أهل البيت (ع) في موقع الدفاع عن التوحيد و العدل – تتّم المعاصي من الناس بقضاء الله وقدره ولا يعصى مغلوبا

وإذا كان كلّما يجري في هذا الكون وفي حياة الإنسان يجري بقضاء وقدر. وإذا كان ما يجري من القضاء والقدر بإرادة الله ومشيئته، فلا محالة تجري أفعال الإنسان جميعاً من خير وشرّ، وطاعة ومعصية بإذنه وإرادته، ولا يمكن أن يقع من الإنسان عصيان أو ذنب خارج دائرة سلطانه وقضاءه وقدره وإذنه. يقول تعالى:

{وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ}[1].

{وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا فَعَلُوهُ}[2].

{وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ}[3].

{وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ}[4].

فإذا عصى الإنسان ربّه عزّوجلّ فإنّما يعصيه بما آتاه من سلطان وحول وقوة، ولو أنّ الله تعالى سلب عنه حوله وقوّته لم يتمكّن من معصية الله، وهي حقيقة يقرّها القرآن ولابدّ من الاعتراف بها، رغم مناقشات المعتزلة الطويلة حول هذا الموضوع.

روى الكليني (قده) عن حمزة بن حمران قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الاستطاعة فلم يجبني، فدخلت عليه دخلة أُخرى… فقلت: أصلحك الله، إنّي أقول: إنّ الله تبارك وتعالى لم يكلّف العباد ما لا يستطيعون، ولم يكلّفهم إلاّ ما يطيقون، وإنّهم لا يصنعون شيئاً من ذلك إلاّ بإرادة الله ومشيئته وقضائه وقدره.

قال: فقال (ع): «هذا دين الله الذي أنا عليه وآبائي»[5].

وروى علي بن إبراهيم الهاشمي قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر (ع) يقول: «لا يكون شيء إلاّ ما شاء الله، وأراد وقدّر وقضى»[6].

وروى الصدوق في التوحيد باسناده عن علي بن يقطين عن أبي إبراهيم (ع) قال: «مرّ أميرالمؤمنين (ع) على جماعة بالكوفة وهم يختصمون في القدر، فقال لمتكلّمهم: أبالله تستطيع أم مع الله، أم من دون الله تستطيع؟ فلم يدر ما يردَّ عليه، فقال له أميرالمؤمنين (ع):

إنّك إن زعمت أنّك بالله تستطيع فليس لك من الأمر شيء، وإن زعمت أنّك مع الله تستطيع، فقد زعمت أنّك شريك معه في ملكه، وإن زعمت أنّك من دون الله تستطيع فقد ادّعيت الربوبية من دون الله عزّوجلّ»[7].

وروى الكليني، عن علي بن الحكم، وعبد الله بن يزيد جميعاً، عن رجل من أهل البصرة، قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الاستطاعة، فقال (ع):

«أتستطيع أن تعمل ما لم يكوّن، قال: لا، قال (ع):

فتستطيع أن تنتهي عمّا قد كوّن؟، قال: لا، قال: فقال له أبو عبدالله (ع):

فمتى أنت مستطيع؟ قال: لا أدري، قال أبو عبد الله (ع):

إنّ الله خلق خلقاً فجعل فيهم آلة الاستطاعة ثمّ لم يفوّض إليهم، فهم مستطيعون للفعل وقت الفعل مع الفعل إذا فعلوا ذلك الفعل، فإذا لم يفعلوه في ملكه لم يكونوا مستطيعين أن يفعلوا فعلا لم يفعلوه، لأن الله عزّوجلّ أعزَّ من أن يضادّه في ملكه أحد، قال البصري: فالناس مجبورون؟ قال (ع):

لو كانوا مجبورين كانوا معذورين، قال: ففوّض إليهم؟

قال (ع): لا، قال: فما هم؟ قال (ع):

عَلِمَ منهم فعلا فجعل فيهم آلة الفعل، فإذا فعلوا كانوا مع الفعل مستطيعين. قال البصري:

أشهد أنّه الحقّ وأنّكم أهل بيت النبوّة والرسالة<[8].

روى الكليني (قده) بإِسناده، عن صالح النيلي قال: سألت أبا عبد الله (ع): هل للعباد من الاستطاعة شيء؟ قال: فقال لي (ع):

«إذا فعلوا الفعل كانوا مستطيعين بالاستطاعة الّتي جعلها الله فيهم. قال: قلت: وما هي؟ قال (ع):

الآلة، مثل الزاني إذا زنى كان مستطيعاً للزناً حين زنى، ولو أنّه ترك الزنا ولم يزن كان مستطيعاً لتركه إذا ترك ـ قال: ثمّ قال ـ ليس له من الاستطاعة قبل الفعل قليل ولا كثير، ولكن مع الفعل والترك كان مستطيعاً. قلت: فعلى ماذا يعذّبه؟ قال (ع):

بالحجّة البالغة والآلة التي ركّب فيهم، إنّ الله لم يجبر أحداً على معصيته، ولا أراد ـ إرادة حتم ـ الكفر من أحد، ولكن حين كفر كان في إرادة الله أن يكفر، وهم في إرادة الله وفي علمه أن لا يصيروا إلى شيء من الخير، قلت: أراد منهم أن يكفروا؟ قال (ع):

ليس هكذا أقول، ولكنّي أقول: علم أنّهم سيكفرون، فأراد الكفر لعلمه فيهم وليست هي إرادة حتم إنّما هي إرادة اختيار»[9].

وروى الصدوق عن حفص بن قرط عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال: «قال رسول الله (ص): من زعم أنّ الله يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله، ومن زعم أن الخير والشرَّ بغير مشيئة الله فقد أخرج الله من سلطانه، ومن زعم أنّ المعاصي بغير قوّة فقد كذب على الله، ومن كذب على الله أدخله الله النار»[10].

روي في الصحيح من طريق الصدوق (قده) في التوحيد والعيون أنّه قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا سعد بن عبد الله قال: حدّثنا أحمد بن محمّد ابن خالد البرقي عن أبيه عن سليمان بن جعفر الجعفري عن أبي الحسن الرضا (ع) قال: ذكر عنده الجبر والتفويض فقال:

«ألا أعطيكم في هذا أصلا لا تختلفون فيه ولا تخاصمون عليه أحد إلاّ كسرتموه؟ قلنا: إن رأيت ذلك. فقال (ع):

إنّ الله عزّوجلّ لم يُطَعْ بإكراه، ولم يُعصَ بغلبة، ولم يهمل العباد في ملكه، هو المالك لما ملكهم، والقادر على ما أقدرهم عليه، فإنّ ائتمر العباد بطاعته لم يكن الله عنها صاداً ولا منها مانعاً، وإن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل، وإن لم يحل وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه. ثمّ قال (ع):

من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه»[11].

وروى الكليني عن إسماعيل بن جابر قال: كان في مسجد المدينة رجل يتكلّم في القدر والناس مجتمعون، قال فقلت: يا هذا أسألك؟ قال: سل، قلت: يكون في ملك الله تبارك وتعالى مالا يريد؟ قال: فأطرق طويلا ثمّ رفع رأسه إليّ فقال: يا هذا لئن قلت: إنّه يكون في ملكه مالا يريد، إنّه لمقهور، ولئن قلت: لا يكون في ملكه إلاّ ما يريد أقررت لك بالمعاصي، قال: فقلت لأبي عبد الله (ع): سألت هذا القدري فكان من جوابه كذا وكذا، فقال (ع): «لنفسه نظر أما لو قال غير ما قال لهلك»[12].

وروى الصدوق في التوحيد بإسناده عن عليّ بن موسى الرضا (ع) قال:

«حدّثنا أبي عن آبائه عن الحسين بن علي (ع) قال: سمعت أبي عليّ بن أبي طالب (ع) يقول: الأعمال على ثلاثة أحوال:

1ـ فرائض. 2ـ وفضائل (نوافل). 3ـ ومعاصي.

فأمّا الفرائض: فبأمر الله عزّوجلّ وبرضا الله وبقضاء الله وتقديره ومشيّته وعلمه.

وأمّا الفضائل: ـ النوافل ـ فليست بأمر الله، ولكن برضاء الله وبقضاء الله وبقدر الله وبمشيّته وبعلمه.

وأمّا المعاصي: فليست بأمر الله، ولكن بقضاء الله وبقدر الله وبمشيّته وبعلمه، ثمّ يعاقب عليها»[13].

وهذا النصّ واضح في أنّ ما يجري من الإنسان من المعاصي والذنوب هي بقضاء الله وقدره وعلمه، وليست بأمر الله.


أقرأ ايضاً:

الهوامش والمصادر

  • [1] ـ البقرة: 102.
  • [2] ـ الأنعام: 137.
  • [3] ـ البقرة: 253.
  • [4] ـ البقرة: 20.
  • [5] ـ اُصول الكافي1: 4 ح124 باب الاستطاعة ـ كتاب التوحيد. والتوحيد، للصدوق: 346 ح3.
  • [6] ـ اُصول الكافي: 1: 150/ باب المشيئة والإرادة ـ كتاب التوحيد.
  • [7] ـ اُصول الكافي: 1: 161 ـ 162 ح2 باب الاستطاعة ـ كتاب التوحيد، ط. دار الأضواء ـ بيروت. التوحيد، للصدوق: 352 ح23 ط. 1398 هـ. وبحار الأنوار 5: 39 ح61.
  • [8] ـ اُصول الكافي 1: 123 ح2، ط. 1388 هـ.
  • [9] ـ اُصول الكافي 1: 123 ح3 باب الاستطاعة ـ كتاب التوحيد، ط. 1388 هـ.
  • [10] ـ الكافي 1: 158 ح6 باب الجبر والقدر ـ كتاب التوحيد. التوحيد للصدوق: 359 ح2. وبحار الأنوار 5: 52 ح58.
  • [11] ـ التوحيد للصدوق: 361 ح7. وبحار الأنوار 5: 16 ح22.
  • [12] ـ الكافي 1: 159 ح7 باب الجبر والقدر، كتاب التوحيد.
  • [13] ـ التوحيد للصدوق: 369 ح9. وبحار الأنوار 5: 29 ح36.
بواسطة
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى