فتية الكهف – المراحل الثلاث من الجزاء

في المرحلة الأولى من الجزاء يقول تعالى: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}، وهذه الزيادة في الهدى جزاء هؤلاء الفتية في الدنيا على الإيمان بربهم قبل الآخرة.

وفي المرحلة الثانية من الجزاء، يقول تعالى: {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً}، وفي المرحلة الثالثة من الجزاء يقول تعالى: {فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقاً}.

فلنتأمل في هذه المراحل الثلاث من الجزاء.

في المرحلة الأولى عندما آمنوا بالله زادهم الله تعالى هدى على هداهم. وهنا الجزاء من سنخ العمل، إن الإيمان هداية، فإذا اهتدى الإنسان بهدي الله زاده الله تعالى هدى على هداه. كما أن الإنسان إذا اختار سبيل الضلالة يعاقبه الله. فيزيده ضلالاً على ضلاله. يقول تعالى: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً}.

وفي المرحلة الثانية يقول تعالى: {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}، وليس من شك أن هذا القيام وتلك الدعوة لا يتمّان من دون قوة قلب ورباطة جأش.

فإذا قاموا بهذه الدعوة في وجه الطاغية، أتاهم الله المزيد من رباطة الجأش، وربط على قلوبهم، {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ}. ولولا أن الله تعالى يقويّ قلب عبده، لما تمكن من مثل هذه الحركة الجريئة والشجاعة، ولا استطاع أن يواجه الطاغية بمثل هذه القوة، بل ما استطاع أن يتخذ القرار بذلك، فإن الخطوة الأولى في مثل هذه الأعمال الكبيرة هي اتخاذ القرار والنية والعزم.

وسلام الله على الإمام الصادق (ع)، حيث يقول: >ما ضعف جسد عما قويت عليه النية<([1])، فإذا قوي الإنسان على النية والعزم والقرار، هانت عليه المراحل الأخرى من العمل، وأعانه الله عليها وشد على يده وقلبه.

ولكن لابد من أن يقوم وينهض ليشد الله على يده، فإن لم يقم ولم يحاول لا يرزق.

ولولا دعم الله تعالى وتأييده لأولئك الفتية الذين نهضوا في جو القصر بالدعوة إلى الله، لم يتمكن أي منهم أن يقوم فيقول في وجه الطاغية: {لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً}.

ولا شك أن العزم والنية أيضا لا تتم إلاّ بتأييد الله تعالى ودعمه، فإن الله تعالى يسبغ تأييده ودعمه وإسناده على عبده مرتين: مرة للنية والعزم والقرار والوقوف، وهذا عام شامل لكل الناس، ومن الناس من ينتفع بهذا الرزق الإلهي الشامل، ومن الناس من يفرّط فيه، ويضيعه، ومرة أخرى ينزل دعمه وإسناده على الذين يعزمون، وينهضون ويقومون، وهذا رزق خاص، يخص به الله تعالى الذين يقومون وينهضون برسالة التوحيد.

والحمد لله الذين أرانا صدق وعده فيما رزقنا من ابتلاء الهجرة، فقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، ونشر لنا من رحمته، وهيأ لنا من أمرنا مرفقاً، وصدق الله العلي العظيم. وكل الذين ابتلاهم الله تعالى بالهجرة وجدوا صدق وعد الله بما فتح الله تعالى لهم من أبواب رحمته وآفاق العمل، وفيما هيأ لهم من المرافق في حركتهم وعملهم. والحمد لله رب العالمين


أقرأ ايضاً:

الهوامش والمصادر

  • [1] ـ بحار الأنوار 67: 205 ح14 عن أمالي الصدوق.
بواسطة
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن - الهجرة والولاء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى