القبول والجزاء في القرآن – الجزاء بالأحسن

من الحقائق التي يقررها القرآن في جزاء الأعمال الصالحة في الآخرة أن الله تعالى يجزي الذين آمنوا بأعمالهم أحسن الجزاء، ويجزيهم بأحسن ما كانوا يعملون.

{رِجَالٌ لاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}([1])، {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}([2]).

وجاء في سورة (العنكبوت: 7) بلفظ قريب: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ}([3]).

وقد اختلفت كلمات المفسرين في تفسير هذه الآيات.

فمنهم من قال: إن المقصود بأحسن الجزاء، الجزاء على الواجبات والمستحبات دون المباحات التي لا يثاب المرء عليها.

ومنهم من قال: إن المقصود هو الجزاء على الأحسن من الأعمال وإهمال غيرها في الجزاء.

وغير ذلك من الأقوال، وكل ذلك ضعيف. والذي أراه ـ والله العالم ـ أن الله تعالى يجزي المؤمنين يوم القيامة على أعمالهم بأحسن ما كانوا يعملون، فيأخذ من كل عمل من أعمال عباده المؤمنين أفضل نموذج جاؤوا به في حياتهم، فيجعل ثواب النماذج الناقصة على مقياس النموذج الأحسن.

فإذا كان العبد قد صلى في حياته خلال خمسين سنة من عمره تسعين ألف فريضة ـ مثلاً فإن الله تعالى يأخذ بأفضل نموذج من صلاة العبد المؤمن خلال خمسين سنة، ويجعل ثواب كل صلاة جاء بها خلال هذه المدة على مقياس النموذج الأفضل من صلواته، ويجعل هذا النموذج أساساً لاحتساب ثواب صلواته جميعاً خلال هذه المدة.

وهذا هو الإحسان في الجزاء.

والجزاء على ثلاثة أنحاء:

النحو الأول: أن يكون الجزاء بأسوأ ما قام به الإنسان في حياته، فإذا صادق شخص شخصاً آخر مدة طويلة من عمره، وتلقى منه خلال هذه المدة وجوهاً من البر والتعاون والإحسان والصداقة والمودة، بعضها فوق بعض، وعرف منه حالات من سوء التفاهم والغضب والانفعال خلال هذه المدة.. فإن الجزاء بالأسوأ أن يجعل هذه الحالات الأخيرة هي الأساس في الجزاء، فيعاديه ويغاضبه ويقاطعه على أساس تلك الحالة الأخيرة، وينسى كل بره وإحسانه ومعروفه خلال هذه المدة، وهذا النوع من الجزاء هو (جزاء اللؤماء).

والنحو الثاني من الجزاء: (الجزاء العادل) وهو ما يتعارف عليه الناس في الجزاء وذلك باحتساب الجزاء بقيمة المتوسط من الأعمال، كما تعمل المدارس في احتساب معدلات امتحانات دروس الطلبة، وهذا هو الجزاء بالمتوسط، هو الجزاء العادل الذي ليس فيه ظلم.

والنحو الثالث من الجزاء: الجزاء بأفضل النماذج واحتساب قيمة الجزاء لكل أفراد العمل بمقياس أفضل نموذج في العمل، وهذا هو الإحسان في الجزاء، وهو شأنه تعالى.

والجزاء في آية (النحل) وآية (العنكبوت) وآية (النور) من النوع الأخير.

وفي آية النور يصف القرآن جزاء الله تعالى للمؤمنين يوم القيامة بثلاث أوصاف بعضها أجمل من بعض، يقول تعالى: {رِجَالٌ لاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}([4]).

والمراحل والأوصاف الثلاثة للجزاء في هذه الآية المباركة هي:

1 ـ {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا}. وهو الجزاء بأحسن نموذج من عمل العبد والغض عن كل نقص وارد في النماذج الأخرى من عمله بالقياس إلى النموذج الأفضل، وهذا هو الإحسان في الجزاء.

2 ـ {وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ}. وهو مرحلة فوق هذه المرحلة، ولله تعالى خزائن ملك السماوات والأرض يزيد من يشاء بفضله وكرمه.

3 ـ {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ}. وهي المرحلة الثالثة للجزاء، يرزق من يشاء بغير حساب ولسنا نستطيع أن نعرف هذا الوصف للرزق بحساباتنا المادية المحدودة، وهو فعّال لما يريد، لا تنقص خزائن رحمته مهما أنفق، ولا تزيده كثرة العطاء إلاّ جوداً وكرماً.

وقد يتساءل الإنسان: فما أيسر أن يصلّي الإنسان في عمره صلاة كاملة عن خشوع وإقبال وحضور، ثم يتساهل في سائر صلواته ويترقب أن يجزيه الله تعالى عن صلواته خلال عمره بالنموذج الأفضل، وهو أمر مستبعد جداً؟

والجواب: أن هذا الإحسان الإلهي في الجزاء يقع ضمن سنن الله تعالى، ولا نستطيع فهم هذا الإحسان الإلهي إلاّ ضمن سنن الله تعالى.

وسنن الله في حياة الإنسان هو التكامل في كل شيء، في الجسم والعقل، والعلم، والعواطف، والعمل أيضاً، فكما يتكامل عقل الإنسان وجسمه يتكامل علمه وعمله كذلك، وفي كل يوم يكون عمله أكمل من عمله في اليوم السابق. وفي كل مرحلة يكون عمله أفضل من عمله في المرحلة السابقة، فإذا جزاه الله تعالى في نهاية الشوط من عمره يجزيه على كل عمله بآخر ما وصل إليه من مراحل كمال العمل.

كما أن الإنسان يبدأ جاهلاً بتعلم مبادئ الكتابة والحساب ثم يتكامل حتى يكون عالماً محققاً، فإذا مات أدرج اسمه في العلماء المحققين، أي بآخر ما وصل إليه علمه.

أما حالات الانتكاسة فهي شذوذ واستثناء في هذه السنّة، ولها حكمها الخاص، والله تعالى يزيد من يشاء من عباده بما يشاء من رحمته.

ولنضرب لذلك مثلاً، وأن الأمثلة تقرب المعاني البعيدة.

إن العلماء في مختلف شعب العلم والمعرفة على درجات مختلفة من العلم في حقول اختصاصهم وقد تدرجوا إليها ضمن مراحل كثيرة من الدراسة.

والموقع الاجتماعي والعلمي لكل منهم يحدده أخر ما توصل إليه من درجات العلم والمعرفة، فلا يصح تقويمه بالمراحل الأولية أو المتوسطة من دراسته، وإنما يتم تقويم شخصيته بآخر ما بلغه من العلم.

وإذا أردنا أن نقارن العلماء من اختصاص واحد بعضهم ببعض، كان المقياس هو آخر ما توصل إليه كل منهم من العلم والمعرفة.

وهذا أساس عام في التقويم.

وعمل العامل الفني في كل مرحلة يبلور لآخر مراحل تجاربه وتدريباته وممارساته، حتى لو صدر العمل عنه من غير عناية وتركيز، والتركيز جيد في كل عمل فني من غير شك، ويرفع مستوى العمل وقيمته.

ولكن قيمة العمل الفني الذي يصدر من العالم الفني المتمرس والخبير من غير تركيز أفضل ـ بلا إشكال ـ من العمل الذي يصدر بتركيز وعناية واهتمام من العامل غير الفني.

ولهذا السبب قلنا: إن العمل الفني في كل مرحلة تبلور آخر ما توصل إليه العامل من خلال التدريب والدراسة والممارسة والتجربة.. دون أن يعني ذلك الانتقاص من قيمة التركيز في رفع مستوى العمل.

والأمر كذلك في صلاتنا، ودعائنا، وذكرنا لله. إن التركيز في الصلاة يرفع قيمة الصلاة من غير شك، ولكن شتان بين صلاة يقيمها عبد صالح عارف وقف بين يدي الله للصلاة منذ خمسين سنة يذكر الله ويخشع لذكره، ويستحضر الوقوف والقيام بين يدي الله، وإن كانت صلاة الأول من غير تركيز، وصلاة الثاني بتركيز، وذكر الأول من غير تركيز، في حال تعب وجهد، وذكر الثاني في حال تركيز وفراغ بال.


أقرأ ايضاً:

الهوامش والمصادر

  • [1] ـ النور: 37 ـ 38.
  • [2] ـ النحل: 96 ـ 97.
  • [3] ـ العنكبوت: 7.
  • [4] ـ النور: 37 ـ 38.
بواسطة
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن - الهجرة والولاء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى