باطن الإثم

باطن الإثم

{ وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ }.

{ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ }.

هذه الآيات صريحة في أن الإثم على قسمين:

ظاهر وباطن. وظاهر الإثم معروف، فما هو باطن الإثم؟

فيما يلي إن شاء الله، نحاول أن نلقي نظرة على هذه المسألة.

السلوك الظاهر والباطن للإنسان:

لحياة الإنسان وجهان: ظاهر وباطن، والوجه الظاهر من حياة الإنسان هو السلوك المرئي والظاهر من حياة الإنسان، ويشمل هذا السلوك حركته وعلاقاته ونشاطه المرئي.

والوجه الباطن من حياة الإنسان سلوكه النفسي من حب وبغض وعزم وإقبال وإعراض ورضا وسخط، وما يتصل بذلك من أنماط السلوك النفسي.

ومهمة (الدين) في حياة الإنسان هو تنظيم وجهي حياة الإنسان: الظاهر والباطن ضمن مجموعة من التعليمات الإيجابية والسلبية (الأوامر والنواهي). ويشكّل السلوك الباطن للإنسان مساحة واسعة من سلوك الإنسان العام، ويوليه الإسلام اهتماماً وعناية كبيرة.

ولا تقتصر الأوامر والنواهي في الشريعة على السلوك الظاهر فقط، وإنما تشمل وجهي سلوك الإنسان الظاهر والباطن على نحو سواء.

فمن الأوامر التي تخص الوجه الظاهر من حياة الإنسان الصلاة والصيام والحج والجهاد، والأوامر التي تخص أحوال الإنسان الشخصية من الزواج والطلاق والميراث والنفقة وما يتصل بذلك.

ومن الأوامر التي تخص الوجه الباطن من حياة الإنسان: الإخلاص واليقين، والشكر، والخشوع، والإقبال على الله، والزهد، والحب في الله والبغض في الله، والولاء، والبراءة.. وغير ذلك من أنماط السلوك النفسي للإنسان.

ومن النواهي التي تخص الوجه الظاهر من حياة الإنسان: اللهو والإسكار، والفاحشة، والغيبة، والكذب، وقول الزور، والعدوان، والسرقة، والخيانة. ومن النواهي التي تخص الوجه الباطن من سلوك الإنسان: الحسد، والطمع، والجشع، والحرص، وبغض المؤمن، والشك والريب، والنفاق والكفر والشرك، والكبر، والعجب وحب الدنيا وما يتصل بذلك من أنماط السلوك الباطن.

وهذا الأخير هو (باطن الإثم) الذي نريد أن نتحدث عنه في هذه المحاضرة إن شاء الله.

العلاقة بين السلوك الظاهر والسلوك الباطن:

وبين السلوك الظاهر والباطن للإنسان علاقة وصلة قوية، والسلوك الباطن هو الأساس للسلوك الظاهر وقيمة السلوك الظاهر بالباطن.

فلا قيمة للصلاة، من دون الإقبال على الله، وحضور القلب بين يدي الله، إلاّ بقدر ما يسقط الواجب بها عن عهدة المكلف، وليس للإنسان من صلاته إلاّ ما أقبل فيها بقلبه على الله.

وليس للإنسان من صلاته وصيامه وحجه وجهاده وهجرته إلاّ ما أراد به وجه الله تعالى، وأخلص فيه لله تعالى، وتقرب به إلى الله، فما لم يكن كذلك فلا قيمة له عند الله، ولا يعبأ به الله، مهما كان حجمه ووزنه المحسوس الذي يملأ أعين الناس، فإن الله تعالى يرى من أعمالنا ما أخلصنا فيه لله، وما تجردنا فيه عن أهوائنا وأنفسنا، فمن كانت هجرته إلى دنيا يقتنيها كانت هجرته إليها.

هذا من الجانب الإيجابي من تعليمات الإسلام (الأوامر).

وكذلك الأمر من الجانب السلبي (النواهي).

فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة كما ورد في الحديث الشريف، وحب الدنيا من (الإثم الباطن)، وإذا أشرك الإنسان سلب الله تعالى عنه العصمة من كل ذنب، فلا يردعه عاصم من ذنب، إذن الباطن أساس الظاهر.

اهتمام القرآن بـ(باطن الإثم):

وللقرآن اهتمام كبير بهذه المساحة الواسعة من سلوك الإنسان وهو مساحة الباطن، وعن باطن الإثم يقول تعالى:{ وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ }.

ويقول تعالى: { وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ }.

وبناءً على هذه الآية الكريمة، للفواحش ظاهر وباطن، وباطن الفحش هو السلوك النفسي الفاحش للإنسان وظاهر الفحش هو السلوك الظاهر الفاحش للإنسان.

ويقول تعالى: { وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ }[1].

فليس يؤاخذنا الله تعالى فقط بما كسبت جوارحنا، وإنما يؤاخذنا أيضاً بما كسبت قلوبنا.

ويقول تعالى: { وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ }[2].

فالقلب يأثم، كما تأثم الجوارح تماماً، ولا يختص الإثم بالجوارح. يقول تعالى: { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ }[3].

إن الله تعالى يحاسب عباده على ما في أنفسهم، أظهروا ذلك أو أخفوه، أعلنوه أو كتموه، فإذا كره المؤمن أخاه أو بغضه يحاسبه الله تعالى على ذلكن أضمر ذلك أو أعلنه.

ويقول تعالى: { إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً }[4].

وفي هذه الآية الكريمة المسؤولية تشمل السمع والبصر (وهما من الجوارح). والفؤاد، وهو من الجوانح، بمعنى (القلب) فيكون الفؤاد مسؤولاً، كما يكون السمع والبصر مسؤولين.

ويقول تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }[5].

وهذا العذاب الأليم ليس على إشاعة الفاحشة، فإن إشاعة الفاحشة من الكبائر، وليس في ذلك خلاف، وإنما العذاب الأليم في هذه الآية الكريمة على حب إشاعة الفاحشة { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ }، وهو من باطن الإثم.

الاضطرار بالاختيار لا ينافي الاختيار:

ويعتقد البعض أن أمثال هذا الإثم الباطن لا يمكن أن يقع في حيز الأمر والنهي، فإن الأمر والنهي في الشريعة لا يردان إلاّ فيما يقع في دائرة اختيار المكلف وقدرته، والسلوك النفسي من الحب والبغض والحسد والإقبال والإعراض وأمثال ذلك يخرج عن دائرة إرادة المكلف وقدرته، فإن الإنسان لا يملك من أمر نفسه أن يحسد أو لا يحسد ولا يملك أن يبغض أو لا يبغض، ولكن يملك من أمر جوارحه إعمال هذا الحسد وعدم إعماله، وإعمال هذا البغض وعدم إعماله، وهذا هو الذي يقع في دائرة التكليف والمسؤولية والأمر والنهي.

ولذلك فإن هؤلاء يفسرون أمثال هذه النصوص من الكتاب والسنة بما يقع تحت اختيار الإنسان من إعمال الجوارح.

ولكن الذي يقرأ هذه الآيات من كتاب الله يخرج بنتيجة تختلف عن ذلك، وليس معنى ذلك إننا نقول أن الله تعالى يعاقب عباده على ما لا يقع تحت اختيارهم من باطن الإثم، ويحملهم مسؤوليته، فهذا ما لا يصح ولا يجوز، ولكننا نقول: إن باطن الإثم إذا كان يقع في مقدماته تحت اختيار المكلف وقدرته وسلطانه فلا يقبح بالتشريع أن يتناوله بالأمر والنهي، وإن كان قد خرج بالنتيجة من تحت قدرة المكلف وسلطانه، كمن يلقي بنفسه باختياره وإرادته من شاهق لينتحر، فلا يملك أمر نفسه بعد ذلك إذا أراد أن يرجع عن قراره، فإن الله تعالى يعاقبه على ذلك، وإن كان الأمر قد خرج عن يده واختياره بعد أن ألقى بنفسه من الشاهق، فإن (الاضطرار بالاختيار لا ينافي الاختيار) كما يقول علماء الأصول.

والإنسان إذا أوصل نفسه باختياره وإرادته إلى حالة الاضطرار إلى الحرام فلا يسلب عنه هذا الاضطرار المسؤولية ولا يبرؤه عن العقاب والمؤاخذة، ولا ينفي عنه صفة الاختيار، ويكون مثله كمن عوّد نفسه باختياره وإرادته على شرب المسكرات حتى أصبح بحكم العادة مضطراً إليه، فإن الاضطرار لا ينفي عنه الاختيار ولا يرفع عنه المسؤولية ولا يعفيه عن العقوبة والمؤاخذة.

وكذلك الأمر في (باطن الإثم)، فإنها تتم في مقدماته وبداياته باختيار الإنسان، فإذا تمادى الإنسان في هذا الاختيار، ولم يكف نفسه عنه خرج أمر نفسه عن اختياره، ولم يعد يملك أمر نفسه في الحب والبغض والحسد والطمع والتعلق بالدنيا وما أشبه ذلك.

مصدر الإثم الباطن:

ومصدر (باطن الإثم) القلب المريض.

إن مصدر (العمل الصالح) و(النية الصالحة) القلب السليم، و(كل إناء بالذي فيه ينضح)، وبين القلب وصادراته علاقة وصلة، فكلّما سلم القلب سلمت صادراته، وكلما مرض القلب فسدت صادراته، فلا يصدر عن القلب المريض غير الإثم ولا يصدر من القلب السليم إلاّ الصلاح.

وهذه حقيقة من حقائق النفس والسلوك.

كما أن مآل القلب السليم إلى الجنة { يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ }[6].

فإن الجنة (دار السلام) { لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ }[7]، ولا يدخلها إلاّ السلام والسليم والأمان والأمين.

ومآل القلب المريض ـ إذا لم يبرأ من مرضه ـ النار.

يقول تعالى: { فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً }[8].

فإذا مرض القلب، وتمادى صاحبه في ذلك ولم يبرئ من مرضه زاده الله مرضاً، عقاباً لصاحبه عليه، فكان هذا القلب تراكماً من المرض، يدخل صاحبه النار.

ويقول تعالى: { وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً }[9].

وهذه الغاية والعاقبة هي العاقبة التي يؤول إليها أمر مرضى القلوب، يكذّبون الله ورسوله، ويقولون للناس في نهاية الشوط{ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُورًا }.

إذن مآل القلوب المريضة النار، إلاّ أن يبرئ من مرضه ومآل القلوب السليمة الجنة، يوم لا ينفع مال ولا بنون.

(باطن الإثم) مرض:

وإن كان باطن الإثم لا يصدر إلاّ عن القلب المريض، فإن باطن الإثم في حد نفسه نحو من مرض القلب، وقد ورد التأكيد على هذا المعنى في النصوص الإسلامية.

فالحسد مرض، والحقد مرض، والطمع مرض، وحب الدنيا مرض.

عن أميرالمؤمنين (ع): لا وجع أوجع للقلوب من الذنب ) [10].

وعنه (ع): ( الحسد داء عياء لا يزول إلاّ بهلاك الحاسد أو موت المحسود ) [11].

وعنه (ع) أيضاً: ( الحقد داء دوي، ومرض موبي ) [12].

وعنه (ع) أيضاً ( الشهوات أعلال قاتلات، وأفضل دوائها اقتناء الصبر عنها ) [13].

وعن أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب (ع) عن موت القلوب وأثره في سلوك الإنسان في صفة الزهاد: ( يرون أهل الدنيا يعظمون موت أجسادهم، وهم أشدّ إعظاماً لموت قلوب أحيائهم ) [14].

وإذا عرفنا أن (باطن الإثم) نحوٌ من المرض.. عرفنا كيف نعالجه، وكيف نواجهه وكيف نستأصله من النفس والمجتمع.

كيف نتعامل مع مرض القلوب؟

النقطة الأولى في التعامل: أن نعرف أن أمراض القلوب معدية، وإذا كانت أمراض الأجسام منها معدية ومنها غير معدية فإن أمراض القلوب كلها معدية، وعلى الإنسان ـ إذا كان غير واثق من مناعته وقدرته على تصحيح الانحرافات ـ أن يجتنب مصاحبة مرضى القلوب، ويبتعد عنهم جهد الإمكان.

عن الإمام الصادق (ع)، قال: ( قال أميرالمؤمنين (ع): لا ينبغي للمسلم أن يؤاخي الفاجر، فإنه يزين له فعله، ويحب أن يكون مثله ) [15].

وعن أميرالمؤمنين علي (ع): ( لا تصحب الشرير فإن طبعك يسرق من طبعه شراً، وأنت لا تعلم ) .

وعن الإمام الجواد (ع): ( إياك ومصاحبة الشرير، فإنه كالسيف المسلول، يحسن منظره، ويقبح أثره ) [16].

والنقطة الثانية في التعامل مع مرضى القلوب: عدم التشهير بأصحاب المعاصي الذين يتكتمون بمعاصيهم، لئلا تأخذهم العزة بالإثم، والرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالتي هي أحسن، لئلاّ يؤدي ذلك بهم إلى العزة بالمنكر.

عن علي بن الحسين (ع): ( كان آخر ما أوصى به الخضر موسى بن عمران (ع): لا تعيّرن أحداً بذنب ) [17].

وعن الصادق (ع): ( إذا وقع بينك وبين أخيك هنة فلا تعيرنه بذنبه ) [18].

فإذا جاهروا بالذنب، وأعلنوا المعصية، اختلف الأمر، ولزم ردعهم بقوة، وتحذير الناس عنهم، وعزلهم عن الناس، لئلاّ يفسدوا المجتمع، وقد أمرنا أن نلقاهم بوجوه مكفهرة.

عن أميرالمؤمنين (ع): ( أمرنا رسول الله2 أن نلقى أصحاب المعاصي بوجوه مكفهرة ) [19].

وعن علي (ع): ( أدنى الإنكار أن تُلقي أهل المعاصي بوجوه مكفهرة ) [20].

وعن عيسى بن مريم (ع): ( تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقربوا إلى الله بالتباعد عنهم، والتمسوا رضا الله بسخطهم ) [21].

بعض النماذج من (باطن الإثم)

من نماذج (باطن الإثم):

1ـ العزم على الذنب، وهو محرم إذا بلغ حد الإقدام على الذنب لأن العزم على الذنب من الجرأة على الله تعالى ويحرم التجرؤ على الله.

يقول السيد العاملي& في المدارك: (لا خلاف في حرمة إرادة الذنب).

ويدّعي الشيخ البهائي العاملي& الإجماع على ذلك.

2ـ الرضا بالذنب، ويؤاخذ الله تعالى اليهود المعاصرين لرسول الله2 على جرائم أسلافهم من بني إسرائيل مِنْ قتلهم الأنبياء بغير حق، وتحديهم للأنبياء، وتكذيبهم للرسل من قبل، وقد جاءوا بالبينات من عند الله، وبالكتاب المنير.

فيقول تعالى لهم: { الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }[22].

علماً أن اليهود المعاصرين لرسول الله2 لم يقتلوا الأنبياء ولم يكذّبوا الأنبياء من قبل رسول الله2، وإنما استحقوا الذم من عند الله تعالى بما رضوا به من فعل أسلافهم من قتل الأنبياء وتكذيبهم وإيذائهم.

وعن الإمام الرضا (ع) في عيون الأخبار: ( من رضي شيئاً كان كمن أتاه، ولو أن رجلاً قتل بالمشرق، فرضي بقتله رجل بالمغرب لكان الراضي عند الله عزّوجلّ شريك القاتل ) [23].

وعن أميرالمؤمنين (ع) في نهج البلاغة برواية الشريف الرضي&: ( أيها الناس، إنما يجمع الناس الرضا والسخط، وإنما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمهم الله بالعذاب لما عموه بالرضا، فقال سبحانه فعقروها فأصبحوا نادمين ) [24].

ويقول الشيخ محمد حسن النجفي& في موسوعته الفقهية الجليلة (جواهر الكلام) في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في باب الإنكار القلبي: (إن الرضا بالحرام حرام، ويجب بغض الحرام والنفور منه).

3ـ التفكير بالحرام: وهو محرم إذا كان يخشى الإنسان منه أن يوقعه في الحرام، وفي غير هذه الحالة فهو أمر شديد الكراهة يفسد القلب، ويذهب بصفاء القلب.

4ـ حب الدنيا: بمعنى القلق على الدنيا والانصراف إليها من غيرها، وقد روي عن رسول الله2:

( حب الدنيا أصل كل معصية وأول كل ذنب ) [25].

وعن علي  (ع): ( حب الدنيا رأس الفتن وأصل المحن ) [26].

وعن الصادق (ع): ( حب الدنيا رأس كل خطيئة ) [27].

وهو من خصال الكافرين الذين يتوعدهم الله بالعذاب الشديد، يقول تعالى: { ..وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ * الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً… }[28].

وليس حب الدنيا من أسباب الكفر فقط، وإنما قد يؤدي بالإنسان إلى ما هو أشد من الكفر، فيشرح صدره بالكفر، يقول تعالى: { وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ }[29].

5ـ الغل والحقد على المؤمنين وهما من أمراض القلوب.

يقول تعالى في الدعاء: { وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ }[30].

وينزع الله تعالى الغلّ من صدور المؤمنين في الجنة، جزاء ما فعلوا من انتزاع الغلّ من صدورهم في الدنيا { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ }[31].

ويقول تعالى: { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ * لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ }[32].

وقد ورد في السُنة روايات كثيرة في حرمة الحقد والبغضاء للمؤمنين، وفي حرمة هجر المؤمن ومقاطعته.

عن رسول الله2: ( لا هجرة فوق ثلاث ) [33].

وعنه2: ( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام ) [34].

وعن الصادق (ع): ( لا يزال إبليس فرحاً ما اهتجر المسلمان فإذا التقيا اصطكت ركبتاه وتخلّعت أوصاله ونادى: يا ويله ما لقي من الثبور ) [35].

وعن مفضل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: ( لا يفترق رجلان على الهجران إلاّ استوجب أحدهما البراءة واللعنة، وربما إستحق ذلك كلاهما. فقال له معتب: جعلني الله فداك، هذا الظالم فما بال المظلوم؟ قال: لأنه لا يدعو أخاه إلى صلته، ولا يتغامس له عن كلامه ) [36].

وورد التأكيد في روايات أهل البيت^ على الإصلاح وتأليف القلوب فيما بين المؤمنين.

عن الإمام الباقر (ع): ( إن الشيطان يغري بين المؤمنين ما لم يرجع أحدهم عن دينه، فإذا فعلوا ذلك، استلقى على قفاه وتمدد، ثم قال فزت. فرحم الله امرئ ألّف بين وليين لنا، يا معشر المؤمنين تآلفوا وتعاطفوا ) [37].

وقد ورد التأكيد في قبول العذر من المؤمن إذا شعر بخطئه تجاه أخيه وجاء إليه بعذره.

عن زين العابدين (ع): ( إن شتمك رجل من يمينك، ثم تحول إلى يسارك فاعتذر إليك، فاقبل عذره ) [38].

6ـ نية الغش للؤمن وهو من المحرمات.

وقد ورد في الرواية عن رسول الله2: ( من بات وفي قلبه غش لأخيه المسلم بات في سخط الله، وأصبح كذلك وهو في سخط الله حتى يتوب ويرجع، وإن مات كذلك مات على غير دين الإسلام ) [39].

وعن الصادق (ع): ( لا يقبل الله من مؤمن عملاً، وهو مضمر على أخيه المؤمن سوءاً ) [40].

الخلاصة:

من الشرح المتقدم نستخلص المسائل التالية:

1ـ القرآن هو الرائد الأول لمنطقة الباطن في شخصية الإنسان، وعلى هذا الأساس يؤكد القرآن على مسائل من قبيل باطن الإثم وباطن الفواحش.

2ـ ويعتبر القرآن الإنسان مسؤولاً عن سلوكه الظاهر والباطن على نحو سواء، ويعتبر القلب والفؤاد مسؤولاً كما تعتبر الجوارح مسؤولة عن أعمالها { إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً }[41].

3ـ ويعمم القرآن النهي على الإثم والفواحش ما ظهر منها وما بطن { وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ }، { وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ }.

4ـ والعلاقة بين الظاهر والباطن من أوضح العلاقات، وباطن الإثم هو أساس ظاهر الإثم كما أن النية هي الأساس في كل عمل صالح، ولا قيمة لعمل صالح عند الله تعالى من دون نية.

5ـ وباطن الإثم والفواحش نحو من مرض القلب.

وكما أن باطن الإثم لا يصدر إلاّ عن القلب المريض كذلك بالعكس لا تصدر النية الصالحة إلاّ عن القلب السليم { قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ }[42] وهذه العلاقة بين القلب والعمل من المسائل التي تؤكد عليها الثقافة الإسلامية.

6ـ ومآل القلب السليم الجنة، ومآل القلب المريض النار.


أقرأ ايضاً:

الهوامش والمصادر

  • [1] ـ البقرة: 225.
  • [2] ـ البقرة: 283.
  • [3] ـ البقرة: 284.
  • [4] ـ الإسراء: 36.
  • [5] ـ النور: 19.
  • [6] ـ الشعراء: 88 ـ 89.
  • [7] ـ الأنعام: 127.
  • [8] ـ البقرة: 10.
  • [9] ـ الأحزاب: 12.
  • [10] ـ الكافي 2: 275 ح28.
  • [11] ـ مستدرك الوسائل للنوري 12: 22.
  • [12] ـ ميزان الحكمة 1: 648.
  • [13] ـ ميزان الحكمة 4: 3479.
  • [14] ـ نهج البلاغة 2: 222 خطبة230.
  • [15] ـ وسائل الشيعة 2: 269.
  • [16] ـ بحار الأنوار 74: 198.
  • [17] ـ بحار الأنوار 23: 386.
  • [18] ـ مستدرك وسائل الشيعة 2: 105.
  • [19] ـ الكافي 5: 58.
  • [20] ـ التهذيب 6: 176.
  • [21] ـ جامع السعادات 3: 187.
  • [22] ـ آل عمران: 183
  • [23] ـ عيون أخبار الرضا× 2: 247 ح5.
  • [24] ـ نهج البلاغة: الخطبة رقم 229.
  • [25] ـ تنبيه الخواطر 2: 122.
  • [26] ـ ميزان الحكمة 2: 896.
  • [27] ـ بحار الأنوار 70: 90 ح62 عن الخصال.
  • [28] ـ إبراهيم: 2 ـ 3.
  • [29] ـ النحل: 106 ـ 107.
  • [30] ـ الحشر: 10
  • [31] ـ الأعراف: 43.
  • [32] ـ الحجر: 45 ـ 48.
  • [33] ـ الكافي 2: 344 ح2.
  • [34] ـ بحار الأنوار 72: 189 ح12 عن أمالي الطوسي.
  • [35] ـ الكافي 2: 346 ح7.
  • [36] ـ الكافي 2: 344 ح1.
  • [37] ـ الكافي 2: 345 ح6.
  • [38] ـ الكافي 8: 152 ح141.
  • [39] ـ بحار الأنوار 73: 363.
  • [40] ـ ميزان الحكمة 3: 2129.
  • [41] ـ الإسراء: 36.
  • [42] ـ الإسراء: 84.
بواسطة
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن - الهجرة والولاء

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى