أسلحة السجين (3): لتصنع على عيني

واعلم أيها العزيز أن السياط التي تتلوى على جسدك واليد التي تمتد بالضرب والجرح وإن كانت يد آثمة ظالمة معتدية على الحرمات والنواميس، إلا أنها من جهة نوعية الإبتلاء الإلهي هي يد الله الرحيمة بك التي تريد صناعتك وتربيتك، والعلو من شأنك ودرجتك، وأنت تحت سمع الله وعينه، كل ألم يعتصرك، وضيق يعتريك، وكل شدة تحيط بك، هي درجة ومقام عظيم لك.

فما يلاقيه جسدك من ألم السياط وينتفض له جسمك من الكهرباء، وما يحيطك من الضغط النفسي من كل الجوانب، وما يصب عليك من المصائب هو تربية من نوع المحبة الإلهية بك ولطفه عليك يريد أن يسمع صوتك وأنت تناجيه وتناغيه في ألمك، وجوعك وعطشك وما تقاسيه من مشاق السجن وصعوباته، فلا هو غائب بل حاضر بكل قدرته وكل جنوده متأهبة لأمره ولكن يحول بين ذلك أنه يريد منك بطلاً مقداماً تصبر على النوائب، يريد لك نصراً تستفيد منه أمة بعد ذلك، لكي تعي الأمة أن هذه الصعوبات والآلام والدماء تصنع نصراً مؤزراً، وأن تحافظ على المكتسبات التي تتحصل عليها بكل قوة وصلابة، ولا تتراخى وتتعب فإن ما سفك من دماء لأجل ما وصلنا يشكل لنا وعياً داخلياً بالاستمرار بكل ما نعانيه من الآلام.

هذا نبينا موسى عليه السلام قد ولد على حين قتل من الأطفال واستحياء للنساء، وما عانته أمه في سبيل الحفاظ عليه وبقائه سالماً حيث أوحى الله لها أن اقذفيه في البحر، فالتقطه فرعون، وكان تحت يده، ولكن لم يعش هناك في سكون وسكوت عن أي ظلم، يعارض فرعون في كل أمر يجانب الصواب أو فيه ظلم، لأن موسى صنع على عين الله وتحت لطفه ورعايته، وتبقى الصناعة فقط لوجوده في قصر فرعون، فكانت الجواسيس تراقبه وتتربص به الدوائر إلى أن اغترب وكان جائعاً وعطشاناً بأبي وأمي لكي تكون صناعته إلهية واستمر إلى تعلمه تحت يد نبي الله شعيب عليه السلام سنوات عديدة واستمر في مواجهة فرعون زمانه حتى تحقيق النصر.

لماذا كل هذه المصاعب في طريق موسى، لكي يصنع على عين الله ويكون وجود موسى وجوداً إلهياً محضاً يقيم في الأرض الصلاة والدعوة لله والدين الحق لكي تسمع آذان الناس وترى أعينهم حقيقة الوجود الإنساني ومعرفة الغاية وجود والحكمة من البلاء.

وهذا ما يريده الله لنا، أن نقاسي ما نقاسي ونحن تحت رحمته، وأن نتعب ونجهد تحت طاعته، وأن نبذل الأنفس والأولاد في سبيله، ليعرف صدقنا ومدى محبتنا.

وهذا ينعكس على النصر حيث يكسب الفرد منا تجربة حية قد مرّ بها في حياته ويتعلم منها في تسيير أمور الناس وأموره ويتعاطف مع الآخرين فيما يواجهونه، ويسعى لمساعدة المستضعفين، ونصرة المظلومين، وقضاء حوائج المعدمين من المؤمنين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى