الميثاق

المقدمة

الميثاق: عهد بين العبد وبين الله تعالى يعترف العبد فيه لله تعالى بالربوبية، وعلى نفسه بالعبودية، ويلتزم بموجب هذا الميثاق بالطاعة لله تعالى.

والميثاق من الوثاق، والشدّ والربط، وكأنّ هذا الميثاق يشدّ الإنسان ويربطه بالالتزام بالطاعة للأحكام والأوامر والحدود التي يحددها الله تعالى لعباده في حياتهم، ويسلب عنهم الخيار والحرية في القبول والرد.

وعلى أساس هذا الميثاق يتم الاعتراف بالعلاقة التكوينية والعلاقة التشريعية بين الله تعالى وعباده.

وهي: الخلق والربوبية، على صعيد «التكوين» فإن الله تعالى هو الخالق الرب، والإنسان هو المخلوق المربوب لله تعالى، مدين له بكل شيء في وجوده.

وعلى صعيد «التشريع» الاعتراف بأن الحاكمية المطلقة لله تعالى على عباده، وان على العباد الطاعة المطلقة لله تعالى.

وهاتان العلاقتان (التكوينية والتشريعية) متلازمتان لا يمكن فصل بعضهما عن بعض.

وهذا الميثاق هو أساس دعوة الأنبياء للناس، والأنبياء يذكِّرون الناس بهذا الميثاق الإلهي، ويدعونهم إلى الالتزام به، ويؤكدونه بمواثيق وعهود جديدة.

وهو أساس الإسلام، فإن الإسلام هو التسليم المطلق لحاكمية الله ولشريعة الله تعالى وحدوده في حياة الإنسان، وهو الأساس الذي ينظّم علاقة الإنسان في الحياة بالله تعالى، وبالناس، وبالأشياء، وبنفسه.

فالميثاق إذن من المسائل المحورية في الفكر الإسلامي، وقد تناوله القرآن الكريم في الكثير من آياته.

وفيما يلي نحاول أن نبحث عن هذا الميثاق إن شاء الله ضمن الإجابة على الأسئلة التالية، في ضوء كتاب الله:

1 ـ ما هي أقسام الميثاق؟

2 ـ ما هي القيمة التكريمية لهذا الميثاق في حياة الإنسان؟

3 ـ وما هي القيمة التشريعية للميثاق؟

4 ـ وكيف يكون الوفاء بهذا الميثاق ونقضه من جانب الناس؟ وما هي آثار الوفاء والنقض بالميثاق في حياة الإنسان؟

وفيما يلي نحاول أن نتناول هذه المسائل من خلال القرآن الكريم والحديث.

أقسام الميثاق

الأساس النظري للميثاق هو تكريم الإنسان من جانب الله تعالى بالطاعة عن إرادة ووعي. فإنّ الله تعالى سخّر هذا الكون لإرادته ومشيئته. وما من شيء في الأرض والسماء يخرج عن حيّز الطاعة والتسليم لله تعالى، وينفلت عن قبضة سلطان الله ومشيئته.

يقول تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}[1].

ويقول تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأرض وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء}[2].

والسجود لله تعالى هو الانقياد والتسليم والطاعة، والكل ينقاد لأمر الله انقياداً مطلقاً، إلاّ الإنسان ومن يشبهه من خلق الله، فإن له حكماً آخر في هذا الكون من بين سائر الكائنات. وذلك أن للإنسان نوعين من الانقياد:الأوّل منهما (تكويني)، والآخر (تشريعي).

والإنسان يتساوى في الأوّل منهما مع سائر الكائنات فهو يتنفس، وينمو، وينام، وينبض قلبه كسائر أفراد الحيوان ضمن قوانين وسنن إلهية ثابتة وحتمية، وينفرد الإنسان عن كثير من الكائنات فيما يتعلق بحركته الإرادية فهو ينقاد فيها لأمر الله تعالى ونهيه وأحكامه انقياداً تشريعياً، وليس تكوينياً.

وأكرم الله تعالى الإنسان فجعل طاعته وانقياده لـه تعالى في هذه المساحة من تحركه عن إرادة ووعي. ولذلك انشطر الناس إلى شطرين {وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ، وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ}.

والطاعة عندما تكون عن وعي وإرادة تتطلّب تعهداً والتزاماً من جانب الإنسان لله تعالى، يلتزم الإنسان بموجبه بالطاعة والتسليم المطلق لله تعالى… ومن دون ذلك لا يمكن أن يتم بالطاعة الالتزام من جانب الإنسان لله تعالى.

وهذا هو الأساس في نظرية الميثاق في الإسلام في علاقة الإنسان بالله تعالى.

ويتم هذا الميثاق بين الإنسان وبين الله تعالى على صعيدين:

1 ـ على الصعيد الفطري وبصورة مباشرة بين الله تعالى وعباده.

2 ـ وعلى الصعيد العقلي وبصورة غير مباشرة بين الله تعالى وعباده بواسطة الأنبياء والمرسلين.

وفيما يلي نبدأ بدراسة أقسام الميثاق في ضوء القرآن الكريم والحديث إن شاء الله.


المصادر والهوامش

  • [1] ـ الأعراف: 54.
  • [2] ـ الحج: 18.
بواسطة
الشيخ آية الله محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن 2 (وعي القرآن)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق