أدب العودة إلى الله – حسن الظّن بالله

وهو من متطلبات (العودة إلى الله)، ولا يمكن أن يعود الإنسان إلى الله من غير حسن الظّن بالله، وكل إنسان يأخذ من الله بقدر ما يحسن الظّن بالله.

وفي دعاء الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع) نلتقي ثلاث لوحات لحسن الظن بالله، نستعرضها ونتأمّل فيها:

اللوحة الأُولى:

واليك اللوحة الأُولى في أربع فقرات:

1ـ (إلهي مَنْ الَّذي نَزَلَ بكَ ملتمساً قِراكَ، فما قَربتَه، وَمَنْ الَّذي أناخَ ببابِكَ مُرْتَجياً نِداك فما أولَيتَه؟).

وهذه هي الفقرة الأولى من هذه اللوحة. يقول فيها الإِمام (ع): هل نزل بك أحد من خلقك يلتمس قراك وضيافتك فما قريته؟

والطلب على نحوين: طلب غير المضطر وهو من يعرف لحاجته وجوهاً من العلاج إن لم يستجب المسؤول لطلبه، أو لا تكون حاجته ملحّة، وصاحب هذا الطلب يسأل ويطلب فان لم يستجب المسؤول لطلبه لم يتوقف عند طلبه وسؤاله.

والنحو الآخر من الطلب، طلب المضطر الَّذي لا يجد بدّاً من الطلب ولا يعرف وجهاً لعلاج أمره غير أن يستجيب المسؤول لطلبه فينزل بحاجته عند باب المسؤول، ويقيم ببابه، وان لم يستجب المسؤول لحاجته لا يرحل عنه، وكيف يرحل عنه، وأين يرحل، وهو لا يعرف علاجاً لمشكلته إلاّ أن يستجيب له المسؤول؟

وهذه حالة المضطر، التي ينزل بحاجته ولا يرحل… وهي حالة مألوفة إلى الآن في حاجات الناس بعضهم إلى بعض حيث ينزل السّائل بباب المسؤول، وينيخ ببابه، ولا يرحل إلاّ بحاجته.

والإمام علي بن الحسين (ع) ينزل بحاجته إلى الله نزول المضطر الَّذي لا يجد بدّاً من قضاء حاجته، ولا يعرف لقضائه وجهاً آخر غير أن يستجيب الله لدعائه فيقول:

(إلهي من الَّذي نزل بك ملتمساً قِراكَ فما قَريتَهُ، وَمَنْ الَّذي أناخَ ببابِكَ مُرْتَجياً نِداك فما أولَيتَه؟).

2ـ ثم يقول (ع): «أيَحْسُنُ أنْ أرجعَ من بابِك بالخيبةِ مصْروفاً، ولستُ أعرِفُ سِواك مولىً بالإحسانِ مَوْصوفاً؟

وفي هذه الفقرة يقول الإمام (ع) أيحسن، إلهي، أن ينزل العبد حاجته ببابك ثم تصرفه عن بابك بالخيبة؟

فإذا ألجأت الحاجة والفقر العبد إلى النزول بباب مولاه، فلا يحسن بكرم المولى ورحمته أن يصرف عبده من بابه خائباً.

3ـ (وكيف أرجو غيرَك والخيرُ كلُهُ بيدِك؟) وكيف أُأَمِّلُ سِواكَ والخلقُ والأمرُ لكَ؟ وإلى أيْنَ أرجِعُ من بابِك؟ وإلى أين تصرِفُني عن بابِك؟ والأمرُ، والخيرُ، والسّلطانُ، والغنى، والرحمةُ، والفضلُ كلهُ منْكَ وببابِك؟ ولستُ أعرفُ غيرَ بابِك باباً أطرُقُه، ولا غيرَ رحابك رحاباً أنزُلُه، ولا غيرَ فضلِك فضلا أرجوهُ.

4ـ (أأقطعُ رجائي مِنْكَ وقدْ أوْلَيتَني ما لمْ اسأَلْهُ مِن فضلِكَ؟ أمْ تُفقرني إلى مِثلي وأنا أعتصمُ بحبلك؟ أأقطعُ رجائي مِنْكَ أم تَكِلُني إلى إنسان مِثلي في فَقْرِهِ وحاجتِهِ وقد أوصلتُ حبلي بحبلِك واعتصمتُ بك؟).

اللوحة الثانية:

وأشفع هذه اللوحة بلوحة أخرى من روائع الإمام زين العابدين علي بن الحسين (ع) من حسن الظّن بالله من المناجاة الخامسة من الخمس عشرة. (إلهي إن كانَ قد قلَّ زادي في المسيرِ اليكَ، فلَقدْ حسنَ ظني بالتّوكلِ عليكَ. وإن كان جُرمي قد أخافني من عقوبتكَ، فإن رجائي قد أشعرني بالأمن منْ نقمتِكَ، وان كان ذنبي قدْ عَرَّضني لعقابكَ فقد آذنني حُسْنُ ثقتي بثوابِكَ).

وحسن الظّن بالله، والرجاء في الله بجبران الكسر الحاصل للعبد من ذنوبه وآثامه، ويسدان النقص الحاصل للعبد من قلة الزّاد.

وحسن الظّن بالله، والتوكل عليه يسدّان النقص الَّذي يجده العبد في زاده في المسير الطويل.

(انْ كانَ قدْ قلَّ زادي في المسير إليكَ فلقد حسنَ ظَني بالتّوكُّل عليك).

ورجاء العبد في الله يجبر الكسر الحاصل للعبد من ذنوبه وآثامه (وان كان جرمي قد أخافني من عقوبتك فان رجائي قد أشعرني بالأمن من نقمتك).

وليس فقط يجبر (الرجاء) الكسر الحاصل من الذنوب، وإنما يبدل شعور العبد بالخوف من غضب الله إلى الإحساس بالأمن من نعمته.

اللوحة الثالثة:

وفي دعاء الإمام زين العابدين علي بن الحسين (ع) في أسحار رمضان الَّذي علمه لأبي حمزة الثمالي:

(يا ربِّ هذا مقام من لاذ بكَ، واستجارَ بكرمكَ، وألِفَ إحسانك ونعمكَ، وقد توثقنا منكَ بالصَّفحِ القديم، والفضل العظيم، والرحمة الواسعة، أفتراك يا ربِّ تُخْلِفُ ظنوننا، أو تخيِّب آمالنا؟

كلا يا كريم! فليس هذا ظنُّنا بك، ولا هذا فيك طمعنا، انَّ لنا فيك أملا طويلا كثيراً. إن لنا فيك رجاءً عظيماً، عصيناك، ونحنُ نرجو أن تستُر علينا، ودعوناك ونحن نرجُو أنّ تستجبَ لنا، فحقّق رجاءَنا مولانا).

وهذه بعض مقامات العبودية في هذا الدعاء

مقام الأمن، ومقام الإنس، ومقام الركون والثقة ولابد للعبد أن يشعر في قيامه بين يدي الله تعالى بهذه المقامات، ولنستعرض هذه المقامات في كلام سيد السّاجدين وزين العابدين (ع):

(هذا مقام من لاذ بك، واستجار بكرمك).

وهذا هو (مقام الأمن) فإذا لاذ العبد بربه واستجار بكرمه من غضبه أحسَّ ببرد الأمن. ثم يقول (ع):

و(أَلِفَ إحسانك ونعمك).

وهذا (مقام الأُنس) فلا يأنس الإنسان بأحد كما يأنس بالذي ألف إحسانه وكرمه، كما يأنس الإنسان بأمه وأبيه. ثم يقول (ع):

(عصيناك ونحن نرجو أن تستر علينا).

وهذا (مقام الركون والثقة) فإن أقبح حالات العبد وأبعدها عن الله حالة المعصية والمخالفة. فإذا كانت الثقة بالله والركون بفضله لا يفارقه حتّى في حالة المعصية والمخالفة، فهو من المقيمين مقام الركون والثقة. وقبيح على العبد أن يعصي ربه وهو يراه حاضراً شاهداً. وجميل بالعبد أن لا تفارقه الثقة بالله وبستره وفضله حتّى في حالة المعصية.

ولا ينفي ذلك القبيح جمال هذا الجميل، ولعل هذا الجميل يكون سبباً في إقلاعه من ذلك القبيح.

إن اليأس وقطع الرجاء عن الله في حالة الذنب والمعصية أعظم من الذنب نفسه. ومهما كانت جريمة الإنسان بين يدي الله تعالى، فلا يجوز ولا يصح أن يقطع رجاءه عن الله حتّى في أقبح حالاته مع الله، وهي حالة المعصية والإثم.

أقرأ ايضاً:

بواسطة
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن - الهجرة والولاء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى