فضل حملة القرآن

العمل بالقرآن

حمل القرآن غير العمل به، ان العمل بالقرآن أمر يخص الإنسان نفسه ولا يتجاوزه، فقد يسعد الإنسان بالعمل بالقرآن، وقد يشقى بالابتعاد عن القرآن، إلاّ انه على كل حال شيء يخصه، أما حمل القرآن فهو القيام في المجتمع برسالة القرآن وتحمل مسؤولية اداء رسالة القرآن والنهوض بها. ودائرة حمل القرآن المجتمع، بينما دائرة العمل بالقرآن الفرد العامل نفسه، وحملة القرآن اشرف من العاملين به، وارفع درجة منهم، ذلك بانهم يعملون بالقرآن، وينهضون برسالة القرآن، ويهمهم امر الآخرين في العلاقة بالقرآن، كما يهمهم امر انفسهم.

إن أفضل ما يناله عامة الناس هو العمل بالقرآن، وانقاذ انفسهم من السقوط والهلاك بالقرآن، أمّا حملة القرآن فهم يعملون لانقاذ الآخرين بالقرآن. إن هَمّ الصالحين من الناس هو انتشال انفسهم من الغرق والهلاك، اما حملة القرآن فهمهم انتشال الناس ونجاتهم وهدايتهم. وبين هذا وذاك فرق شاسع في المرتبة والدرجة، وحملة القرآن هم العلماء بالقرآن.

دولة الليل ودولة النهار

روي عن ابن عباس عن رسول الله2:

«اشراف امتي حملة القرآن واصحاب الليل»[1].

والمقارنة بين حملة القرآن واصحاب الليل امر جدير بالانتباه، فان حملة القرآن هم رجال دولة النهار، واصحاب الليل هم رجال دولة الليل، وان للنهار لدولة، ولليل لدولة، ورجال دولة النهار هم حملة القرآن والذين ينهضون في وسط المجتمع برسالة القرآن، ورجال دولة الليل هم اصحاب الليل الذين يقيمون الليل راكعين ساجدين بين يدي الله.

ومن العجب أن حملة القرآن لا يستطيعون ان ينهضوا برسالة القرآن في النهار الا اذا تزودوا في الليل بما يمكنهم من حمل هذا العبء الثقيل في النهار… وليس من غنى للعاملين في النهار من قيام الليل.

وعن ابي سعيد الخدري عن رسول الله2: «حملة القرآن عرفاء أهل الجنة»[2].

وعن ابي محمد العسكري عن ابائه^ عن اميرالمؤمنين× عن رسول الله2: «حملة القرآن المخصوصون برحمة الله، الملبسون نور الله، المعلمون كلام الله، المقربون من الله، من والاهم فقد والى الله، ومن عاداهم فقد عادى الله، يدفع الله عن مستمع القرآن بلوى الدنيا، وعن قارئه بلوى الآخرة»[3].

وعن موسى بن جعفر‘ عن ابائه^ عن رسول الله2: «ان الله تعالى جواد يحب الجود ومعالي الامور، ويكره سفسافها (سفاسفها)، وان من عظم جلال الله تعالى إكرام ثلاثة: ذي الشيبة في الاسلام، والامام العادل، وحامل القرآن غير الغالي ولا الجافي عنه»[4].

حملة القرآن والعمل بالقرآن

ولن يكون حامل القرآن حاملا له وناهضا بمسؤولية رسالة القرآن في المجتمع الاّ عندما يكون عاملا به، ولا يمكن ان ينهض الإنسان بمسؤولية رسالة القرآن وهو غير مؤمن به وغير عامل به {يا أيّها الّذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون *كَبُر مقتاً عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون}[5].

وانّما يستطيع الإنسان ان ينهض برسالة القرآن اذا كانت هذه الرسالة متجسدة في حياته الشخصية وسلوكه وعلاقته مع الله تعالى ومع الاخرين… في هذه الحالة فقط يستطيع ان ينهض في المجتمع برسالة القرآن الى المجتمع.

وقد روي عن رسول الله2:

«ان احق الناس بالتخشع في السر والعلانية لحامل القرآن، وان احق الناس بالصلاة والصيام في السر والعلانية لحامل (القرآن)»[6].

والقرآن يحمل حملته

وحامل القرآن يحمله القرآن، يقول اميرالمؤمنين× في وصف القرآن: «وحاملا لمن حمله»[7].

فما هذا التبادل والتعاطي في الحمل، يحمل الإنسان القرآن، ويحمله القرآن في نفس الوقت.

ان حمل القرآن حمل ثقيل ينوء به الإنسان، لولا ان الله تعالى يعينه، فان هذا القرآن رسالة الله تعالى الى البشرية جميعاً، يدعوهم فيها الى نبذ كل عبودية وطاعة لغير الله، وتوحيد العبودية والطاعة لله، والى مخالفة الاهواء والشهوات، والالتزام بحدود الله، والتمسك بالتقوى، وحمل هذه الرسالة الثقيلة يجعل الدعاة الى الله من حملة القرآن في مواجهة مباشرة للطواغيت في الارض، واصحاب النفوذ والسلطان، وفي مواجهة للاهواء والشهوات جميعاً.

ومواجهة شاملة وواسعة كهذه المواجهة امر عسير شاق، بالغ العسر والمشقة، ينوء بها الإنسان. ويحتاج حملة القرآن في هذه المسيرة الصعبة وفي طريق ذات الشوكة هذا الى ان يتسلحوا بالتوكل على الله، والثقة بالله، والصبر والاستقامة، والاقدام والشجاعة، والحلم وسعة الصدر، ومعرفة سنن الله تعالى في حركة التاريخ والمجتمع، وسنن الله في الابتلاء والامتحان… وكل ذلك مما يعلمنا القرآن.

ولولا ان يتسلح حملة القرآن بما يمنحهم القرآن من وعي وبصيرة وقوة لم يتمكنوا من حمل رسالة القرآن الى البشرية.

فالقرآن ـ اذن ـ يحمل الدعاة الى الله، وينهض بهم، ويمنحهم البصيرة والقوة يثبت اقدامهم على ارض المعركة، كما يحمل الدعاة الى الله، القرآن الى الناس.

كيف نقرأ القرآن

هذا سؤال يشبه تماما ما لو قلنا كيف نفتح الكنز؟

فإنَّ القرآن كنز ومفتاحه قراءته، فمن احسن قراءة القرآن فتح الله عليه الكنز، ومن لم يحسن قراءته لم يفتح له الكنز.

القرآن كنز

اما ان القرآن كنز، فاقرأوا هذا النص، عن رسول الله2: «إن هذا القرآن هو النور المبين، والحبل المتين، والعروة الوثقى، والدرجة العليا، والشفاء الاشفى»

«من استضاء به نوّره الله»

«ومن عقد به اموره عصمه الله»

«ومن تمسك به أنقذه الله»

«ومن لم يفارق أحكامه رفعه الله»

«ومن استشفى به شفاه الله»

«ومن آثره على ما سواه هداه الله»

«ومن طلب الهدى في غيره أضله الله»

«ومن جعله شعاره ودثاره أسعده الله»

«ومن جعله إمامه الذي يقتدي به، ومعوّله الذي ينتهي إليه آواه الله إلى جنات النعيم والعيش السليم»[8].

وعن اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب×: «ثم انزل عليه (أي على رسول الله2) الكتاب نورا لا تطفأ مصابيحه، وسراجا لا يخبوا توقده، وبحرا لا يدرك قعره، ومنهاجا لا يضل نهجه، وشعاعا لا يظلم ضوؤه، وفرقانا لا يخمد برهانه، وتبيانا لا تهدم اركانه، وشفاء لا تخشى اسقامه، وعزا لا تهزم انصاره، وحقا لا تخذل اعوانه.

فهو معدن الايمان وبحبوحته، وينابيع العلم وبحوره، ورياض العدل وغدرانه، واثافي الاسلام وبنيانه، واودية الحق وغيطانه، وبحر لا ينزفه المستنزفون، وعيون لا ينضبها الماتحون، ومناهل لا يغيضها الواردون، ومنازل لا يضل نهجها المسافرون، وأعلام لا يعمى عنها السائرون، وآكام لا يجوز عنها القاصدون.

جعله الله ريا لعطش العلماء، وربيعا لقلوب الفقهاء، ومحاجاً لطرق الصلحاء، ودواءً ليس بعده داء، ونوراً ليس معه ظلمة، وحبلا وثيقاً عروته، ومعقلا منيعا ذروته، وعزّا لمن تولاه، وسلما لمن دخله، وهدى لمن ائتم به، وعذرا لمن انتحله، وبرهانا لمن تكلم به، وشاهداً لمن خاصم به، وفلجا لمن حاج به، وحاملا لمن حمله، ومطية لمن اعمله، وآية لمن توسم، وجنة لمن استلام، وعلما لمن وعى، وحديثا لمن روى وحكما لمن قضى»[9].

فكيف نصل ـ اذن ـ الى هذا الكنز؟ ان الاسلوب الصحيح لقراءة القرآن يوصلنا الى هذا الكنز، ويفتح لنا ابوابه ومغاليقه.

القراءة الصحيحة للقرآن

القراءة الصحيحة هي التي يشارك فيها اللسان، والعقل، والقلب، فيتلو اللسان تلاوة صحيحة، ويتعقل العقل ويتدبر مفاهيم القرآن وكلماته، ويتفاعل القلب مع ايات كتاب الله، ويتأثر بها، ويتعظ بها.

فإذا اشترك اللسان والعقل والقلب في قراءة القرآن كانت هذه القراءة صالحة لان تكون مفتاحا لكتاب الله، ينال بها صاحبها ما اودع الله في كتابه من كنوز المعاني والمفاهيم والافكار.

أما القراءة التي لا تتجاوز اللسان، ولا يشارك فيها العقل والقلب، ولا تنفذ الى العقل والقلب فهي من قراءة الغافلين، ومن التلاوة المجردة عن التدبر والتفكير.

يقول تعالى: {وَمِنْهُمْ اُمِّيُونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إلاّ أمانيَّ}[10].

والاماني هي، كما يقول جملة من المفسرين، التلاوة المجردة عن التفكير، وكأنَّ هذه القراءة اشبه بالامنية منها الى الطلب الجاد الحقيقي، وهذه القراءة هي من مصاديق الاعراض والغفلة عن ايات الله ـ تعالى ـ في كتابه.

{وَكَأيِّن مِنْ آية في السَّماواتِ وَالاْرْضِ يَمُرّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ}[11].

فهؤلاء القرّاء الذين لا تتجاوز القراءة السنتهم يمرون على آيات الله وهم عنها معرضون وغافلون.

القراءة عند المؤمنين والقراءة عند المنافقين

وهذان نحوان من القراءة: احداهما تنفذ الى القلب، ويتلقاها العقل بالتدبر والتعقل، ويأتلفها القلب، ويسكن اليها، ويطمئن لها، وتلين عليها الجلود، وهذه هي القراءة التي تنفتح لها مغاليق القلوب، وتنفذ الى النفوس والصدور، وتعمرها، وتفتح على الإنسان كنوز المعرفة في ايات الله.

عن رسول الله2: «اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، ولانت عليه جلودكم، فاذا اختلفتم فلستم تقرؤونه»[12].

وحالة ائتلاف القلوب ولين الجلود هي حالة سكون النفس واطمئنانها الى القرآن، وهي حالة وراء حالة الانقياد والاستسلام، واعمق منها، فقد ينقاد الإنسان ويستسلم، ولكن من دون ان تسكن النفس وتطمئن، اما حالة السكون والاطمئنان فهي من اقصى حالات الانسجام الروحي وقد ورد التعبير عنها في الرواية النبوية (بائتلاف القلوب ولين الجلود).

واما اذا اختلف الظاهر عن الباطن، ولانت الجلود ولم تأتلف القلوب، فليس ذلك من القراءة الصحيحة التي يطلبها الله تعالى: «فإذا اختلفتم فلستم تقرؤونه».

واما النحو الثاني من القراءة فهي القراءة التي لا تتجاوز اللسان، ولا تنفذ الى القلوب، ولا تعمّر الصدور.

وقد روي عن رسول الله2: «ان قرأ المنافق لا يخطئ الفاً ولا واواً ولا ميماً، يلقف القرآن بلسانه كما تلقف البقرة الكلأ بلسانها»[13] فان البقرة تلقف الكلأ بلسانها، بصورة سريعة، دون مضغ جيد، وتزدرده، من دون هضم، لتجتره بعد ذلك، وكذلك المنافق يلقف القرآن بلسانه، بسرعة، ومن دون ان يهضمه، كما تلقف البقرة الكلأ بلسانها.

وقد روي عن اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب×: ان رسول الله2 سُئِل عن قول الله عز وجل: {وَرَتِّل الْقُرانَ تَرْتيلا}. فقال: بينه تبيانا، ولا تنثره نثر الرمل، ولا تهذه هذ الشعر، قفوا عند عجائبه حركوا به القلوب، ولا يكن همّ احدكم اخر السورة[14].

فالقرآن ـ اذن ـ كنز للمعرفة والعلم بين ايدينا، ومفتاح هذا الكنز هو طريقة تعاطي القرآن وتلاوته، فاذا أحسنّا قراءة القرآن فتح الله تعالى علينا مغاليق كتابه، وعرفنا ما فيه من العلم، واذا لم نحسن قراءة كتاب الله تعالى لم يكن حظنا من كتاب الله حظاً موفوراً.


الهوامش والمصادر

  • [1] ـ امالي الصدوق: 141.
  • [2] ـ الخصال للصدوق: 1/16.
  • [3] ـ بحار الأنوار: 92/182.
  • [4] ـ بحار الأنوار: 92/184.
  • [5] ـ الصّف: 3.
  • [6] ـ بحار الأنوار: 92/185.
  • [7] ـ نهج البلاغة، الخطبة رقم 198.
  • [8] ـ بحار الأنوار: 92/31.
  • [9] ـ نهج البلاغة: الخطبة رقم 198، والغدران: جمع غدير، والأثافي: جمع الأثفية، وهي الأحجار الثلاثة التي يوضع عليها القدر، والغيطان: المطمئن الواسع من الأرض، والماتح: الذي ينزع الماء من الحوض، واستلام: لبس اللامّة وهي الدرع.
  • [10] ـ البقرة: 78.
  • [11] ـ يوسف: 105.
  • [12] ـ مستدرك الوسائل: 4/239 الطبعة الثانية.
  • [13] ـ مستدرك الوسائل: 4/242 الطبعة الثانية.
  • [14] ـ الجعفريات: 180.
بواسطة
الشيخ آية الله محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن 1 (وعي القرآن)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق