تعارض العلمانية الشاملة مع الإسلام الحنيف

سبق القول أن خطاب رواد مفهوم العلمانية الكلية الشاملة أو العلمانية كفلسفة هو خطاب أيديولوجي يطرح العلمانية كدين بشري شامل، ويزعمون بأن جميع المجتمعات البشرية المركبة / غير البدائية سوف تنتهي بشكل حتمي إلى تبني العلمانية الكلية الشاملة، وذلك بحسب منطق العقل المادي الواقعي والطبيعة البشرية.

والعلمانية الكلية الشاملة / الفلسفة العلمانية الشاملة / أو الدين العلماني الشامل يأتي بحسب رأيهم كبديل أيديولوجي عن جميع الأديان السماوية والوضعية والفلسفات والسياسات البشرية الأخرى، فهو بديل عن الدين الإسلامي الحنيف وعن كل الدين.

والمسلم الملتزم المتدين يعتقد بأن الإسلام الحنيف هو الدين الوحيد الحقيقي الكامل الشامل لجميع ما يلزم الإنسان لكماله وسعادته وضمان مصالحه الجوهرية في دورة الحياة الكاملة، الذي يتوافق مع العقل والمنطق والفطرة والطبيعة الإنسانية وأصل خلقة الإنسان وتكوينه، ويستجيب بشكل كامل وواقعي ومتوازن لجميع حاجات الروح والجسد، وحاجات الأفراد والمجتمعات، وحاجات الدنيا والآخرة، ويوصل الإنسان لكماله اللائق والمقدر له بحسب قابلياته واستعداداته التي منحه الله تبارك وتعالى إياها في أصل الخلقه وتكوينه، ويحقق له السعادة الحقيقية الكاملة في الدارين: الدنيا والآخرة، وأن الله سبحانه وتعالى لا يقبل من الإنسان التعبد بغير دين الإسلام الحنيف من الأديان السماوية المنسوخة والأديان الوضعية أو الفلسفات الشمولية والسياسات الوضعية مثل: الماركسية والعلمانية والوجودية والبرجماتية والاشتراكية والرأسمالية والليبرالية وغيرها، قول الله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} وقول الله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.

وتتضمن الآيتان الكريمتان النقاط الرئيسية التالية:

أ- إن الإسلام هو اسم جامع للدين الذي جاء به جميع الأنبياء الكرام (عليهم السلام) من عند الله رب العالمين سبحانه وتعالى وهو دين إلهي واحد: كامل شامل منسجم تمام الإنسجام مع نفسه، فلا إختلاف في جوهره وحقيقته بين أجزائه، وأن الاختلاف فيما جاء به الأنبياء الكرام (عليهم السلام) من عند الله سبحانه وتعالى هو اختلاف في الكمال والنقص، والثابت والمؤقت المنسوخ، وليس فيه تضاد أو تنافي لأن وحدة الإله العالم الحكيم، تقتضي وحدة الدين ووحدانيته، وعليه: فالإيمان بالإسلام يقتضي الإيمان بجميع الأنبياء الكرام (عليهم السلام) والقبول بجميع ما جاءوا به من عند الله رب العالمين سبحانه وتعالى، وأنه كل من أنكر واحداً منهم، فقد أنكر في الحقيقة جميعهم، وأن الدين الإسلامي الحنيف الذي جاء به محمد بن عبدالله (ص) من عند رب العالمين سبحانه وتعالى ينطوي على جميع الكمالات الإنسانية وجميع ما هو ثابت غير مؤقت في الأديان السماوية السابقة وزيادة في المعارف والقيم والأحكام والعلوم.

ب- إن الإسلام الحنيف يقوم على الانقياد والتسليم المطلق للحق ولجميع ما أنزل الله سبحانه وتعالى من المعارف والقيم والأحكام والعلوم، وطاعته المطلقة لله سبحانه وتعالى لأنه الخالق المالك المدبر لكل شيء وطاعته والتسليم له واجب بحكم العقل والمنطق السليم، ولأنه الرحيم بعباده والأعلم بحقيقة الإنسان وبما يصلحه في الدنيا والآخرة لأن له مصير العباد والمنتهى في يوم القيامة، وعليه حساب العباد ومجازاتهم على أعمالهم، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

ج- إن جميع ما جاء به الأنبياء الكرام (عليهم السلام) من عند الله رب العالمين سبحانه وتعالى من المعارف الإلهية في تفسير الكون والإنسان والحياة والمجتمع والتاريخ، ومن القيم والمبادئ والأحكام والعلوم، كلها حق أو أنها موافقة بالضرورة للعقل والمنطق والفطرة والطبع الإنساني وأصل الخلقة والتكوين وتنسجم معها وتتناغم بشكل تام، وتحقق الانسجام التام بين التشريع والتكوين، وبين المسيرة التاريخية التشريعية، وبين المسيرة الكونية: السماوات والأرض وجميع الكائنات، لأن الخالق للكون والإنسان والمدبر لهما، ومنزل الدين الإلهي الإسلام الواحد، هو الله رب العالمين سبحانه وتعالى، وعليه: فالإسلام الحنيف هو السبيل الوحيد الضامن لمصلحة الإنسان الحقيقية في دورة الحياة الكاملة، والطريق الذي يوصله سلوكه له إلى كماله اللائق به والمقدر له، وتحصيل سعادته الحقيقية الكاملة في الدارين: الدنيا والآخرة.

د- إن أصول الدين الإسلامي الحنيف وقواعده الأساسية ومبادؤه العامة وضرورياته في غاية الوضوح والبيان والثبوت التام بالحجة والدليل الكافي والبرهان الصحيح، وأن الاختلاف فيه لايكون إلا بسبب الجهل والتعصب والعناد والبغي، وتجاهل المنطق السليم والحجج والبينات والآيات الساطعات القاهرات والحقائق الكبرى الثابتة، وعليه: فكل من يخالف الدين الإلهي الحق -الإسلام- ويختلف فيه ويتبع أو يتعبد بغيره من الأديان السماوية المنسوخة أو الوضعية أو الفلسفات والسياسات والمناهج البشرية فإنه يبطل بذلك كل الكمالات والمقامات الإنسانية الرفيعة ولن يقبل منه دينه وعمله، وسوف يصاب بالخزي ويسلب الراحة والطمأنينة والسعادة الحقيقية ويضيع مصالحه الفعلية الجوهرية في الحياة الدنيا، ثم يحاسب في يوم القيامة حساباً عسيراً ويعاقب عقاباً مؤلماً في نار جهنم على بغيه وظلمه وظلاله وفساد أخلاقه وأعماله السيئة التي هي نتاج طبيعي لمخالفة الإسلام الحنيف والخروج عنه.

كما سبق القول أيضاً: بأن العلمانية الكلية الشاملة أو العلمانية كفلسفة شاملة لا تمثل في الحقيقة والواقع الرؤية الواقعية الشاملة الكاملة للكون والإنسان والحياة والمجتمع والدولة والتاريخ، وإنما هي رؤية سطحية تلفيقية تم التقاطها وتجميعها من مجموعة أقوال متفرقة مأخوذة من فلسفات ومذاهب فلسفية قديمة قد عفى عليها الزمن وأثبت الفلاسفة الأصليون المتعمقون في الفكر والفلسفة بطلانها، وعليه: فهي رؤية سطحية تلفيقية هشة ومتهافتة، لا تقوم على وحدة في المنطق والمنهج والتفسير، وإنما تقوم على منطق ومنهج وتفسيرات متناقضة، ليس بينها وحدة وتكامل وانسجام.

وفي الحقيقة والواقع: فإن مفهوم العلمانية الكلية الشاملة أو العلمانية كفلسفة شاملة أكثر سطحية وهشاشة وتهافت وضعف من مفهوم العلمانية القانونية الحزبية المحدودة، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أنها ولدت من رحم الصراع مع الثقافة المسيحية الكاثولوكية التي كانت لها السيطرة على الحياة العامة للناس في المجتمعات الغربية مع ما لامسها من الخرافة وتسلط الكنيسة والظلم والفساد والتخلف الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي والحضاري عموماً، فالعلمانية القانونية جزئية ومحدودة ووليدة صراع قاسي مع الكنيسة ومحكومة بظروف ونتائج الصراع، بينما الانتصار وامتلاك عناصر القوة والهيمنة على السلطة وأجهزة الدولة، فهي وليدة غرور القوة والسلطة والانتصار، وقد جاءت ملفقة وهشة وضعيفة ومتهافتة وغير منطقية وغير منسجمة مع الفطرة والطبيعة الإنسانية وأصل الخلقة وتكوين الإنسان من جوهرين: الروح والجسد، ولكل منهما متطلباته وأشواقه ورغائبه التي تجب مراعاتها والحرص على الاستجابة لها وإشباعها بشكل متوازن يراعي حق جميع الأطراف.

ولو كانت العلمانية قائمة على المفهوم الكلي الشامل لانتهت وزالت كلياً وأزيحت تماماً عن ساحة الفكر منذ زمن بعيد، كما كان الحال مع الفلسفة الماركسية التي هي أكثر أصالة فلسفية وأفضل منهجية وأقوى منطقاً وأجدر بالبحث والمناقشة كثيراً من العلمانية الفلسفية، ولكن العلمانية لازالت باقية وتتنفس بفضل مفهوم وتطبيقات العلمانية القانونية الجزئية المحدودة، وهذا ليس بفضل الرؤية الفكرية التي تقوم عليها، فهذه الرؤية هشة وضعيفة ومتهافتة كذلك، وهذا ما أدركه رواد مفهوم العلمانية الكلية الشاملة، فأرادوا معالجة الخلل وسد الفراغ لأنهم يدركون بأن بقاء العلمانية واستمرارها بدون الاستناد إلى رؤية كونية شاملة غير ممكن وغير منطقي ومخالف للميول الفطرية للإنسان، ولكنهم وقعوا فيما هو أسوء وأكثر كارثية على العلمانية من مفهومها الجزئي المحدود، وعلى كل حال: فإن بقاء العلمانية كان بفضل وصولها في صراعها مع الكنيسة الكاثولوكية إلى مركز القوة، وهي السلطة السياسية في الدولة وفرض هيمنتها على كافة أجهزتها: التشريعية والقضائية والتنفيذية، وتوظيفها في صراعها مع الدين ومحاولتها لإقصائه عن الدولة والحياة والشؤون العامة، وقد لعب مفهوم العلمانية القانونية دوراً في تخفيف الضغط عليها، لأنه أفسح المجال للدين لكي يتنفس، ومنحه الفرصة للتوافق والتلاؤم، وأظهر أن العلمانية لا تعادي الدين، وإنما ترفض هيمنته على الدولة والشؤون العامة إلى الناس التي هي من اختصاص الدولة، ووجدت للفصل بين الدين وبين الدولة أساساً في الدين المسيحي، وهي القاعدة: «ما لقيصر لقيصر وما لله لله» الموجودة في الكتاب المقدس، مما أضفى الشرعية والقداسة على سلطة الدولة من وجهة النظر المسيحية، وعليه: فبقاء العلمانية يدين بالفضل لمفهوم العلمانية القانونية الجزئية المحدودة، ولتوظيف سلطة الدولة وأجهزتها في الصراع ضد الدين، مما يكشف عن حقيقة المواجهة، وأنها ليست مواجهة فكرية بحتة يلتقي فيها الفكر مع الفكر والدليل مع الدليل ولكن مواجهة يلتقي فيها الفكر والدليل مع القوة والسلطة وأجهزتها، ولا تزال المعادلة قائمة في أوروبا والعالم الإسلامي، وقد فرضت هذه المعادلة بطبيعة الحال الغلبة العملية وليست العلمية للعلمانية على الدين في المدى القريب والمتوسط، ولكنها لا تستطيع أن تفرض النصر والغلبة للعلمانية على الدين في المدى البعيد، فسوف تنتهي اللعبة حتماً إلى غلبة الدين الإسلامي الحنيف على المدى البعيد، لأن منطق القوة والسلطة يستطيع أن يحقق النصر والغلبة على منطق العقل والحق والفكر ويقصيه ويخنقه على المدى القريب والمتوسط، ولكنه لا يستطيع أن يصرعه ويقضي عليه مطلقاً، فيبقى الحق والفكر السديد يصارع ويثبت وجوده وينهك منطق القوة والسلطة تدريجياً حتى يتمكن منه ويقضي عليه تماماً، فليس في قدرة منطق القوة والسلطة أن يقضي على منطق العقل والفكر، وفي قدرة منطق العقل والفكر أن يقضي تماماً على منطق القوة والسلطة وينهيه تماماً من الوجود على مدى البعيد، فتكون العاقبة في نهاية المطاف حتماً للحق ومنطق العقل والفكر وليس لمنطق القوة والسلطة والتجبر.


الأستاذ عبدالوهاب حسين | كتاب الإسلام والعلمانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق