعها مع أئمة الشرك والكفر.

ولا يقتصر الأثر السلبي للعناصر الضعيفة في جسم الدعوة في ضعفها وبطئها فقط، فإن هذه العناصر بالإضافة إلى بطئها وركودها تعوق حركة الآخرين وسيرهم.

وحالات اليسر والرفاه تخفي عادة العناصر الضعيفة التي تُعَوِّق حركة الدعوة، وحالات الشدة والعسر تفرز هذه العناصر، وتميزها عن العناصر القوية والكفوءة القادرة على مواجهة التحديات وتجاوزها.

إن طريق ذات الشوكة يشطر الناس شطرين: الصادقين والكاذبين وفي حالات اليسر والرفاه يختفي الكاذبون في صفوف الصادقين، فلا يمكن التمييز بينهما إلاّ بمشقة وصعوبة. والتجمّع الذي يجمع هذا الخليط من الصدق والكذب تجمّع قليل الكفاءة في مواجهة التحديات إن لم نقل انه عديم الكفاءة. ولقد كان لصلابة النواة الأولى للدعوة في حياة رسول الله (ص) دور كبير في كفاءة الثلة الأولى من أصحاب الرسول (ص) في مواجهة تحديات قريش واليهود وحلفائهما، ولولا صلابة وقوة هذه الثلة الصالحة من أصحاب رسول الله (ص) لما استطاعت الدعوة يومئذ أن تجتاز كل تلك الأعاصير التي أثارتها قريش واليهود وحلفاؤهما ضد رسول الله (ص) في الجزيرة. ولولا الأيام الصعبة التي تمرست فيها هذه العصبة من أصحاب رسول الله (ص) في مكة والمدينة في بداية الهجرة لما تكونت هذه النواة، ولم تتكامل فيما بعد، فتكون منها شجرة باسقة طيبة، يمتد ظلالها من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب.

التمحيص على الخط العمودي والأفقي:

التمحيص على الخط العمودي والأفقي

وللتمحيص في الابتلاء دوران ومهمتان في حياة الأُمّة.

المهمة الأولى هي التمحيص على الخط العمودي في نفوس الدعاة إلى الله والعاملين في سبيل الله.

والمهمة الثانية هي التمحيص أيضاً، ولكن على الخط الأفقي في كيان الأمة هذه المرة.

وإذا كان التمحيص الأول يشذب الفرد مما كان عليه من نقاط الضعف ويخلّصها من هذه النقاط، فان التمحيص الثاني يشذب الأمة ممن ينضم إليها من العناصر الضعيفة.

ولنقرأ مرة أخرى دورة (التمحيص) في حياة الأمّة في آيات من سورة آل عمران، على الخطين العمودي والأفقي. هذه الآيات تحدد بصورة دقيقة دور التمحيص في حياة الأفراد وفي حياة الأمة، على الخط العمودي وعلى الخط الأفقي كما شرحنا ذلك من قبل.

يقول تعالى: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ}[2].

التمحيص الأول هو قوله تعالى: {وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ} وهذا هو التمحيص الذي يجري على الخط العمودي داخل النفس.

والتمحيص الثاني هو قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء} والله تعالى يعلم الذين آمنوا منا، ولكن الله تعالى يريد أن يفرز الذين آمنوا حق الإيمان من الذين لم يؤمنوا كذلك في مثل هذه المعاناة والمحنة، ويخلّص الذين آمنوا حق الإيمان من الذين لم يؤمنوا كذلك.

ومن عجب أن الله تعالى لا يتخذ من الذين آمنوا منا شهداء حتى يعلم الله الذين آمنوا منا، وحتى يصفّى تجمع المؤمنين منا من الذين لم يؤمنوا حق الإيمان…

عندئذ فقط يتخذ الله تعالى من المؤمنين شهداء.


أقرأ ايضاً:

الهوامش والمصادر

  • [1] ـ الأعراف: 94.
  • [2] ـ آل عمران: 140ـ.141.
بواسطة
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى