الميثاق غير المباشر

المقدمة

وهذا قسم آخر من الميثاق يتم بين الله تعالى وبين عباده بواسطة الأنبياء، والمخاطب في هذا الميثاق هو العقل، وفي هذا الميثاق يقرّ الإنسان بربوبية الله تعالى، وأنه مخلوق مربوب لله تعالى…

العلاقة بين التكوين والتشريع

وهذه هي العلاقة التكوينية بين الإنسان وبين الله تعالى، يدركها الإنسان ويقرّ بها، في متن الميثاق الذي يتم عقده بين الإنسان وبين الله تعالى، بواسطة الأنبياء^.

كما يقرّ الإنسان بحق الله تعالى عليه في الطاعة والتسليم والانقياد لـه ولرسله… وهذه هي العلاقة التشريعية بين الإنسان وبين الله تعالى في متن الميثاق.

والعلاقة الثانية (التشريعية) نابعة وتابعة للعلاقة الاُولى (التكوينية)، فإذا كان الله تعالى هو خالق الإنسان وربّه، وكان الإنسان مديناً له في كل شيء، فلابدّ أن يكون الأمر والحكم لله تعالى في حياة الإنسان، ولابد أن ينقاد الإنسان ويستسلم لأحكام الله تعالى استسلاماً مطلقاً.

وهذه المعادلة بين القضية التكوينية والتشريعية من أوضح المعادلات، يشير إليها القرآن الكريم في سورة الأعراف: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}[1]، فإذا كان الخلق لله تعالى فلابد أن يكون الأمر لـه كذلك، ولن يكون للإنسان شيء من أمره وحياته وشؤونه، وإنما يرجع في ذلك كلّه إلى الله تعالى.

يقول الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة: (وإذا كان خالقاً لهم كان مالكاً لهم، وإذا كان مالكاً لهم حسن منه أن يأمرهم وينهاهم، لأن ذلك تصرّف من المالك في ملك نفسه، وذلك مستحسن فقوله سبحانه {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} يجري مجرى الدليل القاطع على انه يحسن من الله تعالى أن يأمر عباده بما شاء كيف يشاء)[2].

فالإقرار بالربوبية لابدّ أن يستتبعه إقرار بحاكمية الله تعالى.

والميثاق الذي يأخذه الأنبياء^ من الناس هو الإقرار بربوبية الله تعالى، والإقرار بحاكميته تعالى المطلقة، والإقرار بحقّ الله تعالى على عباده بالطاعة والتسليم.

وقد ورد ذكر هذا الميثاق في القرآن الكريم بالنسبة إلى المسلمين، وإلى بني إسرائيل، وإلى النصارى، في سورة المائدة.

ميثاق المسلمين

يقول تعالى: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}[3].

والخطاب هنا للمسلمين، والميثاق الذي تُشير إليه الآية الكريمة ميثاق المسلمين مع الله تعالى.

ومضمون الميثاق هو السمع والطاعة وقبول (حاكمية الله تعالى على عباده).

وهذا الميثاق في مقابل نِعم الله تعالى الكثيرة على الإنسان، وفي مقدّمتها نعمة الوجود والعقل، وتربط الآية الكريمة تذكير الإنسان بالميثاق بتذكير الإنسان بنعم الله تعالى، فإن هذه النعم هي أساس الميثاق، وعلى أساسها يتم الميثاق وإلزام الإنسان به من جانب الله تعالى.

ثم تؤكّد الآية الكريمة ارتباط الإنسان الشديد بهذا الميثاق بهذه الصيغة الموحية للإنشداد والارتباط الشديد بالعهد والميثاق مع الله {َمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ}، وكأن هذا الميثاق يشدّ الإنسان بالعهد مع الله تعالى، عهداً أو ميثاقاً لا يملك الإنسان أن يتجاوزه.

ومحور هذا الميثاق هو قوله تعالى: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}. وفي هذه الجملة يتلخّص الميثاق كلّه، وإذا تحقّق من الإنسان السمع والطاعة لله تعالى فقد تحقّق كل شيء من الميثاق، وإن لم يتحقق السمع والطاعة فلم يتحقق من الميثاق شيء. وهذا السمع والطاعة يجب أن يكون عن إيمان، وتقوى، وخشية الله تعالى، وما لم يكن كذلك فلا ينفع، ولا تخفى على الله تعالى خافية في نفوسنا {وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}.

ميثاق بني إسرائيل

ثم يعقّب القرآن الكريم هذا الميثاق بميثاق بني إسرائيل في نفس السياق وفي نفس السورة: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ*فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ}[4].

وتتجلّى رحمة الله تعالى ببني إسرائيل في هذه الآية الكريمة التي يعلن القرآن الكريم فيها عن أخذ الميثاق منهم بصورة عجيبة تستوقف الإنسان طويلاً.

فالميثاق الذي يأخذه الله تعالى من عباده لا يستحق الإنسان عليه جزاءاً من الله تعالى، فهو واجب يجب أن يلتزم به في مقابل نعمة الخلق والإيجاد، ولكنَّ الله تعالى من فضله بعباده يجزيهم على العمل بالميثاق في الدّنيا والآخرة.

والجزاء في هذه الآية الكريمة يأتي في السياق، سابقاً على الميثاق، ولاحقاً لـه، تثبيتاً لقلوب بني إسرائيل، وتطميناً لهم، فيعدهم الله تعالى
ـ أوّلاً ـ بمعيته لهم في السرّاء والضرّاء، وفي الشدّة والرخاء إن عملوا بالميثاق، ويعدهم أن لا يفارقهم وأن لا يحجب عنهم تأييده ودعمه وتسديده إن عملوا بالميثاق، ويأتي ذكر المعيّة الإلهية في سياق الآية الكريمة قبل ذكر الميثاق: {وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ}.

ويعدهم بعد ذلك أن يكفِّر عنهم سيئاتهم، ويدخلهم جنّات تجري من تحتها الأنهار، ويأتي ذكر هذا الفصل من الجزاء في السياق بعد ذكر الميثاق وبنوده.

معيّة الله تعالى في الدنيا والآخرة، وتكفير السيئات، ودخول الجنّة في الآخرة… كل ذلك جزاء للعمل بالميثاق، ولا يستحق الإنسان جزاءً على الله تعالى في العمل بالميثاق، ولكنّه فضل الله تعالى ورحمته الواسعة بعباده.

وأما بنود الميثاق فهي:

1 ـ إقامة الصلاة.

2 ـ وإيتاء لزكاة.

3 ـ والإيمان بالرسل.

4 ـ وتعزيز الرسل، فلا يكفي الإيمان بالرسل، إن لم يقترن بالنهوض بدعوة الرسل والقيام إلى جنبهم، ونصرتهم ودعمهم.

5 ـ وإقراض الله قرضاً حسناً، والعبد وما يملك لمولاه ما في ذلك شك ولا ترديد، ولكن الله تعالى يطلب من عباده أن يقرضوه قرضاً حسناً، فيرد لهم في الدنيا والآخرة ويضاعفه لهم.

ذلك هو الميثاق الذي أخذ الله تعالى من بني إسرائيل فلمّا أخلّوا بالميثاق عاقبهم الله تعالى على ذلك عقاباً صعباً. فلعنهم وطردهم من ساحة رحمته الواسعة التي تسع كل شيء {لَعنَّاهُمْ}.

وجعل قلوبهم قاسية ومنغلقة على هداية الله تعالى ورحمته، وسلب من قلوبهم الرقة والرحمة والانعطاف إلى الهدى {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً}.

وعند ذلك أخذوا يحرّفون الكلم عن مواضعه، ويتلاعبون بكتاب الله وعهده وميثاقه.

ميثاق النصارى

ثم يعقّب القرآن الكريم في نفس السياق، وفي نفس السورة هذا الميثاق بالميثاق الذي أخذه الله تعالى من النصارى.

{وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}[5].

وكذلك أخذ الله تعالى هذا الميثاق من النصارى من اُمّة المسيح بن مريم× فلما نسوا حظّاً ممّا أخذ الله منهم من الميثاق انتزع من قلوبهـم المحبة والمـودة، وأبدلهـا في نفوسهم بالعداوة والبغضاء إلى يوم القيـامة.

وما يستقبلهم من عذاب الله تعالى وعقابه الأليم يوم القيامة أشدّ وآلم.

الأبعاد الثلاثة للميثاق في سورة آل عمران

وفي سورة آل عمران نلتقي بهذا الميثاق الإلهي الشامل ذي الأبعاد الثلاثة.

{وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ*فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ*أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرض طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُون َ * قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ*وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}[6].

والبُعد الأوّل في هذا الميثاق الإلهي الشامل هو الالتزام بما أنزل الله تعالى على أنبيائه من كتاب وحكمة، وهذا البُعد وإن لم يكن مقصوداً مباشراً في الكلام ولكنّه يفهم من ضمن السياق.

والبُعد الثاني الإيمان بمن يأتي من بعدهم من الأنبياء وهذا الخطاب وإن كان بظاهره يقصد به الأنبياء^، إلاّ أن المقصود الحقيقي في الخطاب ـ بقرينة ما يأتي ـ  الاُمم الذين أرسل الله تعالى إليهم الأنبياء بالكتاب والحكمة.

والآية الكريمة تخبر أن الله تعالى طلب من اُولئك الاُمم أن لا يقتصروا على الإيمان والتصديق بالذين أرسلهم الله تعالى من الأنبياء، وإنما يجب عليهم إلى جانب ذلك أن يؤمنوا بمن يأتي من بعدهم من الأنبياء، وأمارة صدقهم في رسالتهم من الله أنّهم لا ينقضون رسالة من قبلهم من الأنبياء، ممّا أنزل الله عليهم، وممّا معهم من جانب الله تعالى من كتاب وحكمة… .

فهي شريعة واحدة وخط واحد، وامتداد واحد، ضمن مراحل، كل مرحلة منها يصدق ما سبق من المراحل، ولا يمكن أن تتناقض هذه المراحل وتتضارب، ولا يمكن أن يختلف هؤلاء الأنبياء بعضهم مع بعض، فهم يصدرون من نبع واحد، ويتصلون بمبدأ واحد، فإذا تصادقوا، واتفقوا وصدّق بعضهم بعضاً، فهو أمارة صدقهم جميعاً.

وعند ذلك يجب على المؤمنين الإيمان بهم جميعاً، وعدم التفكيك في الإيمان بين نبي ونبي، ومرحلة واُخرى في تاريخ الرسالات… فما دام هؤلاء الأنبياء كلّهم من جانب الله، فلا يجوز التفريق فيما بينهم، وقبول بعضهم وردّ البعض.

ولا يقتصر الأمر على الإيمان بخصوص من يأتي من الأنبياء، وإنما يجب أن يقترن هذا الإيمان بالعمل على نصرتهم وتأييدهم، كما ينصرون أنبياءهم تماماً. {وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ}.

فقد أخذ الله ميثاق النبيّين مهما آتاهم من كتاب وحكمة ثم جاءهم من بعده رسول يصدّق ما معهم من كتاب وحكمة فعليهم أن يؤمنوا به وينصروه، وقد شدّد الله تعالى على الأنبياء وأُممهم في الإقرار بهذا البُعد الأساسي في الميثاق تشديداً مؤكداً وأشهد الأنبياء على إقرار اُممهم بهذا الميثاق، وأعلن الله تعالى لأنبيائه عن شهادته بذلك، وعدَّ هذا الميثاق عَهداً له تعالى على عباده {قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي} والإصر هو العهد، {قَالُواْ أَقْرَرْنَا}.

وعند ذلك أشهدهم الله تعالى على اُممهم، وأعلن لهم أنه معهم من الشاهدين {قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ}، وهذا الإشهاد أمارة أن المخاطب الحقيقي المقصود من هذا الخطاب هو الاُمم وليس الأنبياء، وإنّما يخاطب الله تعالى الاُمم بواسطة أنبيائهم، ولذلك أشهدهم على أُممهم.

وقد أكّد الله تعالى هذا الميثاق وشدّد في الأخذ به، وعدَّ ذلك عهده وإصره، وأخذ الإقرار من الاُمم على لسان أنبيائهم على ذلك، ثم أشهدهم على اُممهم، وأعلن انّه معهم من الشاهدين.

وهو أكثر ما يمكن من تشديد في ميثاق.

وهذا التشديد في هذا البُعد من أبعاد الميثاق يكشف عن الأهمية البالغة لهذا البُعد من أبعاد الميثاق، فهذا الدين شريعة واحدة، وخط واحد، كما ذكرنا، وينبع من نبع واحد، وأي تفريق بين أجزاء مراحل هذا الدين يعدّ من الرفض لـه والإعراض عنه، فليس للإنسان المؤمن خيار في الأخذ بشطر من هذا الدين ورفض شطر آخر منه، فهو إمّا أن يأخذ به جميعه وفي جميع مراحله من دون تفريق وتفكيك فهو من المؤمنين، وإمّا أن يرفضه جميعاً أو شطراً منه فهو من الفاسقين {فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.

وتؤكد الآية الكريمة بعد ذلك هذه الحقيقة في وحدة نسيج الدين في جميع مراحله بهذه الجملة البليغة {أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرض طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}.

والبُعد الثالث لهذا الميثاق هو البعد العمقي الضارب في أعماق التاريخ، فكما يجب أن نربط الحاضر بالمستقبل في هذا الميثاق كذلك يجب أن نربط الحاضر بالماضي، والحاضر والماضي والمستقبل في هذا الميثاق أجزاء من نسيج واحد لا يجوز تفكيك بعضها عن بعض ولا التفريق فيما بينها، ولا يجوز فصل أعماق هذا الدين وجذوره عن فروعه وأغصانه وثمراته، فهو في مراحل التاريخ المختلفة كل مترابط، ووحدة متناسقة، يصدِّق بعضه بعضاً، ويعدّ جميعه وحدة حضارية ربّانية على وجه الأرض.

فاسمع إليه تعالى كيف يوجّه نبيّه2 في ختام هذه الآية المباركة أن يوجّه اُمّته إلى الإيمان بما أُنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما اُوتي موسى وعيسى من ربهم إلى جانب إيمانهم بما أنزل الله تعالى عليه2 من كتاب وحكمة، من دون تفريق ولا تفكيك، والتسليم لهم جميعاً.

{قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}.

ثم اسمع إلى هذه النهاية البليغة التي تعطي الحكم الحاسم من جانب الله تعالى في هذه القضية الرسالية الأساسية في حياة الإنسان: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.

فهذا هو الإسلام ديناً، كل مترابط، يرتبط حاضره بماضيه، ويرتبط ماضيه بمستقبله، والكل يعدّ وحدة حضارية ربّانية في حياة الإنسان، بعضه يتّصل ببعض، وبعضه يصدّق بعضاً ليس بين أجزائه تضارب أو تناقض، فمن يقبل به كلّه فهو من المسلمين، ومن يريد أن يفرِّق ويفكّك فهو ممّن يبتغي غير الإسلام ديناً، وهو من الخاسرين.

ومرّة اُخرى نعود إلى ما أخذ الله تعالى من بني إسرائيل من ميثاق.

ففي سورة البقرة يُذكِّرهم القرآن الكريم بهذا الميثاق الذي أخذه منهم موسى× بفقراته العشرة:

{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ:

1 ـ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ

2 ـ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً

3 ـ وَذِي الْقُرْبَى

4 ـ وَالْيَتَامَى

5 ـ وَالْمَسَاكِينِ

6 ـ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً

7 ـ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ

8 ـ وَآتُواْ الزَّكَاةَ

ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ:

9 ـ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ

10 ـ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ}[7].


المصادر والهوامش

  • [1] ـ الأعراف: 54.
  • [2] ـ التفسير الكبير للإمام الفخر الرازي: 14/ 126.
  • [3] ـ المائدة: 7.
  • [4] ـ المائدة: 12 ـ 13.
  • [5] ـ المائدة: 14.
  • [6] ـ آل عمران: 81 ـ 85 .
  • [7] ـ البقرة: 83 ـ 84 .
بواسطة
الشيخ آية الله محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن 2 (وعي القرآن)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق