الملائكة – كيف يدعون الله؟

كيف يدعون الله؟

من المفيد أن نعرف كيف يدعو هؤلاء الملائكة؟

فقد اختارهم الله للدعاء للمؤمنين، وعلمهم كيف يدعون، والدعاء معرفة وأدب وفقر وحب، وإذا عرف الإنسان كيف يدعو الله فقد عرف السبيل إلى خزائن رحمة الله تعالى الواسعة، فإن الدعاء أحد المفتاحين لرحمة الله، والمفتاح الآخر العمل، والعبد يسد عجز العمل بالدعاء، ويكمل دور الدعاء بالعمل.

إذن من المفيد أن نعرف كيف يدعو الله تعالى حملة العرش؟

إن أركان الدعاء ثلاثة:

مسؤول، وسائل، وسؤال.

المسؤول

أما المسؤول: فهو الجواد المطلق الذي لا سبيل للبخل والشح في ساحة كرمه وجوده، لا يبخل على عبده بما يريد، وخير ما نوجز به كرمه وعطاءه سبحانه وتعالى في الاستجابة لدعاء عباده، قوله تعالى:

{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}([1]).

وليس بين الدعاء والاستجابة فاصل، وليس في الآية الكريمة قيد وشرط في الدعاء، وهي من أرجى آيات القرآن الكريم.

ففي هذه الآية الدعاء يساوي الاستجابة وهو من عجائب رحمة الله وكرمه.

وبيان هذا القانون واضح فإن الامتناع عن العطاء لدى السؤال يكون لأحد سببين، وكلاهما منفيان في الله تعالى:

السبب الأول: الشح والبخل ولا سبيل للشح والبخل في ساحة كرم الله تعالى بشكل مطلق.

والسبب الثاني: نفاذ ما عند المسؤول إذا استجاب لطلب السائل ولا نفاذ لملك الله وخزائن رحمته.

وقد ورد في دعاء الافتتاح: >الذي لا تنقص خزائنه، ولا تزيده كثرة العطاء إلاّ جوداً وكرماً<.

فلا يمكن بمقتضى هذا القانون أن يسأل العبد ولا يعطيه الله تعالى إلاّ أن لا يكون ذلك في صالح العبد، والله تعالى يعلم، والعبد لا يعلم. وقد ورد في دعاء الافتتاح: >ولعل الذي أبطأ عني هو خير لي لعلمك بعاقبة الأمور<.

أو يكون دعاء العبد على خلاف سنن الله في الكون والمجتمع، ومثل هذا الدعاء ينهى الله تعالى عنه ولا يستجيب له، وقد نهى الله تعالى نبيه نوحاً (ع) من أن يسأل ما لا يصح فقال: {إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}([2]). فتلقى نوح (ع) تحذير الله تعالى ووعظه بكل أدب النبوة، فقال (ع): {رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ}([3]).

وقد لا يكون دعاء العبد دعاءً، فلا تكون إجابة لانتفاء الدعاء، وسوف نتحدث عن هذه النقطة فيما بعد.

السائل

والركن الثاني للدعاء هو السائل، وهو العبد، والسائل كله حاجة وفقر إلى الله تعالى، كما أن السؤال جواد كريم، ولا حدود لجوده وكرمه وخزائن رحمته وسلطته.

وكما يحتاج السائل المسؤول ويفتقر إليه أشد ما يكون الفقر والحاجة، كذلك يحب المسؤول أن يحسن إلى السائل ويكرمه، وليس حاجة السائل إلى المسؤول بأكثر من حب المسؤول للإحسان إلى السائل.

وهذه قاعدة بين كل سائل ومسؤول وبين كل فقير وغني.

فليست حاجة المريض إلى الطبيب بأكثر من حاجة الطبيب إلى المريض، وليست حاجة التلميذ إلى المعلم بأكثر من حاجة المعلم إلى التلميذ، ولا حاجة الفقير إلى الغني بأكثر من حاجة الغني إلى الفقير، إذا سلمت النفوس من الأمراض الخلقية، والقانون الذي يصح بين كل غني وفقير وبين كل مسؤول وسائل فيما بين الناس يصح بين الله تعالى وعباده، إلاّ أن الله لا يحتاج إلى شيء.

ويكون انطباق هذا القانون في العلاقة بين الله تعالى وعبده وبالعكس.

إن فقر العبد وحاجته إلى الله تعالى لا يزيد عن حب الله تعالى للإحسان إلى عبده وإكرامه، بل إن الله تعالى يعطي عباده بدون سؤال ولا دعاء، بل من غير معرفة، وقد ورد في الدعاء المعروف في شهر رجب: >يا من يعطي من سأله، يا من يعطي من لم يسأله ومن لم يعرفه تحنناً منه ورحمة<.

السؤال

والركن الثالث للدعاء السؤال: وهو العلاقة بين العبد وربه، ومن أفضل وجوه العلاقة.

وللسؤال وجهان: وجه إلى الله تعالى ووجه إلى العبد، أما الوجه الأول فلا يضايق الله تعالى سؤال، ولا يكره الله تعالى أن يكثر العبد من السؤال، وإذا كان الناس يملون من كثرة السؤال فإن الله تعالى يحب من عباده العبد السؤول الذي يكثر السؤال من الله، ويلّح في السؤال.

والسؤال من الوسائل التي تقرب الإنسان وترفعه إلى الله عز شأنه وهو يدعو عباده إلى السؤال {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، بل قيمة الإنسان وموقعه ومكانته من الله بالسؤال {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ} هذا عن الوجه الأول وهو الوجه الذي إلى الله.

وأما عن الوجه الثاني، وهو الوجه الذي إلى الناس، فإن للسؤال أدباً ومنهجاً، وليس كل أحد يدعو الله تعالى يعرف السؤال والطلب.

فلابد في السؤال من الإقبال على الله، والتضرع، والاستكانة، ووعي الحاجة، والفقر إلى الله، والحب.

ولسنا نحتاج في الدعاء إلى التضرع والاستكانة فقط، فلابد في السؤال والدعاء من معرفة الله تعالى أولاً، ووعي فقر العبد وحاجته إلى الله تعالى ثانياً، والإقبال على الله في السؤال والدعاء ثالثاً، والتضرع والاستكانة في السؤال رابعاً.

وليس حاجة السائل إلى السؤال والتضرع والاستكانة في السؤال لكي يستثير الرقة والرحمة عند المسؤول، فإن المسؤول هو الله تعالى، وهو شفيق بعباده رحمان رحيم يعلم فقر عبده وحاجته ويرأف به، ويشفق عليه من دون سؤال ولا تضرع، ولكن السؤال والتضرع من منازل رحمة الله. كما أن حاجة العبد وفقره من منازل رحمة الله، وإن كان من غير سؤال ولا تضرع بل ولا معرفة؛ فإن منازل رحمة الله في حياة الناس كثيرة، وبعضها فوق بعض وبعضها أوسع من بعض، ومن أوسع أبواب رحمة الله الدعاء والتضرع والسؤال والاستكانة بين يدي الله سبحانه وتعالى، فإذا سأل العبد، وتضرّع واستكان في السؤال والطلب فقد وضع نفسه في أوسع منازل الرحمة وأرحبها… وسبب ذلك واضح لمن أنعم الله عليه بالبصيرة؛ فإن التضرع والاستكانة تفتح مغاليق قلب العبد لاستقبال رحمة الله.

ورحمة الله تنزل على العباد على قدر سعة إناء قلوبهم، والتضرع والبكاء يرققان القلب، والرقة تفتح القلوب، وتوسع إناء الصدور، وتؤهلها لجذب رحمة الله، كما أن الأرض إذا كانت صلبة ترد المطر ولا تجذبه، وإذا كانت رخوة رقيقة تجذب المطر، كذلك القلوب.


أقرأ ايضاً:

الهوامش والمصادر

  • [1] ـ غافر: 60.
  • [2] ـ هود: 46.
  • [3] ـ هود: 47.
بواسطة
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن - الهجرة والولاء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى