نزول القرآن بالحزن

نزول القرآن بالحزن

هذه مسألة يجب ان نقف عندها قليلا. لنكتشف فيها بعدا هاما من ابعاد القرآن. وفيما اعلم لم تتناول الدراسات القرآنية هذه المسألة لحد الآن. وهي مسألة ذات اهمية في الدراسات القرآنية تكشف لنا الطابع العام لنزول القرآن… وان لفهم الطابع العام لنزول القرآن تأثيرا كبيرا في فهم القرآن.

ان مصدر الحزن في القرآن نوع العلاقة غير المتسانخة بين الله تعالى وعباده، ولست اقول غير المتكافئة، فان طبيعة العلاقة بين الله تعالى وعباده لا بد ان تكون غير متكافئة فلا يمكن ان يكافئ العبد ربه سبحانه وتعالى في نعمه ورحمته بعمله وجهده الضعيف. وما قدر جهدنا وعملنا وشكرنا وقيمته الى جنب نعم الله تعالى (أفبلساني هذا الكال اشكرك ام بغاية جهدي في عملي ارضيك وما قدر لساني يا رب فى جنب شكرك وما قدر عملي في جنب نعمك واحسانك)[1].

الا ان الذي لايصح ان يكون من العبد تجاه الله سبحانه وتعالى، في علاقته به ان تكون هذه العلاقة غير مسانخة لعلاقة الله فان علاقة الله بعبده قائمة على اساس الفضل والتكريم والرحمة. وعلاقة العبد بربه قائمة على اساس الجحود والنكران ورد الجميل بالقبيح والاعراض عن الله (فلم ار مولى كريما اصبر على عبد لئيم منك عليّ يا رب، انك تدعوني فاولي عنك وتتحبب اليّ فأتبغض إليك وتتودد إلي فلا اقبل منك، كأن لي التطول عليك فلم يمنعك ذلك من الرحمة لي والاحسان اليّ والتفضل علي بجودك وكرمك فارحم عبدك الجاهل)[2].

ان هذه المقابلة السيئة من الإنسان لله تعالى، في مقابل رحمته وفضله الذي لاحدّ له على الناس هو مصدر (الحزن) الذي يغطي مساحة واسعة من القرآن الكريم. وان الله تعالى ليجلّ عن الانفعالات التي تصيب الناس فلا يفوت الله تعالى شيء حتى يصيبه الحزن عليه، وانما الإنسان هو الخاسر وهو المتضرر وحده في هذه المعاملة والحزن الذي نلتقي به في جو القرآن هو حزن على الإنسان نفسه وعلى مصيره.

حزن رسول الله على الناس

وقد كان رسول الله2 يبلغ به الحزن على مصير الناس من اعراضهم عن الله تعالى، ومشاقتهم لله ولرسوله عن غيّ وطيش حتى انزل الله تعالى فيه: {طه*ما أنْزَلْنَا عَليك الْقرآن لتشقى}[3]

 وقال تعالى:{فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِم حَسَرات}[4].

{ولاتَحْزنْ عَلَيْهِم وَلاتَكُنْ في ضَيْق ممّا يَمْكُرُون}[5].

{ولايَحْزُنْكَ الّذِينَ يُسَارعون في الكُفْرِ}[6]

{يا أيُّها الرّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذينَ يُسارِعونَ في الكُفْرِ}[7].

{قد نَعْلَمُ إنّهُ لَيَحْزُنُكَ الّذينَ يَقُولُونَ فاءِنّهم لايَكَذِّبونَكَ وَلكنّ الظّالمينَ بآيات اللهِ يَجْحَدونَ}[8].

{وَمَنْ كَفَرَ فَلايَحزُنْكَ كُفْرُهُ إلَينا مرْجِعُهُم فَنُنبّأُهُمْ بما عَمِلُوا}[9].

{فلا يَحزُنكَ قَولُهُمْ إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ}[10].

الحزن والتـهكم

وقد نرى في القرآن الحزن على الظالمين والتهكم عليهم يمتزجان فتتداخل هاتان الحالتان النفسيتان في اطار رائع، فان التهكم قد ينجم من الحزن والحزن ينجم من الحرص والحب، والصورة المزيجة التي ترسم هاتين الحالتين هي صور فريدة من صور القرآن فاسمعوا إليه تعالى يخاطب المجرمين:

{فَلْيَضْحَكُوا قَليلا وَلْيَبْكُوا كَثيراً جزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ}[11].

{ذَرْهُمْ يَأكُلُوا وَيَتَمتّعُوا ويُلْهِهِمُ الأملُ}[12].

انه التهكم النابع عن الحزن على مصير هذا الإنسان وسقوطه. والحزن من دون شك ناجم عن الحرص على سلامة مصير الإنسان وهدايته، واننا في غنى من ان نقول: ان هذه الحالات وامثالها حالات نفسية انفعالية معروفة في الإنسان ونحن نجل الله تعالى عنها، فاذا اكتشفنا منها شيئا في القرآن ونسبناه الى الله تعالى فانما ننسبه الى الله تعالى بما يناسب جلاله وتنزيهه تعالى شأنه.

والحزن حالة طافحة على القرآن، ومن يقرأ القرآن يلمس هذا الحزن على مصير الإنسان ونهايته وسقوطه رغم كل ما انعم الله تعالى به على الإنسان، وكل الوسائل التى هيأها لهداية الإنسان. وانه لمحزن حقا ان يسقط الإنسان بعد كل هذه النعم الالهية والآيات، والانذار والتبشير. وانا لنمرّ ـ في هذه العجالة ـ مروراً سريعاً على سورتين من سور القرآن هما سورة «يس» من السور المتوسطة، وسورة «العصر» من قصار السور، بقدر ما نلمس فيهما هذه الحالة من الحزن الطافح على القرآن على مصير الإنسان وسقوطه ونهايته.

مع سورة يـس

سورة «يس» سورة حزن. والذي يقرأ هذه السورة المباركة من سور القرآن يلمس هذه الحزن الطافح على جوالسورة بوضوح، ولنقرأ شطراً من هذه السورة المباركة:

تبدأ السورة بهذه الآية الحزينة على مصير الناس المشاقين لله ولرسوله: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}[13].

وهذا القول الذي قد حق عليهم ونفذ فيهم هو قوله تعالى {لاََمْلأَنَّ جهنّم من الجِنَّةِ والنَّاسِ أَجْمَعينَ}[14].

هذا القول الحاسم قد حق عليهم بعد ان بلغوا درجة من الغفلة والضياع لم يبق معها امل للعودة الى الله تعالى ولم يعد ينفع معهم الانذار.

{وَسَواءٌ عَلَيْهمْ أأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ}[15].

وانه لمن المحزن ان يسترسل الناس في هذه الغفلة وفي هذا الطيش غير عابئين بشيء والله تعالى يحصي عليهم كل صغيرة وكبيرة من اعمالهم:

{إنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْء اَحْصَيْناهُ في إمام مُبين}[16].

ثم يضرب الله تعالى لنا مثلا في هذه السورة من التاريخ في ارسال الرسل من جانب الله الى الناس، وقيام الرسل بدعوة الناس الى الله تعالى وهدايتهم وتوجيههم الى الصراط المستقيم، وتعنت الناس في مواجهة الانبياء والرسل، والتشاؤم بهم وتكذيبهم وتهديدهم بالعذاب الاليم، وايذائهم لهم من غير بينة ولا علم.

وهذه قصة اصحاب القرية (انطاكية) المعروفة في التاريخ: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا أصْحابَ الْقَرْيَةِ إذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ… قالُوا ما أنْتُمْ إلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْء إنْ أنْتُمْ إلاّ تَكْذِبُونَ}[17].

وتنتهي هذه القصّة المحزنة في تعنت الإنسان الذي اوصله الى هذه العاقبة الاليمة التي اختارها لنفسه عن علم.

{إنْ كانَتْ إلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هُمْ خامِدُونَ}[18].

وهي بشكل او بآخر عاقبة كل المجرمين الذين يشاقون الله تعالى ورسوله. وبعد هذا الاستعراض لواقع الناس تجاه دعوة رسول الله2 وتعنتهم وتكذيبهم، وبعد هذه الجولة التاريخية في تعنت الإنسان وصدوده عن الله ومحاربته لله ولرسوله في مواجهة دعوة الانبياء الى الله… ثمّ العاقبة الاليمة التي ينتهي اليها الإنسان عن علم وعن معرفة، رغم كل جهود الانبياء واصرارهم على دعوة الناس الى الله تأتي هذه الاية المفجعة عن نهاية الإنسان وسقوطه:

{يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُول إلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ}[19].

واي حسرة على العباد هذه الحسرة، انها تبقى عليهم حسرة دائمة لا نهاية ولا نفاد ذلك انه لا نهاية ولا امد لسقوطهم وعذابهم. واعجب ما في امر هؤلاء الناس وآلم في امرهم ـ وان امرهم لعجيب ومؤلم ـ انهم لم يعتبروا مما جرى على امم من قبلهم اتبعوا اهواءهم واعرضوا عن الله تعالى فلحقهم الهلاك والدمار.

{أَلَمْ يَرَوا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أنَّهُمْ إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ}[20].

ثم تمضي السورة في استرسال طويل في تذكيرهم بنعم الله تعالى وآلائه الكثيرة التي لا تحصى لعلهم يشكرون:

{وَجَعَلْنا فيها جَنّات مِنْ نَخيل وَأعْناب وَفَجَّرْنا فيها مِنَ الْعُيُونَ، لَيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أيْديهِمْ أفَلا يَشْكُرُونَ}[21]… فلا يكون موقف الناس ـ للاسف البليغ ـ من هذه الالاء والايات الا الاعراض والصدود، {وَما تَأْتيهِمْ مِنْ آيَة مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضينَ}[22].

واذا دعاهم الانبياء الى الانفاق مما رزقهم الله تعالى قالوا في تهكم {أنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ الله أَطْعَمَهُ إنْ أنْتُمْ إلاّ في ضَلال مُبين}[23].

ويتساءلون في استهزاء وتهكم بالوعد الحق الذي جاء به الانبياء كلهم من عند الله، فلا يطول بهم الامد حتى تفاجأهم الصيحة التي لا تبقي ولا تذر، وهم منغمسون في لهوهم وخصامهم وصدودهم واعراضهم عن الله:

{وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الْوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقينَ، ما يَنْظُرُونَ إلاّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ، فَلا يَسْتَطيعُونَ تَوْصِيَةً وَ لا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ}[24].

ثم يأتيهم الويل. وأي ويل، ويطلون على العذاب وأي عذاب، وكأنهم في تلك اللحظة يفيقون من غفلتهم وسباتهم في الحياة الدنيا. {وَنُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هُمْ مِنَ الأْجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ، قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا}[25].

فيأتهم الجواب: {هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ}[26].

وهناك يتميز المجرمون عن غيرهم فان الحياة الدنيا تجمع وتخلط المجرمين بالصالحين، والحياة الاخرة تفرق وتميز المجرمين عن الصالحين.

{وَامْتازُوا الْيَوْمَ أيُّهَا الُْمجْرِمُونَ}[27].

والخطاب هنا ليس كالخطاب في الدنيا بصيغة ايها الناس، فانهم هنا كتلة مجتمعة ومتميزة من المجرمين، ويخاطبهم الله والملائكة يوم القيامة بهذا الخطاب الشديد القاسي «يا ايها المجرمون».

ثم ينادون بهذا الخطاب الذي فيه استفهام وانكار وتوبيخ، وفيه حزن عميق على ما آل اليه امر هؤلاء المجرمين من السقوط والهلاك والعذاب.

{أَلَمْ أعْهَدْ إلَيْكُمْ يا بَني آدَمَ اَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبينٌ، وَأنِ اعْبُدُوني هذا صراطٌ مُسْتَقيمٌ}[28].

وهذا خطاب يقطر حزنا على الإنسان ومصيره.

الم يعهد اليكم الله؟ فلم خالفتم العهد؟ ولماذا الحنث؟ الم يحذركم الله من الشيطان؟ الم يعهد اليكم ان لا تعبدوا الشيطان فانه لكم عدو مبين؟ فلم اتخذتم الشيطان وليا وانجررتم مع عدوكم الى هذه الغاية؟ الم ينذركم رسل الله وانبياؤه عن اتباع الشيطان؟ الم يذكروكم بما يؤول اليه امركم من الهلاك والسقوط والعذاب المهين الاليم اذا اتبعتم الشيطان واتخذتم الشيطان وليا من دون الله؟ فلم اتخذتم الشيطان وليا؟ الم يضل الشيطان منكم اجيالا وأُمما من قبلكم وممن معكم؟ فلم لم تعتبروا؟ ولِمَ لم ترتدعوا ولِمَ لَمْ تتعقلوا؟

{وَلَقَدْ أضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاّ كَثيراً أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ}[29].

اذن {هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}[30].

وما اكثر ما ذكركم بها المرسلون لم نفاجئكم بها، وانما ذكرناكم ووعدناكم بها فلم تستمعوا ولم تتذكروا.

{اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}[31].

اصلوها بكفركم وسيئاتكم واتباعكم الهوى انها هي اعمالكم وجرائمكم تجسدت بهذه الصورة الاليمة.

وليس لكم من فرار عن هذه العاقبة ولا من سبيل للانكار فها هي ايديكم وارجلكم تشهد عليكم دون افواهكم:

{اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى اَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ}[32].

ان هذا القرآن ليس من الشعر، وليس الرسول2 بشاعر، وانما هو ذكر وقرآن مبين ولكن انى ينتفع بهذا الذكر من امات ضميره وقلبه وفطرته فكأنه من الاموات.

{وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغي له إنْ هُوَ إلاّ ذِكْرٌ وَقُرآنٌ مُبينٌ، لَيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلى الْكافِرينَ}[33].

انها مجموعة حقائق محزنة تقررها الاية الكريمة. ان رسول الله2 ينذر بهذا القرآن الاحياء فقط، وان هؤلاء الناس اصبحوا لا يعدون من الاحياء بعد ان اماتوا قلوبهم وضمائرهم وفطرتهم، ولم ينفعهم هذا القرآن الا ان يحق عليهم العذاب يوم القيامة بلى {إنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَما أنتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ}[34].

ثم تقرر السورة مرة اخرى نعم الله تعالى على هؤلاء الناس {أَوَلَمْ يَرَوا أنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أيْدينا أنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ، وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأكُلُونَ}[35].

وفي هذه الاية من العناية بالإنسان والتكريم له من الله تعالى ما يعجز الإنسان عن شكره، فان هذه النعم كما تقول الآية الكريمة ممّا عملته يد الله تعالى للانسان وخصته بها العناية الالهية، وكل الكائنات من خلق الله تعالى وصنع يده.

ولكن في هذه الكلمة {مِمّا عَمِلَتْ أيْدينا} من التكريم للانسان ما يفوق تصور الإنسان وقدرته على الشكر. كل ذلك عسى ان يشكر الإنسان ربه {افَلا يَشْكُرُونَ}.

و بقدر ما في هذه النعم من التكريم للانسان وتخصيصه بهذه العناية الالهية، فان في كلمة {افَلا يَشْكُرُونَ} من الانكار والتوبيخ والحزن على تعنت الإنسان وكفره الشيء الكثير.

وادهى ما في حياة هؤلاء الناس بعد هذا التكريم والانعام الالهي انهم اتخذوا من دون الله الهة ينتصرون بها على الله في مشاقتهم لله ولرسوله:

{وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ الله آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ}[36].

فلا يحزنك ـ يا رسول الله ـ قولهم وتعنتهم انهم في قبضة الله تعالى، وتحت سلطانه يعلم سرهم وجهرهم:

{فَلا يَحْزُنْكَ قُوْلُهُمْ إنّا نَعْلَمُ ما يُسرُّونَ وَمايُعْلِنُونَ}[37].

ثم تذكر السورة المباركة هذه الصورة المحزنة للانسان في بدايته ونهايته:

{أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَة فإذا هُوَ خَصيمٌ مُبينٌ}[38].

واذا هو يجادل في ايات الله، ويشك في وعد الله بالاخرة، ويضرب لذلك الامثال في طيش وتهكم واستخفاف بايات الله، وهذه هي الصورة المحزنة الاخيرة للانسان وتعنته في هذه السورة المباركة:

{وَضَرَبَ لَنا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَميمٌ، قُلْ يُحْييهَا الَّذي أنْشَأَها اَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَليمٌ}[39].

انه يجادل في وعد الله الحق ويضرب بذلك مثلا {مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَميمٌ}.

ومن العجيب ان هذا الإنسان ينسى انه كان من قبل نطفة فانشأه الله خلقا سويا { وَنَسِيَ خَلْقَهُ}.

ذلك اجمال لجولة الحزن والاسف في هذه السورة المباركة. الحزن والاسف على الإنسان في طيشه وتعنته وغروره واعراضه عن الله واستخفافه بآيات الله، والحزن والاسف على ما يؤول إليه امر هذا الإنسان، فما اكفر هذا الإنسان وما اتعس حاله. انه يقابل عهد الله تعالى بالخلف والحنث. ويقابل دعوة الله بالاعراض. ويقابل رسل الله بالتكذيب والاستخفاف. ويقابل ايات الله بالاستهزاء والتعنت. ويقابل العبر الكثيرة التي يلتقي بها في التاريخ بالغفلة، ويجادل في الله تعالى واياته ووعده.

ولا يكفي بكل هذا الجحود والكفر والاعراض والتكذيب، وانما يتخذ من دون الله اولياء لينتصر بهم على الله، ويستمر في طيشه وتعنته في غفلة وغرور حتى تدركه الصيحة فتاخذه وهو غارق في لهوه وخصومته، فاذا اشرفوا على الحساب وعلى النار {قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا} وعند ذلك ليس لهم من سبيل الى الرجوع والعودة الى الدنيا، ولا سبيل لهم للفرار من العذاب الاليم، وقد حق عليهم القول. تلك هي قصة الإنسان في سورة يس ولنقرأ هذه القصة المحزنة في سورة «العصر».

مع سورة العصر

وتبتدأ هذه السورة المباركة بهذه الحقيقة المحزنة: {إنَّ الإنسان لَفي خُسْر}.

وفي تقرير هذه الحقيقة بالقسم بـ (العصر)، ايحاء الى المسيرة التاريخية لهذه الحقيقة المؤلمة. فان عصور التاريخ هي الشاهدة الصادقة على هذه الحقيقة وهي خير شاهد عليها والحقيقة هي: {إنَّ الإنسان لَفي خُسْر}وهذا الخسران هو سقوط الإنسان وهلاكه. والمحزن في هذا الامر أن هذا الخسران يحتل اوسع مساحة من تاريخ وحياة وحضارة الإنسان وبدون استثناء

الهوامش والمصادر

  • [1] ـ من دعاء السحر للامام علي بن الحسين زين العابدين× برواية ابي حمزة الثمالي&.
  • [2] ـ من دعاء الافتتاح المروي عن الامام الحجة المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف برواية ابي جعفر محمد بن عثمان العمري احد النواب الاربعة رحمهم الله.
  • [3] ـ طه: 1ـ2.
  • [4] ـ فاطر: 8.
  • [5] ـ النّمل: 70.
  • [6] ـ آل عمران: 176.
  • [7] ـ المائده: 41.
  • [8] ـ الانعام: 33.
  • [9] ـ لقمان: 23.
  • [10] ـ يس: 76.
  • [11] ـ التوبة : 82
  • [12] ـ الحجر: 3.
  • [13] ـ يس: 7.
  • [14] ـ هود: 119.
  • [15] ـ يس: 10.
  • [16] ـ يس: 12.
  • [17] ـ يس: 13 ـ15.
  • [18] ـ يس: 29.
  • [19] ـ يس: 30.
  • [20] ـ يس: 31.
  • [21] ـ يس: 34 ـ 35.
  • [22] ـ يس: 46.
  • [23] ـ يس: 47.
  • [24] ـ يس: 48 ـ50.
  • [25] ـ يس: 51 ـ 52.
  • [26] ـ يس: 52.
  • [27] ـ يس: 59.
  • [28] ـ يس: 60 ـ 61.
  • [29] ـ يس: 62.
  • [30] ـ يس: 63.
  • [31] ـ يس: 64.
  • [32] ـ يس: 65.
  • [33] ـ يس: 69 ـ 70.
  • [34] ـ النمل: 80 ـ 81.
  • [35] ـ يس: 71 ـ 72.
  • [36] ـ يس: 74.
  • [37] ـ يس: 76.
  • [38] ـ يس: 77.
  • [39] ـ يس: 78 ـ 79.
بواسطة
الشيخ آية الله محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن 1 (وعي القرآن)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق