أهل البيت (ع) في موقع الدفاع عن التوحيد و العدل – حرّية الاختيار لدى الإنسان داخل الدائرة الحتمية للقضاء والقدر

وهذه النقطة بالذات هي عقدة البحث، فإذا انحلّت هذه النقطة واتّضحت اتضح ما قبلها وبعدها.

إنّ الإنسان يملك بصريح الوجدان والقرآن كامل حرّيته في الاختيار والفعل، وإمارة حريته في الاختيار تردده في الانتخاب، ومسؤوليته عن فعله، وإحساسه بالندم والراحة عند انتخاب ما يصلح وما لا يصلح. والوجدان أقوى شاهد على هذه الحقيقة. وقد رأينا في موضع سابق من هذا البحث أنّ القرآن يقرر حرّية اختيار الإنسان في طوائف كثيرة من الآيات. ولسنا بصدد إثبات هذه الحقيقة الآن أكثر من ذلك. واختيار الإنسان يقع على مفترق طرق يقف عنده الإنسان غالباً أو دائماً. ولأيّ سبيل من هذه السبل يختاره الإنسان حكم قطعي وحتمي في دائرة القضاء والقدر المحكم والمتقن الّذي شرحناه من قبل.

فليس من سبيل للإنسان أن يخرج عن دائرة (القضاء والقدر) وحكمه القطعي المتقن والدقيق، وهو لا محالة يعيش ويتحرّك ويعمل ويختار في هذه الدائرة كما ذكرنا. ولكنه يملك مطلق الاختيار دائماً أو غالباً في اختيار سبيل من هذه السبل المختلفة الّتي يجدها أمامه عن معرفة ووعي.

المريض إذا اهتم بمرضه وراجع الطبيب واتّخذ العلاج يشفى، وإن أهمل مرضه يتضاعف المرض عنده. والطالب إذا نشط واجتهد ينجح وإذا كسل وأهمل دروسه يفشل. والعامل إذا عمل وتحرّك في السوق، يغنيه الله، وإذا تهاون في البحث عن العمل يفتقر. والإنسان إذا عاشر الصالحين يأخذ منهم الصلاح. وإذا عاشر الفاسدين يأخذ منهم الفساد.

وكلّ هذه النتائج من القضاء والقدر الحتم والمتقن الّذي لا سبيل للتشكيك فيه. فإنّ الإنسان الّذي يجتهد في طلب العلم يكون عالماً بالضرورة والحتم، وهذا هو (القضاء) وتكون معرفته في الحقل الّذي اجتهد فيه، دون غيره من الحقول، وبمقدار اجتهاده ودراسته، وهذا هو (القدر).

إنّ اختيار الإنسان في المبادئ دائماً، والأحكام الحتميّة الّتي قلنا إنّها من القضاء والقدر هي في النتائج دائماً.

وهذه المبادئ تستتبع هذه النتائج دائماً بصورة قطعية ومتقنة. ولا سبيل للإنسان للتخلّص من هذه النتائج القطعية، وإن كان له مطلق الحرية في اجتناب واحد أو أكثر من هذه السبل في البدء.

ولعلّ الآية الكريمة من سورة الرعد، لا تكون بعيدة عن هذا المعنى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}[1] وبهذه الصورة نرى أنّ الله تعالى مكّن الإنسان أن يمارس اختياره وحرّيته في وسط نظام محكم ومتقن من القضاء والقدر في الحياة الاجتماعية وفي الكون. فلا يضرّ الاختيار بحتمية القضاء والقدر، ولا يمس القضاء والقدر من حرّية الإنسان في الاختيار على الإطلاق. وإلى هذا المعنى الدقيق يشير حديث أميرالمؤمنين (ع) مع الشيخ الّذي سأله عن مسيرهم إلى أهل الشام بعد منصرفه من صفّين ـ وقد قدّمنا هذا الحديث في النقطة الأولى من هذه النقاط ـ ففي بدء الحديث يقول له الإمام (ع): «أجل يا شيخ ما علوتم من تلعة ولا هبطتم بطن واد إلاّ بقضاء من الله وقدر» وهذه الفقرة واضحة أنّهم في خروجهم إلى صفّين ومحاربتهم لمعاوية وعودتهم إلى الكوفة، كانوا يتحرّكون في دائرة القضاء والقدر ولم يخرجوا من دائرة القضاء والقدر إطلاقاً.

فلمّا فهم الشيخ من كلام الإمام (ع) إنّ هذه الحتمية (القضاء) كان في مرحلتي المبادئ، والنتائج معاً، وأنّهم لم يملكوا من أمرهم شيئاً في هذه المرحلة الطويلة، فقال: (عند الله أحتسب عنائي يا أميرالمؤمنين) عندئذ وضّح له الإمام (ع) ما اشتبه عليه من الأمر فقال: «أتظنّ قضاءاً حتماً وقدراً لازماً؟! لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي… إنّ الله تعالى كلّف تخييراً ونهى تحذيراً».

إنّ القضاء والقدر لن يكون إلاّ حتماً ومقدّراً بصورة دقيقة، ولكن الّذي يملك الاختيار في المبادئ يملك الاختيار في النتائج بالضرورة. فإنّ النتائج تتبع المبادئ، فإذا مكّن الله الإنسان من المبادئ مكّنه من النتائج أيضاً، وإن احتفظت النتائج بصفتها الحتمية والمقدّرة في ظروفها وشروطها. وهذا هو معنى كلام الإمام (ع) للشيخ السائل «أتظنّ قضاءاً حتماً وقدراً لازماً؟ لو كان كذلك لبطل الثواب».

وتعبير القرآن عن هذا التزاوج الّذي يتمّ بين الاختيار في عمل الإنسان والحتمية في النتائج المترتبة على عمله… تعبير دقيق، يقول تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}[2].

فالعمل الّذي يعمله الإنسان يكسبه لنفسه باختياره وحرّيته، ولكنّه لا يملك التخلّص من النتائج القطعية المترتبة على هذا العمل فيبقى (رهيناً) له.

إذن الإنسان وإن كان يعيش في وسط نظام محكم متقن، ولكن بإمكانه أن يتحوّل من قضاء إلى قضاء، ومن قدر إلى قدر.

روى الأصبغ بن نباتة أنّ أميرالمؤمنين (ع) عدل من حائط مائل إلى حائط آخر، فقيل له: يا أميرالمؤمنين أتفرّ من قضاء الله؟

قال (ع): «أفرّ من قضاء الله إلى قدر الله عزّوجلّ»[3].

وروى الصدوق بإسناده عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا (ع) عن أبيه عن آبائه (ع) عن علي بن أبي طالب (ع) قال:

>قال رسول الله (ص): في كل قضاء الله خيرة للمؤمنين»[4].

وروى الصدوق (قده) في الاعتقادات: انّه سئل الصادق (ع) عن الرُّقى هل تدفع من القدر شيئاً؟ فقال (ع): «هي من القدر»[5].

وروي عن رسول الله (ص) أنّه سُئل هل يغني الدواء والرُقية من القدر؟ فقال لمن سأله: «الدواء والرُقية من قدر الله»[6].

الله أرحم من أن يعذّب خلقه على ما أكرههم عليه:

ولمّا كانت هذه النقطة بالذات محور الصراع والخلاف الفكري مع الأشاعرة الّذين كانوا يذهبون إلى حتمية السلوك لدى الإنسان، ويسلبون منه الإرادة والاختيار فقد ورد التأكيد عليه كثيراً في نصوص أهل البيت (ع)، كما ورد التأكيد كثيراً في النقطة المقابلة لها، وهي رفض استقلال الإنسان ورفض التفويض الّذي كانت المعتزلة تذهب إليه، وهي النقطة الثالثة من هذه المجموعة من النقاط.

روى الكليني في الكافي، والصدوق في التوحيد عن يونس بن عبد الرحمن عن غير واحد عن أبي جعفر وأبي عبد الله‘ قالا:

«إنّ الله أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثمّ يعذّبهم عليها، والله أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون»[7].

وروى الكليني (قده) عن الحسين بن علي الوشّاء، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (ع) قال: «من زعم أنّ الله يأمر بالفحشاء فقد كذب على الله، ومن زعم أنّ الخير والشرّ إليه فقد كذب على الله»[8]. والنقطة الأولى إشارة إلى الاتّجاه الجبري الّذي كان يتبنّاه الأشاعرة حيث ينسبون ما يأتي من الإنسان من المعاصي إلى الله تعالى مباشرة. والنقطة الثانية إشارة إلى ما يتبنّاه المفوّضة من نسبة قضاء الخير وقضاء الشرّ إلى الإنسان مباشرة، واستقلال الإنسان في الخير والشر.

فإنّ من يقول بهذا القول يكذّب الله تعالى، كما يكذّبه من يزعم أنّ الله يأمر بالفحشاء.

والنصوص عن أهل البيت (ع) كثيرة بهذا الصدد.


أقرأ ايضاً:

الهوامش والمصادر

  • [1] ـ الرعد: 11.
  • [2] ـ المدّثر: 38.
  • [3] ـ التوحيد للصدوق: 369 ح8.
  • [4] ـ التوحيد: للصدوق 371 ح11.
  • [5] ـ الاعتقادات للصدوق: 35، ط.2 دار المفيد، بيروت 1993، والتوحيد: 382 ح29.
  • [6] ـ المختار في الجبر والاختيار، للسيد محمد علي الصادقي: 123.
  • [7] ـ اُصول الكافي 1: 121 ح9، باب الجبر والقدر ـ كتاب التوحيد، المكتبة الإسلامية 1388 هـ.
  • [8] ـ اُصول الكافي: 1: 120/2، باب الجبر والقدر ـ كتاب التوحيد، المكتبة الإسلامية 1388 هـ.
بواسطة
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى