القرآن بصائر ووعي

بصائر القرآن

القرآن بصائر وهدى ومعرفة وفقه في حياة الإنسان:

{ذلِكَ الْكِتابُ لارَيْبَ فيهِ هُدىً لِلْمُتَّقينَ}[1].

{هذا بَيانٌ للنّاسِ وهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقينَ}[2].

{إنَّ هذَا الْقُرآنَ يَهْدي لِلَّتي هِىَ أَقْوَمُ}[3].

{هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدى وَرَحْمَةٌ لِقَوْم يُؤمِنُونَ}[4].

{هذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وَهُدى وَرَحْمَةٌ لِقَوْم يُوْقِنُونَ}[5].

ان القرآن يزود الإنسان بـ (المعرفة) و(الفقه) و(البصيرة)، وليس شيئاً في حياة الإنسان افضل من المعرفة والبصيرة التي تهدي الإنسان الى رشده، وتحفظه من الغىّ {قُلْ أُوحِيَ اِلَيَّ أنَّهُ اسْتَمع نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فَقالُوا إنّا سَمِعْنَا قرآناً عَجَباً، يَهْدي إلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ}.[6]

ان المعرفة الحقة تمكن الإنسان من التشخيص الدقيق، ومن التعامل الصحيح مع الاشخاص والاشياء والاطراف. ان المعرفة ليست مسألة نظرية بحتة وانما لها علاقة مباشرة بسلوك الإنسان وتعامله.

معرفة الله تصحح لنا وترسم لنا كيف نتعامل مع الله، من منطلق الثقة، واليقين، والخوف، والرجاء، وليس كل واحد بقادر على ان يقيم العلاقة مع الله تعالى، على اساس صحيح، والاساس الصحيح للعلاقة والتعامل مع الله يقوم على قاعدة المعرفة الصحيحة والبصيرة. ومعرفة (الولاء والبراءة) تمكن الإنسان من التعامل الصحيح مع المؤمنين بالله ورسوله، ومع اعداء الله ورسوله.

ان المعرفة الصحيحة للعسر، واليسر، والابتلاء، والتيسير تمكن الإنسان من التعامل الصحيح مع المحنة بـ (الصبر والصلاة)، ومع النعمة بـ (الشكر).

اما عندما يفقد الإنسان هذه المعرفة والبصيرة والوعي فان طريقة تعامله مع المحنة، والنعمة، والضراء، والسراء يتغير، فلا يستطيع ان يصبر في المحنة فيسقط فيها، وينهار، وتبطره النعمة، وتسكره، كما ابطرت واسكرت الكثيرين.

ان المعرفة الصحيحة تمكن الإنسان من التعامل الصحيح والسلوك الصحيح والعلاقة الصحيحة، والقرآن الكريم دقيق غاية الدقة في طرح هذه المسألة {وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشي بِهِ في النّاسِ}.[7]

ان المعرفة والبصيرة هي النور الذي يمشي به الإنسان في الناس، ويتعامل به مع الناس، ومع الاشياء، ومع الاطراف، ومع الخطوط، ومع المواقف، ومع القضايا.

والقرآن يعطي الإنسان هذه المعرفة والبصيرة التي تمكن صاحبها من التشخيص الدقيق والسلوك الصحيح. (فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة ودليل على المعرفة)[8].

وعن اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب×: «ان الله سبحانه انزل كتابا هاديا بيّن فيه الخير والشر»[9].

وتقول فاطمة الزهراء بنت رسول الله على ابيها وعليها السلام: «كتاب الله بيّنة بصائرها وآيٌ منكشفة سرائرها»[10].

ويقول الامام علي بن ابي طالب×: «اعلموا ان القرآن هدى النهار، نور الليل المظلم، على ما كان من جهد وفاقة»[11].

وليس شيء في هذه الدنيا افضل للانسان من هذه المعرفة، فان الجهد الكثير، والعمل الكثير لا يزيد الإنسان الا تخبطاً في الغي، اذا كان صاحبه على غير بصيرة في امره، وعلى غير معرفة، واما عندما يكون الإنسان على بصيرة ومعرفة من امره فان بعض الجهد والعمل ينفعه الكثير في حركته الى الله تعالى.

ولم يجعل الله تعالى للانسان مصدراً للمعرفة أغنى وأصفى وأنقى من القرآن، ومن آتاه الله تعالى فقه القرآن فليس في الدنيا كلها أحد اغنى منه.

عن رسول الله2: «لا ينبغي لحامل القرآن ان يظن ان احدا اُعطي افضل مما اُعطي ، لانه لو ملك الدنيا باسرها لكان القرآن أفضل مما ملكه»[12].

وعنه2: «لا ينبغي لحامل القرآن أن يرى أحدا من أهل الارض اغنى منه»[13].

وعن رسول الله2: «من اعطاه الله القرآن فرأى ان احدا اُعطي شيءٌ افضل مما اعطي فقد صغر عظيما وعظم صغيرا»[14].

وإنا نورد هنا مثالا واحداً عن المعرفة والوعي الذي يسلح به القرآن حامله ويمنحه به رؤية وبصيرة ويقوّم سلوكه ويرسم له طريقة التعامل وذلك هو وعي التوحيد.

وعي التوحـيد

1 ـ يقرر القرآن في مواضع كثيرة: ان الله تعالى خالق كل شيء، وليس من شيء في الكون إلاّ وهو مخلوق لله تعالى، ولا يشذ شيء من هذا الاصل.

{ذلِكُمُ الله رَبُّكُم لا إلهَ إلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْء}[15].

{قُلِ الله خالِقُ كُلِّ شَيْء}[16].

وان التناسق الموجود في هذا الكون الكبير دليل محسوس على وحدة الخالق في هذا الكون:

{لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون}[17].

3 ـ واذا كان الله تعالى خالق كلّ شيء، فلا بد ان يكون مالك كل شيء في السماوات والارض ايضا واليه يعود ملك السموات والارض، وما فيهما، وما بينهما، ولا يخرج شيء من هذا الكون عن ملكه.

{وَلله مُلْكُ السَّماواتِ وَالاَْرْضِ وَما بَيْنَهُما}[18].

{اَلَّذي لَهُ مُلكُ السَّماواتِ وَالأْرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَريكٌ في الْمُلْكِ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء فَقَدَّرَهُ تَقْديراً}[19].

{لَهُ ما في السّماواتِ وَالأْرْضِ.}[20]

4 ـ ولما كان الله تعالى خالق كل شيء في هذا الكون… فلا بد ان يكون كل شيء خاضعاً لسلطانه وحكمه، ومنقاداً لارادته ومشيئته، وامره وحكمه نافذ على كل شيء في الكون.

{كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ}.[21]

{وَلله يَسْجُدُ مَنْ في السَّماواتِ والأْرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً}[22].

{وَلله يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وَما في الأْرْضِ}[23].

{فَسُبْحانَ الَّذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شيْء}[24].

5 ـ واليه ـ سبحانه ـ يعود كل حول وقوة وسلطان في الكون، ولا حول ولا قوة ولا سلطان في هذا الكون كله إلاّ به، وهو تعالى مصدر كل قوة وسلطان:

{أنَّ الْقُوَّةَ لله جَميعاً}[25].

{قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً}[26].

{أنَّ الله عَلى كُلِّ شَيْء قَديرٌ}[27].

{وأنَّ الله قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْء عِلْماً}[28].

{وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْء قَديرٌ}[29].

{فَعّالٌ لِما يُريُد}[30].

6 ـ وبناء على النقاط المتقدمة فان القرآن يقرّر ان (الالوهية) لله تعالى لا يشاركه فيها احد، وينهي القرآن عن اتخاذ اله غير الله تعالى:

{وَقالَ الله لا تَتَّخِذُوا إلهَيْنِ اثْنَيْنِ إنّما هُوَ إلهٌ واحِدٌ فَايّايَ فَارْهَبُونِ}[31].

{وَمَنْ يدع مَعَ الله إلهاً اخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فانَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ}[32].

{وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا، أجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلهةً يُعْبَدُونَ}[33].

7 ـ ويحصر القرآن العبادة والتذلل والخضوع لله تعالى:

{وَقَضى رَبُّكَ ألاّ تَعْبُدُوا إلاّ إيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إحْساناً}[34].

8 ـ ويحصر القرآن حق الحاكمية وتشريع الدين في حياة الإنسان بالله رب العالمين:

{وَهُوَ الله لا إلهَ إلاّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ في الأُولى وَالآخِرَةِ، وَلَهُ الْحُكْمُ، وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ}[35].

{اَفَغَيْرَ دينِ الله يَبْغُونَ، وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ في السّماوات ِ والأْرْضِ طَوعاً وَكَرْهاً، وَإلَيهِ يُرْجَعُونَ}[36].

{وَلَهُ ما في السَّماواتِ وَالأْرْضِ، وَلَهُ الدّينُ واصباً اَفَغَيْرَ الله تَتَّقُونَ}[37].

{وَهُوَ الَّذي في السَّماءِ إِلهٌ وَفي الأْرْضِ إلهٌ}[38].

{يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأْمْرِ مِن شَيْء قُلْ إنَّ الأْمْرَ كُلَّهُ لله}[39].

{لله الأْمْرُ، مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ}[40].

{وَما أخْتَلَفْتُمْ فيهِ مِن شَيء فَحُكْمُهُ إلَى الله}[41].

9 ـ ويأمر القرآن بطاعة الله وطاعة الرسول تبعاً لطاعة الله:

{قُلْ أطيعوُا الله وَالرَّسُولَ}[42].

{وَأطيعُوا الله وَأطيعُوا الرَّسُولَ}[43].

وطاعة الرسول من طاعة الله تعالى وليس للرسول طاعة مستقلة وانما هي امتداد لطاعة الله:

{مَنْ يُطِعِ الرّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللهَ}[44].

{وَما أرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إلاّ لِيُطاعَ بِاذْنِ الله}[45].

10 ـ ويحصر القرآن الولاية بالله تعالى، فليس لاحد من ولاية على الإنسان من دون الله إلاّ باذن الله تعالى وامره:

{قُلْ اَغَيْرَ الله أتَّخِذُ وَليّاً فاطِرِ السّماواتِ وَالاْرْضِ}[46].

{اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكُم مِن رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ}[47].

{وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِن أوْلِياءَ}[48].

هذا هو وعي التوحيد في القرآن حيث تبدأ قضية التوحيد بالايمان بوحدانية الله تعالى، خالقاً ومالكا للكون، ومهيمنا عليه، ورفض كل اله ومعبود غير الله تعالى ، وتتسلسل القضية الى السلوك بالتسليم والانقياد لله تعالى، وامتثال احكامه والالتزام بحدوده وحلاله وحرامه، ورفض أي حاكمية وتشريع ودين لغير الله، واعتبار كل حاكمية من دون الله من الطاغوت الذي نهى الله تعالى عن اتباعه، وهذه قضية متكاملة ذات اُصول، وفروع و ذات جذور في العقيدة، وامتداد في السلوك والحركة في واقع الحياة، وليس فقط تغير التفكير والرأي والتصور، وانما تغير الاتجاه السلوكي للانسان، وتطبع سلوك الإنسان وحركته بطابع جديد يختلف اختلافا جذريا عن طابع (الشرك) الموجود في الحضارات الجاهلية.

{هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ وَلِيُنذَروا بِهِ، وَلِيَعلَمُوا أنّما هُوَ إلهٌ واحِدٌ وَلِيَذّكَّرَ أُولُوا الأْلْبابِ}[49].


الهوامش والمصادر

  • [1] ـ البقرة: 2.
  • [2] ـ آل عمران: 138.
  • [3] ـ الاسراء: 9.
  • [4] ـ الاعراف: 203.
  • [5] ـ الجاثية: 20.
  • [6] ـ الجنّ: 1ـ2.
  • [7] ـ الانعام: 122.
  • [8] ـ عن ابي عبدالله× عن رسول الله2 كما في الكافي: 2/238.
  • [9] ـ نهج البلاغة: الخطبة رقم 183.
  • [10] ـ بحارالأنوار: 92/13.
  • [11] ـ الكافي: 2/439.
  • [12] ـ مستدرك الوسائل: الطبعة الحجرية، 1/288.
  • [13] ـ بحار الأنوار 92/192.
  • [14] ـ بحار الأنوار 92/13 و 204 ـ205.
  • [15] ـ الانعام: 102.
  • [16] ـ الرّعد: 16.
  • [17] ـ الانبياء: 22.
  • [18] ـ المائدة: 17.
  • [19] ـ الفرقان: 2.
  • [20] ـ البقرة 116.
  • [21] ـ البقره: 116.
  • [22] ـ الرعد: 15.
  • [23] ـ النحل: 49.
  • [24] ـ يس: 83.
  • [25] ـ البقرة: 165.
  • [26] ـ المائدة: 17.
  • [27] ـ الطلاق: 12.
  • [28] ـ الطلاق: 12.
  • [29] ـ الملك: 1.
  • [30] ـ البروج: 16.
  • [31] ـ النحل: 51.
  • [32] ـ المؤمنون: 117.
  • [33] ـ الزخرف: 45.
  • [34] ـ الاسراء: 23.
  • [35] ـ القصص: 70.
  • [36] ـ آل عمران: 83.
  • [37] ـ النحل: 52.
  • [38] ـ الزخرف: 84.
  • [39] ـ آل عمران: 154.
  • [40] ـ الروم: 4.
  • [41] ـ الشورى: 10.
  • [42] ـ آل عمران: 32.
  • [43] ـ المائدة: 92.
  • [44] ـ النساء: 80.
  • [45] ـ النساء: 64.
  • [46] ـ الانعام: 14.
  • [47] ـ الاعراف: 3.
  • [48] ـ هود: 113.
  • [49] ـ ابراهيم: 52.
بواسطة
الشيخ آية الله محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن 1 (وعي القرآن)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق