الامارات التي نعرف بها دائرة نفوذ القرآن

المقدمة

في النقطة الاولى من هذا الفصل عرفنا متى يدخل الإنسان في دائرة نفوذ القرآن، و كيف يحل رحاب القرآن، و الآن نتساءل ما هي العلامات و الامارات، المشخصة لهذه الدائرة والتي بها يستطيع الإنسان ان يعرف موضعه من هذه الدائرة، هل هو داخل الدائرة ام خارجها؟

فيما يلي اهم تلك العلامات:

تحكيم القرآن

إن آية التعايش في هذه الدائرة: ان يحكّم الإنسان القرآن على نفسه تحكيما، ويتخذه مقياسا للحق والباطل، و يجعله ميزانا و معيارا لفهم الاشياء و الاشخاص و الخطوط، و كلما التبس عليه امر استوضح القرآن فيه، و كلما خشي على نفسه من الشطط و الزيغ استنصح القرآن في نفسه، وكلما رأى من نفسه ميلا ورغبة الى غير ما يميل اليه القرآن ويرغب فيه اتهم نفسه وصدق القرآن.

يقول امير المؤمنين× في القرآن: (و استنصحوه على انفسكم، و اتهموا عليه اراءكم، و استغشوا فيه اهواءكم)[1].

فما خالف من قول، و قانون و رأي كتاب الله فهو باطل، و ما وافقه فهو حق، و هذا هو معنى اتخاذ القرآن مقياسا حاسما للحق و الباطل.

عن رسول الله2: (ان على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نورا، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه)[2].

وعن الامام جعفر الصادق×: و (كل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف)[3].

فمتى اصبح القرآن مقياسا في التفكير كان ذلك آية خضوع الإنسان للقرآن، ودخوله في دائرة نفوذ القرآن و تأثيره. و من دون ان يتخذ الإنسان القرآن مقياسا للتفكير و التصور و التصديق لا يدخل في هذا المجال.

و قد ورد ذكر لحاكمية القرآن المطلقة على الإنسان في النص التالي المروي عن الامام جعفر الصادق×: (القراء ثلاثة: قارئ قرأ القرآن ليستدر به الملوك، ويستطيل به على الناس، فذلك من اهل النار، وقارئ قرأ القرآن فحفظ حروفه، وضيع حدوده، فذلك من اهل النار، و قارئ قرأ القرآن، فاستتر به تحت برنسه، فهو يعمل بمحكمه، ويؤمِن بمتشابهه، ويقيم فرائضه، ويحل حلاله، ويحرم حرامه، فهذا ممن ينقذه الله من مضلات الفتن، و هو من اهل الجنة، ويشفّع فيمن يشاء)[4].

… هكذا يستتر به تحت برنسه، و البرنس هو الثوب الذي يغطي الرأس، فيغطي الإنسان تغطية كاملة، و هو كناية عن الدخول الكامل في دائرة القرآن، و الانقياد الكامل له، و الانصراف الكامل اليه.

التفاعل مع القرآن

والعلامة المشخصة الثانية للدخول في دائرة نفوذ القرآن هي تفاعل القارئ مع القرآن، حتى يشعر بفعل القرآن العجيب في نفسه ويلمس تأثيره وانفعاله بالقرآن.

يقول تعالى: {اللهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الْحَديثِ كِتاباً مُتشابهاً مَثانيَ تَقْشعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذّينَ يَخْشونَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَليُن جُلُودُهُم وقُلُوبُهُمْ إلى ذِكرِ اللهِ}[5].

… هكذا تقشعر الجلود و القلوب بذكر الله، ثم تسكن القلوب، و تطمئن النفوس، و تلين الجلود بذكر الله. و من أبلغ ما قرأت في ذلك كلمة للشيخ ولي الله المرجاني، يقول: ان الله اطلق كل شعرة في جسد الإنسان لقراءة القرآن[6].

ان تفاعل القلب مع كتاب الله علامة سلامة القلب و استقامته، فيأخذ القلب من كتاب الله، و ينفعل، و يتأثر به، و هذا الاخذ، و العطاء، والتعاطي للقرآن، و التأثر و الانفعال به من امارات سلامة القلب و استقامته. يصف اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب× في خطبته المعروفة بخطبة المتقين لهمّام صفة المتقين في تفاعلهم مع القرآن و تعاطيهم له:

فيقول: «اما الليل فصافون اقدامهم، تالين لأجزاء القرآن، يرتلونه ترتيلا يحزنون به انفسهم و يستثيرون به دواء دائهم فاذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا اليها طمعاً، و تطلعت نفوسهم اليها شوقاً و ظنوا انها نصب اعينهم و اذا مروا بآية فيها تخويف اصغوا اليها مسامع قلوبهم، و ظنوا ان زفير جهنم و شهيقها في اصول اذانهم، فهم حانون على اوساطهم، مفترشون لجباههم و اكفهم و ركبهم و اطراف اقدامهم يطلبون الى الله تعالى في فكاك رقابهم..»[7].

ان القلوب المؤمنة اذا التقت في كتاب الله آيات جلال الله و جماله و عظمته تعالى و كبريائه خشعت.

و اذا التقت في كتاب الله ايات الانذار و التخويف غلب عليها الخوف و الخشية. و اذا التقت آيات الرحمة و المغفرة سكنت و اطمأنت واخبتت. و اذا التقت في كتاب الله آيات الدعوة للعودة الى الله انابت الى الله و تابت. و اذا التقت بآيات فضل الله تعالى على عباده و منّه عليهم امتلأت شكرا و حبا لله تعالى… و هكذا تتفاعل قلوب المؤمنين مع آيات الله تعالى، و تتلون مشاعر المؤمنين و احاسيسهم بهذا الطيف النفسي، من الحب، و التسليم، و الرضا، و الشكر، والخوف، و الرجاء، والاخلاص، والاخبات، والخشوع، والسكينة، و الاطمئنان.

و يتحول الإنسان خلال سيره في القرآن من لون الى لون من الاحاسيس، و المشاعر، و الانفعالات النفسية، من هذا الطيف النفسي الذي يشكل مجمل العلاقة بالله تعالى.

البكاء عند تلاوة القرآن

و ذروة هذا التفاعل الروحي هي البكاء فان البكاء تعبير عن أعلى درجات الرقة، و الخشوع و التفاعل مع القرآن، كما يصح العكس ايضا، فان البكاء يرقق القلب، ويستجلب الخشوع الى القلب و الروح، و يزيل الصدأ عن النفوس.

ان (الشهقة) من البكاء قد تكسر الجليد المتراكم على القلوب، و تحرر القلب عن القيود و الاغلال و ركام السيئات التي تراكمت على النفس سنين طويلة، في لحظة واحدة.

والبكاء من اوضح امارات التفاعل مع القرآن والدخول في دائرة نفوذه، و من اقوى امارات استقرار المعرفة و اليقين في نفوس المؤمنين.

يقول تعالى: {إنَّ الَّذين اُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبلِهِ إذا يُتلْى عَلَيْهمْ يخرُّونَ للأْذْقانِ سُجَّداً، ويَقُولُونَ سُبحانَ رَبّنا إنْ كانَ وَعدُ رَبِّنا لَمَفعُولا، ويَخِرُّونَ لِلأْذْقانِ يَبْكُونَ وَ يَزيدُهُمْ خُشُوعاً}[8].

اذا قرؤوا آيات الله يخرون للاذقان سجدا، و يبكون، و يزيدهم خشوعا و يسبحون الله، تلك هي صفة الذين اوتوا العلم اذا قرؤوا آيات الله.

و لقد كان رسول الله2 و الائمة من اهل بيته و خيار صحابته و خيار المسلمين لا يملكون انفسهم من البكاء عند قراءة القرآن.

بكاء رسول الله عند تلاوة القرآن

1 ـ روي ان رسول الله2 قال لابن مسعود: اقرأ عليّ قال ابن مسعود، ففتحت سورة النساء، فلما بلغت {فَكَيفَ إذا جِئنا مِن كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد وَجِئنَا بِكَ عَلى هَؤلاءِ شَهِيداً} رأيت عينيه تذرفان من الدمع فقال لي: حسبك الان[9].

ان الآية الكريمة التي ذرفت عندها عينا رسول الله2 دمعا تحمّل رسول الله2 مسؤولية الشهادة على هذه الامة {على هؤلاء}، وهي مسؤولية صعبة في مرحلة تحمل الشهادة وفي مرحلة أدائها.

وللشهادة مرحلتان في الاولى منهما يتحمل الشهادة، وفي الثانية منهما يؤدي الشهادة عند الحاكم.

واذا كان رسول الله2 شاهداً على هذه الامة فهو يتحمل شهادة أعمالهم جميعا، ويحضر اعمالهم من حسنات وسيئات جميعا… ومن الطبيعي ان سيئات اعمالنا تؤذي رسول الله2 أذية عظيمة ويشق عليه2 تحملها، مشقة كبيرة.

والمرحلة الثانية للشهادة هي الاداء بين يدى الله تعالى. وكلتا المرحلتين من الشهادة صعبتان شديدتان ثقيلتان.

وقد تكون هذه الصعوبة في تكليف رسول الله2 بالشهادة هي التي ابكت رسول الله2، وقد يكون التكريم الالهي لرسوله2 بالشهادة على هذه الامة هي التي ابكته.

ومهما يكن من امر فان رسول الله2 فاضت عيناه بالدمع عند الاستماع الى هذه الآية.

2ـ وعن الامام الصادق×: «كان رسول الله اذا قرأ هذه الآية:

{وَما تَكُونُ في شَأن وَما تَتْلُو مِن قُرآن وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَل إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً اذْ تُفِيضُونَ فيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّك مِنْ مِثْقالِ ذَرَّة في الارض وَلا في السَّماء أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا اَكْبَر إِلاّ في كِتَاب مُبين} بكى بكاءً شديداً»[10].

3ـ وروي ان رسول الله2 قال لابن مسعود: «اقرأ، فقال: يارسول الله اقرأ. وعليك انزل؟ فقال2 إنّي احب ان اسمعه من غيري، فكان يقرأ ورسول الله عيناه تفيضان»[11].

4ـ وعن رجاء بن الضحاك قال: كان الرضا× في طريق خراسان يكثر بالليل في فراشه من تلاوة القرآن. فاذا مر بآية فيها ذكر جنة اونار بكى، وسأل الله الجنة وتعوذ به من النار[12].

5ـ عن زر بن حبيش قال قرأت القرآن من اوله الى آخره في المسجد الجامع على اميرالمؤمنين× فلما بلغت حم عسق {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ} بكى علي× حتى علا نحيبه.[13]

6ـ وروى علي بن ابراهيم في تفسيره عن ابي عبدالله الصادق× «ان ابا عبد الله الصادق تلا قوله تعالى: {تِلْك الدّارُ الاخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلذِينَ لا يُريدُونَ عُلُواً فِي الأرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}[14] جعل يبكي ويقول ذهبت والله الاماني عند هذه الآية»[15].

الحزن عند قراءة القرآن

ومن العلامات المشخصة للتفاعل مع القرآن الحزن عند قراءة القرآن. وقد روي عن رسول الله2: «ان القرآن نزل بحزن فاقرأوه بحزن»[16].

وعن سليمان بن داود المنقري عن حفص قال: ما رأيت احدا اشد خوفا على نفسه من موسى بن جعفر ولا ارجى للناس منه، وكانت قراءته حزنا، فاذا قرأ فكأنه يخاطب انساناً[17].

وهذه ملاحظة ذات دلالة هامة في القراءة: (فاذا قرأ فكأنه يخاطب انسانا) فان القراءة الحقيقية هي التي يتفاعل معها القارئ، وينشدّ اليها، وتؤدي دور التخاطب والأخذ والعطاء.

ولا يختص القرآن بطابع الحزن، وصبغة الحزن في النزول والقراءة.. فكل كتب الله تعالى الى الناس تتميز بهذه الصبغة وهذه اللهجة الحزينة، وينبغي ان تكون قراءتها عن حزن.

روي عن ابي عبدالله الصادق×: «ان الله عز وجل اوحى الى موسى بن عمران: اذا وقفت بين يدي، فقف موقف الذليل الفقير، واذا قرأت التوراة فاسمعنيها بصوت حزين»[18].

ان نزول القرآن كان بحزن، والقراءة الصحيحة للقرآن هي التي تعبّر عن طابع الحزن الذي نزل به القرآن، وكلما كانت القراءة حزينة اكثر كانت اقرب الى نزول القرآن واكثر تعبيرا عنه[19].

تحمل هموم الدعوة وهموم العبودية

ان هموم العبودية وهموم الدعوة الى الله تعالى تملأ القلوب الكبيرة و الواعية. وكلما يكون القلب اوعى وأسلم يكون همه أكثر.

والنسبة بين سلامة القلب وبين ما يتحمل من هموم العبودية والدعوة الى الله نسبة طردية.

ومن أخطاء الناس العجيبة أنهم يرون ان القلوب كلما تكون افرغ من هموم العبودية والدعوة، وكلما يكون ثقل هذه الهموم على القلب أخف، فهو أمارة سلامة القلب وعلامة نشاطه.

ان القلوب الفارغة من الهموم قلوب بليدة، عديمة الحظ، او قليلة الحظ من الوعي والاحساس، وكلما يكون حظ القلب من الوعي والاحساس بالمسؤولية أوفر يكون تراكم الهموم عليه اكثر. فالإنسان المؤمن الواعي عندما يستشعر مسؤوليات العبودية العظمى ومسؤوليات الدعوة الكبيرة، وينظر الى قصوره و تقصيره وضعفه وعجزه وتباطئه من النهوض بمسؤوليات العبودية والدعوة يشعر بثقل المسؤولية وهمها على قلبه.

ولقد كان رسول الله2 يعاني معاناة قاسية من هموم العمل والدعوة الى الله تعالى، حتى خاطبه الله ـ عز شأنه ـ في كتابه بهذا الخطاب الرقيق المسلي:

{طه، ما أنزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرآنَ لِتَشْقى، إلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى}[20].

وفي خطاب آخر منه تعالى لنبيه2: {فَلا تَذْهَبْ نَفْسُك عَلَيْهِمْ حَسَرات}[21].

و ان القلب الذي يتحمل كل هذه الهموم، و يذهب هذا المذهب في الحسرة على الناس و شقائهم هو قلب رسول الله2، القلب الكبير و الواعي و الحساس.

و القرآن يذكّر الإنسان بعهود العبودية، و مسؤوليات العمل و الدعوة الى الله تعالى الكبيرة، فيستشعر قارئ القرآن هذه الهموم و يشعر بثقلها على قلبه.

(عن ابن عباس قال: قال ابوبكر: يا رسول الله أسرع اليك الشيب؟ قال2: «شيبتني سورة هود، و الواقعة، و المرسلات، و عم يتساءلون»[22].

واي سورة سورة هود؟ ان الله تعالى يخاطب نبيه2 في زحمة المشاكل و المشاكسات، وتحديات قريش وزعماء الجاهلية في جزيرة العرب، و في جو الضغوط و الاستفزازات التي تليّن الحديد الصعب بهذا الخطاب القوي الشديد {فَلَعَلَّكَ تاركٌ بَعضَ ما يُوحى إلَيكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ}[23].

ثم يعلم الله تعالى رسوله2 بالاسلوب الذي يواجه به الرفض و الاعراض من جانب طغاة قريش و مردة العرب و قادتهم.

{فَإلَّم يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاْعلَمُوا أنَّما اُنْزِلَ بِعِلْمِ الله وَأنْ لا إِله إلاّ هُوَ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[24].

هكذا يأمره الله تعالى ان يمر على هذه الموجة العاتية من الرفض و الاعراض بترفع و قوة.

ويأمره ان يثبت، و لا يتزلزل، و لا يهتز هو ومن معه من المؤمنين، ولا يهتز امام هذه العاصفة من الارتياب، والتشكيك ، والاعراض، والصدود {فَلا تَكُ في مِرْيَة مِنْهُ إنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَ لكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤمِنُونَ}[25].

ثم تستعرض سورة هود حالة المواجهة و الصدام بين الاسلام و الكفر في حياة سلسلة من الانبياء^ فتذكر معاناة نوح× الطويلة مع قومه، ومعاناة هود× مع قومه (عاد)، ومعاناة صالح× مع قومه (ثمود)، ومعاناة ابراهيم×، ومعاناة لوط× مع قومه، ومعاناة شعيب× مع قومه في (مدين)، و اخيرا معاناة موسى× مع فرعون و جنده.

وبعد هذا السرد الطويل لمعاناة الانبياء^ والذي جاء تثبيتا لفؤاد رسول الله2: {وكُلاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أنباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ في هذه الحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤمنينَ}[26].

بعد هذا الاسترسال الطويل يأتي هذا الامر الالهي الصادع بالثبات والاستقامة، و عدم الركون الى الظالمين، و عدم الاستسلام، وبمقاومة الهزيمة النفسية أمام موجة الجاهلية و الاعراض العاتية {فَاسْتَقِمْ كَما اُمرْتَ، وَمَنْ تابَ مَعَكَ، وَلا تَطْغَواْ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصيرٌ، وَ لا تَرْكَنُوا إلَى الَّذينَ ظَلَمُوا، فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وَ مالَكُمْ مِن دُونِ الله مِنْ أوْلياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ}[27].

يأمره الله تعالى، و ما ادراك ما هذا الأمر، يأمره2 بالإستقامة أمام هذه الموجة العاتية، هو2 و الذين تابوا معه، و الا يطغوا، والا يستسلموا للموجة: {وَلا تَرْكَنُوا إلَى الذينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ}. وَلَيس هو بمعنى قبول مقولة الجاهلية، فان الله تعالى لا يخاطب رسوله2 و الذين تابوا معه بهذا الخطاب، وإِنما يحذر من ترك المقاومة و الصمود و الثبات. و اي تهديد يتبع هذا الخطاب {فتمَسَّكُمْ النار} {ثم لا تنصرون}؟

اللهم، إن هذا الخطاب لا ينهض به إلاّ من ثبت فؤاده، ووهبته من لدنك سكينة ويقينا وقوة ورباطة جأش.

وان القرآن ليمهد لهذا الخطاب الصعب بهذا الاسترسال الطويل من قصص الانبياء المرسلين، ثم يعقب هذا الخطاب الصعب مباشرة بالأمر بالصلاة والصبر {وَأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفي النَّهار وزُلَفاً مِنَ الليل، إنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِئات ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرينَ، وَاصبِرْ فَانَّ الله لا يُضيعُ أجْرَ الُمحسِنينَ}[28].

انه لأمر صعب و تكفي في صعوبته كلمة رسول الله2: «شيّبتني سورة هود».

كذلك القرآن يفعل بالقلوب الواعية، و يحملها هموم العمل و الرسالة والعبودية والمواجهة.

وعن عبد الله بن عمران: أن النبي2 سمع قارئاً يقرأ هذه الآية {اِنَّ لَدَيْنا انكالا وَطعاماً ذا غُصَّة وَ عَذاباً أَليماً}… فصعق[29].

وروى ابان بن عثمان عن محمد قال: قال لي أبو عبدالله الصادق×: إقرأ؟ قلت: من أيّ شيء أقرأ؟ قال: إقرأ من السورة السابعة.

قال فجعلت التمسها فقال: إقرأ سورة يونس.

فقرأت حتى انتهيت الى: {لِلَّذينَ أحسَنُوا الْحُسنى وَ زِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَ لا ذِلَّةٌ}[30].

ثم قال: حسبك، قال رسول الله2 اني لا عجب كيف لا اشيب اذا قرأت القرآن)[31].

وعن عبيدالله بن موسى قال: كنت أقرأ على علي بن صالح، فلما بلغت قوله تعالى: {ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطينَ عَلَى الكافرينَ تَؤزُّهُمْ أزّاً، فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعْدُّ لَهُمْ عَدّاً}[32]… سقط اخوه الحسن بن صالح يخور كما يخور الثور، فقام اليه علي فرفعه و مسح وجهه ورش عليه و اسنده[33].

الهوامش والمصادر

  • [1] ـ نهج البلاغة: الخطبة رقم 176.
  • [2] ـ اصول الكافي: 1/55.
  • [3] ـ المصدر السابق.
  • [4] ـ خصال الصدوق: 1/70.
  • [5] ـ الزّمر: 23.
  • [6] ـ معترك الاقران: 1/246.
  • [7] ـ نهج البلاغه: الخطبة رقم 188 بشرح الشيخ محمد عبده.
  • [8] ـ الاسراء: 107 ـ109.
  • [9] ـ مستدرك الوسائل: 4/238 عن اسرار الصلاة للشهيد 139، وبحار الأنوار: 92/216.
  • [10] ـ نور الثقلين:2/308، ومجمع البيان: 3/119.
  • [11] ـ صحيح مسلم: 2/195ـ196.
  • [12] ـ بحار الأنوار: 92/210ـ218، و عيون اخبار الرضا: 2/183.
  • [13] ـ القرآن الكريم في احاديث الرسول الاعظم2 و اهل بيته الطاهرين: 101 ومستدرك الوسائل:4/277، و بحار الأنوار:92/206.
  • [14] ـ القصص: 83.
  • [15] ـ مستدرك الوسائل: 4/277.
  • [16] ـ اخرجه ابو يعلي وابو نعيم في الحلية من حديث ابن عمر، و رواه الكليني في الكافي: 2/614 تحت رقم(2) عن الامام الصادق×. ورواه كذلك الحر العاملي في وسائل الشيعة: 4/857 ط.الحديثة.
  • [17] ـ وسائل الشيعة: 4/857.
  • [18] ـ وسائل الشيعه4: 857.
  • [19] ـ لابد ان نقف عند هذه الكلمة (ان القرآن نزل بحزن) وقفة تأمل فهي كلمة جديرة بالدراسة والتأَمل و كاشفة عن طبيعة نزول القرآن ولكي لا نقطع الاسترسال في هذا البحث نرجىء البحث عن هذا الموضوع الى خاتمة هذا الكتاب.
  • [20] ـ طه: 1 ـ3.
  • [21] ـ فاطر: 8.
  • [22] ـ بحار الأنوار: 92/199 و خصال الصدوق: 1/93 و في رواية الطبرسي في مجمع البيان 5، 140 بزيادة {و اذا الشمس كورت} و رواها عنه صاحب المستدرك في 4/242ـ243 الطبعة الثانية.
  • [23] ـ هود: 12.
  • [24] ـ هود: 14.
  • [25] ـ هود: 17.
  • [26] ـ هود: 120.
  • [27] ـ هود: 112ـ113.
  • [28] ـ هود: 114ـ115.
  • [29] ـ مجمع البيان: 5/380.
  • [30] ـ يونس: 26.
  • [31] ـ تفسير العياشي: 2/119 ح 1، والمستدرك الطبعة الثانية: 4/238 ح 2 و بحارالأنوار 92، 214 الا ان الرواية في البحار عن ابي جعفر الباقر×.
  • [32] ـ مريم: 83ـ84.
  • [33] ـ الكنى و الالقاب للشيخ عباس القمي: 1/164 و كان الحسن بن صالح و علي بن صالح من خيار علماء الشيعة و كان الحسن متوارياً من خوف المهدي العباسي حتى مات متخفياً بعد وفاة عيسى بن زيد الشهيد رحمهما الله. قال وكيع و كان الحسن و علي ابنا صالح و امّهما قد جزأوا الليل ثلاثة اجزاء. فكل واحد يقوم ثلثاً فماتت امهم فاقتسما الليل بينهما، ثم مات علي فقام الحسن الليل كله. (الكنى و الالقاب 1/164).
بواسطة
الشيخ آية الله محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن 1 (وعي القرآن)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق