أزمة العلمانية مع الإسلام

لقد نجح الإسلام الحنيف في البقاء والاستمرار والانتشار واختراق الحدود: التاريخية والجغرافية والسياسية كافة، حتى أنه لا تكاد تخلو بقعة في الأرض منه، وذلك رغم تخلي الحكومات في البلدان الإسلامية عنه عملياً وعدم تطبيقهم له، وأصبح مجرد حالة شعبية عارمة مفصول عن الحكومة والشأن العام، ورغم الصعوبات الجمة والتحديات الصعبة: الفكرية والعملية التي تواجهه في الداخل الإسلامي وفي خارجه، واعتماده على قوته الذاتية المستمدة من موافقته للعقل والمنطق والفطرة والطبيعة وأصل الخلقة والتكوين، وتغلغله العميق جداً في الوجدان الشعبي بحيث تعجز كل قوة في الأرض عن مواجهته وإيقاف إنتشاره فضلاً عن القضاء عليه، وقد حافظ على قوة الزخم والحماس والاندفاع التي لازمته بدون انقطاع أو توقف منذ طلوع فجره في عصر النبوة في القرن الأول الهجري – القرن السابع الميلادي وإلى وقتنا الراهن في القرن الخامس عشر الهجري – القرن الواحد والعشرين الميلادي، وذلك بفضل عوامل جوهرية رئيسية عديدة، منها:

  1. بقاء القرآن الكريم مصاناً من التحريف كمعجزة إلهية خالدة، تدل على صدق نبوة النبي محمد (ص) وخاتمية رسالته وشمولها وعالميتها، وخصائص الاعتدال والوسطية والاستقامة والواقعية فيها، ويقوم بالتغذية الفكرية والروحية ويرفع من معنويات المسلمين باستمرار وبشكل استثنائي فعال مثير للانتباه، ولا مثيل له على الاطلاق، حتى قيل بحق وحقيقة: أن الإسلام باقٍ ببقاء القرآن الكريم، وسوف يواصل انتشاره واختراقه للحدود حتى يكتسح جميع الأديان والفلسفات والمذاهب والسياسات على وجه الأرض.
  2. فتح باب الاجتهاد الإسلامي: العلمي المنهج الأصيل لاستخراج الرؤى الإسلامية الأصيلة، والأحكام الشرعية في جميع المسائل المستحدثة في جميع المجالات والشؤون، الخاصة والعامة في الحياة، من أدلتها الشرعية المقررة، والرد على جميع الشبهات والإشكالات التي يثيرها الخصوم والأعداء والجهلة، وقد أثبت الفقهاء في جميع المذاهب الإسلامية كفاءة عالية جداً في استخراج الأحكام الشرعية في جميع المسائل المستحدثة وبلورة الرؤى: النظرية والعملية والتطبيقات الصحيحة في كافة مجالات الحياة والفكر، ولم يظهر عجزهم عن استخراج الحكم الشرعي في أية مسألة مستحدثة أو عن بلورة رؤية ناضجة سديدة: نظرية أو عملية في أي حقل من حقول المعرفة أو شأن من الشؤون: الخاصة أو العامة في أي مجال من مجالات الحياة العلمية أو السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، في الصناعة أو التجارة أو الزراعة أو غيرها.
  3. الدور القيادي المتميز الذي قام به الفقهاء العدول وعلماء الدين الصادقون المخلصون في إرشاد الأمة وتوجيهها وتدبير أمورها، والمحافظة على الدين ونقائه وصفائه واستقامته ونهجه القويم الذي يقوم على الاعتدال والوسطية والواقعية، ومناهضة التطرف الفكري والعملي والميول المثالية التي تسعى لإبعاد الدين عن واقع الحياة والتأثير في حياة الناس على مستوى السلوك والمواقف والعلاقات ونحو ذلك، وقد ثبت بالتجربة التاريخية والمعاصرة ثقة المسلمين الموحدين في الفقهاء العدول والعلماء الربانيين الصادقين المخلصين، والرجوع إليهم لمعرفة الدين الحق وأحكامه وتطبيقاته الصحيحة، والاعتماد عليهم في الإرشاد والتوجيه والتربية، مما قلل من الانحرافات والتطرف الفكري والنظري، وأصبح من أهداف أعداء الدين الرئيسية الفصل بين جماهير المؤمنين وبين الفقهاء العدول والعلماء الربانيين الصادقين، ولجأوا لتحقيق هذا الهدف إلى كل وسيلة قذرة، منها: تشويه سمعة الفقهاء والعلماء، ونشر الشبهات التي تحث على الاستقلال عنهم وترك الرجوع إليهم، وساهمت في ذلك وسائل الإعلام والدعايات السياسية المغرضة والأجهزة الأمنية: المحلية والإقليمية والعالمية وغير ذلك.
  4. إلزام الأمة الإسلامية بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي هي من أعظم الفرائض الشرعية الإسلامية، وكانت ولا تزال سبباً للمحافظة على بقاء الدين الإسلامي واستمراره، ونقائه وصفائه وخصائص الاستقامة والاعتدال والوسطية والواقعية والإجرائية فيه، وانتشاره في مختلف بقاع الأرض وفاعليته وتأثيره في واقع حياة الناس في مختلف الجوانب والأبعاد والشؤون الخاصة والعامة، والمساهمة في رسم صورة المستقبل وتحديد المصير، والمحافظة على استقامة المؤمنين على الدين الإلهي الحق والصراط المستقيم وتمسكهم بنهج الاعتدال القويم وسلوك الطريقة الوسطى المثلى في الحياة، واتصافهم بالواقعية والإجرائية في التفكير والعمل، وحماسهم للدين الإلهي الحق، والعمل به وتطبيقه كما هو عليه وكما أنزل أو عُلِم من مصادره وأدلته الشرعية بطريقة علمية دقيقة ومنهج علمي صحيح، حتى أنهم لا زالوا يعملون ويتعبدون به بنفس الطريقة وبنفس الدرجة من الحماس والزخم والغبطة والسرور التي كان عليها المسلمون الأوائل في عصر النبوة والتنزيل، والمحافظة على مصالح المسلمين الجوهرية والرئيسية واستقلالهم ومقاومة كل أشكال وأوجه الإستعمار والتبعية ونحو ذلك.

الأستاذ عبدالوهاب حسين | كتاب الإسلام والعلمانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق