الميثاق المباشر

الميثاق المباشر

المصدر الأوّل لهذا الميثاق في الفكر الإسلامي هو القرآن الكريم، وذلك في قوله تعالى من سورة الأعراف:

{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ*أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ}[1].

والآية الكريمة تتناول أربع مسائل، وهي:

1 ـ أخذ الذرية: وهو بمعنى فصل الذرّية وإخراجها من ظهور بني آدم لمخاطبتهم وأخذ الميثاق منهم، وذلك قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} فهذه الفقرة من الآية الكريمة تدل على تفريق ذرية بني آدم، بعضها عن بعض، لمخاطبة كل واحد منها وأخذ العهد والاعتراف منهم بصورة مستقلة.

2 ـ الميثاق والعهد والاعتراف بربوبية الله تعالى: وما يستتبع هذه الربوبية من العبودية والطاعة والتسليم لله تعالى وهو قوله تعالى: {أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى}.

3 ـ الإشهاد: فلابد في كل ميثاق وعهد من إشهاد لتوثيق العهد، والشاهد على الإنسان هنا في هذا العهد هو نفسه، فلا يمكنه أن يتخلّص من هذا الشاهد بحال من الأحوال، ولا أن ينكر شهادته، وذلك قوله تعالى: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ}.

4 ـ الاحتجاج بهذا الميثاق والعهد: من الله تعالى على الإنسان يوم القيامة إذا ادّعى الإنسان انّه غفل في الحياة الدنيا عن هذا الميثاق، أو حجبه عنه مواريث الشرك والجاهلية التي ورثها من أسلافه، وذلك قوله تعالى: {أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ*أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} أي أخذنا منكم هذا الميثاق وأشهدناكم على أنفسكم لئلا تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين.

وللمفسِّرين والعلماء ثلاثة آراء في تفسير هذه الآية الكريمة:

الرأي الأوّل

وهو الرأي الذي يتبناه أهل الحديث في تفسير هذه الآية المباركة. وخلاصة هذا الرأي أن الله تعالى أخذ من ظهر آدم ذريته قبل ميلادهم، على هيئة ذر مبثوث في الفضاء، أو انّه تعالى أخذ من ظهر آدم ذريته ومن ظهور ذريّته ذريّتهم ومن ظهور الذريّة من الجيل الثالث ذريّتهم من الجيل الرابع، وهكذا، حتى استوفى كل ذريّة آدم قبل ميلادهم، ومنحهم العقل والوعي والإرادة، وخاطبهم بقوله تعالى: {أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ؟} فأجابوا بالإيجاب، والتزموا بالطاعة والعبودية لله تعالى، ثم ردّهم الله تعالى إلى أصلاب آبائهم حتى اجتمعوا في صلب آدم مرّة اُخرى.

وقد ورد في ذلك روايات عن طرق الشيعة والسُنّة، نشير إلى بعضها:

1 ـ عن أبي عبد الله الصادق× في قول الله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} قال: أخرج الله من ظهر آدم من ذريّته إلى يوم القيامة، فخرجوا كالذرّ، فعرَّفهم نفسه، ولولا ذلك لن يعرف أحد ربّه، ثم قال: {أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُواْ: بَلَى}[2].

2 ـ عن زرارة قال: سألت أبا جعفر× عن قول الله عزّ وجلّ:
{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ} قال: أخرج الله من ظهر آدم ذريّته إلى يوم القيامة، فخرجوا كالذرّ فعرّفهم نفسه، وأراهم نفسه ولولا ذلك ما عرف أحد ربّه[3].

3 ـ وعن أحمد بن حنبل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبيّ2 قال إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم× يوم عرفة، فأخرج من صلبه كل ذريّة ذراها، فنثرها بين يديه، ثم كلّمهم فتلا قوله تعالى: {أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ: بَلَى…} إلى آخره[4].

وعندما تم أخذ الميثاق من ذريّة آدم أعادهم الله تعالى إلى صلب آدم من جديد، حتى إذا أخرجهم مرّة اُخرى إلى الحياة الدّنيا للامتحان والابتلاء بالتدريج… ذكروا ما عرفوه يوم الذرّ من الاعتراف بربوبية الله وتوحيده، وما ألزموا به أنفسهم من العبودية والطاعة، وإن كانوا قد نسوا الموقف وما كان فيه من خطاب وجواب.

عن زرارة قال: سألت أبا جعفر× عن قول الله عزّوجل: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ} قال: ثبتت المعرفة ونسوا الوقت وسيذكرونه يوماً ولولا ذلك لم يدر أحد من خالقه ولا من رازقه[5].

والأحاديث بهذا المعنى كثيرة، وأكثرها عن طرق أهل السنّة، وما ورد عن طرق الشيعة فضعيف لا يمكن الاعتماد عليه.

ومهما يكن من أمر فإن من الصعب تفسير الآية الكريمة بهذا الفهم وحمل الآية على هذا المعنى الذي يظهر من بعض الروايات، والله تعالى أعلم بمراده وقصده فإن الأحاديث تشير إلى أنّ الله استخرج ذريّة آدم من صلبه، والآية الكريمة تصرّح بأن الله أخذ من بني آدم من ظهورهم ذريّتهم وهو أمر آخر يختلف عمّا تنطق به الأحاديث.

والتفسير بهذه الطريقة يثير سؤالاً في الذهن من الصعب أن يجد الإنسان له جواباً مقنعاً وهو السؤال عن جدوى هذا العهد والميثاق الذي أخذه الله تعالى على عباده من قبل ميلادهم.. فليس هناك من يذكر هذا العهد والميثاق الذي تعهّد به قبل ولادته، ومثل هذا الميثاق الذي نسيه الإنسان في الحياة الدنيا لن يكون حجّة على الإنسان يوم القيامة، وأمّا الوعي الفطري والعقلي للتوحيد الباقي مع الإنسان في هذه الحياة الدنيا فهو حجّة على الإنسان بنفسه سبقه عهد قد نسيه الإنسان أم لم يسبقه.

وملاحظة ثالثة في تفسير الآية الكريمة بهذا الرأي: أن الاعتراف والإقرار والإشهاد والميثاق لابدّ أن يكون قد تمّ بهذه النفس التي جاء بها الإنسان إلى الحياة الدّنيا، ولن ينفع هذا الاعتراف والإقرار والميثاق لو كان بنفس اُخرى… وليس من شك من الناحية العقلية أن هذه النفس نشأت مع هذا البدن في هذه النشأة الدنيوية وتنمو وتكتمل مشاعرها ووعيها بنموّ البدن، ثم تستقل عن البدن بعد موت البدن وتفارقه بناءاً على نظرية الحركة الجوهرية… ومع التسليم بمقدّمات ونتائج هذه النظرية فلا سبيل إلى القول بتقدم خلق النفس على البدن.

فمن الصعب إذن قبول هذا الرأي في تفسير هذه الآية الكريمة.

وأمّا الأحاديث الواردة في عالم الذرّ، والتي فُسرت بها الآية الكريمة وذكرنا جملة منها… فلما كانت منافية لظاهر الآية الكريمة ولظاهر معنى الميثاق وما يطلب من الميثاق من الاحتجاج على العبد فلابد من توجيهها، وتأويلها، بشكل لا يصادر ظاهر الآية الكريمة، ولا الفائدة المطلوبة من الميثاق والعهد الإلهي… على أن جملة كبيرة من هذه الروايات لم ترد في سياق الآية الكريمة ولا تخص مضمونها… وهي من حيث السند ضعيفة لا يمكن الاعتماد عليها.

والذي أظنُّه في أمثال هذه الأحاديث أنّها تتحدّث بلغة الرمز، وهي لغة مألوفة في أمثال هذه المسائل في القرآن والحديث، يعرفها من ألِفَ لُغة القرآن والحديث في مسائل بدأ الخلق والتاريخ.

ولا يبعد أن يكون المقصود من هذه المخاطبة والإقرار في عالم الذرّ ـ والله أعلم ـ هو الخطاب بلغة التكوين والخلق، والإقرار بلغة الاستعداد ولسان الحال، كما في قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}[6] وقوله تعالى: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ}[7].

وهذا النوع من الخطاب، والهتاف، والإقرار أمر مألوف معروف في القرآن والحديث.

وقد انتبه إلى ذلك في تفسير هذه الآية جمعٌ من قدماء الفقهاء والعلماء كالشيخ المفيد والسيّد المرتضى رحمهما الله.

يقول الشيخ المفيد في جواب المسائل السروية:

فإن تعلق متعلّق بقوله تبارك اسمه {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ} فظن بظاهر هذا القول تحقق ما رواه أهل التناسخ والحشوية والعامة في إنطاق الذرية وخطابهم وانهم كانوا أحياء ناطقين فالجواب عنه: هذه الآية من المجاز في اللّغة كنظائرها ممّا هو مجاز واستعارة.

كما أوَّلَ السيّد المرتضى هذه الآية الكريمة بتأويل قريب من تأويل أستاذه المفيد رحمهما الله[8].

الرأي الثاني

الرأي الثاني في تفسير الآية الكريمة للعلاّمة الطباطبائي& صاحب تفسير الميزان وممّا يختص به، حيث يرى أن للأشياء وجودين: وجود واسع عند الله، ووجود مقدر في هذه النشأة الدنيوية.

والوجه الذي يلي الله تعالى للأشياء واسع، غير مقدر، محيط بالوجه الذي يلي الدنيا، والوجه الذي يلي الدنيا مقدّر بتقديرات دقيقة، وينمو نموّاً تدريجياً، يخرج بموجبه من القوّة إلى الفعل، وذلك قوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}[9].

نظرة في آية سورة الحجر

ولكي يتسنّى لنا أن نلمّ المامة جيّدة بهذا الرأي لابدّ أن نقف عند هذه الآية الكريمة من سورة الحجر وقفة قصيرة، لما لهذا الرأي من صلة وثيقة بهذه الآية الكريمة.

فنقف أوّلاً وقفات قصيرة عند مفردات هذه الآية الكريمة لننتقل إلى معناها الإجمالي بعد ذلك، وإليك ذلك:

1 ـ {وَإِن مِّن شَيْءٍ}: الشيء هنا عام يشمل كل شيء، لموضع النكرة في سياق النفي، وهذا الموضع يفيد العموم والشمول، وبناءً على رأي الأستاذ العلاّمة الطباطبائي& لا يخصّ الأنواع من الأشياء فقط، وإنما يشمل الأفراد والجزئيات أيضاً.

2 ـ {عِندَنَا}: لكل شيء، على ما تقدّم من العموم والشمول، وجهان: وجه عند الله، ووجه لدينا في هذه الدنيا، والوجه الذي عند الله تعالى هو الوجه (الملكوتي) للأشياء، والوجه الذي لدينا من الأشياء في الدنيا هو الوجه (المُلْكي) للأشياء، كما يصطلح عليه أصحاب الفلسفة.

3 ـ {خَزَائِنُهُ}: والوجه الذي يلي الله تعالى في عالم الملكوت غير محدود، وغير مقدّر بمقادير الدنيا وواسع ومحيط، وعند الله تعالى في عالم الملكوت من كل شيء خزائن واسعة، وتلك الخزائن محيطة بالوجه الذي يلي الدنيا للأشياء، لأن الوجه الذي يلي الدّنيا محدود، ومقدّر، والوجه الذي عند الله واسع وغير مقدّر بهذه المقادير، فيحيط به بالضرورة ويشمله. وهذه الخزائن لا تنقص بنزول ما ينزل من المقادير المعلومة للأشياء من عالم الملكوت إلى عالم الملك، فليس مَثَلها كمثل القطرة من الماء إذا اُخرجت من البحر، قلّ بمقدارها ماء البحر، مهما كانت القطرة صغيرة والبحر كبيراً، وإنّما مَثَلها كمثل الفكر الذي ينقله الإنسان إلى الآخرين وينحدر من إنسان إلى آخر، من دون أن ينقص من أفكار الطرف الأوّل شيء.

وكذلك خزائن عالم الملكوت تنزل من كل شيء بأمر الله إلى عالمنا بمقادير خاصّة يقدّرها الله تعالى، من دون أن ينقص منها شيء {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ}[10].

وتسمية هذا العالم بالملكوت مأخوذة من القرآن الكريم {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرض وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}[11].

وهذا العالم ليس هو عالمنا المشهود، وإنّما هو عالم فوق هذا العالم، لأن الله تعالى يعبّر عنه بـ (عندنا)، والأشياء هناك ثابتة، غير زائلة، ولا متغيرة، بعكس وجود الأشياء هنا في هذا العالم، فهي زائلة ومتغيرة ونافذة لقوله تعالى: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ}.

4 ـ {وَمَا نُنَزِّلُهُ} النزول هو انتقال الشيء من الأعلى إلى الأسفل، ولما كان العلو والسفل المكاني لا معنى لـه في هذا الانتقال فلابدّ أن يكون العلو والسفل أمراً معنوياً يخص عالم الملكوت تجاه عالم الملك. وعالم الملكوت أعلى من عالم الملك الذي هو دنيانا التي نعيش فيها، كما أن طبيعة النزول من الأعلى إلى الأسفل تقتضي أن تكون رتبة عالم الملكوت قبل عالم الملك.

فالأشياء إنما تنزل إلى عالم الملك بأمر الله من عالم الملكوت، فلابدّ من تقدّم عالم الملكوت على عالم الملك تقدّماً في الرتبة كما في تقدّم العلة على المعلول، وان تقارن الشيء الواحد في هذا العالم وذلك العالم في وقت واحد.

والتعبير عن الخلق بـ (النزول) ورد في القرآن الكريم في أكثر من موضع {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ}[12]، {وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}[13] وهو مما يوحي بأن خلق الأشياء في هذا العالم بمعنى نزولـه من عالم الملكوت إلى عالمنا بأمر الله تعالى.

ويتم النزول بأمر الله تعالى، ولا يتطلّب أمر الخلق والإنزال من الله تعالى مراحل من الخلق والعمل، وإنما يتم ذلك كلّه بأمره تعالى وإرادته ومشيئته، دفعة واحدة، يقول تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ}[14].

{وَمَا أَمْرُنَا إِلاّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}[15] فما يتعلّق من النزول بأمر الله تعالى يتم دفعة واحدة، وهذا معنى قوله تعالى: {كُن}.

ولكن تقبل الأشياء لأمر الله تعالى وإيجاده وخلقه أمر آخر يحتاج إلى زمن ومراحل للتدرّج في الخروج من القوة إلى الفعل، ومن العدم إلى الوجود، ولا يتم ذلك إلاّ بمرور زمن يطول أو يقصر يقول تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ}[16].

ويقول تعالى: {خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ}[17].

وهذا هو الوجه الآخر من عمل الخلق والإنزال، والذي يتعلّق بالأشياء وبقبولها لأمر الله وتعبر عنه الآية الكريمة بـ {فيكون}.

فيما يتعلّق من أمر النزول بأمر الله تعالى وهو الوجه الذي يلي عالم الملكوت يتم دفعة واحدة من دون تدريج، وما يتعلق منه بالأشياء، وهو الوجه الذي يلي عالمنا يتم بالتدريج بالخروج من القوّة إلى الفعل.

5 ـ {بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}: ونزول الأشياء بأمر الله من خزائن الملكوت يتم (بقدر معلوم)، وهذا القدر المعلوم هو حدود الشيء التي بها تتميّز الأشياء بعضها عن بعض، فيتميّز الحجر عن الشجر بحدوده، ومميزاته ومقاديره، كما تتميّز الأحجار بعضها عن بعض.

ولا يمكن أن ينفك النزول إلى عالم الملك عن التقدير والتحديد، فلكل إنسان حدوده التي يتميّز بها عن سائر الأنواع من الحيوانات والنباتات والجمادات، وله حدوده التي يتميّز بها عن سائر الأشخاص من أفراد الإنسان، وللقوى التي رزقه الله تعالى حدّ ومقدار، ولا يمكن أن ينفك الخلق والإنزال في هذا العالم عن التقدير والتحديد… وهذا هو (القدر) الوارد في نصوص (القضاء والقدر) يقول تعالى: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى}[18]، فلا تتم هداية الأشياء إلى الأهداف التي خُلقت من أجلها إلاّ بعد خلقها وتسويتها وتقديرها، يقول تعالى: {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}[19]، وهي تؤكد مضمون الآية الاُولى: فلا يمكن أن يحقق الشيء الغايات والأهداف التي خلق من أجلها إلاّ بعد أن يعطيه الله تعالى خلقه الخاص، وحدوده وقدره الخاص. يقول تعالى: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ}[20].

فلا يمكن أن ينفك الخلق والإنزال إلى هذا العالم من التقدير، والتحديد والتشخيص، بعكس عالم الملكوت الذي هو عالم الجمع والسعة، وفيه خزائن كل شيء، ولا نفاد لـه ولا يتحدّد بالحدود التي تتحدّد بها الأشياء هنا في عالم الملك.

الخلاصة في تفسير آية سورة (الحجر)

وعليه فإن آية سورة الحجر تشير إلى أن لكل شيء وجهين مختلفين، وجه في عالم الملكوت عند الله، ووجه آخر في عالم الملك عندنا ينزل من الوجه الأول بأمر الله، وهما ليسا شيئين مختلفين، وإنما هما وجهان لشيء واحد، أحدهما وهو الوجه الذي عند الله محيط بالآخر، وهو الوجه المقدر النازل إلى الحياة الدّنيا.

والوجه الثاني متأخّر عن الوجه الأوّل تأخّراً في الرتبة ومتفرّع عليه لقوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}[21]، فلا ينزل شيء من خزائن الله إلاّ بأمر الله {إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وإلاّ بقدر معلوم {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}[22].

ومع ذلك فهما وجهان لشيء واحد وفي زمان واحد وان كان أحدهما متفرّع عن الآخر ومتأخّر عنه في الرتبة.

وهذا الوجهان من نشأتين مختلفتين ولكل من هاتين النشأتين أحكامها الخاصة بها.

وبناءً على هذه النظرية في تفسير آية 21 من سورة الحجر، فإن لكل فرد من أفراد الإنسان نشأتين ووجهين، وجه يلي الله تعالى وعنده في خزائنه الواسعة، ووجه يلي الحياة الدنيا، والوجه الذي يلي الله تعالى لـه وجود واسع يفيض منه الله تعالى الوجود على الوجه الذي يلي الدنيا.

والوجه الذي في خزائن الله لا يغيب عن الله، وكيف يغيب فعل عن فاعله، ولا يحجبه شيء عن الله، بخلاف الوجه الذي يلي الحياة الدنيا فإن صوارف هذه الحياة وشواغلها تحجبه عن الله، ولا يتلوّث الوجه الأول بلوثة الشرك والكفر والعصيان، بينما يتعرّض الوجه الثاني للوثة الشرك والعصيان.

والناس في النشأة الاُولى عند الله، يشاهدون الله، ولا يغيبون عنه، ولا يحجبهم عنه تعالى شيء، فيقرّون لـه بالربوبية ويقرّون على أنفسهم بالعبودية، ويقرّون له تعالى بالطاعة والتسليم.

وهذه خلاصة رأي العلاّمة الطباطبائي& في تفسير الميثاق من الآية 172 من سورة الأعراف، وهي التفاتة دقيقة ومستنيرة وإدراكها واستيعابها يحتاج ـ كما يقول& ـ إلى لطف قريحة. وإن أراد أحد أن يطّلع على تفاصيل أكثر لهذه النظرية، واستيعاب أوسع لها فعليه بمراجعة التفسير القيّم (الميزان) الجزء الثامن صفحة 319 ـ 322 من الطبعة الثانية.

وهذا الرأي أشمل من الرأي الثالث الذي يأتي إن شاء الله في تفسير الميثاق بالميثاق الفطري، فهو ميثاق عقلي، وفطري واعي للإنسان في هذه النشأة الربانية، يستحضره الإنسان لو عاد إلى عقله وفطرته، واخترق حُجب الغفلة ومواريث الشرك من الأسلاف.

والخطاب والجواب في هذا الميثاق ـ بناء على هذا التفسير ـ ليس خطاباً وجواباً محسوساً كالمعهود من الخطاب والجواب، وكما ورد في التفسير الأوّل، وانّما يرمز هذا الخطاب والجواب إلى استجابة الإنسان في تلك النشأة استجابة فطرية وعقلية للإقرار بربوبية الله تعالى وعبودية الإنسان لله تعالى، والاستجابة والتسليم لدعوته وحاكميته تعالى.

فليس في الأمر ـ إذن ـ موقف محسوس لمثل هذا الخطاب والجواب، كي لا يتم الاحتجاج به عند نسيانه في هذه النشأة، فيتم الاحتجاج على الإنسان بهذا الميثاق، ولا يصح منه اعتذار بالنسيان والغفلة ومواريث الآباء.

الرأي الثالث

إن هذا الخطاب والحوار قد وقع بالمعنى الذي سوف نشرحه ـ إن شاء الله ـ في عالم الذرّ قبل ميلاد بني آدم كما ورد في الروايات، فأخذ الله تعالى ذريّة بني آدم من ظهر آدم، أو ظهر آدم وذريّته بالتوالي كما شرحناه آنفاً، ونشرها بين يديه على هيئة الذرّ (ذرات ناعمة ودقيقة) في الفضاء، وأخذ الله تعالى منها الإقرار بالعبودية والطاعة.. إلاّ أن الجواب والإقرار تم بلسان الاستعداد، وهو لسان مألوف في التخاطب، والقرآن الكريم يستعمل هذه اللغة أحياناً.

فإن هذه الذرّات التي أخذها الله تعالى من ظهر آدم قبل ميلاد بني آدم كانت تحمل ـ على ما يبدو ـ كلّ الاستعدادات والقوى والإمكانات والمواهب التي تبرز في شخصية الإنسان السويّ من العقل والفطرة والضمير والعاطفة والإحساس والبصيرة والفؤاد، والسمع، والبصر، وما إلى ذلك من نوافذ المعرفة في شخصية الإنسان، وكذلك النزوع الفطري في شخصية الإنسان إلى الإيمان بالله، والتسليم له تعالى.

وهذه الاستعدادات والكفاءات وإن كانت غير فعلية ولا فاعلة في هذه الذرات بطبيعة الحال إلاّ أنها تشكّل أساساً بالقوّة، لكل الاستعدادات والمواهب والقدرات التي تنطوي عليها شخصية الإنسان، وكتاباً حافلاً بكل ما يحمله الفرد من المواهب والكفاءات والقدرات، كما تحمل نواة الخلية الناسلة الواحدة (الزيحوت أو اللاقحة) كل خصائص ومكوّنات الإنسان والمواريث التي يرثها من أسلافه[23].

فهذه الذرّات الدقيقة المبثوثة في الفضاء، والتي أخذها الله تعالى من ظهر بني آدم وآدم قبل خلقهم كانت تحمل سجـلاًّ حافلاً بالقدرات والمواهب والكفاءات التي يحملها كل إنسان يعيش على وجه الأرض…

وهذه الكفاءات والقدرات كانت موجودة بالقوة في هذه الذرات، وإن كانت غير واعية ولا فاعلة، ولكنّها تشكّل سجـلاًّ دقيقاً لها جميعاً في مرحلة القوة والكمون.

فاستنطقها الله تعالى جميعاً بالخطاب الكريم: {أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ}؟، فأقرّت واعترفت، بلسان الاستعداد الكامن فيها بالربوبية لله تعالى والطاعة.. وكأن الله تعالى إذ خلق هذه الكائنات الدقيقة والحافلة بخزائن الكفاءات والقدرات الإنسانية يطلب منها الإقرار لـه تعالى بالربوبية وهذا هو لسان الخلق والتكوين، فتقر هذهِ الذرات لله تعالى بالربوبية بلسان الاستعداد، فهي وإن كانت غير واعية، ولكنّها تحمل الاستعداد للوعي الفطري، والإيمان بالله بشكل كامل… وهذا الاستعداد ينطوي على نوع من الإقرار بربوبية الله تعالى، كما تحمل الفطرة والعقل الواعيان إقراراً فعليّاً بالربوبية والطاعة.

وهذه لغة في التخاطب يستعملها القرآن الكريم أحياناً، ومن المحتمل أن يكون منها ـ والله تعالى أدرى بمقاصد كلامه ـ قوله تعالى: {قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرض}[24].

فلم ينبئ آدم الملائكة بالأسماء، وإنما عرفوا منه انّه يملك القدرة على الإجابة ومن ذلك قوله تعالى: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ}[25] فلم يتم سؤال وجواب في أغلب الظن بين الله تعالى والنار بالطريقة التي يوحيها ظاهر الألفاظ، وإنما يعبّر عن استعداد جهنّم لقبول مزيد من المجرمين.

وهذه طريقة مألوفة في القرآن والحديث للتعبير عن المسائل الغيبية التي تتم خارج الدوائر المحسوسة والقريبة من حس الإنسان.

نظرية في طريقة دلالة الألفاظ

ولكي نوفي هذه النقطة حقّها من الدراسة لابد أن نشير إلى قاعدة تعيننا في الإجابة على الكثير من هذه التساؤلات في القرآن والحديث وهي: أن الألفاظ لم توضع أساساً للمصاديق وإنّما وضعت للمفاهيم، وتَبادر المصاديق الحسية من هذه الألفاظ إلى الذهن يتم بفعل الأُنس الذهني مع هذه المصاديق المحسوسة وكثرة استعمال هذه الألفاظ في هذه المصاديق.

فلفظ (القلم) و(اللوح) و(الكتاب) و(الميزان) و(الكلمة) لم توضع للمصاديق المحسوسة من هذه الألفاظ، وإنما وضعت للمفاهيم العامة التي تنطبق على المصاديق الحسية، وعلى غيرها، على نحو سواء، من دون تَجَوّز في استخدام اللفظ.

فالميزان، هو ما يوزن به، سواء كان الميزان وما يوزن ماديّاً محسوساً أم كانا غير محسوسين، ومحاسبة الله تعالى لعباده وتقديره لحسناتهم وسيئاتهم من الميزان، ويسمّي علماء المنطق علم المنطق بـ (الميزان)، لأنّه أداة لتشخيص الحق من الباطل، والصحيح من السقيم.

والكتاب، هو السِّجل الذي يحتفظ بالمعلومات، سواءاً كان من القرطاس أو من اللوح الذي يقول عنه تعالى: {وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}[26]، {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}[27] والمقصود بالكتاب في هاتين الآيتين هو علم الله تعالى الذي لا يشذّ عنه صغير ولا كبير، ولا رطب ولا يابس.

وقوله تعالى: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ}[28].

والكلمة، هي وسيلة وأداة للتعبير وإلقاء المعنى، وقد تكون الكلمة هي اللفظ المعبّر عن المعنى، وقد تكون الكتابة. وقد تكون الإشارة، وقد تكون غيرهما، والقرآن الكريم يعبّر عن المسيح بن مريم‘ بـ (كلمة الله) يقول تعالى: {إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ}[29] فالمسيح بن مريم من كلمات الله، به أظهر الله تعالى أمره، وبه حقق الله البشارة التي بشّر بها موسى× بني إسرائيل من قبل.

وعلى هذا الأساس فإن (الإشهاد) و(السؤال) ألست بربكم؟، و (الجواب) و(الإقرار) قالوا: بلى، لا يختص بالإشهاد والسؤال والإقرار المألوف عند الناس عن طريق المشافهة والمخاطبة، ويشمل كل الوسائل المعبرة عن المطالبة والإقرار والإشهاد.

الرأي الرابع

والذي أتصوره في تفسير الآية الكريمة: أن الميثاق الذي تشير إليه الآية الكريمة تم في هذه النشأة، وفي الحياة الدنيا التي نعيشها، وأنّ الذرية التي أخذها الله تعالى من ظهور بني آدم ليس من الذرّ المبثوث، وإنّما هو ذرية حقيقة بمعنى النشأ والنسل كما في قوله تعالى: {وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء}[30] وقوله تعالى: {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ}[31] وأخذ الذرية من ظهور بني آدم هو الولادة الطبيعيّة التدريجيّة لذريّة بني آدم من أصلاب آبائهم وأرحام اُمّهاتهم.

والميثاق الذي تشير إليه الآية الكريمة ميثاق فطري يعقده العبد مع الله تعالى في الإقرار بالربوبية لله والعبودية والطاعة لله بصورة فطرية وهذا الميثاق الفطري الذي يتم بين العبد وبين الله تعالى يتم في مرحلة من مراحل النضج والوعي الفطري بدون استثناء.

فقد روي عن رسول الله2: (كل مولود يولد على الفطرة)[32]، فلابد أن يمرّ كل إنسان بمرحلة من النضج والوعي الفطري، تتفتح نوافذ قلبه وفطرته على الله تعالى في مرحلة مبكرة من عمره، ثم تفسده التربية والبيئة بعد ذلك، وفي هذه المرحلة ينعقد هذا الميثاق الفطري بين العبد وبين الله تعالى، ويلزمه الله تعالى بعد ذلك بهذا الميثاق ويحتجّ به عليه، ولا ينفعه أن يعتذر بالغفلة أو تقليد الآباء.

وهذا الميثاق الفطري يتقوّم بمطالبة الله تعالى لعباده بالإقرار بربوبيته: {أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ} أوّلاً، وبإقرار العباد لله تعالى بالربوبية {قَالُواْ: بَلَى} ثانياً، وبالإشهاد على أنفسهم {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ} ثالثاً.

وكل ذلك يجري بصورة فطرية، واللغة التي يستعملها القرآن الكريم في هذا الحوار لغة رمزية تشير إلى لجوء الإنسان بالفطرة إلى الله تعـالى، وإحساسه الفطـري العميق بـالحـاجة إلى الله وبربوبية الله تعالى لــه.

فالخطاب من الله تعالى للذريّة يرمز إلى الخلق والربوبية، وفي الخلق والربوبية ما يستنطق المخلوق للإقرار بربوبية الخالق والاعتراف بحاجته إليه وارتباطه به، حدوثاً واستمراراً.

وفي حاجة العبد إلى الله تعالى وفقره إليه تعالى وإحساسه الفطري بذلك ما يستبطن الإقرار بربوبية الله تعالى وعبودية الإنسان.

فكل إنسان يشعر شعوراً فطرياً عميقاً بفقره، وحاجته، وعدم استقلاله، في أي شيء يتعلّق بحياته، وهذا الفقر والحاجة التي هي أبرز سمات الممكنات هي إقرار بالربوبية والعبودية.

وفي وقوف الإنسان وإطلاعه على حاجته وفقره وارتباطه بالله تعالى في الحدوث والبقاء إشهاد للإنسان على نفسه بالعبودية كذلك.

وهذه لغة رمزية مألوفة في القرآن والحديث لمن يألف لغة القرآن الكريم والحديث الشريف في مثل هذه المسائل.

رأي الشيخ المفيد

يقول الشيح المفيد& في أجوبة المسائل السروية: (فإن تعلّق متعلق بقوله تبارك اسمه: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ} فظن بظاهر هذا القول تحقّق ما رواه أهل التناسخ والحشوية والعامة في إنطاق الذرية وخطابهم، وأنّهم كانوا أحياء ناطقين، فالجواب عنه أن هذه الآية من المجاز في اللغة، كنظائرها مما هو مجاز واستعارة. والمعنى فيها أن الله تبارك وتعالى أخذ من كل مكلف يخرج من ظهر آدم وظهر ذريّته العهد عليه بربوبيته من حيث أكمل عقله، ودلّه بآثار الصنعة على حدوثه، وأن لـه محدثاً أحدثه لا يشبهه، يستحق العبادة منه بنعمه عليه.. فذلك هو أخذ العهد منهم، والإشهاد لهم على أنفسهم بأن الله تعالى ربّهم)[33].

ثم استشهد على استخدام القرآن الكريم لهذه اللغة الرمزية في أمثال هذه المعاني بقوله تعالى {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}[34].

فقال&: (وهو سبحانه لم يخاطب السماء بكلام، ولا السماء قالت قولاً مسموعاً، وإنما أراد انه عمد إلى السماء فخلقها، ولم يتعذّر عليه صنعها، فكأنه لما خلقها {َقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} فلما تعلقتا بقدرته كانتا كالقائل {أَتَيْنَا طَائِعِينَ}. وكمثل قوله تعالى: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ}[35] والله تعالى يجلّ عن خطاب النار، وهي ممّا لا تعقل ولا تتكلّم، وإنما الخبر عن سعتها، وأنها لا تضيق بمن يحلّها من المعاقبين، وذلك كلّه على مذهب أهل اللغة وعادتهم في المجاز، ألا ترى إلى قول الشاعر:

وقالت له العينان سمعاً وطاعةً وأسبلتا كالدرّ ما لم يثقب[36]

إذن في مرحلة مبكرة من مراحل نضج الفطرة يتفتح الإنسان للاستجابة لله تعالى، والنزوع إلى الدين بصورة فطرية عميقة نابعة من عمق الفطرة والذات الإنسانية.

وهذه الاستجابة الفطرية هي الإقرار بربوبية الله تعالى والطاعة والتسليم لـه بلغة الفطرة، كما أن خلق الإنسان وإبداعه من جانب الله تعالى ينطوي على أخذ الإقرار والاعتراف والعهد بربوبية الله تعالى ووجوب التسليم له.

جولة تأمّل في عمق الفطرة

ولكي نفتح هذا الموضوع أكثر.. لابد أن ندخل إلى عمق فطرة الإنسان لنبحث عن جذور هذا الإقرار والإشهاد في داخل الذات الإنسانية.

فنقول: إن في عمق فطرة الإنسان ترابط وثيق بين ظاهرتين مألوفتين في حياة الإنسان وهما (الجميل، والوفاء) فكل (جميل) وإحسان يستتبع (الوفاء)، بصورة فطرية في نفس الإنسان، ويعتبر كل جميل دَيْناً على ذمّة الإنسان، يستوجب التسديد والوفاء.

فكما أن الشرع والقانون يلزم المدين بالوفاء وتسديد الدَين، كذلك الفطرة الإنسانية السليمة تتلقّى الجميل والإحسان من الآخرين بنفس الطريقة، التي يتلقى فيها الإنسان الدَين، ويعتبر نفسه ملزماً بالوفاء.

والعلاقة بين (الجميل) و(الوفاء) كالأواني المستطرقة في الفيزياء، كلّما يزيد الجميل يستتبع ذلك وفاء أعظم وأكثر، والإحساس بالوفاء في مقابل الجميل إحساس فطري عميق في نفوس الناس جميعاً.

ولا شك أن هذا الإحساس والشعور الفطري بالوفاء في عمق فطرة الإنسان يستوجب من الإنسان الإقرار بالربوبية لله تعالى والعبودية والطاعة والتسليم لله تعالى بشكل فطري.

فإنّ الإنسان يشعر شعوراً واضحاً بأنّه مدين لـه تعالى بكل شيء في وجوده وحركته وأعماله، وما أودع الله تعالى فيه من قدرات وكفاءات وإمكانات.

والحاجة الفطرية التي يحسّ بها كل إنسان في عمق نفسه إلى الوفاء لصاحب الجميل والإحسان… تدعو الإنسان للتسليم والطاعة والإقرار بالعبودية له تعالى.

كما أن إحساس الإنسان بالفقر والحاجة إلى الله تعالى يـدعوه إلى اللّجوء إليه.

فهناك نزوع فطري ـ إذن ـ في نفس الإنسان إلى الإيمان بالمصدر الذي منحه الوجود والحياة. وهذا النزوع والميل الفطري يصدق على كل المنتمين إلى الأديان حتى المنحرفين منهم، فإن انحرافهم عن الله تعالى لا يصادر نزوعهم للإيمان بالمبدأ الذي منحهم الوجود، وإن انحرفوا في مرحلة التشخيص.

فهناك نزوع فطري ـ إذن ـ في نفس الإنسان للوفاء والشكر للمبدأ الذي آتاه الوجود والحياة يتجسّد في صورة الطاعة والتسليم، والانقياد، والحب والولاء. ونزوع فطري في النفس اللّجوء إلى المبدأ الذي يفتقر إليه ويحتاجه ويغنيه ويعينه في السراء والضراء، يتجسّد في صورة الدعاء والتضرّع والالتماس، والابتهال.

وكل ذلك يتم بصورة طبيعية في عمق فطرة الإنسان دون أن يجد عناءً، أو يحتاج إلى استخدام العقل والاستدلال والحجج المنطقية.

وهذا الإقرار، والتسليم والحب، واللّجوء الذي يتم بصورة فطرية في عمق الذات هو الميثاق الذي تشير إليه الآية الكريمة، على هذا الرأي، والذي يتم بصورة مباشرة بين الإنسان وبين الله تعالى.

وقد ورد في جملة من الأحاديث أن المقصود بالفطرة هي الميثاق الذي تشير إليه آية الميثاق.

روى الشيخ الصدوق في كتاب التوحيد عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله× قال: سألته عن قول الله عزّوجلّ: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} ما تلك الفطرة؟ قال: هي الإسلام فطرهم الله حين أخذ ميثاقهم على التوحيد، فقال: {أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ} وفيه المؤمن والكافر[37].

أصالة التديّن في فطرة الإنسان

ولأمر ما يربط القرآن الكريم الدين بالميثاق، والميثاق بالفطرة بهذه الصورة، كما نفهمها نحن .. ولا نعلم بالتحقيق كم كانت هذه المسألة تأخذ من اهتمام وتفكير الجاهلية في عصر نزول القرآن… إلاّ أننا نعلم أن هذه النظرية القرآنية تُحارَب من قبل الجاهلية المعاصرة بصورة قوية.

والتأكيد على ربط الدين بالميثاق، وربط الميثاق بالفطرة في القرآن الكريم ـ كما نفهم ـ لدحض هذه النظرية الجاهلية في الدين.

والنظرية هي أن (الدين) ظاهرة اجتماعية اُضيفت إلى الإنسان إضافة. وأتته من ظروف معيشته، وبيئته،وحضارته، والميراث الحضاري الذي ورثه من أسلافه، وليس الدين أمراً نابعاً من عمق ذات الإنسان.

وكل فئة من فئات الجاهلية المعاصرة تفسِّر الدين بهذا الاتجاه على طريقتها الخاصة، فالماركسية مثلاً تقول بأن الدين نتيجة من نتائج الصراع الطبقي في المجتمع، فلكي تحمي الطبقة المُستَغِلَّة (بالكسر) نفسها من الطبقة المُستَغَلَّة (بالفتح)، ومن ثورتها، وتمردها تحتمي بسلسلة من المؤسسات الاجتماعية التي تخلقها، وتطورها لهذا الغرض.

ومن تلك المؤسسات (الدولة) التي تقوم بحماية مصالح الطبقة المُستَغِلَّة (بالكسر) من ثورة الطبقة الكادحة. ومن تلك المؤسسات (المؤسسة الدينية) التي تقوم بتخدير الطبقة المُستَثمَرَة (بالفتح) لئلاّ تتجه إلى الثورة والتمرّد على الطبقة الرأسمالية المستغِلة.

ومن العجيب أن علماء الماركسية المعاصرين اليوم يقولون أن الإسلام يقود العالم الإسلامي والحركات الثورية المعاصرة ضد الاستغلال…!

ومهما يكن من أمر فإن الجاهلية المعاصرة تؤكد على مسألة ارتباط الدين بالظروف السياسية والاقتصادية والتناقضات الطبيعية في المجتمع بصور مختلفة. وتجتمع عند مسألة واحدة وهي أن الدين من نتائج وآثار الظروف الاجتماعية التي تفرض على الإنسان، وليس نابعاً من ذات الإنسان وداخله.

وهذه المسألة نابعة وتابعة لمسألة اُخرى تعتبر هي الأساس لهذه المسألة، وهي هل أن الإنسان يولد مجرّداً عن أيّة قيمة إنسانية من الدين والأخلاق، وهل هو صفحة بيضاء لا تحمل شيئاً… والحياة الاجتماعية هي التي تملي عليه الأفكار والقيم والأخلاق، فتختلف أخلاق الناس، وأفكارهم، وقيمهم باختلاف البيئات والأوساط التي يعيشونها…؟ أم أن الإنسان يولد، وهو سجلّ حافل بالقيم والأفكار والأخلاق تمَّ تسجيلها في متن تكوينه، وصلب ذاته، وأعماق نفسه من قبل الولادة، وجاء إلى هذه الدنيا، وهو حافل بكل هذه القيم والأفكار والأخلاق بصورة مسبقة من قبل… وإنّما التربية والبيئة ترسّخانه فيما هو عليه أو تحرفانه عمّا هو عليه.

أما الإسلام فيذهب إلى المذهب الثاني، ويؤمن بأن الإنسان يولد وهو متكامل الشخصية من حيث المبادئ والاُسس، ويحمل في عمق فطرته الاستعداد للقيم والإيمان والأخلاق بصورة مسبقة، وينمو، وتنمو، وتتكامل معه هذه الاُصول، وليس الأمر كما يقولون: إن الإنسان يولد صفحة بيضاء، ثم يملي عليه المحيط والبيئة من الخارج قيمه وأخلاقه ومبادئه.

ولعل التعبير القرآني التالي يُشير إلى هذه الحقيقة:

{صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ}[38] والصبغة اللون… والقرآن الكريم قد يشير بذلك إلى أن الدين ليس ممّا اُضيف إلى شخصية الإنسان من الخارج، وإنّما (التديُّن) هو اللون الذي صبغ به الله تعالى شخصية الإنسان في متن الخلقة وعمق الفطرة والكينونة الإنسانية.

وإلى هذه الحقيقة يشير القرآن الكريم أيضاً في آية الفطرة {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}.[39]

والآية الكريمة تأمر بالتوجّه إلى (الدّين) وانتهاج نهج الدين {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ}.

ويقرّر القرآن أن هذا الميل والاتجاه نابع من داخل النفس وهو معنى قوله تعالى: {حَنِيفًا}.

يقول الراغب في مفرداته: (الحنف) ميل عن الضلال إلى الاستقامة، والحنيف هو المائل إلى ذلك قال عزّوجلّ: {قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا} وقال: {حَنِيفًا مُّسْلِمًا}. فالحنيف ـ إذن ـ قريب من معنى الفطرة ويأتي بمعنى الميل إلى التدين النابع من داخل الذات.

{فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}: وهذا الميل الداخلي للتديّن والتوجّه إلى الله تعالى هو الفطرة والتكوين الذي خلق الله الإنسان بموجبه .. وكان هذا الميل والنزوع النفسي للتدين ثابتاً في النفس، ونابعاً من داخل الإنسان، وليس أمراً يُضاف إلى شخصية الإنسان من الخارج.

المصادر والهوامش

  • [1] ـ الأعراف: 172 ـ 173.
  • [2] ـ بحار الأنوار: 5 / 250 ح 41.
  • [3] ـ بحار الأنوار: 5 / 258 ح41.
  • [4] ـ تفسير المنار 9: 389 ـ 390.
  • [5] ـ تفسير نور الثقلين 2: 96 ح350، وبحار الأنوار: 5/: 243 ح32، وبمضمونه رواية اُخرى عن أبي محمّد× في البحار: 5/ 260 ح67.
  • [6] ـ فصّلت: 11.
  • [7] ـ ق: 30.
  • [8] ـ راجع بحار الأنوار: 5 / 264 ـ 269.
  • [9] ـ الحجر: 21.
  • [10] ـ النحل: 96.
  • [11] ـ الأنعام: 75.
  • [12] ـ الحديد: 25.
  • [13] ـ الزمر: 6.
  • [14] ـ يس:82 ـ 83 .
  • [15] ـ القمر: 50.
  • [16] ـ الحديد: 4.
  • [17] ـ فصّلت: 9.
  • [18] ـ الأعلى:2ـ3.
  • [19] ـ طه: 50.
  • [20] ـ الرعد: 8.
  • [21] ـ يس: 82 .
  • [22] ـ الحجر: 21.
  • [23] ـ تتركب هذه الخلية من نواة الحيوان المنوي للرجل ونواة البويضة للاُنثى، ويقول العلماء إن كل دفعة واحدة من المني تنتج ما يقرب من خمسمئة مليون حيوان منوي تتسابق باتجاه البويضة أيها يسعدها الحظ فتخترق البويضة لتكوّن معها خلية واحدة هي الخلية اللاقحة الاُولى لبناء الإنسان، وتحتوي هذه الخلية على (24) زوجاً من الكروموزومات أي ثمانية وأربعين كروموزوما يشكّل كل اثنين منهما زوجاً متشابهاً من الكروموزومات، وهي خيوط دقيقة، تحمل جسيمات صغيرة تسمى بـ (الجينات) تصطفّ على امتداد الكروموزومات الواحدة خلف الاُخرى كما تنتظم الأحجار الكريمة على العقد، ويبلغ عدد هذه الجينات عشرين ألفاً تقريباً، وهي تتوزّع على ثماني وأربعين كروموزوماً داخل نواة الخلية حيث يصيب كل واحد من الكروموزومات ما يزيد على أربعمئة جينة (عدد الجينات على الكروموزومات يختلف باختلاف طول وقصر الكروموزوم) وهذه الجينات هي الخزائن التي تحتوي الخصائص والمكوّنات ومواريث الإنسان من أسلافه وكل زوج من هذه الجينات على كروموزومين متشابهين يتفاعلان يعملان على إفراز من خصائص شخصية الإنسان.

      إنّ هذه الذرّة الدقيقة والبالغة الدقّة (الخلية الواحدة) تحمل في نواتها كل خصائص شخصية الإنسان وتشكّل سجلاً حافلاً بكل خصائص ومكوّنات الإنسان، ولكن في مرحلة القوة والكمون، وتبرز هذه الخصائص بالتدريج من القوة إلى الفعل بالانقسامات المتوالية للخلية، وكل خلايا جسم الإنسان تحمل هذا السجّل الحافل، بمواريث الأسلاف ومكوّنات وقدرات الإنسان ولكن هذه الخلايا تقوم بإفراز أثرها في العضو المناسب فقط، فجينتا لون العين مثلاً موجودتان في كل خلية من خلايا الجسم إلاّ انهما تحدثان أثرهما في العين فقط.

      وهذه الخلايا التي تشكّل سجّلات دقيقة وواسعة لمكوّنات شخصية الإنسان صغيرة ودقيقة، بالغة الصغر والدقة بحيث لو أنّنا أردنا أن نقوم بإحصائية واسعة لكل الخلايا الموجودة في جسم إنسان معتدل الوزن والحجم لانتهينا إلى رقم يقترب من عشرة ملايين بليار خلية يعني (10)16 خلية، ولو أردنا إحصاء هذا الرقم وأمكننا إحصاء كل ألف خلية في ثانية واحدة لاحتجنا إلى300.000 سنة متواصلة متصلة ليلاً ونهاراً لإحصاء هذا العدد الهائل العظيم.

  • [24] ـ البقرة: 33.
  • [25] ـ ق: 30.
  • [26] ـ الأنعام: 59.
  • [27] ـ يونس: 61.
  • [28] ـ الحجر: 4.
  • [29] ـ آل عمران: 45.
  • [30] ـ البقرة: 266.
  • [31] ـ يونس: 83.
  • [32] ـ الكافي: 2/ 13 ضمن الحديث 3; غوالي اللآلي: 1/ 35 ح18; بحار الأنوار: 3/ 281 ح22.
  • [33] ـ بحار الأنوار: 5/ 264.
  • [34] ـ فصّلت: 11.
  • [35] ـ ق: 30.
  • [36] ـ بحار الأنوار: 5 / 265.
  • [37] ـ التوحيد للشيخ الأقدم الصدوق: 329، ط قم ـ مؤسسة النشر الإسلامي.
  • [38] ـ البقرة: 138.
  • [39] ـ الروم: 30.
بواسطة
الشيخ آية الله محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن 2 (وعي القرآن)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق