أهل البيت (ع) في موقع الدفاع عن التوحيد و العدل – قانون الإمداد والخذلان الإلهي في حياة الناس

لاشكّ أنّ الله تعالى وهب أفراد الإنسان الاختيار في الفعل عند مفارق الطرق، ووهبهم العقل والوعي والتمييز، وأتاهم البيّنات، كلّ ذلك صحيح. ولسنا نتصور رحمة فوق هذه الرحمة، ولكنّ الله تعالى وهو المهيمن على الكون، والإنسان، يمد الإنسان عند كلّ مفترق طريق، وكلّما يشقّ على الإنسان الاختيار، وعند كلّ خيار صعب من خيارات الهدى… يمده من عنده بالتوفيق والتأييد والتسديد إذا أراد الطاعة.

وإذا أراد المعصية لم يتركه لنفسه، وإنما يخذله عن المعصية، ويدفعه عنها.

فإذا أصرّ وأبى وركب رأسه وعاند تخلّى عنه وأوكله إلى نفسه وأضلّه الله تعالى.

روى الصدوق (رض) في (عيون أخبار الرضا (ع)) عن تميم القرشي، عن أبيه، عن أحمد بن علي الأنصاري، عن يزيد بن عمير بن معاوية الشامي، قال: دخلت على علي بن موسى الرضا (ع) بمرو فقلت له: يا بن رسول الله روي لنا عن الصادق جعفر بن محمّد‘ انّه قال: (لا جبر ولا تفويض بل أمرّ بين أمرين) فما معناه؟

فقال (ع): «من زعم أن الله يفعل أفعالنا ثمّ يعذّبنا عليها فقد قال بالجبر، ومن زعم أنّ الله عزّوجلّ فوّض أمر الخلق والرزق إلى حججه (ع) فقد قال بالتفويض، فالقائل بالجبر كافر، والقائل بالتفويض مشرك». فقلت له: يابن رسول الله فما أمر بين أمرين؟

فقال (ع): «وجود السبيل إلى إتيان ما أمروا به وترك ما نهوا عنه». فقلت له: فهل لله عزّوجلّ مشيئة وإرادة في ذلك؟

فقال (ع): «أمّا الطاعات فإرادة الله ومشيئته فيها الأمر بها والرضا لها والمعاونة عليها، وإرادته ومشيئته في المعاصي النهي عنها والسخط لها والخذلان عليها». قلت: فلله عزّوجلّ فيها القضاء؟

قال (ع): «نعم، ما من فعل يفعله العباد من خير وشرّ إلاّ ولله فيه قضاء». قلت: فما معنى هذا القضاء؟

 قال (ع): «الحكم عليهم بما يستحقّونه على أفعالهم من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة، ولكن العبد إذا أصرّ على العصيان والتمرّد أحاله الله تعالى إلى نفسه، وأوكله إليها، وحجبه عن الإيمان».

روي من طريق الصدوق (رض) في (العيون) أنّه قال: حدّثنا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس العطار (رض) قال: حدّثنا محمّد بن علي بن قتيبة النيسابوري، عن حمدان بن سليمان النيسابوري قال: سألت الرضا (ع) عن قول الله عزّوجلّ: {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا}[1]؟

قال (ع): «من يرد الله أن يهديه بإيمانه في الدنيا إلى جنّته ودار كرامته يشرح صدره للتسليم لله والثقة به والسكون على ما وعده من ثوابه حتى يطمئن إليه، ومن يرد أن يضله عن جنته ودار كرامته في الآخرة لكفره به وعصيانه له في الدنيا يجعل صدره ضيّقاً حرجاً، يشكّ في كفره، ويضطرب من اعتقاد قلبه حتى يصير {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}»، وقد عرفت فيما مضى المراد من شرح الصدر وضيقه.

الخاتمة

الخاتمة

والنتيجة الّتي ننتهي إليها بعد هذه الجولة في كلمات أهل البيت (ع) في هذه المسألة الحسّاسة: إنّ الإنسان يقع وسطاً بين (الجبر) و(التفويض) وهو ما أسماه أهل البيت (ع) بـ(الأمر بين الأمرين) وليس الأمر بين الأمرين تلفيقاً بين الجبر والتفويض بمعنى أن في سلوك الإنسان شيء من الجبر وشيء من التفويض. بل بمعنى نفي الجبر والتفويض و(الاستقلال) في سلوك الإنسان.

فهو من جانب: حرٌّ في الاختيار يختار بكامل حرّيته، ومنحه الله تعالى كلّ المواهب التي تتطلبه هذه الحرّية من الاختيار والعقل والتمييز والرشد.

ومن جانب آخر: يرتبط ويتعامل في اختياره وفعله مع نظام القضاء والقدر الخاضع لقيمومة الله تعالى وهيمنته، ويقع هو واختياره وفعله وسط هذه القيمومة، والهيمنة والرعاية الإلهية.

روى الصدوق عن حريز بن عبد الله، عن الصادق (ع) قال: «إنّ الناس في القدر على ثلاثة أوجه: رجل يزعم أنّ الله عزّوجلّ أجبر الناس على المعاصي، فهذا قد ظلم الله في حكمه، فهو كافر.

ورجل يزعم أنّ الأمر مفوّض إليهم، فهذا قد أوهن الله عزّوجلّ في سلطانه، فهو كافر.

ورجل يزعم أنّ الله كلّف العباد ما يطيقون ولم يكلّفهم ما لا يطيقون، وإذا أحسن حمد الله وإذا أساء استغفر الله، فهذا مسلم بالغ».

وروى الصدوق عن سليمان بن جعفر الجعفري، عن الرضا (ع) قال: ذكر عنده الجبر والتفويض، فقال (ع): «ألا أعطيكم في هذا أصلاً لا تختلفون فيه، ولا تخاصمون عليه أحداً إلاّ كسرتموه؟ قلنا: إن رأيت ذلك، قال (ع): «إنّ الله عزّوجلّ لم يطع بإكراه، ولم يعصَ بغلبة، ولم يهمل العباد في ملكه، هو المالك لما ملكهم، والقادر على ما أقدرهم عليه، فإن ائتمر العباد بطاعته لم يكن الله عنها صاداً، ولا منها مانعاً، وإن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل. وإن لم يحل وفعلوه فليس هو الّذي أدخلهم فيه ـ ثمّ قال (ع) ـ من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه»[2].

وروى الصدوق عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله (ع) قال: «لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين الأمرين»، قال: فقلت وما أمر بين الأمرين؟

قال (ع): «مثل ذلك: مثل رجل رأيته على معصية فنهيته فلم ينته فتركته، ففعل تلك المعصية، فليس حيث لم يقبل منك فتركته كنت أنت الّذي أمرته بالمعصية»[3].

وقد يتصوّر الإنسان أن مساحة الأمر بين الأمرين مساحة محدودة في حياة الإنسان. وهو تصور خاطئ بالتأكيد. فان الإنسان يتعامل مع نظام القضاء والقدر من خلال عامل الاختيار بشكل مباشر ويقترن هذا التعامل دائماً بالقيمومة الإلهية والهيمنة والتدبير الرباني، إلاّ أن الإنسان لا يعي ولا يحسّ بهذه القيمومة والتدبير وهو لاشكّ إحساس خاطئ ينشأ من احتجابه عن الله تعالى وألطافه الخفية، وإلاّ فإنّ مساحة الأمر بين الأمرين هي كلّ مساحة حياة الإنسان، وهو في كلّ شؤونه وأعماله وحركاته يتعامل مع الله تعالى، ويأخذ من الله من حيث لا يشعر، ولله تعالى في حياة الإنسان إمدادات غيبيّة وألطاف خفية لا يشعر بها الإنسان، إلاّ من آتاه الله تعالى من عنده بصيرة وفقهاً ومعرفة. ومساحة الإمداد والتدبير والتوفيق الإلهي في حياة الإنسان مساحة واسعة جدّاً، كالتي بين السماء والأرض، كما ورد في بعض الأحاديث.

روى الكليني (قده) في (الكافي) والصدوق في (التوحيد) عن يونس بن عبدالرحمن، عن غير واحد، عن أبي جعفر وأبي عبد الله‘ ـ قالا: «إنّ الله أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثمّ يعذّبهم عليها، والله أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون. فسئُلا هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة؟ قالا‘: نعم، أوسع مما بين السماء والأرض»[4].

وفي رواية اُخرى للكليني (قده) في (الكافي) عن يونس، عن عدّة عن أبي عبد الله (ع) قال له رجل: >جعلت فداك، أجبر الله العباد على المعاصي؟

قال (ع): الله أعدل من أن يجبرهم على المعاصي ثمّ يعذّبهم عليها». فقال له: جُعلت فداك، ففوّض الله إلى العباد؟

قال (ع): لو فوّض إليهم لم يحصرهم بالأمر والنهي. فقال له: جعلت فداك، فبينهما منزلة؟ قال: فقال (ع): نعم أوسع ما بين السماء والأرض»[5].

وهذه الأحاديث والنصوص تبيّن لنا حقيقة هامّة يجب أن نأخذها بنظر الاعتبار، ونلتزم بها، وهي أن نلمس يد الله تعالى ورعايته لنا في حياتنا، ونستشعر معيّة الله تعالى لنا في كلّ حركة وسكون. والإنسان عندما يتجرّد عن الحوار العقائدي القائم في التأريخ العقلي الإسلامي ويعود إلى نفسه يؤمن بشكل واضح ـ ومن غير ترديد ـ إنّ الله تعالى لم يتخلّ عنه في لحظة من لحظات حياته، ولم ينفرد الإنسان ولم يستقل عن رعاية الله ويد الله في شيء من حياته.

ولو أنّ الله تعالى تخلّى عن الكون لتلاشى الكون. ولو أنّ الله تعالى تخلّى عن الإنسان وأوكله إلى نفسه، وإلى نظام القضاء والقدر لبلغ الإنسان منذ أمد بعيد طريقاً مسدوداً في تاريخه.

ولكن رعاية الله تعالى تواكب مسيرة الإنسان وحركته الفردية والتأريخية، وترعاه عند كلّ منعطف، وفي كلّ مشكلة، وتسدّده، وتهديه، وتعينه، وتلطف به، وتستر عليه، وتحفظه.

إنّ قراءة واعية لكتاب الله تعالى تعمّق فينا هذا الإحساس بشكل واضح، وتشعرنا أنّ القرآن يريد أن يربط مسيرتنا وحياتنا بالمعية والرعاية الإلهية، ويربينا على الإحساس بالستر الدائم المتّصل لله علينا، وبحفظ الله لنا وإمداده المتّصل، وليس في القرآن كلّه رغم حرص القرآن على تثبيت مبدأ الاختيار إشارة أو إيهام بأنّ الإنسان يستقل عن الله تعالى في الاختيار والقرار والفعل. أو أنّ الله تعالى أوكل الإنسان إلى نفسه في الاختيار والفعل والقرار. وويل للإنسان إذا أوكله الله تعالى إلى نفسه.

ومن غير الممكن في نظام الوجود وقانون العلّية والإمكان من الناحية العقلية أن يستقلّ الإنسان عن الله تعالى في القرار، والفعل والاختيار، ولكن لو فرضنا إمكان ذلك من الناحية العقلية واستقلّ الإنسان عن الله تعالى، وأوكل الله أمر الإنسان إليه وإلى نظام القضاء والقدر لسقط الإنسان منذ أمد بعيد ووصل إلى طريق مسدود لا خلاص له منه في بعض هذه المآزق والأزمات.

وبعد، فبالاستناد إلى النقاط المتقدمة نستطيع أن نجد منها ـ إن شاء الله ـ العناصر الأساسية لصياغة نظرية أهل البيت (ع) المقتبسة من القرآن في القضاء والقدر والسلوك الفردي والتأريخي للإنسان. اللّهمّ إنّنا آمنّا بك وبرحمتك وسترك وإمدادك ورعايتك لعبادك، وطالما لمسنا هذه الرعاية والستر والحفظ والتوفيق منك ـ عزّ شأنك ـ لنا في حياتنا فاكتبنا مع المؤمنين، واكتبنا مع الشاهدين


أقرأ ايضاً:

الهوامش والمصادر

  • [1] ـ الأنعام: 125.
  • [2] ـ التوحيد: للصدوق: 361 ح7.
  • [3] ـ التوحيد للصدوق: 361 ح7. وانظر اُصول الكافي 1: 122 ح13.
  • [4] ـ الكافي: 1: 159 ح9، باب الجبر والقدر ـ كتاب التوحيد.
  • [5] ـ المصدر السابق: ح11.
بواسطة
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى