حوار أصحاب الجنة والنار

وكما في الدنيا يتحاور أصحاب الجنة وأصحاب النار، كذلك في الآخرة يحاور أصحاب الجنة أصحاب النار وبينهما حجاب.

ففي الدنيا قد يتحاور أصحاب الجنة وأصحاب النار في أسرة واحدة، وفي محل واحد، وتحت سقف وحد وبينهما حجاب، كذلك في الآخرة يحاور أصحاب الجنة أصحاب النار وبينهما حجاب.

والقرآن يعكس طرفاً من هذا الحوار الذي يجري في الآخرة بين الطائفتين، كما كان يجري في الدنيا، والحجاب القائم بينهما في الآخرة هو نفس الحجاب الذي كان يقوم بينهما من قبل في الدنيا: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ}[1].

الخصلة الثامنة: إن حدود الله تربة صالحة لنمو المواهب التي أودعها الله تعالى في خلق الإنسان، وتختلف هذه الخصلة عن سابقتها، ففي الخصلة السابقة ذكرت أن الالتزام بحدود الله يستنزل رحمة الله تعالى الإنسان. يقول تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ}[2].

وهذه بركات ورحمة يفتحها الله تعالى على الناس من داخل المجتمع، إذا عملوا والتزموا بحدود الله. يقول تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ}[3]. فإن هذه الحياة التي يمنحها الله تعالى للناس ـ إذا أخذوا بحدود الله في الجرائم والقصاص ـ نابعة من داخل الحياة الاجتماعية.

وهناك مواهب وبركات ورحمة أودعها الله تعالى في فطرة الإنسان وداخل نفسه، يفجرها ويستخرجها الالتزام والعمل بحدود الله تعالى وفرائضه وأحكامه. وإليكم الشواهد على ذلك:

1 ـ إن الإنفاق في سبيل الله ينمي في نفس الإنسان حالة (العطاء) و(الإخلاص)، وهما من المواهب التي أودعها الله تعالى في نفس الإنسان، يفجرهما ويستخرجهما وينمّيهما الإنفاق في سبيل الله، كما أن العمل في سبيل الله ـ أي عمل ـ ينمّي حالة (الإخلاص) و(قصد القربة) في نفس الإنسان.

2ـ والصلاة تنمي في نفس الإنسان حالة (الذكر)، و(ذكر الله) من الكنوز التي أودعها الله في نفس الإنسان, والصلاة تفجر وتستخرجه وتنميه. يقول تعالى {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي}.

3 ـ و(التذكر) بمعنى (الانتباه) و(الحذر) من شراك الشيطان ومن الأهواء والفتن، حالة أودعها الله تعالى داخل النفس في أصل الخلقة، والإنسان بفطرته حاذر متذكر منتبه للخطر، ولكن هذه الموهبة قد تخمد جذوتها، فإذا اتقى الإنسان الله تعالى وأخذ بالتقوى تذكّر وتنبّه للخطر بصورة مبكرة. يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}[4].

أرأيت أجهزة الإنذار المبكر التي تنذر الإنسان مباغتات العدو؟

كذلك التقوى تبعث في نفس الإنسان حالة (التذكر) و(الانتباه) للخطر وتنذره.

هذه الحالة كامنة في نفس الإنسان بالفطرة، ولكن التقوى تفجّرها وتستخرجها وتنمّيها.

4 ـ و(التعفف) حالة كامنة في داخل النفس، ولكنها تظهر وتنمو كلّما كف الإنسان فرجه ويده ولسانه عن الحرام.

5 ـ و(البصيرة) نور أودعها الله تعالى في نفوس الناس بالفطرة، ولكن هذا النور قد يخبو ويفقد إشراقه، حتى ينفد وينتهي تماماً، ويتحول إلى ظلمات بعضها فوق بعض، فإذا اتقى الإنسان الله تعالى وأخذ بالتقوى أعاد الله إليه هذا النور، وتفجّر في داخل نفسه. يقول تعالى: {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً}[5].

و(الفرقان) بصيرة في نفس الإنسان، يعرف الإنسان به الحق من الباطل، والهدى من الضلال، فإذا فقد الإنسان هذه البصيرة، فلا يفرق بين الهدى والضلال والحق والباطل.

يقول أميرالمؤمنين “ع”: <للمتقي هدى في رشاد، وتحرج عن فساد، وحرص في إصلاح معاد>[6].

ويقول “ع” في علامات أهل التقوى: <إن لأهل التقوى علامات يعرفون بها: صدق الحديث، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهد…، وبذل المعروف، وحسن الخلق، وسعة الحلم، وإتباع العلم فيما يقرب إلى الله عزّوجلّ>[7].

وهذه الخصال التي يذكرها الإمام “ع” كما هي علامات للتقوى كذلك هي آثار ونتائج لها تظهر داخل النفس وتنمو.

وهذه الخصلة التي ذكرناها للالتزام بحدود الله تعالى والأخذ بها، هي روح خطبة المتقين المعروفة لأميرالمؤمنين “ع” في جواب سؤال همام: <فالمتقون فيها هم أهل الفضائل. منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع. غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم. عظم الخالق في أنفسهم، فصغر ما دونه في أعينهم.. قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، وأجسادهم نحيفة، وحاجاتهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة.. أمّا الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونها ترتيلاً.. وأما النهار فحلماء أبرار أتقياء. قد براهم الخوف بري القداح..>.

وهذه خصائص وخصال في النفس تفجّرها التقوى وتستخرجها وتنمّيها، يشير إليها الإمام علي “ع” في هذه الخطبة الشريفة منها صواب المنطق، والاقتصاد في الملبس، والتواضع في المشي، وغض الأبصار عن الحرام، ووقف الأسماع على العلم النافع، وعظم الخالق في النفوس، وحقارة ما دونه، والحزن في القلوب، وكف الشرور والأذى عن الناس، وعفة النفوس، والحلم والعلم والبر، والخوف من الله. كل ذلك وغيره من آثار التقوى.

أقرأ ايضاً:


المصادر والمراجع

  • [1]ـ الأعراف: 44 ـ 45.
  • [2]ـ الأعراف: 96.
  • [3]ـ البقرة: 179.
  • [4]ـ الأعراف: 201.
  • [5]ـ الأنفال: 29.
  • [6]ـ ميزان الحكمة 4: 3628.
  • [7]ـ الخصال للصدوق: 483 ح56.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى