الحتمية التاريخية – موقف القرآن من الحتمية و استقلال الإنسان

ونحاول الآن أن نعرف موقف القرآن من مسألة الحتمية.

إنّ قراءة أولية للقرآن تظهرنا على نقطتين هامتين وهما:

ـ إنّ القرآن ينفي مبدأ الحتمية بالطريقة التي يطرحها الأشاعرة.

ـ وينفي مبدأ التفويض بالطريقة التي يقررها المعتزلة.

في النقطة الأولى يقرر مبدأ حرية الإرادة بشكل واضح، ويقرر في النقطة الثانية مبدأ عدم استقلال الفرد في الإرادة واتخاذ القرار بشكل واضح أيضاً.

وهاتان النقطتان لا تتناقضان وإنّما تتكاملان، ومنهما نكتشف مذهباً ثالثاً لا هو بالاتجاه الأوّل ولا الثاني. وإلى هذا المذهب يذهب أهل البيت^ وسوف نوضح ذلك فيما بعد.

والآن ننتقل إلى قراءة هاتين الطائفتين من آيات القرآن.

مبدأ حرية الاختيار في القرآن:

وفيما يلي نُقَدّم من كتاب الله الآيات التي تقرر مبدأ حرية الإِختيار في حياة الإنسان. وهي إضبارة من آيات القرآن الكريم إِخترناها من مجموعة واسعة من الآيات في كتاب الله.

يقرر القرآن أوّلاً: مبدأ التكليف بشكل واضح وصريح، ولا معنى للتكليف من دون الإقرار بمبدأ الاختيار، يقول تعالى:

{وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}[1].

{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}[2].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ}[3].

ويقرر القرآن ثانياً: أنّ الله تعالى لم يكلّف عباده إلاّ بعد أن منحهم العقل والوعي والتمييز، يقول تعالى:

{أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}[4].

{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}[5].

ويقرر القرآن ثالثاً: أنّ الله تعالى لا يكلّف عباده إلاّ بعد أن يتم عليهم الحجة بالبلاغ وإرسال الأنبياء، مبشرين ومنذرين، يقول تعالى:

{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}[6].

{قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا}[7].

{وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ}[8].

ويقرر القرآن رابعاً: أنّ الله تعالى لا يكلّف عباده فيما لا يستطيعون، ولا يكلّفهم إلاّ بقدر وسعهم، يقول تعالى:

{لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}[9].

ولا يصح كلّ هذا التأكيد على (أنّ التكليف من جانب الله لا يكون إلا بعد أن يمنح الله عباده التمييز، وبعد أن يبعث إليهم الأنبياء مبشرين ومنذرين، وفيما يستطيعون فقط)…، لا يصح كلّ ذلك إلاّ إذا كان التكليف يستتبع تقرير مبدأ حرية الاختيار.

وينسب القرآن خامساً: الأعمال التي تصدر عن الإنسان إلى الإنسان

نفسه، وإنّها مما كسبت وجنت يداه، ولا يصح ذلك لولا أنّ الإنسان يختار بنفسه ما يفعل بإرادته، وليس هو موضعاً وظرفاً للفعل الصادر منه، كما يقول القائلون بالجبر، يقول تعالى:

{وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}[10].

{فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ}[11].

{بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[12].

ويقرر القرآن سادساً: مبدأ ارتباط الإنسان بعمله، وعودة العمل إلى الإنسان، خيراً كان أو شراً. واعتبار الجزاء نحو من أنحاء عودة العمل إلى صاحبه، وهو من الجزاء التكويني الذي نظّمه الله تعالى في دورة الكون، ولا يصح ذلك إلاّ عندما يتحمل الإنسان مسؤولية عمله، والمسؤولية دائماً تتبع حرية الاختيار، يقول تعالى:

{قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا}[13].

{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا}[14].

{لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}[15].

ويقرر القرآن سابعاً: مبدأ الجزاء في الدنيا قبل الآخرة. والجزاء دائماً يتبع المسؤولية، والمسؤولية تتبع حرية الاختيار، يقول تعالى:

{وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}[16].

{فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ}[17].

{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}[18].

ويقرر القرآن ثامناً: مبدأ الجزاء في الآخرة في الصالحات والسيئات وقد ذكرنا آنفاً أن الجزاء لا ينفك عن الاختيار ولا يصح الجزاء إلاّ في حالة الاختيار، يقول تعالى:

{وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ}[19].

ويقرر القرآن تاسعاً: أنّ الله تعالى يجزي كلّ واحد بفعله، ولا يعاقب أحداً بسيئة غيره، يقول تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ}[20].

ويقرر القرآن عاشراً: ندامة الإنسان يوم القيامة على ما فرط منه من سيئات الأعمال في الدنيا. والندامة من آثار وأمارات الاختيار، ولا ندامة على ما ليس للإنسان فيه اختيار، يقول تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}[21].

{وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}[22].

والحادي عشر يقرر القرآن: أنّ عمل الإنسان هو الذي يقرر مصير الإنسان فيفلحه أو يخيبه، يقول تعالى:

{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}[23].

والثاني عشر: أنّ التغيير الذي يحدثه الله تعالى في حياة الناس والأُمم من إغناء وإثراء، أو إهلاك، أو استدراج، أو عذاب، أو مكر إنّما هو نتيجة أعمالهم. وليس يصح ذلك إلاّ إذا كان الإنسان يتمتع بكامل حريته، يقول تعالى:

{إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}[24].

{ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ}[25].

والثالث عشر: أنّ الله تعالى يعطي عباده من الدنيا والآخرة بعض أو كلّما يطلبون بأعمالهم كما يريد سبحانه. وإذا كان العطاء من الله تعالى وبإرادته ومشيئته فإنّ الطلب من الإنسان لا معنى له إلاّ إذا كان الإنسان حراً مختاراً فيما يطلب، يقول تعالى:

{مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا * كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا}[26].

والرابع عشر: إنّ الله تعالى لا يظلم عباده وإنّما الناس هم الذين يظلمون أنفسهم، والآيات التي تشير إلى هذه الحقيقة تقرب من ثمانين آية في كتاب الله. وهذه الآيات جميعاً تقرر بوضوح مبدأ الاختيار في الإنسان. فإنّ معاقبة العبد بأشد العقاب والعذاب على شيء لا إرادة له فيه، من الظلم الذي يتنزّه عنه سبحانه وتعالى، يقول تعالى:

{وَمَا رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِّلْعَبِيدِ}[27].

{فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}[28].

{وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}[29].

{وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}[30].

{وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ}[31].

{وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}[32].

{وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ}[33].

والخامس عشر، والسادس عشر… إلى غير ذلك من النقاط.

نفي التفويض واستقلال الإنسان في القرآن:

كما ينفي القرآن بشكل قاطع الحتمية في سلوك الإنسان الفردي والاجتماعي، كذلك ينفي بشكل قطعي أيضاً إِستقلال الإنسان في سلوكه عن الله، وتفويض أموره وحركته إليه من جانب الله تعالى كما يقول المفوّضة من المعتزلة، وفيما يلي نستعرض من كتاب الله تسع طوائف من آيات القرآن تنفي بشكل واضح مبدأ التفويض واستقلال الإنسان في أفعاله من الله تعالى. وإليك الطوائف التسع من كتاب الله:

الطائفة الأولى: الآيات التي تقرر حاجة الإنسان وفقره الدائم إلى الله تعالى. كقوله تعالى:

1ـ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}[34].

الطائفة الثانية: الآيات التي تقرر سلطان الله تعالى المطلق على الإنسان من دون قيد أو استثناء. كقوله تعالى:

2ـ {وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[35].

3ـ {وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ}[36].

4ـ {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[37].

5ـ {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ}[38].

6ـ {وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ}[39].

7ـ {وَلَوْ نَشَاء لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ}[40].

الطائفة الثالثة: الآيات التي تقرر بأنّ الإيمان لا يتم ولا يتحقق في حياة الناس إلاّ بإذن الله ومشيئته نحو قوله تعالى:

8 ـ {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ}[41].

الطائفة الرابعة: تعليق الإضرار بإذن الله فيما علَّم الشياطين الناس من السحر ممّا أُنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وغيره، وكانوا بهذا السحر يفرّقون بين المرء وزوجه ويضرّون الناس. إلاّ أنّ القرآن يقرر أنّهم لم يكونوا قادرين على إضرار أحد بهذا السحر إلاّ بإذن الله. يقول تعالى:

9ـ {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ}[42].

الطائفة الخامسة: الآيات التي تدل على أنّ الله تعالى قادر على أن يحول بينهم وبين ما يفعلون. يقول تعالى:

10ـ {وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا فَعَلُوهُ}[43].

11ـ {وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}[44].

الطائفة السادسة: الآيات التي تدل على أنّ النصر والهزيمة بإذن الله.

12ـ {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ}[45].

13ـ {فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ}[46].

الطائفة السابعة: الآيات التي تدل على أنّ مشيئة الإنسان بمشيئة الله، فلا يشاء الإنسان إلاّ بمشيئة الله. يقول تعالى:

14ـ {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاّ أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}[47].

15ـ {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}[48].

الطائفة الثامنة: الأمر بتعليق إرادتنا ومشيئتنا وأعمالنا على مشيئة الله تعالى. يقول سبحانه:

16ـ {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاّ أَن يَشَاء اللَّهُ}[49].

الطائفة التاسعة: تعليق الأعمال والخصال والأحوال جميعاً على مشيئة الله تعالى. يقول سبحانه:

17ـ {سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ}[50].

18ـ {سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}[51].

19ـ {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ}[52].

هذه تسع طوائف من آيات كتاب الله تدل على نفي التفويض واستقلال الإنسان في أفعاله وإرادته، وهي واضحة وصريحة في ذلك كما كانت المجموعة الأولى من الآيات واضحة في نفي الحتمية والجبر في سلوك الفرد.

فإن الناس في كل شؤونهم فقراء إلى الله، ومن يكون فقيراً في كل شأن من شؤونه وفي كل حال من أحواله كيف يستقل عن الله تعالى في فعاله أو خصاله، وهو خاضع لسلطان الله تعالى، إن شاء أخذه، وإن شاء مسخه، وإن شاء ذهب بسمعه وبصره، وإن شاء طمس على عينيه، ولا يملك الإنسان من دونه تعالى لنفسه ضراً ولا نفعاً، فكيف يتأتّى له أن يستقل عن الله مع هذا السلطان الإلهي الواسع على حياته وأعماله وجوارحه وجوانحه؟!

فلا يؤمن أحدٌ إلاّ بإذن الله…

ولا يضر أحدٌ أحداً إلاّ بإذن الله…

و لا يقاتل أحدٌ أحداً إلاّ بإذن الله…

ولا ينتصر المنتصر إلاّ بإذن الله…

ولا يهزم أحدٌ أحداً إلاّ بإذن الله…

بل ولا يشاء أحدٌ شيئاً إلاّ بمشيئة الله…

ولا يصح منّا أن نعزم على شيء إلاّ بمشيئة الله وإذنه، ولا يصبر الصابرون، ولا يفلح المفلحون، ولا يصلح الصالحون إلاّ بإذن الله بصريح القرآن ومحكمه.

ومع هذا التأكيد العجيب في القرآن على ارتباط الإنسان بالله تعالى في كل شيء، وفي كل حال، فكيف يصح دعوى إِستقلال الإنسان عن الله؟ ودعوى تفويض الأمر إلى الإِنسان؟ والقول بأنّ الله تعالى خلق الإنسان كما شاء، ومنحه من المواهب، ثمّ أوكل أمره إليه، وفوّض إليه أموره بشكل مطلق؟

إنّ من يقرأ ما تقدّم من آيات القرآن الكريم يقطع بأنّ القرآن لا يقرّ هذه الاستقلالية والتفويض، كما يقول المعتزلة من المسلمين.


أقرأ ايضاً:

الهوامش والمصادر

  • [1] ـ آل عمران: 97.
  • [2] ـ البقرة: 183.
  • [3] ـ الجمعة: 9.
  • [4] ـ البلد: 8ـ10.
  • [5] ـ الإنسان: 3.
  • [6] ـ الإسراء: 15.
  • [7] ـ الأنعام: 104.
  • [8] ـ القصص: 59.
  • [9] ـ البقرة: 286.
  • [10] ـ الشورى: 30.
  • [11] ـ البقرة: 79.
  • [12] ـ البقرة: 81.
  • [13] ـ الأنعام: 104.
  • [14] ـ يونس: 108.
  • [15] ـ البقرة: 286.
  • [16] ـ النحل: 112.
  • [17] ـ البقرة: 59.
  • [18] ـ الروم: 41.
  • [19] ـ الزمر: 70.
  • [20] ـ الأنعام: 164.
  • [21] ـ الحجرات: 6.
  • [22] ـ يونس: 54.
  • [23] ـ الشمس: 7 ـ 10.
  • [24] ـ الرعد: 11.
  • [25] ـ الأنفال: 53.
  • [26] ـ الإسراء: 18 ـ 20.
  • [27] ـ فصلت: 46.
  • [28] ـ التوبة: 70.
  • [29] ـ الأنعام: 160
  • [30] ـ النحل: 111.
  • [31] ـ هود: 101.
  • [32] ـ النحل:118
  • [33] ـ الزخرف: 76.
  • [34] ـ فاطر: 15.
  • [35] ـ البقرة: 20.
  • [36] ـ الأنعام: 17.
  • [37] ـ فاطر: 2.
  • [38] ـ يونس: 49.
  • [39] ـ يس: 66.
  • [40] ـ يس: 67.
  • [41] ـ يونس: 100.
  • [42] ـ البقرة: 12.
  • [43] ـ الأنعام: 17.
  • [44] ـ البقرة: 253.
  • [45] ـ البقرة: 249.
  • [46] ـ البقرة: 251.
  • [47] ـ الإنسان: 30.
  • [48] ـ التكوير: 29.
  • [49] ـ الكهف: 23 ـ 24.
  • [50] ـ القصص: 27.
  • [51] ـ الصافات: 102.
  • [52] ـ الفتح: 27
بواسطة
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى