مع العبد الصالح ذي النون (ع) في رحلة العودة إلى الله – إِني كنت من الظالمين

وهذا هو الشوط الثالث من رحلة ذي النون إلى الله.

في هذا النصّ يعترف العبد الصّالح يونس (ع) بالظلم{إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}، وليس في النص استغفار، والإعتراف بالذنب يستبطن الاستغفار، عن الإمام علي (ع) «الندم استغفار، والإقرار اعتذار»، وعن الإمام محمد بن علي الباقر (ع) «المقر بالذنب تائب»[1].

و«الإعتراف» بحد ذاته من منازل رحمة الله، وهنا، في هذا النص، يضع العبد الصّالح يونس (ع) نفسه في موضع رحمة الله; حيث يعترف بالظلم بين يديه تعالى، فيستنزل بذلك رحمته عز شأنه.

ولابد لهذا الإجمال من تفصيل:

الأحوال

للإنسان مع الله تعالى علاقة ما وراء «الأعمال» و«الأقوال» وهذه العلاقة هي علاقة «الأحوال»، وهي الحالات النفسيّة الّتي توجّه الإنسان إلى الأفعال والأقوال.

الأحوال منازل رحمة الله

والأحوال منازل رحمة الله، فإن رحمة الله تعالى تنزل على «أحوال» الإنسان من خشوع، واضطرار، وإقبال، وخوف، وحبّ، وشوق…

والعلاقة بين «الحال» و«رحمة الله تعالى» هي علاقة السّببية والعِلِّية[2].

فإذا رقَّ القلب نزلت رحمة الله على العبد، كما ينحدر الماء إلى الأرض الواطئة، وكما تجتذب التربة الهشّة الماء… كذلك القلب الَّذي يرقّ يجتذب رحمة الله بالقانون نفسه، إلاّ أن العلاقة بين الأرض الواطئة وانحدار الماء علاقة مادية محسوسة ويستنزله وفق قانون الجاذبيّة، والعلاقة بين رقّة القلب ونزول رحمة الله علاقة غير مادية وغير محسوسة، ما وراء الفيزياء.

إلاّ أنَّ العلاقة بين رقّة القلب ونزول رحمة الله تبقى هي من نوع العلاقة السّببية.

قيمة العبادات في الأحوال

قيمة العبادات في الأحوال:

ومن دون أن ننتقص من قيمة الأفعال والأقوال في العبادات، في الجزاء والأجر، نقول إن الأحوال هي الأساس في تقييم الأفعال والأقوال. وقيمة الفعل والقول في العبادات تُقدَّر بمقدار ما يحمل كل منهما من الحال. وكلّما كان حظّ الفعل والقول في العبادات من «الحال» أكثر كانت تلك العبادة أقرب إلى مرضاة الله، وأجزل ثواباً عنده.

فثواب الصّلاة وقيمتها، عند الله، بقدر ما يستحضر المُصَلِّي ذُلّ الوقوف بين يدي الله، وبقدر ما يخشع في صلاته له، وكلما كان حظّ العبد في الصّلاة من الخشوع والذل بين يدي الله والذكر أكثر كانت صلاته أقرب إلى الله وأبلغ في استنزال رحمته وأجزل ثواباً عنده.

وقيمة التوبة في العزم على العودة إلى الله، والكف عن معصية الله، والإستحياء منه، والندم. وليست التوبة في حقيقتها إلاّ هذا العزم، والاستحياء، منه والندم. وهي حالات يحبها الله تعالى لعبده، تستنزل رحمته، وقيمة التوبة عند الله تقدَّر بها.

روي عن أميرالمؤمنين الإمام علي (ع): «إن التوبة ندم بالقلب، واستغفارٌ باللسانِ، وتركُ الجوارح، وإضمارٌ أن لا يعودَ».[3]

وعن أمير المؤمنين علي (ع): «الاستغفار درجة العليين، وهو إسم واقع على ستة معان: أولها: الندم على ما مضى. والثاني: العزم على ترك العود إليه أبداً. والثالث: أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم. والرابع: أن تعمد إلى كل فريضة ضيّعتها فتؤدي حقها. والخامس: أن تعمد إلى اللحم الَّذي نبت على السُّحْتِ فتذيبه بالأحزان، حتى تلصق الجلد بالعظم. والسّادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية. فعند ذلك تقول… استغفر الله[4].

وقيمة الدعاء: في حالتي الفقر والاضطرار إلى الله وليس شي يُشْعر الإنسان بفقره واضطراره إلى الله كالدعاء، كما أن الدعاء ينبع من الإحساس بهما، وهما يستنزلان رحمة الله، ومن أقصر السبل إلى رحمة الله.

وآية سورة النمل{أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ}[5] إشارة إلى ذلك، فإن حالة «الإضطرار» إلى الله هي الّتي تستنزل «الإستجابة» من عنده، إذا وعى العبد اضطراره وفقره إلى الله.

وقيمة الاستعاذة في اللجوء إلى الله، واللوذ به، ومن دونهما تفرغ الاستعاذة من كل محتواها، ولا يبقى منها إلاّ اللفظ.

وقيمة الذكر في التذكر (الذُّكر)، ولولا إنّ الذكر يذّكر الإنسان بالله لا تبقى قيمة له.

وقيمة الزّكاة في حالة «الإنفاق مما يحبّه الإنسان» يقول تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}[6].

وفي حالة إيثار الإنسان لغيره على نفسه، مع وجود الحاجة والخصاصة، يقول تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}[7].

وفي حالة «الإنفاق حُباً لله»، يقول تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}[8].

هذه حالات يحبها الله تعالى لعبده، وهي الّتي تستنزل رحمته، وفيها قيمة الزّكاة والإنفاق.

وقيمة الصّوم في «الكف» و«الجوع» والكف سبب والجوع نتيجة.

وقيمة التقوى، في الطاعة والتسليم والعبودية لله.

وقيمة العبادات على نحو العموم في ابتغاء وجه الله في الذكر.

وقيمة الإبتلاءات الّتي يبتلي الله تعالى بها عباده في الصّبر والتضرع، فإن ابتلاء الله يتطلب من الإنسان الصّبر. والصّبر حالة يحبها الله تعالى لعباده يقول ـ تقدس أسماؤه ـ: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}[9].

وفي الإبتلاء يتضرع الإنسان إلى الله تعالى.

يقول: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ}[10].

والتضرع إلى الله حالة يحبها الله تعالى وتستنزل رحمته وفضله.

وعلى العموم: قيمة العبادات في ما تتضمنه وما تستنبطه من «الحال».

وهذه الأحوال هي منازل رحمة الله.

العلاقة التبادلية بين العبادات والأحوال

العلاقة التبادلية بين العبادات والأحوال

والعلاقة بين العبادات والأحوال علاقة تبادلية (جدليّة)، وهي علاقة معروفة ورائجة في الثقافة الإسلامية، فإنّ الدعاء يحسّس الإنسان بفقره وحاجته واضطراره إلى الله، من جانب، ويلجئه هذا الإحساس، من جانب آخر، إلى الدعاء.

اقتران الحال بالوعي

والأحوال تقترن، عادة وغالباً، بالوعي، فالحاجة والفقر والإضطرار إلى الله لن يكون أي منهما في حد نفسه، حالا إلاّ عندما يعي الإنسان فقره فأِنّ الإنسان لا يخلو من الحاجة والفقر والاضطرار إلى الله، ولا يختلف الناس في الفقر والاضطرار إلى الله، وإنما يختلفون في وعي الفقر والاضطرار وفي درجات هذا الوعي.

فكلما كان الإنسان أكثر وعياً لحاجته وفقره واضطراره إلى الله يكون أقرب إلى رحمة الله، وتكون الرحمة الإلهية أسرع إليه.

وليس معنى ذلك إن الرحمة الإلهية لا تنزل إلاّ على موضع الوعي، فإنها تنزل على مواضع الفقر والحاجة والاضطرار من دون وعي، ومن دون سؤال، بل من دون معرفة الله تعالى، ايضاً.

وقد ورد في دعاء شهر رجب: «يا منْ يعطي منْ سألهُ، يا منْ يعطي من لم يسألهُ، ومنْ لمْ يعرفهُ تحنناً منهُ».

ولكن شتّان بين نزول الرحمة المقترن بالوعي ونزولها على الحاجة غير المقترنة بالوعي، وارتكاب المعصية ليس من منازل رحمة الله بل من موجبات مقت الله وغضبه، ولكن الإعتراف بالذنب من منازل رحمة الله كما ذكرنا.

و«الإعتراف بالذنب» هو وعي قبح عمل الإنسان في معصية الله تعالى. وهذا الوعي هو مصدر الإحساس بـ «الندم من الفعل» و«الخجل من الله»، وبقدر وعي الإنسان لقبح فعله في معصية الله تعالى يكون إحساسه بالندم من فعله وبالخجل من الله تعالى.

و «الندم» و«الخجل» من منازل رحمة الله. وحقارة الإنسان وصغاره تجاه الله تعالى ليس في حد نفسه حالا، ولا من منازل رحمة الله، ولكن إحساس الإنسان بالحقارة والدونية والصّغار تجاه الله تعالى، وبين يدي الله من منازل رحمة الله.

فإذا أحسّ الإنسان بهذه الحقارة والضّعة والدونية ذلّ بين يدي الله،وتواضع له تعالى.

وهذا الذل والتواضع من منازل رحمة الله، ولا يختلف الناس في الحقارة والضّعة والدونية تجاه الله تعالى، وإنما يختلف الناس في وعي هذه الحقارة والدونية، وفي درجات هذا الوعي.

ويستنزل الناس من رحمة الله بقدر وعيهم لضعتهم وحقارتهم بين يديه. والتمتع بنعم الله تعالى لا يستنزل رحمة الله تعالى، ولكن يستنزلها وعي الإنسان لنعم الله، وعلى قدر الوعي يشكر الإنسان ربه سبحانه، وعلى قدر هذا الشّكر ينزل الله تعالى رحمته على عبده.

يقول تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}.

وهكذا يقترِن سائر الأحوال بـ (الوعي) فالحبُّ وعي، والإيثار وعي، والشّوق وعي، والأنس بالله وعي، والصّبر وعي، والتضرع وعي.

كسب الحال والمحافظة عليها

وهذه الأحوال كثيرة كالذكر والعبودية، والطاعة، والتسليم، والرضا، والتواضع لله، والمسكنة، والتذلّل، والشّكر والفقر، والتضرع، والإجابة (التلبية)، والحب، والشّوق، والأنس، والثقة، والتوكل وغير ذلك.

وهذه الحالات هي منازل رحمة الله تعالى في حياة الإنسان. وعلى الإنسان أن: يكسب هذه الحالات أولا. ويحافظ عليها ثانياً. وينمِّيها ثالثاً. ويستثمرها رابعاً، ولكل ذلك أصول ومناهج وقانون في منهج التربية والتزكية في الإسلام. وإذا عرفنا أن هذه الحالات منازل رحمة الله تعالى في حياة الإنسان نعرف أنَّه لا ينال الإنسان من رحمة الله إلاّ بقدر ما يكسب من هذه الأحوال.

إذَنْ من الضّروري أن يعرف الإنسان كيف يكسب هذه الأحوال، ومن رَزَقَهُ الله (الحال) فقد أعطاه كل شيء، ومن حُرِمَ منها لم ينفعه شيء.

وما أجمل تعبير الشّاعر الحكيم الرومي، وترجمته:

                        ـ لا تطلب الماء،                               ولكن اطلب الظّمأ

                        ـ حتّى يتفجر الماء،                          من كل جوانبك

فإن من رزقه الله الظّمأ وهي حالة الاضطرار إلى الله والإنقطاع إلى الله في طلب الماء، فجَّر الله تعالى الماء من كل جوانبه، كما يقول هذا الحكيم.

ولا تقل قيمة المحافظة على الحال عن كسبها، فقد يكسب الإنسان الحال بمشقة وعناء، ويضيعه ويفرّط بها.

فلابد أن يحسّ الإنسان، ثانياً، بضرورة المحافظة على هذه الأحوال.

ولابد، ثالثاً، من أن ينمِّي الإنسان هذه الأحوال… فإن الأحوال لا تركد على حال، فإمّا أن تنمو وتقوى أو تذبل وتضعف.

ولابد، رابعاً، من استثمار هذه الأحوال فأنَّ، هذه الأحوال، كما ذكرنا، منازل رحمة الله، فإذا رزق الله تعالى عبداً من عباده بعض هذه المنازل، كان عليه أن يستثمره سريعاً بالدعاء والإلحاح في الدعاء والذكر والعبادة.

وقد ورد في الحديث عن رسول الله (ص): «اغتنموا الدعاء عند الرقة فإنها رحمة»[11].

وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصّادق (ع) قال: «إذا رقّ أحدكم فليدعُ، فإن القلب لا يرق حتى يخلص»[12].

وعن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصّادق (ع): «إذا اقشعر جلدك، ودمعت عيناك فدونك دونك فقد قصد قصدك»[13].

«إن أقرب ما يكون العبد، من الرب عزّوجلّ وهو ساجد باك»[14].

المُعدات والعوامل الّتي تكسب الإنسان الحال

والعوامل والمعدات الّتي تكسب الإنسان الحال كثيرة، لا يسعنا استعراضها واستيعابها ودراستها في هذا المقال.

ومن هذه المعدات «الزّمان» و«المكان» فإن لهما دوراً في تثبيت الحال وتعميقها.

الزّمان مثل الأسحار: {وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}[15].

{وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ}[16].

وليلة القدر وليلة الجمعة ويوم عرفة وفي شهر رجب تصب رحمة الله صبا، على الأرض وشهر رمضان ربيع الحال.

والمكان مثل وادي عرفة والمساجد{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}[17].

وكان (المسجد الحرام) المكان الَّذي أسرى الله برسوله (ص) إلى المسجد الأقصى ثم إلى السّماء{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}[18] ومن بطن الحوت إلى الله تعالى.

ومجالس عزاء الحسين (ع) من المواضع الّتي تنزل عليها رحمة الله تعالى، فإن هذه المجالس ترقق القلوب، وتعطف النافرة إلى الله عزّوجلّ.

وظروف الإبتلاء والشّدة في حياة الإنسان تعد الإنسان للتضرع إلى الله، والتضرع إلى الله من منازل رحمة الله.

يقول تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ}[19].

والذكر والحمد والاستغفار والصّلاة والسّجود بين يَدَيْ الله، والصّلاة على محمد وآل محمد، تكسب الإنسان الإقبال على الله، وهو حال من منازل الرحمة.

روي، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصّادق (ع): «أن رجلا دخل المسجد، فصلى ركعتين، ثم سأل الله عزّوجلّ، فقال رسول الله (ص) عجل العبد ربه، وجاء آخر، فصلى ركعتين ثم أثنى على الله عزّوجلّ، وصلى على النبيّ، فقال رسول الله (ص): سَلْ تُعْطَ[20].

ومن الأمور الّتي تكسب «حال» الإقبال على الله ورقة القلب.. الإنكسار الظّلامة، فإن الإنسان إذا تعرض للظلم، لم يحجب دعاءه عن الله شيء.

ولا يحجب شيء دعاء المظلوم عن الله تعالى.

عن أميرالمؤمنين عليّ (ع) قال: «اغتنموا الدعاء عند خمسة مواطن: عند قراءة القرآن، وعند الأذان، وعند نزول الغيث، وعند التقاء الصّفين للشهادة، وعند دعوة المظلوم، فإنها ليس لها حجاب دون العرش»[21].

وقد يكون الإنفراد والوحدة من عوامل كسب الحال. كما في صلاة الليل، وقد يكون الإجتماع، كما في صلاة الجمعة والجماعة والحج، ولكل من «الوحدة» و«الإجتماع» تأثير خاص في أحوال الإنسان. فمن الأحوال ما لا يتحقق إلاّ بالإنفراد والوحدة، ومن الأحوال ما لا يتحقق إلاّ بالإجتماع… وطبيعي أنَّا نقصد بالإجتماع الإجتماع الموجّه كاجتماعات المؤمنين ومجالسهم، ومثل الحج وصلاة الجماعة وسائر الاجتماعات الموجهة.

ولكل من «الوحدة» و«الإجتماع» ما يخصه من الحال: فمنها ما لا يمكن تحقيقها إلاّ في جو الإنفراد والوحدة، ومنها ما لا يمكن تحقيقها إلاّ في جو الإجتماع.

ولابد للإنسان في تعامله مع الله من هذا و ذاك معاً.

ولذلك نجد أن منهج التربية والتزكية في الإسلام يوفّر الفرصة «المادية» للإنسان لهذا أو ذاك معاً.

ومن عوامل كسب الحال قراءة «القرآن» و«الصّوم» و«العمل الصّالح»، فإن العمل الصّالح يعدّ الإنسان للإقبال على الله.

ومن عوامل الحال الجهد في سبيل الله، فإن أي جهد يبذله الإنسان في سبيل الله يكسبه حال الإقبال عليه.

وهناك طائفة من العوائق الّتي تعيق الحال وتبطئ ونموِّه.

من هذه العوائق الاستغراق في الحياة الدنيا، حتّى في الحلال منها، والإنشغال بها حتّى في دائرة الحلال.

ومن هذه العوائق: الذنوب والمعاصي، و حبُّ الدنيا، ومنه مصاحبة الفسَّاق.

اعتراف العبد الصّالح بالظلم

اعتراف العبد الصّالح بالظلم

ونعود، مرة أخرى، إلى اعتراف العبد الصّالح ذي النون بالظلم. فإِنّ النص يقتصر على الإعتراف بالظلم، ولا نجد في هذا النص ذكراً للإستغفار بعد الإعتراف، وكأنما الإعتراف يتضمن الإستغفار أو يكفي عنه، ويستنزل بنفسه رحمة الله تعالى على عبده.

و«الإعتراف بالظلم» بين يدي الله ليس من أسباب تعقيد النفس بل الأمر بالعكس فإن الإعتراف بالظلم يَحِلُّ العقد النفسية الّتي تستتبع الذنب.

والذنوب، من دون الإعتراف والندم والخجل تتحوّل إلى صدأ و«دَرَن» في النفوس، وتتحول إلى (طبع) و(ختم) على القلوب وقسوة لها.

فإذا اعترف الإنسان بذنوبه وظلمه بين يدي الله، أزال هذا الإعترافُ الآثارَ السّلبية الّتي تتركها الذنوب في نفس الإنسان، ورَقَّ قلبه، وزالت عنه القسوة والطبع والختم.

فإنّ الذنوب تتحول إلى آثار سلبية ومخربة وعقد في نفس الإنسان إذا تجاهلها صاحبها واستهان بها.

أما إذا اعترف صاحبها بقبح ما ارتكبه من ظلم وذنب، واستشعر هذا القبح واعترف به، تحول الذنب في نفسه إلى حالة من «الندم من فعله» و«الخجل من الله»، فإن الذنوب عندئذ تتحول إلى حسنات. {فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}[22] هذا، ولابد من التنبيه، في نهاية هذه الجولة، من رحلة العودة إلى الله تعالى، مع العبد الصالح يونس «ذي النون» نبي الله (ع): إلى أن «يونس»، ذا النون، نبي معصوم، عصمه الله من كل ذنب ـ من الصغائر والكبائر ـ إلا ما قد يقع من أولياء الله الصالحين وعباده الذين اصطفاهم تعالى لنفسه من «خلاف الأولى» و«خلاف الأجدر»، فيلجأون إلى الله تعالى بالاستغفار والاعتذار.

ونستغفر الله، ونعتذر إلى العبد الصالح نبي الله، ذي النون (ع)، إذا كان في تحليلنا لهذه الآية الكريمة ما يوحي بالمسّ من عصمته وموقعه الذي وضعه الله تعالى فيه.

وسلام الله على ذي النون، ورزقنا اللهُ هديَه، ووعيه، في الدنيا، وشفاعته في الآخرة.


أقرأ ايضاً:

الهوامش والمصادر

  • [1] ـ مستدرك الوسائل 2: 345.
  • [2] ـ وليس معنى ذلك أن نفصل نزول رحمة الله تعالى عن إرادته ومشيئته عزّوجلّ، ولذلك بيان لا يسعه المقام.
  • [3] ـ غُرَرُ الحِكَم ودُرَر الكَلِم، للآمدي 1: 110، الحكمة رقم 2094.
  • [4] ـ شرح نهج البلاغة20: 56.
  • [5] ـ نمل: 62.
  • [6] ـ آل عمران: 92.
  • [7] ـ الحشر: 9.
  • [8] ـ الإنسان: 8.
  • [9] ـ البقرة: 155 ـ 157.
  • [10] ـ الأعراف: 94.
  • [11] ـ بحار الأنوار 93: 313.
  • [12] ـ وسائل الشّيعة 4: 1120، 5: 876.
  • [13] ـ وسائل الشيعة 4: 1141، 2: 8762.
  • [14] ـ وسائل الشّيعة 4: 1122، 8771.
  • [15] ـ الذاريات: 18.
  • [16] ـ آل عمران: 17.
  • [17] ـ الذاريات: 36.
  • [18] ـ الإسراء: 1.
  • [19] ـ الأعراف: 94.
  • [20] ـ وسائل الشّيعة 4: 1126، 786.
  • [21] ـ وسائل الشّيعة 4: 1115، 8742.
  • [22] ـ الفرقان: 70.
بواسطة
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن - الهجرة والولاء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى