فتية الكهف – الاعتزال

{وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ}.

يظهر لنا من هذا الجزء من الآية أنه كان لهؤلاء الفتية بعد الإيمان بالله اعتزال وإيواء إلى الكهف. والثاني غير الأول بظاهر الآية، وإذا أردنا أن ننظم مراحل عمل هؤلاء الفتية نستطيع أن نقول:

إنهم آمنوا أولاً، ثم قاموا فقالوا: {رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} ثانياً، ثم اعتزلوا قومهم وما يعبدون إلاّ الله ثالثاً، ثم آووا إلى الكهف رابعاً.

إذن الاعتزال غير الإيواء إلى الكهف، فقد اعتزلوا قومهم وما يعبدون إلاّ الله قبل أن يأووا إلى الكهف، وأقرب معاني الاعتزال في هذه الصورة أنهم قاطعوا مجتمعهم، ولم يخالطوهم، كما كانوا يخالطونهم من قبل، ولم يعاشروهم كما كانوا يعاشرونهم، من قبل، وهذه الحالة هي حالة الانفصال والمقاطعة النفسية والبراءة. وفي هذه الحالة ينتزع الإنسان نفسه من الوسط الذي يعيش فيه انتزاعاً كاملاً، رغم أنه يعيش في نفس الوسط، ويدخل معهم في الأسواق ويعاملهم ويتعاطى البيع والشراء والدراسة والعمل في الأسواق والدوائر والمدارس معهم، لكنه لا يتأثر ولا يخضع لمؤثرات الوسط الثقافية والحضارية والسياسية مطلقاً، وكأنّ بينه وبين هذه المؤثرات في ذلك الوسط عازلاً قوياً، يقطع كل تأثير من الوسط الذي يعيش فيه علماً بأن للوسط الحضاري والثقافي والإعلامي الذي يعيش فيه الإنسان تأثيراً قاهراً على عقله وقلبه.

والمؤمن الذي يعيش في وسط غير وسطه، وفي غربة حضارية وثقافية واجتماعية يستهلكه لا محالة الوسط الذي يعيش فيه، وتقهره العوامل الثقافية والحضارية والإعلامية على الاندماج العقلي والعاطفي في هذا الوسط، كما لو أرقنا كأساً من الماء العذب الحلو في بحيرة مالحة، فإن البحيرة تستهلكه لا محالة. وهذا الحكم يجري في المجتمع كما يجري في التفاعلات الفيزيائية، من غير فرق، إلاّ أن يعزل المؤمن نفسه بعازل نفسي قوي عن المؤثرات والعوامل القاهرة في ذلك الوسط، فعندئذ يعيش في ذلك الوسط في حصانة كاملة، رغم أنه يمكن أن يتعاطى في ذلك الوسط كل ما يتعاطاه الناس من شؤون عمله ومعيشته.

وهذا هو حال الإنسان المؤمن عندما يعيش في حالة غربة حضارية وثقافية في مجتمع غير مجتمعه، كما حدث ذلك للمسلمين في بدء ظهور الإسلام في مكة، وكما حدث ذلك في عصرنا في فترة الغزو الثقافي، والغارة الحضارية التي تعرضت لها بلادنا في العالم الإسلامي، ثم بدأت بالانحسار والحمد لله.

وهو على ما اعتقد تفسير لقوله (ص): >بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء<([1]).

ومن الطبيعي أن الإنسان إذا كان غريباً في بيئة، يأخذ بالأنس والاندماج النفسي بتلك البيئة ثقافياً وحضارياً بالتدريج، ولكن هذا الاندماج العقلي والعاطفي مع الأوساط الجاهلية يؤدي إلى استهلاك الحالة الإيمانية بالتدريج، فلابد أن يفصل نفسه في مثل هذه الحالة بعازل نفسي قوي عن المؤثرات الثقافية والحضارية في ذلك الوسط، في الوقت الذي يمارس فيه نشاطه في السوق والجامعة والدوائر والشارع بشكل طبيعي، كما لو لم يكن بينه وبين ذلك المجتمع عازل من هذا النوع. وفي مثل هذه الحالة يتحرر الإنسان بشكل كامل من مؤثرات الوسط الذي يعيش فيه، في الوقت الذي يؤدي فيه دوره العملي في المجتمع بصورة كاملة.

وشأن هذا العازل شأن العازل في الفيزياء، فالعامل الذي يمارس عمله في مد الأسلاك الكهربائية، يمكن أن يمارس عمله بصورة طبيعية في أخطر الحالات، إذا كان يستخدم العازل الذي يعزله عن التيار الكهربائي.

وهذه الحالة من المفاصلة النفسية حالة صعبة من دون ريب، وليس أشق على الإنسان من أن يعيش في المجتمع حياة طبيعية، يدخل ويخرج مع الناس في مداخل الحياة ومخارجها، في الوقت الذي ينتزع فيه نفسه من ذلك الوسط انتزاعاً كاملاً.

وهذه هي الهجرة الكبرى في حركة الإنسان إلى الله، والهجرة في المساحة الجغرافية من مكان إلى مكان هي الهجرة الصغرى.

ورغم كل المتاعب والمشاكل التي تستتبعها الهجرة الصغرى، فإنها دون الهجرة الكبرى بمراحل، وقياس الهجرة الكبرى بالهجرة الصغرى مثل قياس الجهاد الأكبر إلى الجهاد الأصغر، فإنه رغم كل متاعب الجهاد الأصغر، وما يتطلبه من التضحية والقتل في سبيل الله وإنفاق الأموال والأنفس، فإن الجهاد الأكبر ـ داخل النفس ـ أصعب وأشق بمراحل كثيرة من الجهاد الأصغر في ساحات القتال.


أقرأ ايضاً:

الهوامش والمصادر

  • [1] ـ سنن ابن ماجة 2: 1319 ح3986.
بواسطة
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن - الهجرة والولاء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى