أسلحة السجين (1): الثقة بوعد الله

عندما تتكالب القوى الظالمة وتشمر عن ساعديها وتكشر عن أنيابها، مع تعاضدها واتحادها مع بعضها نحو هدف مشترك، وهو استضعاف المجتمعات المؤمنة والثائرة المطالبة بتحكيم الإسلام وتقرير مصيرها بيدها، كما أقرته الأديان والعقول والفطرة الإنسانية بحرية تقرير مصير الأمم بنفسها.

يرى المستضعف قلة ما في يده، وضعف الإمكانيات المتوفرة تحت ناظريه، وتغييب الطاقات المفكرة والمؤثرة الفاعلة في غياهب السجون، وطمس الطاقات العاملة عن طريق التجهيل والتفقير والتسفيه والتغريب والقتل، والتغرير بالناس بالملذات الشهوية والمحرمات العبثية، وتفريغها من تحديات العصر ومقتضياته، وابعادها عن هموم المجتمع وبناءه، وإشغالها بنفسها وبسفاسف الأمور.

هنا لا بد أن ينطلق نور قوي من قلب المؤمن بالله الذي أمرنا بتوحيده، وهذا يعني أن نترك كل ما يضاد الله ويحاربه، ويدعو للطاغوت والشرك والجاهلية بلباسها الجديد، فما دام في قلبك أيها المقاوم العزيز التوحيد بالله فلا مجال للطاغوت وعماله في قلبك، ولا مجال للخوف والتراجع والتخاذل أبداً، فما دام يفيض حب بالله من جوانب قلبك فأنت مصداق جلي لقوله تعالى: {أشداء على الكفار} سورة الفتح: 29، فترفض كل ألوان الظلم والاستضعاف للناس.

وإذا تحكّم التوحيد بوجودك وصار وجودك إلهياً محضاً، وآمنت بأن لله أنبياء ورسل بعثهم لهداية الناس وسوقهم إلى طريق النور الإلهي، ويسلك بهم لجج البحار والقفار، ويخوض بهم غمرات التحدي والصراع مع من يضاد الله في حكمه ومملكته.

هذه أمانة إلهية حملها الإنسان بمحض إرادته، قوله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على أهل السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً} سورة الأحزاب: 72، هي المسؤولية تجاه تكاليف الله وإقامة حكم الله والسعي في تمكين عبادة الله وعتق العباد من عبودية غير الله.

ومن آمن بأنبياء الله ورسله فقد آمن بأن هناك يوم يرجع فيه الإنسان إلى ربه، فيحاسب على ما عملته يداه، وما قد سلف من عمل صالح أو طالح، فالشهداء والصلحاء لهم جنة عرضها السماوات والأرض، والمفسد والطاغوت فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وكل أمة ستحاكم عند حكم عدل فلا تضيع عنده الحقوق والمظالم، ولا يغفل عن ظلم، عندها تلعن كل أمة أختها، ويلعن كل ظالم من أضله وحسّن له القبيح، قوله تعالى: {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} سورة البقرة: 281.

عند هذا كله تنغرس الثقة بالله في قلبك ووجدانك وفي جميع جوارحك وجوانحك، فتصير إلهياً محضاً، فلا محل للخوف في قلبك، ولا مجال للتراجع في وجدانك، تخوض غمار البحر ولججه العاتية بدون كلل ولا ملل أداءً للتكاليف والأمانة الإلهية الملقاة على عاتقك، سائراً بخطىً ثابتة لا تزلزلك الوقائع والخطوب، ولا التهويل ولا الرعيد والوعيد.

 ويلزمك النصر لا محالة، لأنك نصرت دين الله وأعليت كلمته، وجاهدت في سبيل ذلك بوقتك وراحتك، وبمالك وبنفسك، وأفنيت نفسك في سبيل الله، فتصير محلاً لفيوضات الله، قوله تعالى: {إن تنصروا الله ينصركم} سورة محمد: 7، وقوله تعالى: {ولينصرن الله من ينصره} سورة الحج: 40، ولا يكون النصر هو الحليف فقط، بل هو ثمرة واحدة من الثمرات التي يحصل عليها المجاهد في سبيل الله، فيثبت أقدام المؤمنين والصالحين، ولا يهتدي الظالم لشيء في عمله وتدبيره، قوله تعالى: {والذين كفروا فتعساً لهم وأضل أعمالهم} سورة محمد: 7.

فالنصر يأتي من قبل الله لا من قبل أحد غيره، قوله تعالى: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم الله فمن ذا الذي ينصركم من بعد وعلى الله فليتوكل المؤمنون} سورة آل عمران: 160.

أيها الواثق بوعد الله، النصر على أنواع، منها:

الأول: النصر عسكري، والتمكين للناس والمستضعفين في الأرض، قوله تعالى: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} سورة القصص: 5، كثير من الأنبياء حقق نصراً عسكرياً وفتحاً مبيناً، وهذا له لوازم من أداء التكاليف الإلهية، قوله تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} سورة الحج: 41، فيلزمهم المسير على طريق الحق أبداً وإلا سيتعرضون لسخط الله وغضبه، ولهذا قال رسول الله (ص) لمجموعة مجاهدة رجعت من القتال المروية عن الإمام الصادق (ع): (أن النبي بعث بسرية فلما رجعوا قال لهم مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر، فقالوا ما الجهاد الأكبر، قال: جهاد النفس) الكافي الشريف: ج5، ص12، فلا يُعلم حقيقة ثبات القدم إلا بالاستقامة، فقد زلت أقدام كثيرة، فهولاء قوم موسى قد أنجاهم الله من طغيان فرعون، فأرادوا إلهاً يعبد كما رأوا في تلك القرية التي مروا عليها، قوله تعالى: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون} سورة الأعراف: 138.

الثاني: النصر لأداء التكليف، وردع الظلم والظالمين، وهذا له ضريبته، فمنكم من يتعرض للتشريد والتغريب، ومنكم من يتعرض للقتل وسفك الدم والشهادة، ومنكم يخسر مصالحه الشخصية؛ لأجل المصالح العليا الإسلامية، فإن الجهاد والمقاومة ليس طريق الخاملين والضعفاء وأصحاب المكاسب والمصالح الشخصية، فإن الإسلام قام على التضحية بكل غال ونفيس، فقد ترك أصحاب النبي (ص) كل ما هم فيه من رغد الحياة إلى حياض الإسلام والجهاد في سبيل الله، وصارت جلودهم على عظامهم في شعب أبي طالب لأجل نصرة الإسلام والتمسك بمبادئه، وفلقت هامة علي عليه السلام في مسجد الكوفة لأجل إعادة تمكين الإسلام على الأراضي الإسلامية، وهذا حسيننا عليه السلام ذبح في كربلاء لأجل إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإصلاح في أمة جده (ص)، فقد ورد في الزيارة الناحية: “فجاهدهم فيك صابراً محتسباً حتى سفك طاعتك دمه واستبيح حريمه…”

الإيمان ملازم للبلاء، فكل مؤمن مبتلى سواء كان في حالة الرخاء أو الشدة، قال تعالى: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} سورة العنكبوت: 2، ولكن عندما ننظر للبلاء أنه نعمة وعلو درجات، وأن صبر ساعة على الطاعة له الأجر العظيم ورضوان من الله أكبر.

هذا وعد الله، وعد بالبلاء وأداء التكليف والنصر إن استقمنا على طريق الحق، بالشروط التي جعلها الله للنصر، بالإيمان بالله، والإيمان بأنبيائه ورسله، والإيمان بالمعاد وأنّا صائرون إليه وجميع العباد؛ ليحكم بيننا وهو خير الحاكمين.

إذا وثقت بوعد الله وآمنت به، وعملت وفق إرداته سيتحقق وعده بلا شك ولا ريب، فتصبّر رحمك الله على ألم من إنسان – السجان – ضعيف لا يملك من القوة والعزيمة ما تملكه بقلبك ويعتقده ضميرك، وعَمِلت له جوانحك وجوارك، فهذا – الله سبحانه وتعالى – بيده ملك كل شيء وهو على نصرك قادر، وعلى تثبيتك أرحم، وعلى هلاك عدوك أقدر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق