دائرة نفوذ القرآن

دائرة نفوذ القرآن

ان اول ما يستوقفنا في هذه الدائرة هو معنى كلمة (النفوذ)، ان النفوذ نوع من انواع العلاقة بين طرفين يقع احدهما وهو الطرف (المنفعل) تحت تأثير وسلطان وحكم ونفوذ الطرف (المؤثر)، ويحكم الطرف المؤثر الطرف المنفعل والمتأثر، ويوجهه، ويجعله تحت نفوذه وسلطانه.

ونقصد بالنفوذ هنا «النفوذ الواعي»، وهو ما اذا كان هذا التأثير والتأثر والفعل والانفعال قد تمّ عن وعي… ويكون استسلام الطرف الضعيف للطرف القوي عن قناعة. واما النفوذ، والتأثير، والفعل، والانفعال اللاواعي فهو امر آخر لا نقصده في هذه الدراسة. وفي مقابل هذه العلاقة (النفوذ الواعي) تأتي العلاقة المضادة لذلك تماما، وهي علاقة (المقاومة)، وهذه العلاقة قائمة على اساس رفض تأثير ونفوذ الطرف الآخر.

شروط النفوذ الواعي

وشروط (النفوذ الواعي) ثلاثة:

1 ـ السنخية: فلا بد ان يكون بين طرفي التأثير والنفوذ مسانخة في التكوين، فالمؤمن يتأثر بالقرآن وينفعل فيه ويخضع لنفوذ القرآن، وكذلك اصحاب الفطرة السليمة يتأثرون بكتاب الله.

أما المنافقون والذين في قلوبهم مرض فليست نفوسهم من سنخ القرآن، فلا يتأثرون به. يقول تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرآنِ ماهُو شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤمِنينَ وَلا يَزيدُ الظّالِمينَ إلاّ خَساراً}.[1]

فالقرآن شفاء ورحمة للمؤمنين خاصة، اما الظالمون المنحرفون فهم من سنخ آخر غير سنخ القرآن، ولا يزيدهم القرآن إلاّ خسارا، وهذا المعنى ورد في اكثر من آية في القرآن:

{وَإذا ما اُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَن يَقُولُ أيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إيماناً فَأمّا الَّذينَ امَنُوا فَزادَتْهُمْ إيماناً وَهُم يَسْتَبشِرُونَ، وَأمَّا الَّذينَ في قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزادَتْهُم رِجساً إلى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ}[2].

والقرآن لا يختلف في واقعه، وإنما يختلف الناس في ايمانهم وكفرهم وسلامتهم ومرضهم. اما المؤمنون فان القرآن يزيدهم ايماناً على ايمانهم، وسلامة على سلامتهم، واما الذين في قلوبهم مرض فان القرآن يزيدهم رجسا الى رجسهم ومرضا الى مرضهم.

ويقول تعالى: {الم، ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فيهِ هُدىً لِلْمُتَّقينَ}[3].

فالقرآن هدى لخصوص المتقين واصحاب النفوس السليمة. {هذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقينَ}[4].

{وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تَبْياناً لِكُلِّ شَيء وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمينَ}[5].

2 ـ عدم المقاومة: فالطرف الضعيف اذا كان يقاوم تأثير ونفوذ الطرف القوي فان الطرف القوي ـ في هذا النوع من العلاقة الواعية ـ لا يستطيع ان يؤثر في الطرف الآخر مهما كانت قوته ونفوذه.

والقرآن هو الطرف القوي المؤثر في العلاقة إلاّ ان الطرف الآخر اذا شاء ان يقاوم تأثير القرآن ويعانده فلا ينفعه القرآن.

ولذلك فان القرآن جاء مبشراً للمتقين فقط، واما اهل العناد واللجاج والخصومة والجدال فينذرهم القرآن فقط:

{فَانَّما يَسّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّر بِهِ المُتَّقِينَ وَتنذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً}[6].

واللد جمع الد وهو من كان شديد الخصومة والعداء والجدال للمؤمنين، وهو ما ذكرنا من المقاومة والعناد واللجاج… فان العناد واللجاج يفقد صاحبه القابلية و التأثر والانفعال بالقرآن… فلا يجذبه القرآن عندئذ.

والتبشير نوع من الجاذبية تخص المؤمنين، فهم الذين يستجيبون لدعوة القرآن ونفوذه، واما الخصوم اللدّ، فانهم يعاندون، ويقاومون تأثير القرآن ونفوذه فلا يجذبهم القرآن، ولذلك فلا ينفعهم تبشير القرآن، وانما ينذرهم القرآن فقط.

والفرق بين التبشير والانذار: ان الاول نحو من انحاء الجاذبية، والثاني تخويف وارعاب وتهديد، وليس من قبيل الجذب، والآية الكريمة تفصل بين المتقين والقوم اللدّ بان الطائفة الاولى يجذبهم القرآن بالتبشير {لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ} واما الطائفة الثانية فلا يكاد يجذبهم القرآن بالتبشير، وانما ينذرهم ويهددهم ويخوفهم فقط: {وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا}.

ونستخرج من هذه الآية المباركة حقيقة ثانية وهي: ان «الاستجابة» و «المقاومة» وهما نحوان من العلاقة هما اللتان تصنعان «السنخية» التي تحدثنا عنها في النقطة الاولى.

«فالسنخية الايمانية» مع القرآن تحقق «بالاستجابة» لدعوة القرآن ونفوذه وليست امراً خارج ارادة الإنسان ومتعلقاً بتكوين الإنسان كما ان «الرفض» و«المقاومة» هي التي تفقد الإنسان السنخية القرآنية التي تؤهله للانفتاح على القرآن والدخول في دائرة نفوذه وتأثيره.

ولذلك لما كانت التقوى من سنخ القرآن كان تأثير القرآن في جذب المتقين تأثيراً قويا، وهذا هو معنى (التبشير)، والذي هو نحو من انحاء الجذب. ولما كان القوم «اللدّ» يعاندون تأثير القرآن فان هذا العناد يحول دون احداث السنخية القرآنية ولا ينفعهم تبشير القرآن وانما ينذرهم القرآن فقط.

3 ـ القوة والضعف: ولا بد في اي نفوذ وتأثير من وجود طرف قوي وطرف ضعيف حتى يتم الفعل والانفعال والتأثير والتأثر، والقرآن في هذه العلاقة هو الطرف القوي الفاعل والمؤثر.

{لَوْ أنزَلْنا هذا الْقُرْآنَ عَلى جَبَل لَرَأيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ الله وَتِلكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}[7].

{وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزيزٌ، لا يَأتيهِ الْباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ}[8].

{وَلَوْ أنَّ قُرْاناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الاْرْضُ أوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَل لله الأمْرُ جَميعاً}[9].

ولابد ان يكون تأثر وانفعال الطرف المتأثر عن وعي وقناعة، اما الانفعال والتأثر من دون وعي ولا قناعة فلا قيمة له في هذه الدائرة.

والله تعالى يقول في صفات عباد الرحمن:

{وَالَّذينَ إذا ذُكِّرُوا بِاياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمّاً وَعُمْياناً}[10].

دائرة نفوذ القرآن

فإذا تحققت هذه العناصر الثلاثة في علاقة الإنسان بالقرآن فإن الإنسان يقع في دائرة نفوذ القرآن، وتحت تأثيره المباشر ـ العقلي والعاطفي ـ .

وهذه الدائرة هي مجال نفوذ القرآن وتأثيره على روح الإنسان وعقله وعاطفته، فاذا تحول اليه الإنسان اصبح تحت نفوذ وتأثير كتاب الله، كما في المجال المغناطيسي في الفيزياء.

تأثير القرآن في هذه الدائرة

وعندئذ فان القرآن يحكم الإنسان المؤمن، ويكون المؤمن تابعا للقرآن ونسخة متحركة منه في متبنياته وافكاره ومفاهيمه، وتكون مفاهيم القرآن وأحكامه وتصوراته وتصديقاته هي متبنيات الإنسان وأفكاره ومفاهيمه عن قناعة ووعي، هذا اولا في دائرة العقل والوعي.

ويوجه القرآن ثانياً عواطفه واحاسيسه وحبه وبغضه، فيحب من يحبه الله تعالى بمقاييس القرآن، ويبغض من يبغضه الله بالمقياس القرآني، فيكون في حبه وبغضه قرآنيا، ولا يستقل عن القرآن في حب وبغض وانسجام ونفور.

ويتحكم القرآن في عواطفه واحاسيسه ثالثاً، فيبكيه، ويرضيه، ويثيره، ويحركه، ويخوفه، ويبشره، وينذره، وتكون عواطفه تحت التأثير والنفوذ المباشر للقرآن، فيخاف، ويتوجّسْ، ويضطرب، ويقلق بانذار القرآن وتخويفه، ثم يسكن، ويطمئن، ويلين قلبه وجلده بتبشير القرآن: {اَللهُ نَزَّلَ اَحْسَنَ الْحَديثِ كِتاباً مُتَشابهاً مَثانِىَ تَقْشَعِرُّ منه جُلُودُ الَّذينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وَقُلُوبُهُمْ اِلى ذِكْرِ اللهِ}[11].

تقشعر قلوبهم بالتخويف والانذار، ثم تسكن نفوسهم، وتطمئن وتلين جلودهم وقلوبهم الى ذكر الله بالتبشير.

هذا الانفعال المباشر من خصائص هذه الحالة القرآنية في نفوس المؤمنين.

ويتحكم القرآن رابعا في سلوك وبناء وتكوين شخصية المؤمنين، فيكون سلوكهم سلوكا قرآنيا وكلامهم ومعاشرتهم بالله تعالى وبالناس وبانفسهم مطبوعا بطابع القرآن، وبصبغة الله تعالى.

والخلاصة ان الإنسان ـ في هذه الدائرة القرآنية ـ يخضع في عقله وعاطفته للقرآن عن وعي. والعقل والعاطفة مفتاحان للقلب، فاذا خضع العقل والعاطفة للقرآن انفتح القلب والروح على مصراعيه على القرآن، فيملأه القرآن، ويدخله بلا حاجز، ولا مانع.

مواضع الناس من القرآن

وموقع الناس من القرآن احد ثلاثة:

فأما ان يقع الناس في دائرة نفوذ القرآن وتحت تأثيره وفعله وسلطانه المباشر وأولئك هم الصديقون الذين يفتح الله لهم كنوز القرآن ويسلمهم مفاتيح القرآن يقول تعالى:

{إنّما الْمُؤمِنُونَ الَّذينَ إذا ذُكر الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَاذا تُلِيَتْ عَلَيْهم آياتُهُ زادَتْهُم ايماناً وعَلى رَبِّهم يَتَوَكَّلُونَ}[12].

وطائفة اخرى من الناس يقعون خارج هذه الدائرة ويتعاطون القرآن من خارج هذه الدائرة… وأولئك نصيبهم من كتاب الله بمقدار بعدهم وقربهم عن القرآن، فكلما كانوا ابعد عن دائرة نفوذ القرآن ومجال تأثيره كان نصيبهم من القرآن اقل حتى يبلغ حد الصفر.

والطائفة الثالثة من الناس يقعون في دائرة العناد واللجاج والخصومة ومقاومة القرآن وهؤلاء يختلف حالهم عن الطائفة الثانية، فان القرآن ينقلب في حياة هؤلاء الى مصدر للشقاء والخسار {وَلا يَزيدُ الظّالِمينَ إلاّ خَساراً}[13].

{وَأمَّا الَّذينَ في قُلوبِهِم مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ}[14].

{وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا*وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا}[15].

وسوف نذكر لهذا الاجمال تفصيلا أكثر في العناوين المقبلة.

جاذبـية القرآن

ومهما يكن من الامر فان للقرآن جاذبية وتأثيراً في النّفوذ، يصعب تفسيرها وتحليلها بالمقاييس المعروفة والمألوفة عند الناس، فيما يقرؤون وفيما يسمعون.

ولهذه الجاذبية دائرة واسعة، عامّة، شاملة، ودوائر خاصّة.

امّا الدائرة العامّة الواسعة فهي دائرة التأثير المباشر المشهود للقرآن في افكار الناس وقلوبهم منذ ان نزل القرآن على الناس الى اليوم الحاضر، والقرآن يتلى على الناس، ليلا ونهاراً، والناس يسمعون القرآن، ويقرؤونه، ويتفاعلون معه، ولم تهبط درجة هذا التفاعل، ولم تنقص درجة تأثير القرآن في نفوس الناس منذ ان نزل القرآن إلى اليوم. ولا زال الناس يتعاطون القرآن ويتفاعلون معه، كما لو كان نزل اليوم من لدن الله تعالى إلى عباده.

وتلك من دون ريب آية هذه الجاذبية العامة و الشاملة للقرآن.

والدائرة الأُخرى لجاذبية القرآن هي الدائرة الخاصّة التي تقع فيها الصفوة من عباد الله الذين خصّهم الله تعالى بوعي القرآن وفهمه والذين آتاهم الله ثقة القرآن ونوره وبصيرته وأولئك قلّة من الناس.

كما يقع في هذه الدائرة عموم الناس ممن لم ينغلقوا على هدى القرآن، ولكن بين حين وآخر، وبقدر ومضة أو اكثر… ولهذه الومضات القرآنية تأثير قوي ومؤثّر ونافذ يختلف عن تأثير القرآن في دائرة الجاذبيّة العامّة. ففي هذه الومضات ينفتح القلب على القرآن، ويتفاعل مع القرآن بقوّة، وينفذ فيه القرآن، ويخضعه لتأثيره، ويصبغه بصبغته، ويقوّمه، ويسدّده، ويبعث فيه الايمان والنّور والهدى والقوة.

وكلّ من تعاطى القرآن ـ من عامّة الناس ـ ممّن لم ينغلق على القرآن لا بد ان التقى هذه الومضات في القرآن، خلال حياته اكثر من مرّة، وتلقى ومضات القرآن وامواج جاذبيّته النافذة للحظة أو لحظات، ووجد ان للآية التي كان يقرأها من قبل قوّة ونفوذ وجاذبية اخرى، ونكهة تختلف عمّا كان يجدها فيها من قبل، وسحراً في نفسه يختلف عمّا كانت عليه من قبل.

ونحن مهما شككنا في شيء فلا نشكّ في حدوث مثل هذه الحالات من التفاعل القويّ للقلوب مع القرآن بين حين وآخر، وهذه الومضات القرآنية تحدث بين حين وآخر لمن يتعاطى كتاب الله من عامّة الناس، ولم ينغلق على هدى القرآن، وليس في الناس ممّن يتعاطى القرآن، ولم ينغلق عليه من لم يمرّ بهذه الحالات، ولم يتعرّض لهذه الومضات في حياته مرّات ومرّات.

ولا نشكّ ايضاً أنّ لهذه الحالات من التفاعل القوىّ بالقرآن والتأثير الشديد بجاذبيته قانوناً يخصّها، ولا يمكن أن تحدث هذه الحالات بصورة عفويّة بين حين وآخر. وان كنا نجهل تفاصيل هذا القانون، فهناك قانون لانفتاح القلوب وانغلاقها وهذا القانون هو الذي يفسّر كيفيّة التقاء الناس بالقرآن، ودرجة تفاعلهم معه، وكل الناس ممّن لم ينغلق على كتاب الله يتلقى مثل هذه الحالات، ولكن يختلفون في قدرتهم على تثبيت هذه الحالات في قلوبهم وحياتهم.

فمن الناس من يستطيع ان يثبّت هذه الومضات القرآنية في حياته، ويحوّلها من (ومضة خاطفة) الى (حالة) و من (حالة) (ملكة ثابتة) تغير مجرى حياته. وهؤلاء قد يتغيّر مجرى حياتهم بآية يسمعونها من كلام الله، فيتحولون من حال الى حال، ومن الشقاوة الى السّعادة، ومن الضياع والضلال الى الهدى والاستقامة كما ينقل مثل ذلك عن الفضيل بن عياض.

ونحن نورد فيما يلي بعض الامثلة والشواهد على هذه الومضات القرآنية في حياة الناس[16].

وهي كثيرة لا تحصى، ولكنّا آثرنا هنا ان ننقل بعضها ليهتدي من خلالها القارىء الى الحالات المماثلة التي تحدث في حياته وفي نفسه، ويعمل على تثبيتها وتعميقها في نفسه، واليك جملة من هذه الشواهد:

دخل جبير بن مُطعِم ـ وهو مشرك ـ على رسول الله2 لاطلاق سراح الاسرى بعد معركة بدر، ورسول الله2قائم يصلّي، فسمع النبىّ2 وهو يقرأ في المغرب: والطّور، قال: فلمّا بلغ قوله تعالى {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء أَمْ هُمُ الخالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَواتِ وَالأْرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ، أَمْ عِندَهُمْ خَزائِنُ رَبِّك أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ}[17] فقال: كاد قلبي أن يطير وذلك أوّل ما دخل الاسلام قلبي[18].

وعن ابن مسعود: لمّا نزل قوله تعالى {يااَيُّهَا الَّذينَ ءَامَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجارَةُ}[19] تلاها رسول الله2 على أصحابه. فخرّ فتىً مغشيّاً عليه. فوضع النّبىّ2 يده على فؤاده فوجده يكاد يخرج من مكانه. فقال2: يا فتى قل: لا إله الاّ الله. فتحرّك الفتى فقالها. فبشّره النّبىّ2 بالجنّة. فقال القوم: يا رسول الله! من بيننا؟ فقال النّبىّ2: أما سمعتم الله يقول: {ذلِك لِمَنْ خَافَ مَقَامي وَخَافَ وَعِيدِ}[20].

ودخل عتبة بن ربيعة على رسول الله2 ليكلّمه فيما جاء به من خلاف قومه وليحاجّه. فتلى عليه رسول الله من سورة فصلت: {فَإنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرتُكُمْ صَاعِقَةً مِثلَ صَاعِقَةِ عاد وَثَمُودَ..}[21]. فَأمسك عتبة بيده على فم النّبىّ2 وناشده الرّحم ان يكفّ عن الانذار[22].

وقالوا ان الفضيل بن عياض[23] كان اوّل امره من قطاع الطريق بين ابيورد وسرخس، وعشق جارية، فارتقى ليلا الجدار اليها، فسمع قارئاً يقرأ القرآن في آناء الليل، وقد بلغ هذه الآية: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذينَ ءاَمَنوُا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله}[24] فقال: ياربّ قد آن. ورجع وتاب وحقّت توبته واستقام أمره.

وكان لفضيل بن عياض ولد اسمه علىّ. سمع يوماً قارئاً في المسجد الحرام يقرأ قوله تعالى: {وَتَرَى الُْمجْرِمينَ يَوْمَئِذ مُقَرَّنينَ في الأصْفَادِ، سَرَابِيلُهُم مِن قَطِران وَتَغْشَى وُجُوهَهمُ النّارُ}[25] فصعق صعقة من اثر القراءة وسقط[26].

وعن حرم العبدي قال: قدمت الكوفة فلم يكن لي همّ إلاّ أويس (العزيزي) اسأل عنه. فدفعت إليه بشاطىء الفرات يتوضأ ويغسل ثوبه. فعرفته بالنّعت. فاذا رجل أدم محلوق الرأس، كثّ اللّحية، مهيب المنظر، فسلّمت عليه. فقلت: السّلام عليك يا أويس! كيف أنت يا أخي؟ حدّثني عن رسول الله2 حديثاً لأحفظه عنك. قال: إنّي لم أدرك رسول الله2 ولم يكن لي معه صحبة وقد رأيت رجالا رأوه. وقد بلغني عن حديثه كبعض ما بلغكم ولست أحبّ أن افتح هذا الباب على نفسي. قال: قلت: فاتل علىّ آيات من كتاب الله عزّ وجلّ أسمعهنّ منك وأوصني بوصيّة. قال: فأخذ بيدي وجعل يمشي على شاطىء الفرات. ثم قال: احقّ القول قول ربّي عزّ وجلّ واصدق الحديث حديث ربي عزّ وجلّ وأحسن الكلام كلام ربّي. أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرّجيم. {إنَّ يَومَ الفَصْلِ مِيقَاتُهُم أَجْمَعِينَ }[27]. قال: ثمّ شهق شهقة فأنا أحسبه قد غشّ عليه. ثمّ قرأ: {يَوْمَ لا يُغْني مَوْلىً عَن مَوْلىً شَيْئاً وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ إلاّ مَن رَحِمَ الله إنَّهُ هُوَ العَزيزُ الرَّحِيمُ}[28] ثمّ نظر إلىّ فقال: يا حرم! ما أبوك ويوشك أن تموت. وصيّتي لك يا ابن حيّان كتاب الله عزّ وجلّ وعليك بذكر الموت. فإن استطعت أن لا يفارق قلبك طرفة عين فافعل وأنذر قومك إذا رجعت إليهم[29].

وكان للمولى عبدالله بن الحسين الشّتري ابنٌ يحبّه كثيراً، فصادف أن مرض ولده مرضاً شديداً وانشغل بال الأب بابنه المريض، فحضر الصلاة جماعة، فلم يتمكّن أن يقبل بقلبه على صلاته كما كان يفعل من قبل. فقرأ سورة المنافقين في صلاته حتّى بلغ قوله تعالى: {ياأيُّها الّذينِ ءَامَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أمْوَالُكُمْ وَ لا اولادُكُم عَن ذِكْرِ الله}[30] و أخذ يكرّر هذه الآية كثيراً فلمّا فرغ من صلاته سأله النّاس عن سبب تكرار هذه الآية. فقال لهم: لمّا بلغت هذه الآية خطر على بالي انشغال قلبي بولدي فأخذت اكرّرها و أعمل لتجريد نفسي من التعلّق بابني حتّى تصوّرت ابني ميتاً و جنازته أمامي و قطعت منه أملي ثمّ انصرفت إلى ما بعدها من الآيات[31].

وقال بعضهم: خرجت أنا وصديق لي الى البادية فضلّلنا الطريق فإذا نحن بخيمة عن يمين الطريق فقصدنا نحوها فسلّمنا. فإذا بامرأة تردّ عليناالسّلام. و قالت: من أنتم؟ قلنا: ضالّون فآتيناكم فاستأنسنا بكم. فقالت: يا هؤلاء! ولّوا وجوهكم عنّي حتّى اقضي من حقّكم ما انتم له أهل، ففعلنا. فألقت لنا مسحاً وقالت: اجلسوا عليه حتى من أن يأتي ابني. ثمّ جعلت ترفع طرف الخيمة و تردّها إلى أن رفعته مرّة. فقالت: أسئل الله بركة المقبل. أمّا البعير فبعير ابني و أمّا الراكب فليس هو به. فوقف الرّاكب عليها وقال: يا أمّ عقيل! عظّم الله أَجرك في عقيل ولدك. فقالت: ويحك مات؟ قال: نعم. قالت: و ما سبب موته؟ قال: ازدحمت عليه الابل فرمت به في البئر. فقالت: إنزل و اقض ذمام القوم و دفَعت إليه كبشاً فذبحه و اصلحه و قرَب إلينا الطعام. فجعلنا نأكل و نتعجّب من صبرها.

فلّما فرغنا خرجَت إلينا و قالت يا قوم: هل فيكم من يحسن من كتاب الله شيئاً؟ فقلت: نعم. قالت: فاقرأ علّي آيات أتعزّى بها عن ولدي. فقلت: يقول الله عزّ و جلّ: {وبَشّرِ الصّابرينَ، الَّذين إذا أصابَتهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إنّا لله وإنّا إليهِ راجعُونَ أُولئِكَ عَلَيهِمْ صَلَوَاتٌّ مِنْ رَبَهّمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الُمهْتَدُون}[32] قالت: بالله إنّها في كتاب الله هكذا؟ قلت: والله إنّها لفي كتاب الله هكذا. فقالت: السلام عليكم. ثّم صفّت قدميها و صلّت ركعات. ثّم قالت: اللّهمّ إنّي قد فعلت ما أمرتني فانجز لي ما وعدتني. و لو بقي أحد لاحد. فقلت في نفسي: تقول لبقي ابني لحاجتي إليه. فقالت: لبقي محمّد2 لأُمّته.

فخرجنا و أنا أقول: ما رأيت أكمل منها ولا اجزل ذكرت ربّها باكمل خصاله و اجمل جلاله[33].

وروى صاحب مقتنيات الدرر: انّ شابّاً صالحاً حضر جماعة للصلاة. فقرأ الإمام في الصلاة سورة الحاقّة. حتّى إذا بلغ قوله تعالى: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الجَحيمَ صَلُّوهُ}[34] صرخ الفتى صرخةً و سقط مغمى عليه. فحملوه إلى أمه في بيته و هو مغشيّ عليه[35].

و قدم صعصعة بن ناجية جدّ الفرزدق على رسول الله2 في وفد بني تميم. فقرأ عليه رسول الله2 قوله تعالى: {فَمَنَ يَعَمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيراً يَرَه وَمَن يَعمَل مِثقالَ ذَرَّة شَرّاً يَرَهُ}[36] فقال حسبي: ما أبالي أن أسمع من القرآن غير هذا[37].

سلطان القرآن على المشركين

وأعجب من هذا كلّه سلطان القرآن على قلوب المشركين الذين لم يفتحوا قلوبهم للقرآن. إلاّ أن القرآن كان يجذبهم إليه بقوّة، وكان يسحرهم بسحر بيانه، و يشدّ قلوبهم إليه شدّاً قويّاً.

و في سيرة رسول الله2 نماذج و شواهد كثيرة لهذه القلوب المنغلقة على القرآن نذكر فيما يلي بعض الشواهد منها.

يقول ابن اسحاق في قصة اسلام (سعدبن معاذ) و (اسيدبن حضير) و هما سيّدا قومهما من بني عبدالاشهل في يثرب لمّا ارسل رسول الله2 مصعب بن عمير الى يثرب ليدعوهم إلى الاسلام و يعلّمهم القرآن، إنّ اسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد دار «بني عبدالاشهل» و دار «بني ظفر». و كان سعد بن معاذ ابن خالة اسعد بن زرارة فجلسا (اسعد بن زرارة و مصعب بن عمير) في الحائط. واجتمع إليهما رجال ممّن اسلم. و سعد بن معاذ واسيد بن حضير يومئذ سيّدا قومهما من بني عبدالأشهل. و كلاهما على دين قومه. فلمّا سمعا به قال سعد بن معاذ لـ (اسيد): لا أبا لك انطلق إلى هذين الرّجلين اللذين قد أتيا دارنا ليسفّها ضعفاءنا. فازجرهما و انههما عن أن يأتيا دارينا. فإنّه لولا أنّ اسعد بن زرارة منّي حيث قد علمت كفيتك ذلك ، هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدّماً. قال: فأخذ اسيد بن حضير حربته ثمّ أقبل إليهما. فلمّا رءاه أسعد بن زرارة قال لمصعب بن عمير: هذا سيّد قومه قد جاءك. فأصدق الله فيه. قال مصعب: ان يجلس أكلّمه. قال: فوقف عليهما متشتماً. فقال: ما جاء بكما إلينا تسفّهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة. فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع. فإن رضيت أمراً قبلته و إن كرهته كفّ عنك ما تكره. قال: أنصف. ثّم ركز حربته و جلس إليهما. فكلّمه مصعب بالإسلام و قرأ عليه القرآن. فقالا فيما ذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلّم في اشراقه وتسهله، ثمّ قال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله. كيف تصنعون إن أردتم أن تدخلوا في هذا الدّين. قالا له: تغتسل و تطهّر و تطهّر ثوبيك ، ثمّ تشهد شهادة الحقّ، ثمّ تصلي. فقام فاغتسل و طهّر ثوبيه و تشهّد شهادة الحق. ثّم قام فركع ركعتين. ثمّ قال لهما: إنّ ورائي رجلا إن اتّبعكما لم يتخلّف عنكما أحد من قومه و سأرسله إليكما الان سعدبن معاذ. ثمّ أخذ حربته و انصرف الى سعد و قومه و هم جلوس في ناديهم. فلمّا نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا قال: أحلفُ بالله لقد جاءكم اسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم. فلّما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلّمت الرجلين. فوالله ما رأيت بهما بأساً. و قد نهيتهما فقالا: نفعل ما احببت. و قد حدث أنّ بني حارثة قدخرجوا إلى اسعد بن زرارة ليقتلوه وذلك أنّهم قد عرفوا أنّه ابن خالتك .

قال: فقام سعد مغضباً مبادراً. تخوّفاً للذي ذكر له من بني حارثة فاخذ الحربة من يده ثّم قال و الله ما اريك أغنيت شيئاً. ثمّ خرج إليهما. فلمّا رآهما سعد مطمئنّين عرف سعد أنّ أسيداً إنّما أراد منه ان يسمع منهما. فوقف عليهما متشتماً. ثمّ قال لاسعد بن زرارة: يا أبا أمامة! لولا ما بيني و بينك من القرابة ما رمت هذا منّي. أتغشانا في دارنا بما نكره. و قد قال اسعدبن زرارة لمصعب بن عمير: اي مصعب: جاءك و الله سيّد من ورائه قومه. ان يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان. قال: له مصعب: أو تقعد فتسمع. فان رضيت امراً ورغبت فيه، قبلته وان كرهته عزلنا عنك ما تكره. قال سعد: انصفت. ثمّ ركز حربته و جلس. فعرض عليه الاسلام وقرأ عليه القرآن. قالا فعرفنا والله في وجهه الاسلام قبل ان يتكلّم، لاشراقه و تسهله. ثمّ قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم و دخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل فتطهّر و تطهّر ثوبيك ثّم تشهد شهادة الحقّ. ثّم تصلي ركعتين. قال: فقام فاغتسل و طهّر ثوبيه و تشهّد شهادة الحق، ثّم ركع ركعتين. ثمّ اخذ حربته. فاقبل عامداً الى نادي قومه و معه اسيد بن خضير.

قال: فلما رآه قومه مقبلا، قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم. فلّما وقف عليهم قال: يا بني الأشهل! كيف تعلمون أمري منكم. قالوا: سيّدنا و افضلنا رأياً و أيمننا نقيبه، قال: فان كلام رجالكم و نسائكم علي حرام حتّى تؤمنوا بالله ورسوله[38].


الهوامش والمصادر

  • [1] ـ الاسراء: 82.
  • [2] ـ التوبة: 124 ـ 125.
  • [3] ـ البقرة: 2.
  • [4] ـ آل عمران 3: 138.
  • [5] ـ النحل: 89.
  • [6] ـ مريم: 97.
  • [7] ـ الحشر: 21.
  • [8] ـ فصّلت: 41 ـ42.
  • [9] ـ الرّعد: 31.
  • [10] ـ الفرقان: 73.
  • [11] ـ الزّمر: 23.
  • [12] ـ الانفال : 2.
  • [13] ـ الاسراء: 82.
  • [14] ـ التوبة: 125.
  • [15] ـ الاسراء: 45ـ 46.
  • [16] ـ للاستاذ علي كريمى جهرمي كتاب جديد بهذا الموضوع جمع فيه هذه القصص والشواهد وقد نقلت عن كتابه بعض هذه الامثلة.
  • [17] ـ الطور: 35 ـ 37.
  • [18] ـ معترك الاقران للسيوطي: 1/ 243، الدين والاسلام: 2/ 370.
  • [19] ـ التحريم: 6.
  • [20] ـ ابراهيم: 14.
  • [21] ـ فصلت: 13.
  • [22] ـ معترك الاقران للسيوطي: 1/ 243، الدين والاسلام: 2/ 370.
  • [23] ـ له ترجمة في تذكرة الحفاظ: 1/ 225; وتهذيب التهذيب: 8/ 294; والجواهر المضيئة: 1/ 490; وحلية الاولياء: 8/ 84; ووفيات الاعيان: 3/ 215.
  • [24] ـ الحديد: 16.
  • [25] ـ ابراهيم: 50.
  • [26] ـ روضات الجنان: 6/22.
  • [27] ـ الدخان: 40.
  • [28] ـ الدخان: 42.
  • [29] ـ حلية الاولياء: 2/84ـ85.
  • [30] ـ المنافقون:9.
  • [31] ـ سفينة البحار 2/122.
  • [32] ـ البقرة: 155ـ157.
  • [33] ـ مسكّن الفؤاد: 76ـ77.
  • [34] ـ الحاقة: 30ـ31.
  • [35] ـ مقتنيات الدرر: 11/234.
  • [36] ـ الزلزال: 7ـ8.
  • [37] ـ نورالثّقلين: 5/650.
  • [38] ـ الروض الأنف: 2/185ـ186.
بواسطة
الشيخ آية الله محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن 1 (وعي القرآن)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق